← Акыда

Акыда · id 8565

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (705 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت، ولا يدفع السيئات إلاَّ أنت، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك". وعن أبي مسعود مرفوعاً: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلاّ ... ، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود. ــ كان الفأل يعجب الرسول ﷺ ، فإذا سمع ﷺ اسماً حسناً، أو كلمة طيبة، أو مرّ بمكان طيّب، انشرح صدره ﷺ من حسن الظن بالله جل وعلا. ولِمّا أقبل سُهيل بن عمرو في قصة الحديبية ليتفاوض مع الرسول ﷺ ، ورآه مقبلاً قال ﷺ : "سُهِّل لكم من أمركم"، وكان كما أمّل الرسول ﷺ ، فكان مجيئه سبب خير. قوله. "فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل" إلخ فيه ما تعالج به الطيرة وهو هذا الدعاء الذي ذكره. وفي حديث ابن مسعود قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" كرِّر هذا مرّتين أو ثلاثاً تأكيداً، وقد قدّمنا بيان معنى كونها شركاً. قوله: "وما منّا إلاّ ... ولكن الله يُذهبه بالتوكُّل" هذا من كلام ابن مسعود، يقول: يقع في قلوبنا شيء من الطَيرة، فإذا رأى الإنسان شيئاً يكرهه يقع في نفسه شيء، لأنه لا يقدر على ردِّ هذا، وهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان، كما قال ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدَّثتْ بها أنفسها ما لم تتكلّم أو تعمل"، فكونه يقع في نفس الإنسان شيءٌ إذا رأى شيئاً يكرهه، أو يخاف شيئاً ثمّ لا يتأثر ولا يتصرّف تصرُّفاً يخالف ما شرعه الله؛ لا يؤاخذ على هذا. "ولكن الله يُذهبه بالتوكُّل" هذا هو العلاج، فالمؤمن يتوكل على الله ولا يضره ما وقع في نفسه، ويذهب بإذن الله إذا توكّل على الله. فهذا إشارةٌ إلى ما تُعالجَ به الطيَرة أيضاً وهو: التوكُّل على الله سبحانه

стр. 387

ولأحمد من حديث ابن عمرو: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك"، قالوا: فما كفارة ذلك؟، قال: "أن تقولوا: اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاّ طيرك، ولا إله غيرك ". وله من حديث الفضل بن العباس: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك". ــ وتعالى، ثم المُضي وعدم التردُّد، فإن تأثر بالطيَرة التي وقعتْ في نفسه وقعد عن الخروج، أو فرّ من المكان الذي تطيّر منه؛ فهذا هو الطيَرة المذمومة، لأنها أثّرْت فيه فمضى أو رجع. وقوله: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك" فيه أن التطير الذي يرد ويمنع الإنسان عن حاجته شرك. وقوله ﷺ : "الطيرة: ما أمضاك أو ردّك" "ما أمضاك" يعني، ما نفّرك من المكان، أو من الشخص، أو من المرئي الذي رأيته، وفررْت منه تأثراً بالطيْرة فهو شرك. "أو ردّك" أي: عن حاجتك، كأن تريد أن تسافر ولَمّا رأيت الثعلب أو الغراب أو فلاناً الذي تكره قلت: هذا سفر ليس بحسن أو طيّب. ورجعت عنه وهذا هو التطيُّر، وهو شرك. والواجب عليك حينما حصل لك هذا الشيء وكرهته في نفسك أن ترفضه متوكِّلاً على الله تعالى وأنْ تمضيَ في حاجتك. ثم بيّن ﷺ ما تُعالجَ به الطيَرة، وهو ثلاثة أمور: الأمر الأول:- وهو الأصل-: التوكُّل على الله ، وأنه لا يأتي بالخير ولا يدفع الشر إلاّ هو ، وهو الذي يأتي بالخير ويدفع الشر، وهو الذي يضرُّ وينفع، وهو الذي يتصرف في الكون فإذا توكّل على الله فإن الطيرة لا تضره. الأمر الثاني: أنْ يمضيَ في حاجته التي أرادها، ولا يرجع عنها بسبب الطيَرة. الأمر الثالث: الدعاء، بأن يدعوَ الله بالدعاء الذي أرشد إليه النبي ﷺ ، وهو أن يقول: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت، ولا يدفع السيّئات إلاَّ أنت، ولا حول

стр. 388

ولا قوة إلاَّ بك" وهذا دعاءٌ عظيم، فيه توكُّل على الله، رفيه اعتراف بأن الذي يأتي بالحسنات ويدفع السيّئات هو الله تعالى وليست الطيَرة، وأنه لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، لا أحد يحوِّل من حال إلى حال إلاَّ الله ، ولا أحد يقوى على شيء إلاَّ بقوة الله . والدعاء الثاني: "اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاَّ طيرك، ولا إله غيرك" "لا خير إلاَّ خيرك" أي: لا أحد يجلب الخير إلاَّ الله . "ولا طير إلاَّ طيرك" لا يصيبك شيء إلاَّ بإذن الله وقدره ومشيئته، وبسبب ذنوبك. "ولا إله غيرك" لا معبود بحقٍّ سواك، وهذا اعتراف بالتّوحيد ونفي للشرك. فالحاصل؛ أن الطيرة تُعالج بهذه الأمور الثلاثة: أولاً: التوكُّل على الله. ثانياً: المضي وعدم التأثر بها، ولا تظهر على تصرُّفاتك، وما كأنها وُجدت. والثالثة: أن تدعوَ بهذه الدعوات الواردة في الأحاديث، فإذا دعوتَ الله بهذه الدعوات فإن الله يعافيك من الطيرة ويُمدُّك بإعانته ونصره وتوفيقه. والله تعالى أعلم.

стр. 389

[الباب التاسع والعشرون:] * باب ما جاء في التنجيم قال البخاري في "صحيحه": قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأوّل غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلّفٌ ما لا علم له به" انتهى. ــ قال الشيخ ﵀: "الباب ما جاء في التنجيم" أي: ما ورد من الأدلة على تحريم ذلك، والنهي عنه. والتنجيم المراد به: اعتقاد أن للنجوم تأثيراً في الحوادث وما يجرى في هذا الكون، وقد يُراد بالتنجيم معاني أُخَر يأتي تفصيلها. وهذا اعتقادٌ قديم كان في قوم نُمرود، الذين بُعث إليهم الخليل إبراهيم- ﵊، وهم الصابئة الذين يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل وبيوت العبادة، يعتقدون أنها تدبِّر أمر العالم، ولا يزال هذا الشر موجوداً في العالم. قوله: "قال البخاري في صحيحه" هذا الحديث يُعتبر من البخاري ﵀ من التعليق، والتعليق هو: أن يذكُر الأثر بدون إسناد، فإذا قال: (قال فلان) بدون إسناد؛ فهذا يسمُّونه بالتعليق، وهو على نوعين عند البخاري: النوع الأول: تعليقٌ بصيغة الجزم، مثل هذا الأثر: "قال قتادة"، (قال فلان) . النوع الثاني: تعليقٌ بغير صيغة الجزم، كأنْ يقول: (يُروى عن فلان) ، فهذا يسمّى تعليقاً بغير صيغة الجزم، وهو أقل درجة من الأول. وقد جاء الحافظ ابن حجر ﵀ فذكر أسانيد هذه المعلّقات التي علقها "البخاري" في صحيحه واستقصاها في كتاب سمّاه "تغليق التعليق"، يتكوّن من ثلاثة مجلّدات ضخمة، وقد طبع الكتاب والحمد لله. قوله: "قال قتادة" قتادة هو ابن دِعامة السدوسي، الإمام الجليل في التفسير والحديث وغيره. "خلق الله هذه النجوم لثلاث "يعني: لثلاث حِكَم.

стр. 390

الفائدة الأولى: "زينة للسماء" كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ لأنها سُرُج تتلألأ، قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) ﴾ . الفائدة الثانية: "رجوماً للشياطين "وذلك لأن الشياطين يحاولون استراق السمع من الملائكة في السماء، وبأتون بما يسترقونه إلى الكُهّان من بني آدم، ولكن الله جل وعلا حفِظ السماء بهذه الشهب التي تنطلق من هذه الكواكب فتُحرِق هذا المارد فتُهلكه، خصوصاً عند بعثة محمد ﷺ فإنها حُرست السماء بالشهب، كما قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) ﴾ ، استغربوا هذه الحراسة وهذه الشهب، وكان ذلك مُؤْذِناً ببعثة محمد ﷺ ، ولكن بقي من هذا شيء لكنه قليل. الفائدة الثالثة: "علامات يُهتَدى بها" قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) ﴾ ، فالله جعل للمسافرين علامات يستدلُّون بها في الأرض وعلامات في السماء. والعلامات التي في الأرض: السبل والفِجاج والطرق التي جعلها الله في الأرض والجبال والأعلام الواضحة، وأما في السماء فهي: النجوم والشمس والقمر، فالنّاس يستدلُّون بسيرهم في الطرق، ولاسيما في البحار التي ليس فيها جبال وليس فيها علامات وكذلك في الليل، يسيرون على النجوم، ينظرون إلى النجوم ويعرفون بها الجِهات، فيسيرون إلى الجهة التي يريدونها، وكذلك يُستدل بهذه النجوم والشمس والقمر على القِبْلة في الصلاة، لانهم إذا نظروا إلى هذه النجوم عرفوا الجهات واهتدوا إلى جهة القبلة. فهذا من حكمة الله من خلق هذه النجوم، خلقها لهذه النجوم. أما من أراد أن يزيد على هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها الله في كتابه فكما قال قتادة: "فمن تأول غير ذلك أخطأ"، لان الله لم يخلقها لهذا، لأنه أراد أن يحمِّلها شيئاً لم تُخلق من أجله، كأن يعتقد فيها أنها تدلُّ على حوادث في الأرض، أو

стр. 391

وكره قتادة تعلّم منازل القمر. ولم يرخِّص ابن عيينة فيه. ذكره حربٌ عنهما. ــ هُبوب رياح، أو نُزول مطر، أو موت أحد، أو حياة أحد، أو توفيق في أمر، أو انخذال في أمر؛ فهذا كله من التقوَّل والتطاوُل، والخَرْص والتخمين، وادّعاء لعلم الغيب الذي ما أنزل الله به من سلطان. والنجوم لا تدلُّ على هذا لأنها لم تُخلق لهذا، وإنما هذا يرجع إلى علاَّم الغيوب . فقوله: تأوّل فيها- يعني: اعتقد فيها غير ذلك من هذه الأمور الثلاثة التي دلّ عليها كتاب الله؛ فقد اخطأ. "وأضاع نصيبه" يعني: من الدِّين، وهذا يقتضي أنه يكفُر. "وتكلّف ما لا علم له به" لأن هذه خَرْصٌ وتخمين وحَدْسٌ وظن لا يُغنى من الحق شيئاً أبداً. وقوله: "انتهى" يعني: كلام قتادة. وقوله: "وكره قتادة تعلُّم منازل القمر، ولم يرخِّص ابن عيينة فيه" يعني: سفيان بن عيينة، الإمام الجليل، المحدِّث المشهور. ومنازل القمر المراد بها: المنازل التي ينزلها في الشهر، وهي ثمانية وعشرون منزلة؛ أربع عشرة منزلة يمانية، وأربع عشرة منزلة شامية، ينزل في كل ليلة منزلة١، وعلامة هذه المنزلة نجمٌ من النجوم المعروفة يقطعها القمر في شهر، بينما تقطعها الشمس في سنة. وكل منزلة ثلاثة عشرة يوماً، وواحدة منها أربعة عشر يوماً، وهي القلب. وهل يجوز تعلم هذه المنازل لمعرفتها من أجل الحساب. على قولين: القول الأول: المنع، وهو قول قتادة وسفيان بن عيينة، لأن هذا- وإنْ كان

стр. 392

ورخّص في تعلُّم المنازل: أحمد وإسحاق. ــ لا شيء فيه في نفسه- إلاَّ أنه وسيلة لأن يُعتقد فيها ما لا يجوز، فهذا من سدِّ الذرائع، فلا يتعلّم منازل القمر عندها، لأنه ربما يتدرّج إلى اعتقاد أنها تؤثِّر في الكون وأنها..، وأنها..، ولأنه زائد على الفوائد الثلاث السابقة. والقول الثاني: أنه لا بأس بتعلّم منازل القمر، وهذا ما يسمّى بعلم التسيير. وهو مذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وقول كثير من أهل العلم. وهذا هو الصحيح- إن شاء الله- لأجل ما فيه من الفوائد وعدم المحذور. أما الممنوع فهو علم التأثير، وهو: اعتقاد أن هذه النجوم تؤثِّر في الكون، هذا هو الممنوع، أما معرفة حسابها من أجل الفوائد من غير اعتقاد أنّ لها تأثيراً في الكون؛ فهذا لا بأس به، ولا يزال العلماء يتعلّمونه ويعلِّمونه للناس لفوائده العظيمة. وعلم التأثير ينقسم إلى ثلاثة أقسام، كلها محرّمة، لكن بعضها أشدّ من بعض. القسم الأول: اعتقاد أنّ هذه الكواكب هي التي تُحدِث هذه الحوادث الكونية، وأنّ مصدر الحوادث هو حركات الكواكب وتَشَكُّلاتها. وهذا اعتقاد الصابئة، وهو جُحودٌ للخالق ، واعتقاد أنّ هذه الكواكب هي التي تُحدِث هذه الحوادث، وأنها هي التي بتشَكُّلاتها وأحوالها ينتجُ عنها ما يحدُث في هذا الكون من خير أو شرّ، ومن صحة ومرض، ومن خُصْب وجَدْب، وغير ذلك، فهذا هو اعتقاد الصابئة، وهذا كفرٌ صريحٌ بإجماع المسلمين. والقسم الثاني: أن لا يعتقد أنها هي التي تُحْدِث هذه الحوادث، ولكن يعتقد أنها سبب للتأثير، وأما الذي يُحدِث هذا الشيء فهو الله ، ولكن هذه أسباب، فينسب إليها الأمور من باب الأسباب. وهذا- أيضاً- باطل ولا يجوز وهو شرك أصغر، لأن الله لم يجعلها أسباباً، ولا علاقة لها بما يجري في هذا الكون أبداً؛ من نزول مطر، أو هُبوب رياح، أو غير ذلك، وإنما هذا راجعٌ إلى تدبير الله ، لأمره وإذنه وليس للكواكب علاقة بهذا، غير أنّ الله خلقها للأمور الثلاثة التي سبق بيانها. والقسم الثالث: الاستدلال بها على الحوادث المستقبَلة.

стр. 393

وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدِّق بالسحر" رواه أحمد وابن حبّان في "صحيحه". ــ وهذا من ادّعاء علم الغيب، ومن الكهانة ومن السحر، وهو كفر بإجماع المسلمين. وكلُّ هذه الأمور الثلاثة اعتقاد أنها هي التي تخلُق هذه الأشياء، واعتقاد أنها أسباب لما يجري في الكون من الحوادث، واعتقاد أنها تدلُّ مجرّد دلالة على أنه سيحصل كذا؛ رُخص أو غلاء، ومن تزوّج في النجم الفلاني فإنه يوفّق، ومن تزوج في النجم الفلاني أو البُرْج الفلاني فإنه يُخْفِق، وما يسمونه بالبَخْت والنَّحْس. هذا كله باطل، وهذا يُنشر في بعض المجلاَّت التي تصدُر من جهات غير ملتزمة بالإسلام يُنشر فيها أبوابٌ خاصّة بالنجوم، وأنّ في البُرج الفلاني يحصُل كذا من تزوّج فيه، أو باع أو اشترى يربح، والنجم الفلاني نحسٌ ولا يصلح فيه شيء. هذا من اعتقاد الجاهلية. وأما علم الحساب المستفاد من منازل القمر لمعرفة مواقيت الصلاة، ووقت بذر الزرع، وغرس الأشجار، وغير ذلك من المصالح. فهذا ليس من الاستدلال بالنجوم على المحرّم، إنما هو من علم الحساب، والله خلق الشمس والقمر للحساب. وهذه المفكِّرات التي تعلق على الجُدران ويتداولها النّاس لمعرفة مواقيت الصلوات هي من هذا النوع، من العلم المرخّص فيه، والذي رخّص فيه: الإمام أحمد، وإسحاق، وغيرهما، سواء كان من الحساب الشمسي أو القمري، كله من هذا النوع، لا بأس به لأنه فيه مصالح للناس وليس فيه اعتقاد سيء. قال: "وعن أبي موسى" هو الصحابي الجليل عبد الله بن قيس الأشعري، نسبة إلى جماعة في اليمن يقال لهم "الأشعريين". وأبو موسى هذا من أفاضل الصحابة وأجلاَّئهم وفُضلائهم، قد تولّى أعمالاً جليلة في أيام الرسول ﷺ وفي أيام الخلفاء الراشدين، فله مكانةٌ عظيمة في

стр. 394

الإسلام، رضي الله تعالى عنه وأرضاه وكان حسن الصوت بالقرآن واستمع إليه النبي ﷺ وأثنى عليه. قوله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة" هذا وعيد يُجرى على ظاهره ولا يُؤَوّل ولا يُفَسّر، لأن تفسيره وتأويله يقلِّل من أهميِّته، فيُترك على ظاهره للزجر والوعيد، وإن كان أصحاب هذه الجرائم لا يخرجون من الإسلام، ولكن هذا من باب الوعيد الشديد لهم. وهم: "مدمن الخمر" والمراد بالمدمن: الذي يداوِم على شرب الخمر، ولا يتوب إلى الله منها. فشرب الخمر كبيرة من كبائر الذنوب، ومن استحلّه فقد كَفر، ومن اعتقد تحريمه وشَرِبَه من باب الشهوة النفسانية فقد فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ويُعتبر فاسقاً ناقص الإيمان، إذا ثبت عليه الشرب بإقراره أو بشهادة الشهود يُقام عليه الحد ثمانين جلدة، لأن حدّ الخمر شرع لصيانة العقل، الذي هو أشرف شيء في الإنسان، يميّز به الضار من النافع، والطيِّب من الخبيث، وبه يعقل أمور دينه، وبه يُمسك عن الأذى، فإذا فقد العقل صار أحطّ من البهيمة، فيؤذي، ويضيِّع أخلاقه ومصالحه ومصالح غيره، فلذلك زجر الله عن شُرب الخمر، ووضع لها حدًّا في الدنيا ووعيداً في الاخرة، وأخبر النبي ﷺ أنه لا يدخل الجنة، فهذا وعيدٌ شديد. والثاني: "قاطع الرحم" والرحم هي: القرابة من جهة الأب، أو من جهة الأم. وصلة الأرحام واجبةٌ في الإسلام بعد بِرِّ الوالدين، وهم: الأولاد وأولادهم، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمّات وأولادهم، والأخوال والخا لات وأولادهم، والآباء والأجداد. فأول من تَجبُ صلته: الوالدان بالبر بهما، ثمّ الأولاد، ثمّ الإخوة وأولادهم، ثمّ الأعمام والعمّات وأولادهم ثمّ الأخوال والخالات وأولادهم، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ ، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ .

стр. 395

فالقربى لها حق واجب، ومن قطع هذا الحق فإنه يكون قاطعاً للرحم، وقاطع الرحم مرتكبٌ لكبيرة من كبائر الذنوب، وملعونٌ في القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) ﴾ . والله جل وعلا يقول للرحم في الحديث القدسي: "من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته"، وفي هذا الحديث: أنه لا يدخل الجنة. وهذا وعيدٌ شديد. والثالث: "مصدِّقٌ بالسحر" وهذا محل الشاهد من الحديث. فإنْ قلتَ: الحديث في مصدِّق السحر، والباب في باب التنجيم، فما المناسبة؟ قلنا: المناسبة أن التنجيم نوعٌ من السحر؛ لما يأتي في الحديث: "من اقتبس شُعبة من النجوم فقد اقتبس شُعبة من السحر زاد ما زاد"، فالتنجيم نوعٌ من السحر، فلذلك أورده المصنِّف في هذا الباب. وأخبر النبي ﷺ أنّ المصدِّق بالسحر- ومنه المصدِّق بالنجوم- أنه لا يدخل الجنة، وهذا وعيدٌ شديد، قد لا يدخل الجنة لكفره، وقد لا يدخلها لمعصيته. وهذا من أحاديث الوعيد التي تُجرى على ظاهرها ولا تُفسَّر. والشاهد منه قوله: "مصدِّقٌ بالسحر" الذي منه التنجيم. وعلى كل حال؛ فالواجب على المسلم أن يحذَر من هذه المشكلة، وهي مسألة التنجيم التي لا يزال شرها موجوداً في النّاس.

стр. 396

[الباب الثلاثون:] * باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) ﴾ . ــ قال الشيخ ﵀: "باب الاستسقاء بالأنواء" أي: طلب السقيا بالنجوم. ما حكمه؟ وما دليله؟. وهذا الباب يُعتبر نوعاً من أنواع الباب الذي قبله، وهو "باب ما جاء في التنجيم"، فالباب الأول عامٌّ في كلِّ ما يُعتقد في النجوم من الكفر والضلال والباطل من استسقاء وغيره، وهذا الباب خاصٌّ بمسألة واحدة، وهي الاستسقاء بالنجوم. قوله: "باب ما جاء" أي: من الوعيد في الكتاب والسنّة، وبيان أنّ ذلك كفر بالله تعالى، لأنه اعتقادٌ في غير الله في أنه يخلق أو يرزق أو يدبِّر شيئاً من هذا الكون، وهذا كفرٌ بالله ، لأن الله سبحانه هو الخالق المتصرِّف المدبِّر لهذا الكون ليس له شريك، وكلُّ هذه المخلوقات كلها مدبَّرةٌ بأمره : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ﴾ الذي هو: التدبير والإيجاد والتصرُّف، ﴿وَالْأَمْرُ﴾ الذي هو الشرع، فكما أنه الخالق فهو الذي يشرع ، ويأمر وينهى، ﴿تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . لَمّا قرأ عبد الله بن عمر هذه الآية قال: "من كان له شيء فليطلبه". وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) ﴾ ، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) ﴾ ، فلا يجوز أن يُعتَقد في مخلوق من المخلوقات أيًّا كان شكله وقوته ونوعه أن يُعتقد فيه أنه يدبِّر مع الله ، وانما يدبِّر بأمر الله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (٥) ﴾ يعني: الملائكة يدبِّرون بأمر الله ، الله يأمرها وهي تدبِّر ما أمرها به سبحانه. قال: "وقول الله تعالى: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) ﴾ " هذه الآية في سياق

стр. 397

الآيات التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) ﴾ . والشاهد في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) ﴾ . وقد ذكر العلماء في تفسيرها قولين: القول الأول: أن المراد بالنجوم الكواكب، والمراد بمواقعها طلوعها وغروبها، طلوعها من المشرق وغروبها من المغرب، لأن هذا من أعظم آيات الله . والمقسم عليه هو: أحقيّة القرآن. وقوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ هو القرآن ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ يعني: تكذِّبون بهذا القرآن، وتقولون: إنه من قول محمد، أو من قول فلان أو علاَّن، بعد هذا البيان، وبعد هذا التوضيح. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) ﴾ ﴿رِزْقَكُمْ﴾ يعني: المطر، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فتقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فتنسبون المطر إلى الأنواء. والأنواء جمع نوء، من: ناء ينوء إذا نهض، والنوء عبارة عن أحد منازل القمر الثمانية والعشرين. وذلك أن العرب تزعم في الجاهلية أن المطر إنما ينزل بسبب طلوع النجم، وبعضهم يقول: المطر يحصل بسبب غروب النجم الذي يغرب في الفجر. والخلاف بينهم يسير. المهم أنهم يضيفون نزول المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، يظنون أن غروب النجم أو طلوع النجم في الفجر هو الذي يسبِّب نزول المطر، فيقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا، مطرنا بنوء الثريا، بنوء القلب، بنوء العُوّاء، بنوء الغَفْر، بنوء الزُّبانة، إلى آخره، هكذا تقول العرب في جاهليتها. وقد أكذبهم الله فقال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: المطر ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فتنسبونه إلى الطالع أو الغارب من النجوم، وهذا كذب، لأن الذي ينزل المطر

стр. 398

وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة". ــ هو الله ، وليس طلوع النجم أو غروبه، فيكذبون على الله ، وينكرون نعمة الله ويجحدونها، وكان الواجب عليهم أن يشكروا نعمة الله، وأن يضيفوا النعمة إلى الله، لكنهم أضافوها إلى غيره، وقالوا: مُطرنا بالنوء الفلاني، فأنكر الله عليهم: قولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا وسمّاه الله كذباً، وهو كذبٌ في الاعتقاد، وأشد الكذب هو الكذب في الاعتقاد، قال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ (٣٢) ﴾ ، فالذي يكذب على الله وينسب نعمه لغيره، وينسب المطر إلى مخلوق من خلقه فقد كذب على الله أعظم الكذب، بدل أن يشكر الله يكذب عليه، وينسب نعمه إلى غيره، وهذا جُحودٌ للنعمة، وكُفرانٌ بها. وقد فصّل العلماء حكم ذلك فقالوا: إن اعتقد أنّ النجم هو الذي يوجد المطر؛ فهذا كفرٌ أكبر، وشركٌ أكبر مخرجٌ من الملَّة. أما إذا اعتقد أنّ المطر ينزل بأمر الله وبتقدير الله سبحانه، ولكنه نسبه إلى النجم، أو إلى الطالع أو الغارب من باب المجاز أو السبيبة -كما يقولون- فهذا كفرٌ أصغر، وشركٌ أصغر، لكنه وسيلةٌ إلى الشرك الأكبر، لأن الله لم يجعل النجوم سبباً في نزول الأمطار، وإنما الأمطار تنزل بأمره ، فالأمطار إنما تنزل بأمره وبسبب رحمته كما دلّتْ على ذلك آياتٌ كثيرة من القرآن: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ ، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) ﴾ ، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ . والحاصل؛ أن المنزِّل للمطر هو الله ، والرياح والسحاب إنما هي مخلوقات لله . قوله ﷺ : "أربع" أي: أربع خِصال. "في أمتي" يعني: أمة الإجابة، لأن أمة الدعوة تشمل كل الثقلين الجن والإنس، لأن الرسول بُعث إليهم.

стр. 399

وأما أمة الإجابة فهم الذين آمنوا به ﷺ وصدّقوه واتّبعوه. "من أمر الجاهلية" المراد بالجاهلية: ما قبل الإسلام، سُمي جاهلية من الجهل وهو عدم العلم، لخلو هذا الوقت -وقت الفتْرة- من آثار الرسالات السماوية، لأن بين بِعثة محمد ﷺ وبين عيسى- آخر أنبياء بني إسرائيل- أربعمائة سنة وزيادة، كانتْ قد اندثرتْ فيها آثار الرسالات، ونظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاَّ بقايا من أهل الكتاب انقرضوا قبل البِعثة. فهذا الوقت الذي قبل الإسلام سمّي بالجاهلية لعدم وجود العلم فيه. أما ما بعد الإسلام فلا يقال له: جاهلية، لأن الجاهلية زالت والحمد لله بالإسلام، والعلم موجود، ورّثه الرسول لله، فبعد بعثة هذا الرسول زالت الجاهلية العامّة، أما بقايا من الجاهلية أو خصال من أمور الجاهلية فقد تبْقى في أفراد من الناس أو طوائف من الناس المسلمين، لكن أن يقال: الناس كلهم في جاهلية -كما يطلقه بعض الكتّاب الجهال- فهذا باطل. فقد يُبالغ بعض الكُتّاب الجُهّال فيصفون هذا الوقت بوقت الجاهلية، فيقول بعضهم: "جاهلية القرن العشرين"، وهذا تعبير خاطئ، وقول باطل، كما نبّه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: "اقتضاء الصراط المستقيم". فقوله ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية" دلّ على أنه تبقى أشياء من الجاهلية تتسرّب في الناس، وقد تكون في بعض المؤمنين الصادقين. وقد تكثُر الجاهلية في بعض الأشخاص وتعظُم، ولكنه لا يخرج بها من الإسلام ما دام أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم يشرك بالله، ولم يرتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، فليس كل من فيه جاهلية يكون كافراً. فالحاصل؛ أن المبالغات في وصف الزمان بأنه جاهلية والناس كلهم في جاهلية؛ فهذا باطل، ولا يصدُر من عالم محقِّق، إنما يصدُر من بعض الجُهّال. وقوله: "من أمر الجاهلية لا يتركونهن" دلّ هذا على مسألتين. الأولى: يُنسب إلى الجاهلية، وعلى أنه محرّم، لأن الرسول ﷺ ذكر هذا من باب الذم والتحذير منه، وقال الله تعالى لنساء نبيه: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ

стр. 400

الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، فكل ما يُنسب إلى الجاهلية فإنه محرّم ومذموم يجب التخلِّي عنه والابتعاد عنه. المسألة الثانية: فيه- أيضاً-: أنه قد يبقى شيءٌ من الجاهلية في بعض المسلمين، فيجب عليه الحذَر منه، والتحذير منه، والتوبة إلى الله ممّن وقع في شيء من ذلك من أمور الجاهلية. وهذه الأربع التي ذكرها النبي ﷺ هي: الأولى: "الفخر بالأحساب" والمراد بالحسَب: شرف الإنسان ومكانته في المجتمع، فلا يفخر بحسبه، لأن الله سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، فالكرم عند الله هو بالتقوى لا بالحسب. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "إذا كان لا يجوز للإنسان أنه يفخر بعمله هو، فكيف يفخر بعمل أبيه وجده". قال الشاعر: لعمرك ما السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد وقال آخر: وليس على عبد تقيِّ غضاضة ... إذا حقق التقوى وإنْ حاك أو حجم الثانية من أمور الجاهلية: "الطعن في الأنساب" بأن يتنقّص أنساب النّاس. لأنه يعظّم نفسه، ولأنه يتنقّص الآخرين وكلاهما مذموم. الثالثة: "والاستسقاء بالأنواء" وهذا محل الشاهد من الحديث. والاستسقاء (استفعال) ، أصله: طلب السقيا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ ﴿اسْتَسْقَى﴾ يعني: طلب السقيا. والاستسقاء بالنجوم هنا ليس معناه: أنهم يطلبون من النجوم أن تسقيهم، لكن معناه: أنهم ينسبون المطر إلى النجوم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. وكما فصّل العلماء: إنْ كان يعتقد أن النجوم هي التي أنزلت المطر وأثّرت؛ فهذا كفر مخرِج من الملّة. وإن كان يعتقد أن المنزل للمطر هو الله، وأن النجوم إنما هي أسباب وأضاف ذلك إليها من باب التساهل في التعبير؛ فهذا يُعتبر شركاً وكفراً أصغر لا يخرج من الملة. ولكنه محرّم شديد التحريم، لأنه وسيلة إلى الشرك

стр. 401

وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سِربال من قَطِران ودرْعٌ من جَرَب" رواه مسلم. ــ الأكبر، ولأن الشرك وإن كان أصغر فهو خطير، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . قال العلماء: أما لو قال: سُقينا في نوء كذا، فأتى بـ (في) ، فلا بأس بذلك، لأن هذا ليس فيه نسبة المطر إلى النجم، وإنما يقول: سُقينا في هذا الوقت، سُقينا في نوء كذا يعني: في وقت كذا. الرابعة: قوله ﷺ : "والنياحة على الميت" والنياحة: رفع الصوت على الميِّت من باب الجزَع والتسخُّط، وإذا صحبه شقّ للثوب، أو لطم للخد، أو تعداد لمحاسن الميِّت، أو نياحة وندْب وجزَع؛ فهذا كبيرة من كبائر الذنوب. والواجب عند نزول المصيبة: الصبر والاحتساب لا الجزَع والتسخُّط. والنياحة دليل على عدم الرضى بقضاء الله وقدره، ودليلٌ على عدم الصبر والاحتساب. وهي من أمور الجاهلية، ويكفي أنها من أمور الجاهلية، لأن أمور الجاهلية محرّمة. قوله: "وقال: النائحة إذا لم تتب" يعني: ترجع عن النياحة، وتندم على ما حصل منها، وتعزم على أن لا تعود إلى النياحة في مستقبلها. وهذه شروط التوبة: فالتوبة لغة: الرجوع، وشرعاً هي: الرجوع من معصية الله إلى طاعة الله. وشروطها ثلاثة: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما حصل، والعزم أن لا يعود إليه. فإذا توفّرت هذه الشروط فالتوبة صحيحة، وإذا اختلّ شرطٌ منها فهي توبة غير صحيحة. ودلّ هذا على أن التوبة تمحو المعصية ولو كانتْ كبيرة، ولو كانت شركاً وكفراً بالله جل وعلا، فالتوبة تَجُبُّ ما قبلها من النياحة وغيرها. وفي قوله ﷺ : "قبل موتها" دليل على أنه عند الموت لا تُقبل التوبة، فإذا بلغت الروح الحُلْقوم فحينئذ لا تُقبل التوبة.

стр. 402

ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانتْ من الليل، فلما انصرف أقبل على النّاس فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ ". ــ قوله: "تُقام يوم القيامة" يعني: من قبرها. "وعليها سِرْبال" السِّربال هو: الثوب. "من قطران" هو النحاس المذاب. "ودِرْعٌ من جَرَب" الدرع كذلك هو: الثوب، والجَرَب: مرض جلدي، يكون في الإبل ويكون في الإنسان. فدلّ هذان الحديثان على مسائل: أولاً: فيه تحريم أمور الجاهلية وذمها عموماً. ثانياً: فيه أن أمور الجاهلية لا ترتفع بالكلية، بل يبقى منها شيءٌ في بعض المسلمين. ثالثاً: وهي مسألة مهمة جدًّا-: أن من كان فيه شيء من أمور الجاهلية لا يقتضي ذلك كفره، لكن يكون هذا ذنباً مذموماً يجب عليه التخلِّي عنه والتوبة منه، لكنه لا يقتضي الكفر، لأنه قال: "من أمتي"، فمن كان فيه شيء من أمور الجاهلية فهذا لا يقتضي كفره، إلاَّ إذا بلغ مبلغ المكفِّرات كالشرك بالله جل وعلا، أو بلغ ناقضاً من نواقض الإسلام المعروفة فهذا يكفُر به. رابعاً: فيه دليل على تحريم المسائل الأربع المذكورة: "الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"، وأن هذه الأمور من كبائر الذنوب. والخامسة: فيه دليلٌ على أن التوبة تمحوا ما قبلها. سادساً: فيه أن قبول التوبة محدّد بما قبل الموت. والله تعالى أعلم. قوله ﵀: (ولهما) أي البخاري ومسلم في صحيحهما: "عن زيد بن خالد" الجهني، صحابي جليل مشهور، والجهني نسبة إلى جُهينة القبيلة المعروفة، وهي قبيلة كبيرة من قبائل العرب. "قال: صلى لنا" المراد: صلى بنا، فاللام هنا بمعنى الباء.

стр. 403

قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ. فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب. وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب". ــ "رسول الله ﷺ صلاة الصبح" يعني: صلاة الفجر، سُمِّيت صلاة الصبح لأنها تجب عند طلوع الفجر، كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: صلاة الصبح. "بالحديبية" اسم مكان على حدود الحرم من جهة الغرب، قريب من التنعيم، يقال له الآن (الشميسي) ، وهو عند مدخل الحرم للقادم من جدّة. يقال الحديبيةَ - بالتخفيف-، ويقال بالحديبيّة، بالتشديد والمشهور الأول. "فلما انصرف أقبل على النّاس" لأن هذا من السنّة؛ أن الإمام إذا فرغ من الصلاة فإنه لا يبقى مستقبل القبلة، بل ينصرف إلى النّاس ويُقبِل عليهم بوجهه كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك. "فقال ﷺ : "أتدرون ماذا قال ربكم؟ " هذا فيه: مشروعية الموعظة بعد الصلاة إذا صار لها مناسبة، كتنبيهٍ على خطأ وقع، أو بيان لواجب، أو موعظةٍ عامة، وحثِّ على تقوى الله، فإنه ﷺ كان يعظ النّاس أحياناً، ولم يكن يداوم على ذلك، وإنما يفعل ذلك أحياناً خشية المَلَل، فكان يتخوّلهم بالموعظة ﷺ ، خصوصاً إذا حصل شيءٌ يحتاج إلى تنبيه، مثل هذه القضية. وفي هذا مشروعة التعليم من خلال السؤال والجواب، فالمعلِّم يسأل الطالب أوّلاً من أجل أن ينتبه للجواب، لأن هذا يكون أبلغ في التعليم وأنبه للطالب، لأنه إذا سُئل أولاً ثمّ أُجيب فإنه يكون هذا أثبت في ذهنه، بخلاف ما لو أُلقيَ إليه العلم ابتداءً فإنه قد لا ينتبه له تماماً. "قالوا: الله ورسوله أعلم" هذا فيه أن المسؤول إذا لم يكن عنده علم ولا جواب أنه لا يتخرّص، وإنما يكِل العلم إلى عالمه، فيقول: الله ورسوله أعلم، وهذا في حياته ﷺ ، أما بعد موته فيقول: الله أعلم فقط. ففيه: مشروعية تفويض العلم إلى الله . فأجاب ﷺ : و"قال" أي: الرسول ﷺ "قال" أي: الله.

стр. 404

وهذا من الأحاديث القدسية، نسبة إلى القدس وهو الطهارة، والتقديس هو التطهير، سُمي بذلك تشريفاً له لأنه من كلام الله. فالحديث القدسي من كلام الله لفظه ومعناه. أما الحديث غير القدسي فهو من كلام الرسول ﷺ ، لكن المعنى من الله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) ﴾ . إلاّ أن الحديث القدسي مع أنه من كلام الله لا يأخذ حكم القرآن من كل وجه، بحيث يُتعبد بتلاوته مثل القرآن، وبحيث لا يمسه إلاَّ طاهر مثل القرآن، أو أنه يُشترط له التواتر مثل القرآن، ومن حيث إنه تجوز روايته بالمعنى. أما القرآن فلا تجوز روايته بالمعنى. الحاصل؛ أن بين الحديث القدسي وبين القرآن فروقاً كثيرة، وإن كان يجتمع مع القرآن في أنه كلام الله لفظاً ومعنى. وفي قوله: "قال" إثبات أن الله يتكلّم، فصفة الكلام ثابتةٌ لله، يتكلّم متى شاء إذا شاء ؛ كلاماً يليق بجلاله، ليس مثل كلام المخلوقين، فكيفيّته وكُنْهُه لا يعلمهما إلاَّ الله ، لكنه ثابتٌ لله من صفات الأفعال التي يفعلها الله إذا شاء . ففيه: ردٌّ على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين ينفون الكلام عن الله . "أصبح من عبادي" يعني: بسبب نزول المطر. "مؤمنٌ بي وكافر" "مؤمن بي" بسبب هذه النعمة، "وكافر" بسببها. دلّ على أنّ حصول النعم ابتلاء من الله سبحانه، يبتلي به عباده، فمنهم من يشكر الله فيكون مؤمناً، ومنهم من ينكر نعمة الله فيكون كافراً بنعمه. ثمّ بيّن ﷺ سبب ذلك فقال فيما يرويه عن ربه ﵎: "فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته" يعني: نسب النعمة إلى الله . والتفضُّل والرحمة صفتان من صفات الله، فالله هو الذي يتفضل وهو الذي يرحم، ونزول المطر أثرٌ من آثار رحمة الله، كما قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ

стр. 405

اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يعني بإنزال المطر وإنبات النبات. "فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب" لأنه لم ينسب نزول المطر إلى طلوع الكواكب أو غروبها، وهو ما يسمى بالنوء. "وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا" والنوء سبق لنا أنه هو النجم إذا طلع من المشرق وقت الفجر، أو غاب في المغرب وقت الفجر. كان أهل الجاهلية ينسبون المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، فيزعمون أنه إذا طلع النجم أو غرب ينزل المطر، ويعتقدون أن هذا بسبب الكواكب، ولا ينسبونه لله تعالى. وهذا كفر، لأنهم نسبوا النعمة إلى المخلوق، وهذا شرك بالله ؛ شركٌ في الربوبية، وكل مشرك كافر. وهذا فيه دليل على كفر من استسقى بالأنواء ونسب نزول المطر إليها، أو أنّ نزول المطر بتأثيرها، لأن نزول المطر إنما هو بقدرة الله هو الذي ينزِّله متى شاء وأين شاء ويمنعه متى شاء وأين شاء، ويصرِّفه . تطلُع الأنواء ولا يحصل مطر، ويحصل المطر في غير طلوع الأنواء، فيحصل المطر في أيِّ وقتٍ شاءه الله، وهذا شيءٌ مشاهَد أن المطر ينزل في جميع الأحيان ولا يتقيّد بظهور النجم، فهذا دليل على كذب هؤلاء. وفيه مشروعية قول هذا الكلام عند نزول المطر: "مُطرنا بفضل الله وبرحمته". وفيه التنبيه على شكر الله عند حدوث النعم من الأمطار وغيرها، فكل ما حصل للإنسان نعمة فإنه يجب عليه أن ينسبها إلى الله، وأن يشكر الله عليها، ولا ينسبها إلى غيره، لا إلى حوله وقوَّته، ولا إلى أحدٍ من خلقه، وإنما ينسب الفضل إلى المتفضِّل وهو الله . وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة: فيه: مشروعية الموعظة بعد الصلاة خصوصاً إذا حصل مناسبةٌ لها. وفيه: مشروعية صلاة الجماعة في السفر كما هي مشروعة في الحضَر. وفيه: مشروعية التعليم عن طريق السؤال والجواب، لأن ذلك أبلغ في التفهيم وأيسر للتعليم، وقد فعل النبي ﷺ هذا مراراً وتكْراراً.

стр. 406

ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: (قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا. فأنزل الله هذه الآيات: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) ﴾ . ــ وفيه- وهو الشاهد من الحديث للباب-: أن نسبة المطر إلى الأنواء كفرٌ بالله ﷺ وشرك، وأن نسبة النِّعم والأمطار إلى الله إيمان بالله وتوحيد. وفيه: أن حصول النعم ابتلاء وامتحان من الله تعالى؛ ليتبيّن بذلك المؤمن من الكافر. وفيه: مشروعية قول هذا الكلام عند نزول المطر: "مُطرنا بفضل الله وبرحمته" كما كان النبي ﷺ يقول ذلك، ويقول: "اللهم صيِّباً نافعاً". وقوله: "ولهما" أي: للبخاري ومسلم. "من حديث ابن عبّاس بمعناه ... إلخ" هذا مثل الحديث الذي قبله؛ لما نزل عليهم المطر قالوا: "صَدَق نوء كذا وكذا" زعموا أن طلوع النجم هو الذي حصل به المطر، فهم نسبوا نزول المطر إلى النوء، فصدّقوه، فأنزل الله تعالى منكراً عليهم قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ . قوله تعالى: ﴿فَلا﴾ لا هذه نافية، أي: ليس الأمر كما زعمتم أنّ نزول المطر بسبب صدق النوء الفلاني، وإنما المطر بفضل الله. ثمّ أقسم جل وعلا على هذا النفي. والمشهور- كما اختاره ابن جرير-: أن المراد بالنجوم هنا: الكواكب، لأن في طلوعها وغروبها آية عظيمة من آيات الله لمن يتدبّر ويتفكّر. والله جل وعلا يقسم بما شاء من خلقه، وهو لا يقسم إلاَّ بشيء فيه سرٌّ عظيم يحتاج إلى تأمُّل، ويحتاج إلى نظر، فلو نظرت إلى تنظيم هذه النجوم في مسارها

стр. 407

وتعاقبها، وعدم تخلُّفها عن نظامها وانتظامها، ونظرت إلى زينتها وتلألئها وبهائها في السماء؛ لدلّك ذلك على قدرة الله وعظيم صنعته. فالله أقسم بها لمِا فيها من العجائب. أما المخلوق فلا يُقسم إلاَّ بالله، كما جاء في الحديث: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "، فلا يجوز الحلف إلاَّ بالله. قوله تعالى: ﴿َإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيم (٧٦) ﴾ هذا تنبيه على عظَم هذا القسم، ولا يتنبّه لهذا إلاَّ أهل العلم الذين يتدبّرون في آيات الله الكونية. ثمّ ذكر سبحانه المقسَم عليه وهو القرآن فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ من الكرم وهو الشرف والرِّفعة، فهو كريم في منزلته، عظيمٌ في معناه، جليلٌ في قدْره، لأنه كلام الله ، فهو أعظم الكلام. وفضل كلام الله على غيره كفضل الله على خلقه. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) ﴾ يعني: محفوظ، والمشهور: أنّ المراد بالكتاب المكنون هنا: اللوح المحفوظ، لأن الله كتبه في اللوح المحفوظ، فهو مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، ومكتوب في صحائف الملائكة، ومكتوبٌ في المصاحف التي في أيدي البشر، ومحفوظٌ في الصدور، فهو كلام الله بكل اعتبار. ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) ﴾ يعني: الملائكة، وهذا فيه ردٌّ على المشركين الذين يزعمون أن القرآن ممّا تنزّلت به الشياطين، وأنه من كلام الشياطين، والله بيّن أن الشياطين لا تقرب القرآن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) ﴾ السمع يعني: الوحي. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) ﴾ نزل به جبريل- ﵊ إلى نبينا محمد ﷺ ، وبلّغه محمد ﷺ لأمته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) ﴾ ، وكما في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) ﴾ يعني: جبريل ﵇، ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) ﴾ يعني: محمداً ﷺ ، وهذا توثيق لسند القرآن، لأن رواته عن الله هم: أمة محمد ﷺ عن نبيهم محمد ﷺ عن جبريل عن ربه ، وليس كما يقوله المشركون: إنه من كلام الشياطين، أو من كلام

стр. 408

البشر، أو من صحائف الأولين. فهو كلام الله حقيقة وجبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام مبلغان عن الله تعالى. ثمّ قال: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) ﴾ يعني: تكذبون به، وتقولون: هذا من كلام محمد، أو من كلام فلان، أو مما تنزّلت به الشياطين التي تتنزّل على الكُهّان، أو ما أشبه ذلك من أقاويل باطلة. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) ﴾ معناه: أنكم تنسبون الأمطار إلى الأنواء، سمّى الله ذلك كذباً وباطلاً لأن الأمطار ليستُ من الأنواء وإنما الأمطار من الله هو الذي ينزِّلها ويقدّشرها ويجعل فيها البركة والنماء، فهو الذي ينزِّلها سبحانه. وفي هذا الأثر الذي رواه ابن عبّاس- مثل ما سبق-: الرد على الذين ينسبون الأمطار إلى الأنواء، وأن هذا كذبٌ محْض، حيث أقسم الله سبحانه- وهو الصادق- أن هذا كذب، فدلّ على بُطلان الاستسقاء بالأنواء، وأنه يجب نسبة المطر إلى الله ، لا إلى الأنواء، ومن نسبها إلى الأنواء فقد كفر بالله.

стр. 409

[الباب الواحد والثلاثون:] * باب قول الله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ . ــ أراد الشيخ ﵀، بهذا الباب أن يبين أن المحبة نوعٌ من أنواع العبادة، وأن من أحب مع الله غيره فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من المِلة، كما كان عليه المشركون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ . ولَمّا كانت المحبة من أنواع العبادة، بل هي أعظم أنواع العبادة، وكان من أحب مع الله غيره مشركاً الشرك الأكبر؛ ناسب أن يذكر الشيخ ﵀، هذا الباب في "كتاب التّوحيد"؛ لينبه على هذه المسألة المهمّة. والمحبة- كما ذكر العلماء- تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: محبة العبودية، وهذه يجب أن تكون خالصةً لله ، ومحبة العبودية هي التي يكون معها ذل للمحبوب. وهذه لا يجوز صرفها لغير الله، كما لا يجوز السجود لغير الله والذبح لغير الله والنذر لغير الله فإنه لا تجوز محبة غير الله محبة عبودية يصحبها ذلٌّ وخضوع وطاعةٌ للمحبوب، وإنما هذه حقٌّ لله . ولهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀ في "النونية": وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذلُّ عابده هما قطبان وعليك فَلَك العبادة دائر ... وما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان ويقول العلماء في تعريف العبادة هي: غاية الذل مع غاية الحب. فالعبادة تترّكز على ثلاثة أشياء: على المحبة، وعلى الخوف، وعلى الرجاء. فالمحبة والخوف والرجاء هي ركائز العبادة وأساسها، فإذا اجتمعتْ تحقّقت العبادة ونفعت كالصلاة والحج وسائر العبادات، أما إذا اختلّتْ هذه الثلاثة فإن الإنسان وإن صام وإن صلى وإن حج فإنها لا تكون عبادته صحيحة. ويقول العلماء: "من عبد الله بالمحبة فقط فهو صوفي"، لأن الصوفية يزعمون

стр. 410

أنهم يعبدون الله لأنهم يحبونه فقط، ويقولون: لا نعبده نخاف من ناره ولا نرجو جنته، وإنما نعبده لأننا نحبه. وهذا ضلال. "ومن عبد الله بالرجاء فقط فهو مرجئ" لأن المرجئة يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان. "ومن عبد الله بالخوف فقط فهو خارجي" لأن الخوارج يكفرون المؤمنين بالمعاصي. فالمرجئة أخذوا جانب الرجاء فقط، والصوفية أخذوا جانب المحبة فقط، والخوارج أخذوا جانب الخوف فقط. وأهل السنّة والجماعة جمعوا بين الأمور الثلاثة -ولله الحمد-: المحبة مع الخوف والرجاء والذل والانقياد والطاعة، وبنوا على ذلك سائر أنواع التعبُّد والتقرُّب إلى الله . النوع الثاني: محبة ليستْ محبة عبودية وهي أربعة أقسام: القسم الأول: محبة طبيعية كمحبة الإنسان للطعام والشراب والمشتهيات المباحة، كالزوجة والملذات. القسم الثاني: محبة إجلال، كمحبة الولد لوالده غير المشرك والكافر، فالولد يحب والده محبة إجلال وتكريم واحترام لأنه والده المحسن إليه والمربِّي له. وهذه محمودة ومأمور بها. القسم الثالث: محبة إشفاق، كمحبة الوالد لولده، فالوالد يحب ولده محبة إشفاق. القسم الرابع: محبة مصاحبة، كأن تحب شخصاً من أجل مصاحبتك له، إما لكونه زميلاً لك في العمل، أو شريكاً في تجارة، أو صاحباً لك في سفر، فأحببته من أجل المشاركة في شيء من الأشياء. هذه الأقسام ليستْ من أنواع العبادة، لأنها ليس معها ذلّ، وليس معها خضوع.

стр. 411

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ يعني: المشركين، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ﴾ أي: غير الله، ﴿أَنْدَاداً﴾ الند هو: الشبيه والنظير والعديل، سُمُّوا أنداداً لأنهم ساووهم بالله، فصاروا أنداداً لله بمعنى: شركاء مساوين له في اعتقاد المشركين. ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ أشركوهم مع الله في محبة العبودية، فعبدوا الأصنام والأوثان لأنهم يحبونها محبة ذل وانقياد وخضوع وطاعة فأشركوا في أعظم أنواع العبادة، وهو المحبة. فالمشركون يحبون الله لأنهم يعترفون بربوبيته وخلقه لهم، فهم يحبونه، لكنهم لم يخلصوا محبتهم، بل أشركوا معه آلهةً أخرى يحبونها مع الله محبة عبودية وخضوع وذلُّ وتقرُّب إليها بالعبادة. هذا هو الوجه الصحيح في تفسير الآية؛ أن المشركين يحبون الله ويحبون معه غيره من الأصنام والأوثان كما يحبُّون الله، فيعادِلون بين محبة الله ومحبة الأصنام ومحبة الأوثان. ولا يزال المشركون على هذا، فالذين يعبدون القبور والأضرحة يحبُّونها، ولهذا يغارون ويغضبون إذا قيل لهم إن هذه المعبودات باطلة لا تُغني عنكم شيئاً، ولا تنفعكم بل تضركم فهم يغضبون، بل قد يقاتلون دونها، لأنهم يحبونها ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ أي: كما يحبون الله. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ الذين أخلصوا المحبة لله وهم المؤمنون، هؤلاء أشدُّ حبًّا لله من محبة المشركين لله، لأن محبة المؤمنين خالصة ومحبة المشركين مشتركة، والمحبة الخالصة أشدُّ وأقوى من المحبة المشتركة، وهذه المحبة هي التي تنفع، أما محبة المشركين لله فإنها لا تنفعهم ما داموا يحبون مع الله غيره فلم يُخلصوا في محبتهم. فدلت هذه الآية الكريمة على أن المحبة نوعٌ من أنواع العبادة، بل هي أعظم أنواع العبادة، وأن من أحب مع الله غيره فيها فقد أشرك بالله الشرك الأكبر واتّخذ هذا المحبوب نِدًّا، أي: شريكاً مع الله ومعادِلاً لله ومساوِياً لله، كما يقول أهل النار

стр. 412

وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ . ــ يوم القيامة لمن أشركوهم مع الله: ﴿تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) ﴾ . وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية. هذه الآية فيها: أن من قدّم محبة هذه الأشياء على محبة الله فإنه متوعّد بهذه الوعيد ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ حتى يأتيكم الله بالعقوبة ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ سمّاهم فاسقين، والفسق هو: الخروج عن طاعة الله جل وعلا، ومعنى ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني: لا يوفقهم للإيمان، مثل قوله: ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالمين﴾ ، ﴿لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ . فالهداية المنفية هنا: هداية التوفيق، أما هداية البيان والإرشاد فهذه موجودة، فالله هدى كل النّاس، بمعنى: أنه بيّن لهم طريق الخير من طريق الشر، هدى الكفار وهدى المؤمنين بمعنى: بيّن لهم طريق الخير وطريق الشر. أما هداية التوفيق والإيمان فهي خاصة بالمؤمنين. أما الكافرون- إذا أصرُّوا على كفرهم وأصروا على طغيانهم- فإن الله يحرمهم هداية القلوب: ﴿حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ ، عقوبة من الله أنّ من عاند وأصرّ بعد البيان وبعد الإرشاد وأصرّ على الباطل فإن الله يعاقبه بحرمانه من هداية قلبه، بل يزيغ ويبقى على زيغه وضلاله وعقوبة له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: وأصروا على الكفر، ﴿َسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ لأنهم لم يقبلوا الهداية من أول الأمر، فلما لم يقبلوا الهداية من أول الأمر عاقبهم الله بالحرمان، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) ﴾ ، فالذي يتبيّن له الخير والهدى والإيمان ولم يقبل، بل يستمر على ما هو عليه من الطغيان والكفر والعناد فإنه يعاقب بفساد قلبه -والعياذ بالله- وعدم هداية قلبه ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .

стр. 413

وهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ يقول المفسِّرون: إنها نزلت في قوم من المسلمين كانوا في مكة، ولَمَّا هاجر الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة لم يهاجروا؛ لأنهم آثروا أن يبقوا في مكة محافظة على أموالهم وعلى مساكنهم وعلى أقاربهم، فهم قدّموا محبة هذه الأشياء على محبة الله ورسوله، فالله توعّدهم. ويُروى: أنهم لَمّا أرادوا الهجرة تعلّق بهم أقاربهم وقالوا: كيف تدعوننا؟، ولمن تدعوننا؟ ولما تعلّقوا بهم، رقّوا لهم ورحموهم، فأقاموا في مكة وتركوا الهجرة إيثاراً لهذه الأشياء، فالله وبَّخهم وتوعّدهم، لأن الواجب عليهم أن يهاجروا، وأن يقدّموا الهجرة إلى الله ورسوله على هذه الأشياء كما فعل ذلك المهاجرون الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ، فالمهاجرون تركوا هذه المحبوبات طاعة لله ورسوله ومحبة لله ورسوله، وإن كانوا يحبون هذه الأشياء، يحبون أولادهم، ويحبون بلدهم، ويحبون أموالهم، ولكنهم قدّموا عليها محبة الله فهاجروا، تركوا أموالهم، تركوا ديارهم وأوطانهم، تركوا أولادهم وذرّيتهم، تركوا مساكنهم، تركوا التجارات التي لهم في مكة، كل هذا تركوه لله جل وعلا، أما هؤلاء من المؤمنين فإنهم بقوا في مكة وآثروا أن يبقوا عند أقاربهم، وأن ينمُّوا أموالهم وتجاراتهم، وأن يبقوا في مساكنهم في مكة، فتوعّدهم الله، كما قال في الآية الأخرى في الذين لم يهاجروا من المسلمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ يعني: لِمَ تركتم الهجرة؟، ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠) ﴾ ، فالهجرة من أفضل خصال الإيمان، والمهاجر لا يهاجر للنُّزهة أو يهاجر للبلد الذي فيه سعة ورفاهية من أجل الدنيا، ولكنه يهاجر من أرض يحبها ومن بلد يحبها، وقد يترك أمواله وأولاده ويخرج محبة لله ولرسوله، هذا هو المؤمن الصادق في إيمانه.

стр. 414

عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" أخرجاه. ــ فقوله في هذه الأشياء إذا كانت ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﴿أَحَبَّ﴾ يدل على أن محبة هذه الأشياء في الأصل لا حرج فيها، فالإنسان يحب والده، ويحب ولده، ويحب أخاه، ويحب قبيلته، ويحب ماله، ويحب تجارته، ويحب مسكنه. فأصل المحبة لهذه الأشياء مباح لأنه من المحبة الطبيعية، لكن إنما يأتي اللوم إذا قدّم محبة هذه الأشياء على محبة الله فأخّرته هذه الأشياء عن طاعة الله ورسوله، وعن الهجرة إلى الله ورسوله. قوله: "وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى كون أحبَّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" " وذلك أنه بعد محبة الله تأتي محبة الرسول ﷺ ، فالأولى: محبة الله ، وهي محبة عبادة، وهي الأصل والقاعدة. أما محبة الرسول ﷺ فهي تابعةٌ لمحبة الله ، تأتي بعد محبة الله وكذا محبة كل ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال وهذه محبة في الله ولله فالمحبة المشروعة محبة الله والمحبة في الله، والمحبة الممنوعة هي المحبة مع الله. وتقديم ما تحبه النفس على ما يحبه الله. وقوله: "لا يؤمن أحدكم" ليس نفياً لأصل الإيمان، وإنما هو نفيٌ لكمال الإيمان، أي: لا يكمُل إيمان أحدكم هذا إذا كان يحب الرسول ﷺ ولكن لا يقدم محبته على محبة غيره من الخلق. أما إذا كان الإنسان لا يحب الرسول ﷺ أصلاً، بل يبِغض الرسول، فهذا كافر، أما الذي يحب الرسول ﷺ ، ولكنه يقدِّم محبة ولده ووالده على محبة الرسول ﷺ ، فهذا ناقصُ الإيمان، بل لا يكمُل إيمان العبد ولا يتم حتى يكون الرسول ﷺ أحبَّ إليه من نفسه التي بين جنبيه، وأحب إليه من ولده الذي هو بضْعَةٌ منه وجزءٌ منه، وأحب إليه من والده الذي هو أصله والمحسِن إليه، وأحب إليه من النّاس أجمعين أيًّا كانوا. وهذا يقتضي أن الإنسان يقدِّم طاعة الرسول ﷺ على طاعة غيره: فإذا أمرك الرسول ﷺ بأمر وأمرك والدك أو ولدك أو أحد من النّاس بأمر يخالف أمر

стр. 415

الرسول ﷺ فإنه يجب عليك معصية هذا الآمر وطاعة الرسول ﷺ ، وهذا هو الدليل على محبة الرسول ﷺ ، أن لا تقدّم على محبته شيئاً، ولا تقدّم على طاعة الرسول شيئاً، فإذا أمرك أحد بمخالفة الرسول ﷺ فلا تطعه ولو كان أقرب النّاس إليك ولو كان أحب النّاس إليك، فطاعة الرسول ﷺ مقدَّمة، وهي ثمرة محبته ومن علامات محبة الرسول ﷺ ترك ما لم يشرعه الرسول من البدع والمحدثات لقول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود عليه عمله هذا. أما الذي يدّعي أنه يحب الرسول ﷺ ويُقيم الموالد والاحتفالات المبتدعة، والرسول ﷺ ينهاه عن البدع والمحدثات، فلا يطيعه، وإنما يطيع المخرِّفين والدجَّالين في هذا، فهذا كاذبٌ في محبّته للرسول ﷺ ، لأن الرسول ﷺ نهى عن البدع والمحدَثات والخُرافات ولو كان النّاس عليها ولو كان عليها أبوك أو ابنك أو أقرب النّاس إليك، فمن كان عنده بدعة ومخالفة للرسول ﷺ وجب عليك معصيته، فإذا أطعته فإن هذا دليل على عدم صدق محبتك للرسول ﷺ . فالحاصل؛ أنه ليس الدليل على محبة الرسول ﷺ دعوى تُقال، أو احتفال يُقام، لأن الدليل على محبة الرسول ﷺ : متابعته، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلاَّ بما شرع ﵊. هذا هو الدليل على محبة الرسول ﷺ ، ونحن لا نقبل الدعوى، وإنما نقبل الدليل على الدعوى. فالذين يعملون بالسنّة ويتركون البدع فهذا دليلٌ على محبتهم للرسول ﷺ ، أما الذين يدّعون أنهم يحبُّون الرسول ﷺ ولكنهم يخالفونه فيرتكبون ما نهى عنه ويتركون ما أمر به طاعةً لأنفسهم أو طاعة لغيرهم فإن هذا دليل على عدم صدقهم في محبتهم للرسول ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" بل ومن نفسه. فإذا أراد أحدٌ منّا أن يختبر إيمانه فلينظر إلى موقع هذا الحديث منه ويطبِّقه على نفسه، هل هو يحب الرسول، أحب إليه من نفسه، هل يحب الرسول أحب إليه من والده وولده والنّاس أجمعين؟، فإن كان كذلك فهو يحبُّ الرسول ﷺ ، والدليل

стр. 416

ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النار". ــ على ذلك- كما ذكرنا-: الموافقة للرسول ﷺ بتنفيذ أوامره وترك نواهيه واجتناب البدع والمحدثات التي نهى عنها رسول الله ﷺ ولو كان عليها أقرب النّاس إليه أو أحب النّاس إليه، يتركها طاعةً لله وطاعةً لرسوله، ومحبةً لله ومحبةً لرسوله ﷺ . فدل هذا الحديث: على وجوب محبة الرسول بعد محبة الله ، وأن محبة الله ومحبة رسوله تقتضيان المتابعة للرسول ﷺ وعدم المخالفة، وأنه لو أمرك أيُّ أحدٍ من الناس بأمر يخالف أمر الرسول ﷺ وجب عليك معصيته ورفض ما يأمرك به، والأخذ بأمر الرسول ﷺ ، فكما تجب محبة الله تجب محبة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . قوله: "أخرجاه" يعني: أخرجه البخاري ومسلم. "ولهما" أي: البخاري ومسلم. "عنه" أي: عن أنس ﵁. "قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث" " أي: ثلاث خصال. "مَنْ كُنّ فيه" اجتمعن فيه، ووُجدن فيه. "وجد بهنَّ حلاوة الإيمان" هذا من ثمرات محبة الله ورسوله. و"حلاوة الإيمان" أي: لذّته، لأن الإيمان الصادق له لذّة في النفوس، وله طُمأنينة في القلوب، هذا هو الإيمان الصادق: تجد المؤمن يتلذّذ بالإيمان، ويَطْعَم الإيمان أكثر ممّا يَطْعَم أيَّ أنواع الملذّات. الخصلة الأولى: "أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما" أي: أحب إليه من نفسه، وأحبّ إليه من كل شيء، ومن الوالدين والأولاد والأقارب والأصدقاء وسائر النّاس. وهذا يقتضي تقديم قولهما على قول كل أحد. الخصلة الثانية: "وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله" أي: يحب الإنسانَ من بني

стр. 417

آدم "لا يحبه إلاَّ لله"، لا يحبه من أجل طمع دنيا أو عَرض عاجل، هانما يحبه لله لأنه مطيعٌ لله، لأنه مؤمن، لأنه تقي. أما الذي يحب الشخص من أجل الدنيا أو من أجل الأطماع أو الشهوات أو الأغراض، فهذه محبة لا تنفعه عند الله شيئاً. وهذا فيه فضل المحبة في الله بين المؤمنين، والمحبة في الله أوثق عُرى الإيمان- كما في الحديث: "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله"، ومن السبعة الذين يظلُّهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلاَّ ظله: "رجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه"، وفي الحديث الصحيح: "أن رجلاً خرج إلى قرية ليزور أخاً له في الله فأرصد الله على مَدْرَجته" أي: طريقه "ملكاً" ليختبره، فلما مرّ عليه "قال له الملَك: أين تُريد؟، قال: أُريد قرية كذا وكذا، قال: وما غرضك فيها وما شأنك؟، قال: لأن فيها أخاً لي في الله أحبْبتُ زيارته، فقال له الملَك: هل له عليك نعمة تربُّها؟ " يعني: هل هو قد أحسن إليك وأنت تحبُّه من أجل صنيعه معك ومعروفه معك، "قال: لا، إلاَّ أني أحببته في الله "يعني: ما زرته ولا خرجتُ إليه إلاَّ لأني أحبه في الله، لا من أجل أنه أحسن إليَّ أو من أجل أنه أعطاني شيئاً أو منّ عليَّ بشيء، "فقال له الملك: إني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحبَبْته فيه". كثيرٌ من الناس يتحابُّون ويتآلفون من أجل أمور الدنيا، من أجل الرجاء والطمع وغير ذلك، إن أحسن إليه وأعطاه شيئاً أحبه، وإلاَّ فإنه لا يحبه وهذا موجود في البهائم والكلاب والقطط إذا أحسنت إليها فإنها تألفك وتحبك جِبِلّة وطبيعة، فقد جُبِلت القلوب على حب من أحسن إليها، لكن هذا ليس فيه مزيّة، إنما المَزيّة أن تحبه لا من أجل شيء أعطاك، وإنما تحبه من أجل الله ، هذه هي الدرجة العالية الرفيعة من المحبة في الله. الخصلة الثالثة: التي يجد بهن العبد حلاوة الإيمان: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يُقذف في النار" كل النّاس ينفرون من النار - والعياذ بالله- لأنها مؤلمة، ولا أحد يصبر على حرها، فكلٌّ يفرُّ من النار ويبتعد عنها، والكفر نار، والمسلم الذي منّ الله عليه بالإسلام يكره أن يعود إلى الكفر، ويكره الرِّدّة عن دين الإسلام، كما يكره أن يُلقى في النار، هذا هو المؤمن حقًّا،

стр. 418

الذي تمكَّن الإيمان من قلبه فلا يساوِم عليه، ولا يتنازل عن شيء منه أبداً مهما كلّفه الأمر، بل يتمسّك بدينه. لأنه وجد حلاوة الإيمان ولذته. أما الذي يدّعي الإيمان ولكنه يتنازل عن الإيمان- أو عن شيء منه- من أجل الخوف أو الطمع أو غير ذلك فهذا دليل إما على عدم إيمانه أو على نقصان إيمانه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ ، أما المؤمن فإنه يصبر ولو ناله شيء من المكاره، ولو حاول النّاس أن يصرفوه عن دينه، أعطوه أموالاً، وأعطوه ما يعطونه، أو حاولوا صرفه عن دينه، أو التنازل عن دينه بالتخويف والتهديد بالقتل، والتهديد بالتعذيب، فإنه يصبر، ولا يتنازل عن دينه حتى يلقى الله سبحانه متمسِّكاً بدينه، هذا هو المؤمن حقًّا. وقوله: "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النار" قالوا: هذا فيه دليل على أن المكره إذا صبر على الإكراه وصبر على القتل أنه يكون من هذا النوع- ممّن وجد حلاوة الإيمان، ولَمّا وجد حلاوة الإيمان ما رضيَ أن يتنازل عنها أبداً. ولهذا جاء في قصة الرجلين اللذين مرَّا على صنم لا يجوزه أحدٌ حتى يقرِّب إليه شيئاً، "فقالوا لأحدهما: قرِّب"، يعني: اذبح للصنم حتى نتركك تَمُر، "فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد شيئاً دون الله ، فضربوا عنقه. فدخل الجنة"، وقالوا للآخر: قرِّب. فقال: ليس عندي شيء أقَرِّب. قالوا: قرِّب ولو ذباباً، فقرّب ذباباً فدخل النار". الأول أبى أنْ يذبح لغير الله، والثاني استجاب. فالأول قُتل ودخل الجنة، والثاني ذبح لغير الله، فمر مع الطريق ودخل النار، لأنه رجع إلى الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه، أما الأول فأبى أن يرجع إلى الكفر وصبر على القتل فدخل الجنة، وهذا الإيمان إذا باشر القلب ووجد حلاوته. فهذا الحديث ميزان يزن العبد به إيمانه: "أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما" فإذا عرض شيءٌ من العوارض فإنه يقدِّم محبة الله ورسوله على محبة ذلك العارض. "وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله" لا يحبه من أجل طمع الدنيا ومرغِّباتها.

стр. 419

وفي رواية: "لا يجد أحدٌ حلاوة الإيمان حتى ... " إلى آخره. وعن ابن عبّاس قال: "من أحبّ في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تُنال ولاية الله بذلك. ــ "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه" قال العلماء: هذا فيه تكميل المحبة وتفريعها ودفع ضدها. فتكميل المحبة: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما. وتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله. ودفع ما يضادها: يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار. فهذا حديثٌ عظيم. قوله: وفي رواية: "لا يجد أحدٌ طعم الإيمان" هذه الرواية في "صحيح البخاري" وفائدتها: أنها نَفَتْ بمنظومها وجود طعم الإيمان عمن لم يتّصف بهذه الصفات الثلاث: "أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذْ أنقذه الله منه"، أما الرواية الأولى فهي دلّت بالمفهوم -مفهوم المخالفة- على أنّ من لم تكن فيه هذه الخصال فإنه لا يجد طعم الإيمان، وإنْ كان فيه إيمان، لكنه لا يتلذّذ به ويجد طعمه فالرواية الثانية دلّت بالمنطوق، والأولى بالمفهوم، ولهذا ساقها الشيخ ﵀، بعد الحديث. قال ﵀: "وعن ابن عباس قال: "من أحب في الله" يعني: من أجل الله، فأحب المؤمنين لأنهم أولياء الله، لا يحبهم من أجل طمع دنيا أو رغبة عاجلة، وإنما يحبهم في الله. "وأبغض في الله" أبغض الكفّار والمنافقين والعصاة من أجل الله لا من أجل أنهم ضربوه أو أنهم حرموه من شيء، أو أنهم تعدّوا عليه، أو ظلموه، لا يبغضهم من أجل هذه الأمور، لأن هذا بغض طبيعي ليس بعضاً يتعلّق بأمور العبادة. "ووالى في الله" أي: أحب وناصر. فالموالاة: المحبة والمناصرة والمعاونة. "وعادى في الله" أي: أبغض الكفار والمنافقين والفاسقين من أجل الله، لأن الله يبغضهم.

стр. 420

ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان- وإن كثُرت صلاته وصومه- حتى يكون كذلك. وقد صارتْ عامّة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يُجدي على أهله شيئاً" رواه ابن جرير. ــ "فإنما تُنَال ولاية الله" ولاية الله محبته ونصرته. أما الوِلاية- بالكسر-: فهي الإمارة والوظيفة، وِلاية القضاء، وِلاية الملك، وِلاية حسبة، وولاية الله تعني: محبة الله. فمن اتصف بهذه الصفات أحبه الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ، فإنما تنال محبة الله بطاعة رسوله كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ، فمن اتّبع الرسول ﷺ أحبه الله، ومن عصى الرسول ﷺ أبغضه الله. فقوله: "فإنما تُنال ولاية الله بذلك" أي لا يحصل الإنسان على محبة الله ونُصرته إلا بهذه الأمور: المحبة في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. أما الذي يتّخذ الدنيا هي المقياس عليها يعادي وعليها يوالي، من أحسن إليه أحبه ولو كان عدوًّا لله . ومن أساء إليه أبغضه ولو كان ولياً لله فهذا لا ينال ولاية الله، ولهذا قال ابن عباس في آخر الحديث: "وقد صارتْ عامّة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا". فابن عباس يستنكر في وقته أن الناس صاروا يوالون ويعادون من أجل الدنيا فكيف بوقتنا هذا؟، لا شك أن الأمر قد زاد، فكثير من الناس فقدوا هذه الصفات: المعاداة في الله، والموالاة في الله، والمحبة في الله، والبُغض في الله، إلا من شاء الله ، ولكن قلّ هذا في الناس اليوم، لا نقول إنه مفقود، بل هو موجود -ولله الحمد، ولكنه قلّ، وما دام أنه قليلٌ فليفتّش كل واحد منا عن نفسه بأن لا يكون مع الكثرة التي ضيّعتْ هذا الأصل العظيم كالذين لا يوالون، إلا على الحزبية والمنهجية فمن وافقهم على حزبيتهم ومنهجيتهم أحبوه ولو كان عدو الله ورسوله ومن خالفهم أبغضوه ولو كان ولياً لله ورسوله.

стр. 421

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: "المودّة". ــ قال ﵀: "وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: "المودة""هذه نهاية من عبد غير الله يوم القيامة، فعبدة غير الله في الدنيا يحبون ما عبدوه كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ، وكذلك التابعون في الدنيا يحبون المتبوعين على الضلالة، فتوجد المحبة بين الكفار بعضهم مع بعض، وبين المشركين ومعبوداتهم في الدنيا، لكن يوم القيامة تنعكس الأمور، وتصير هذه المحبة عدواة كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فلا يبقى إلاَّ المحبة التي كانت في الله والله هي التي تبقى يوم القيامة: ﴿إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ، ويقول إبراهيم ﵊ للمشركين يحذِّرهم: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ فهم يوم القيامة يتلاعنون ويتباغضون، لأنهم يقولون لمن أضلوهم أنتم السبب في إضلالنا وإغوائنا وصرفنا عن دين الله. أما محبة المؤمنين بعضهم لبعض من أجل الإيمان والموالاة في الله والمعاداة في الله فإنها تبقى، بل تزيد يوم القيامة، وتستمرُّ إلى أبد الآباد ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) ﴾ . فدلّت هذه الآية على أن المحبة التي لغير الله أنها تزول يوم القيامة، وتنقلب عداوة، وأن محبة التابعين على الضلال لأتباعهم وقادتهم ورؤسائهم تنقلب عداوة يوم القيامة فيما بينهم ويتلاعنون ويتلاومون فيما بينهم، من باب التحسُّر- والعياذ بالله- والتألُّم. فهذا الباب بابٌ عظيم، يجب على المسلم أن يَزِن نفسه به، ولهذا يسمى بباب الامتحان، فكلٍّ يَدّعي الإيمان، وكلٌّ يَدّعي الإسلام، وكلٌّ يدّعي الزهد والورع ولكن الميزان ما ذكر في هذا الباب.

стр. 422

[الباب الثاني والثلاثون:] * باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾ . ــ هذا الباب عقده الشيخ ﵀ في موضوع الخوف. والخوف من الله هو أحد ركائز العبادة، كما سبق أن المحبة والخوف والرجاء أعظم أنواع العبادة، وهي أعمال قلبية، فلما ذكر المحبة في الباب السابق ذكر في هذا الباب الخوف؛ ليدلّ على أن المحبة لا تكفي وحدها، لأن التعبُّد بالمحبة وحدها منهج الصوفية الضُلاّل، أما منهج الرسل وأتباعهم فإنه ينبني على المحبة والخوف والرجاء، محبة الله سبحانه مع خوفه ورجائه وغير ذلك من أعمال القلوب كالتوكُّل والرغبة والرهبة والخشية كل هذه من أعمال القلوب، وهي عباداتٌ عظيمة. والخوف ثلاثة أنواع: النوع الأول: خوف السر وهو الخوف الذي يكون معه عبادة لغير الله أو ترك لما أوجب الله. ومعناه: أن يخاف الإنسان من غير الله من الأصنام والأوثان وما عُبد من دون الله، من القبور والأضرحة، أو يخاف الشياطين والجن، ويتقرّب إليهم بما يحبون من الشرك بالله من أجل أن يسلَم من شرهم، فهذا شركٌ أكبر يُخرج من الملّة، والله ذكر عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ ، ثمّ قال بعد ذلك: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ كأنهم توعّدوه بآلهتهم ومعبوداتهم أن تصيبه. فهذا ردٌّ عليهم، كيف لا تخافون من الله وأنتم تهدِّدونني بأن أخاف من معبوداتكم التي لا تُغني عني شيئاً، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هل هو أنا الذي أعبد الله وحده لا شريك له، أو أنتم الذين أشركتم؟. ثمّ ذكر الله الحكم في ذلك فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) ﴾ والظلم معناه هنا: الشرك، فبيّن أنّ الأمن إنما يحصل لأهل التّوحيد، وأما المشركون فليس لهم أمن، وليس لهم إلاَّ العذاب، هذا حكم من الله .

стр. 423

وكما ذكر الله عن نبيه هود أنّ قومه قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ، يخوِّفون هوداً لَمّا دعا إلى التّوحيد وترك عبادة الأصنام يخوِّفونه بالأصنام أن تُصيبه ويهدِّدونه بها. ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) ﴾ وهذا تحدِّ من فردٍ واحد يتحدّى أمة كاملة، وهذا من المعجزات. ثمّ قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) ﴾ أعلن البراءة منها، وتحدّاها وتحدّى جميع الأمة التي تعبدها أن تكيده، وأن تصل إليه بسوء فلا يستطيعون، ثمّ علّل ذلك بقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ . وكذلك المشركون قالوا لنبينا محمد ﷺ ما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ، فالمشركون يخوِّفون الرسول ﷺ ، بمعبوداتهم من دون الله فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ . فهذا النوع من الخوف يسمّى: خوف السر، وهو خوف العبادة، بأن يخاف من المعبودات التي تُعبد من دون الله ، فالمؤمن لا يخاف هذه المعبودات أبداً، لا يخاف من الأصنام، لا يخاف من القبور والأضرحة التي تُعبد من دون الله، لا يخاف من الشياطين والجن أن تصيبه إلاَّ بإذن الله ، وكذلك الخوف من كل مخلوق أن يصيبه بما لا يقدر عليه إلاَّ الله من الإصابة بالمرض، أو قطع الرزق، أو غير ذلك، وهذا أحد أنواع الشرك الأكبر. والآن عُباد القبور يهددون النّاس بهذه الأضرحة، ويقولون: الولي الفلاني يصيب من لم يخضع له ويعبده، يصيبه في نفسه أو في ولده، ثمّ الجهال ينخدعون بهذا التخويف، ويتقرّبون إلى هذه القبور وهذه الأضرحة بما يُطلب منهم، وغرض عُبّاد القبور والسَّدَنة: أكل أموال النّاس بالباطل، يهدِّدون النّاس إذا لم ينذروا لهذه القبور ولم يقرِّبوا لها شيئاً من الأموال، فأنها تصيبهم، أو تصيب زروعهم، أو تُصيب حروثهم، أو أولادهم، ثمّ الجهال يتقرّبون إلى هذه الأضرحة بأموالهم، ثمّ يأخذها هؤلاء السدنة وهؤلاء القائمون على هذه الأوثان ويقتسمون هذه الأموال،

стр. 424

فالشر باقٍ من قديم الزمان إلى آخر الزمان، وطريقة المشركين واحدة. وأما أهل الإيمان فإنهم لا يخافون إلاَّ الله تعالى، لأنه هو الذي يملك النفع والضر، وهو الذي بيده الأمور، وأنه لا يصيب المؤمن إلاَّ ما قدّره الله له ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) ﴾ . النوع الثاني من أنواع الخوف المذموم: أن يترك الإنسان ما أوجب الله عليه من الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من النّاس أن يؤذوه أو يضايقوه أو يعذِّبوه فيترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وبيان الحق خوفاً من النّاس، فهذا شركٌ أصغر، وهو محرّمٌ، وقد جاء في الحديث: "أن الله يحاسب العبد يوم القيامة: لِمَ لَمْ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟. فيقول: يا رب خشيتُ النّاس، فيقول: إيّايَ أحقُّ أن تخشى". ونعنى بذلك: القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقادر على الدعوة إلى الله، أما الذي لا يقدر -أو ليس عنده استطاعة- فهذا معذور. النوع الثالث: الخوف الطبيعي، الذي ليس معه عبادة للمخوف ولا ترك لواجب. كأن يخاف الإنسان من العدو، أو من السَّبُع، أو من الحيَّة، ويخاف الإنسان من أعدائه، أو يخاف من السّباع، أو يخاف من الهوام، فهذا الخوف خوفٌ طبيعي لا يُلام عليه الإنسان لأنه ليس عبادة وليس تركاً لواجب، ولا يُؤاخذ عليه الإنسان. وموسى ﵇ لَمّا تآمر عليه الملأ ليقتلوه وأُنذر أن يخرج من البلد ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) ﴾ . ثمّ أورد الشيخ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾ وهذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾ وذلك أن الرسول ﷺ وأصحابه لَمّا حصلَتْ وقعة أحد، وحصل على المسلمين ما حصل من الابتلاء والامتحان،

стр. 425

واستشهد من المسلمين من استُشْهد وانصرف المشركون إلى مكة أرادوا أن يُرعبوا المسلمين، فأرسلوا إليهم يهدِّدونهم ويقولون: إننا سنرجع إليكم، فنقضي على بقيّتكم، فلما بلغ الخبر رسول الله ﷺ والمسلمين قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ لم يؤثِّر عليهم هذا التهديد، وأمر ﷺ أصحابه أن يخرجوا وفيهم الجراح، وفيهم التعب بعد المعركة، فنهضوا مسرعين وخرجوا مع الرسول ﷺ ، ونزلوا في مكان يُقال له: (حمراء الأسد) ينتظرون المشركين، فلما علِم المشركون بخروج رسول الله ﷺ وخروج المسلمين أصابهم الرعب، وقالوا: ما خرجوا إلاَّ وفيهم قوة، فهربوا إلى مكة وألقى الله الرعب في قلوبهم لَمّا صدَق المسلمون وصبروا وتوكّلوا على الله، ولم يؤثّر فيهم تهديد هؤلاء: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ رجعوا إلى المدينة سالمين غانمين الأجر والثواب من الله ، ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: ما أصابهم ما يكرهون، بل حصلوا على الأجر والثواب ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ . ثمّ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: الذي حصل من المشركين من التهديد إنما هو من الشيطان. والمراد بالشيطان: إبليس اللعين الذي هو رأس الكفر. ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم بأوليائه من الكفار، فالشيطان هو الذي خطّ هذه الخطة من أجل أن يخوِّفكم بأوليائه، يعني: المشركين، لأن المشركين أولياء الشيطان، كما أن المؤمنين أولياء الرحمن، كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) ﴾ . فمعنى قوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم أيها المسلمون بأوليائه من الكفّار. ثمّ قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا تخافوا من الكفّار بل توكلوا على الله، وخافوا من الله، وفي الأثر: "من خاف الله خافه كلُّ شيء، ومن خاف غير الله أخافه من كلُّ شيء". ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ هذا نهيٌ من الله عن خوف أولياء الشيطان، ثمّ أمر بخوفه وحده . ومن خاف الله فإن الله يكفيه ويعينه وينصره خلاف العكس: من خاف غير الله وترك طاعة الله من أجل خوف النّاس فإن الله يسلِّط عليه، فالواجب على المسلمين
следующие страницы →