Полный текст (705 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) ﴾ .
ــ
يفعلون بعض المكروهات ويتركون بعض المستحبات وهم الأبرار.
الطبقة الثالثة: التي سَلِمَت من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع وتركت المحرمات والمكروهات وبعض المباحات واجتهدت في الطاعات من واجبات ومستحبات وهؤلاء هم السابقون بالخيرات ومن كان بهذه المرتبة دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.
قال: "وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إبراهيم ﵇ هو إمام المحققين للتوحيد، بعثه الله لما غطّى الشرك على وجه الأرض في وقته، وهو وقت النَّمرود الكافر الملحد الذي ادعى الربوبية، وكان قومه يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل ويُسَمَّوْن بالصابئة، وهم في أرض بابل من العراق، ثم حصل بينه وبينهم مصادمة ذكرها الله تعالى في القرآن، انتهى بهجرة إبراهيم- ﵊ من أرض العراق إلى أرض الشام وإلى الحجاز، حيث جعل قسماً من ذريته في الشام وهم إسحاق وذرّيته، أولاد زوجه ي سارة، وذهب بإسماعيل بن سُرِّيته هاجر وأمه إلى مكة، أرض الحرم، بأمر الله : ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي: مهاجر من أرض الكفر والشرك إلى أرض التّوحيد بالشام والحجاز، تلك المواطن المباركة، التي صار فيها بيت المقدس، وفيها البيت العتيق أول بيت وُضع للناس، وهو الكعبة المشرفة بمكة، فأورثه الله هذه البلاد وهذه البيوت إكراماً له ولذريّته- ﵊، عوّضه الله أرضاً خيراً من أرضه، وقد وصفه الله تعالى في هذه الآية بأربع صفات، كلها من تحقيق التّوحيد:
الصفة الأولى: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ ، والأمة معناها: القدوة في الخير، فهو إمامٌ للناس، كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ يعني: قدوة لأهل الخير إلى أن تقوم الساعة، فقوله أُمّة يعني: إماماً وقدوة، لأن الأمة لها ثلاث إطلاقات في القرآن، هذا أحدها؛ أُمَّة بمعنى قدوة، كما في هذه الآية. الإطلاق الثاني: الأمة بمعنى: مقدار من الزمان ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ
стр. 72
أُمَّةٍ﴾ أي: بعد زمن وبعد مدة. وتطلق الأمة ويراد بها الجماعة من الناس ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: جماعة، لأن دين الإسلام دين جماعة، لا دين تفرّق واختلاف، فليس فيه تفرّق وأحزاب، وجماعات وجمعيات متفرقة ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) ﴾ ، فالمطلوب من المسلمين أن يكونوا أمة واحدة، على منهج واحد، وعلى دين واحد، وعلى ملة واحدة، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، وكالجسد إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولا يكون ذلك إلاَّ بعقيدة التّوحيد، أما التفرّق والاختلاف والتناحر والتهاجر والتباغض والتنابُذ بين الجماعات وبين الفرق فهذا ليس من دين الإسلام وهذا يكون مع فساد العقيدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) ﴾ نعم قد يوجد الاختلاف في الاجتهاد، ولكن هذا الاختلاف يحسم بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فالمخطئ يرجع، والمصيب يثبت قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .
الصفة الثانية لإبراهيم أنه: ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ والقنوت في اللغة معناه: الثبوت والدّوام، أي: مداوماً وثابتاً على طاعة الله، لا يتزحزح عنها، ويُطلق القنوت على طول القيام في الصلاة، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) ﴾ ، وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ (٩) ﴾ ، فمعنى وصف إبراهيم بأنه كان قانتاً أي: أنه كان مداوماً على طاعة الله، ثابتاً عليها، بخلاف الذي يجتهد في يوم أو شهر أو سنة ثم بعد ذلك يتراجع انتكاساً بعدما بدأ بالخير لكنه لم يُكمل، فالمطلوب من الإنسان أن يثبت على الخير، بمعنى أنه يلازم عمل الخير، ولا يتخلى عنه، ولو كان قليلاً فـ"أحب العمل إلى الله أدومه وإن قَلَّ".
وكذلك ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ يعني: أنه يعمل هذا مخلصاً لله، لا يقصد به رياءً ولا سُمعة، ويؤخذ من هذا وجوب الإخلاص، لأن بعض الناس قد يصلي ويحسن صلاته، ويطول قيامه وركوعه من أجل رياء الناس، فإذا أحَسَّ أن عنده أحد يطوّل
стр. 73
الركوع والسجود؛ من أجل أن يوصف بأنه صاحب طاعة، وإذا صلى وحده نقر الصلاة، وخفّفها، والإخلاص: أن الإنسان يقصد بعمله وجه الله، ولا يقصد بذلك طمعاً من مطامع الدنيا، أو مدحاً، وثناءً من الخلق، ولا يستمع إلى لومهم إذا لاموه في طاعة الله. قالوا: فلان متشدّد، فلان كذا، ما دام أنه على الطريق الصحيح، وعلى السنة، فلا يضره ما يقوله الناس، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
الصفة الثالثة: ﴿حَنِيفاً﴾ والحنيف من الحَنَف وهو في اللغة: الميل، والمراد به هنا: الإقبال على الله، وأنه مُعرض عن الناس مُقبل على الله ، يطلب الخير أمن الله وحده.
الصفة الرابعة: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذا محل الشاهد من الباب، ومعناه: أنه تبرّأ من المشركين، براءة تامة، أي: قطع ما بينه وبين المشركين من المودّة من أجل الله ، لأنهم أعداء الله، والمؤمن لا يحب أعداء الله.
فإبراهيم ﵇ لم يكن من المشركين لا بقليل ولا بكثير، قطع صلة المحبة بينه وبينهم، أما صلة التعامل الدنيوي في المصالح المباحة فهذا شيء آخر، إنما المراد قطع صلة المحبة والموالاة والمناصرة، هذا هو المطلوب، أما التعاون الدنيوي فيما فيه نفع للمسلمين، فهذا لا بأس به، يوضِّح هذا قوله في الآية الأخرى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني: من أتباعه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ ؛ يعني: لا تقارب بيننا وبينكم في المودة والمناصرة والمؤاخاة أبداً، إلاَّ إذا آمنتم بالله وحده، وكفرتم بما يعبد من دون الله ، وتركتم عبادة الأصنام، فحينئذٍ نكون إخواناً ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ ثم قال في الآية التي بعدها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) ﴾ ثم قال بعدها: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) ﴾ .
فهذه أربع صفات وصف الله بها إبراهيم: وهي:
الصفة الأولى: أنه كان أمة، يعني: قدوة في الخير.
стр. 74
وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) ﴾ .
ــ
الصفة الثانية: أنه كان قانتاً لله ثابتاً على الطاعة مخلصاً عمله لله.
الصفة الثالثة: أنه كان حنيفاً، مقبلاً على الله معرضاً عما سواه.
الصفة الرابعة: أنه لم يك من المشركين. أي بريء منهم ومن دينهم.
وهذا هو تحقيق التّوحيد يكون بهذه الأمور، وأعظمها البراءة من المشركين، فمن تبرأ من المشركين فهو ممن حقق التّوحيد، ولو كانوا أقرب الناس إليه، فإبراهيم تبرأ من أبيه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) ﴾ إلى أن انتهت المحاورة بقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً (٤٩) ﴾ "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه" لما تبرأ من المشركين عوضه الله ذرية أنبياء.
واليوم جماعات يدَّعون أنهم دعاة إلى الله لا يتبرءون من المشركين ما داموا على منهجهم الحزبي!! ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
والواجب على المسلم أن يتقي الله ، وإذا كان يريد أن يدعو إلى الله فليعرف ما هي الدعوة، وما هي أصول الدعوة، وما المطلوب من الداعية، وأن يكون على طريقة إبراهيم ﵇ وغيره من النبيّين الذين تبرّأوا من المشركين وقاطعوهم بعدما تبرءوا من الشرك وأخلصوا العبادة لله وحده.
ثم قال الشيخ ﵀: "وقال: " ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) ﴾ " هذه صفة من الصفات التي ذكرها الله في سورة المؤمنون، في السابقين بالخيرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) ﴾ هذه الصفة الأولى.
الصفة الثانية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) ﴾ .
الصفة الثالثة- وهي العظيمة-: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) ﴾ .
الصفة الرابعة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) ﴾ .
هذه الصفات العظيمة هي تحقيق التّوحيد من جميع الشوائب، هذا مجملها وإليك تفصيلها:
стр. 75
الصفة الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) ﴾ الخشية من أعمال القلب، وهي الوَجَل من الله ، والخوف من عقابه، خشيةً منه أن يعاقب العاصي والمذنب على معصيته، ومن أعظم أنواع العبادة، الخوف والخشية والرغبة والرهبة والرجاء، وكل هذه من أعمال القلب، إلاَّ أن الخوف لا يجوز أن يصل إلى حد القنوط، بل يكون خوفاً مقروناً بالرجاء، لا يَيْأَسُون من روح الله ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، والرجاء لا يكون بدون خوف من مكر الله. ولا يأمنون من مكر الله، ويعتمدون على الرجاء فقط، ويتركون الخوف: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) ﴾ ، بل المطلوب الجمع بين الخوف والرجاء، فلا يخاف حتى يَقْنَط، ولا يرجوا حتى يأمن من مكر الله، بل يكون متعادلاً، ولهذا يقول العلماء: "المؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بجناحين لو اختل جناح من الأجنحة سقط الطائر، كذلك المؤمن إذا اختل خوفه أو رجاؤه سقط".
الصفة الثانية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) ﴾ ، يؤمنون بآيات الله أي يصدقون بها، ويعملون بها، وآيات الله: القرآن، ويؤمنون به بمعنى: أنهم يصدقون أنه كلام الله ، تكلم الله به وَحْياً، ونزل به جبريل إلى النبي ﷺ ، وحفظه النبي ﷺ من جبريل، وبلّغه للناس، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣) ﴾ يعني: جبريل- ﵊، ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) ﴾ ، هذه صفات القرآن، فيؤمن هؤلاء المؤمنون بأن هذا القرآن هو خطاب ربهم لهم أمراً ونهياً، وتعريفاً به سبحانه وبصفاته، وإخباراً لهم عن الغيوث الماضية والغيوب المستقبَلة، وهذا القرآن أعظم الكتب التي نزلت من السماء، وقد أودع الله فيه من العلوم العظيمة والأسرار العظيمة ما لا يعلمه إلاَّ الله . والعوام يفهمون من القرآن، والمبتدءون في التعليم يفهمون من القرآن، والراسخون في العلم يفهمون أكثر من غيرهم، كل على قدر ما أعطاه الله ، لأن القرآن- كما يقول ابن عباس-. على أربعة أنواع: منه ما تعرفه العرب من لغتها، كالنار، والجنة، والزنا، والخمر، والشرك، والكفر، والربا. ومنه ما لا يُعذر أحد بجهل الله مثل: معرفة
стр. 76
الصلاة، والصيام، والحج، وأركان الإسلام، كل واحد مطالب بأن يعرفها. ومنه ما يعرفه العلماء، خاصة كالمحكم، والمتشابه، والمطلق، والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، هذه الأنواع إنما يعرفها العلماء الذين درسوا علوم الشريعة. والنوع الرابع: ما لا يعلمه إلاَّ الله، وهو حقائق ما ذكره الله في القرآن من الجنة والنار، وكيفية صفات الرب ، فنحن نعرف معانيها، لكن كيفيَّتها لا يعلمها إلاَّ هو ؛ سمعه، وبصره، وعلمه ووجهه، ويده ، لا يعلم كيفيّتها إلاَّ الله، ونزوله إلى السماء الدنيا، واستواؤه على العرش، كيفيتها لا يعلمها إلاَّ الله ، لكن المعاني اللغوية نعرفها ونفهمها.
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) ﴾ أي: يصدقون بهذا القرآن ويتدبّرونه، ويشتغلون به، ويعتنون به، ويعملون بما فيه، ما أمرهم به فعلوه، وما نهاهم عنه تركوه، وما أخبرهم به صدّقوه وآمنوا به، وما اشتبه عليهم ردُّوا علمه إلى الله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ، هذه طريقة المؤمنين مع القرآن، بخلاف المنحرفين فإنهم لهم مع القرآن مواقف سيّئة، فمنهم الذين قالوا إن القرآن مخلوق، والذين قالوا إن القرآن: له ظاهر وله باطن، وهم الباطنية هؤلاء لا يؤمنون بآيات الله . والذين قالوا إن ظاهر القرآن غير مراد لأنه يوهم التشبيه والتجسيم فيما يخبر عن الله .
الصفة الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) ﴾ هذا هو تحقيق التّوحيد، لا يشركون أبداً، شركاً أصغر ولا شركاً أكبر، يعني: لا يقع منهم شرك أبداً، هؤلاء الذين حقّقوا التّوحيد، وسلموا من الشرك الأكبر والأصغر والخفي والجلي، وكل أنواع الشرك والبدع والمخالفات.
الصفة الرابعة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ من الطاعات، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يعني: خائفة ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ نفى عنهم الإعجاب بأعمالهم، فهم يعملون الأعمال الجليلة، ويخافون من الله أن يردّها عليهم. فهم يخافون أن تردّ عليهم أعمالهم بخلل وقع فيها، لأن الإنسان ليس معصوماً، فهم جمعوا بين الطاعة والخوف، أما أهل التفريط فجمعوا بين الكسل والأمن من مكر الله .
стр. 77
وعن حُصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟
ــ
ولذلك يقول ﷺ : "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: "ولا أنا، إلاَّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، هذا هو مقام تحقيق التّوحيد، فالجنة لا تُدرك بالأعمال، وإنما الأعمال سبب لدخول الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، قال العلماء: الباء باء السببيّة، وليست الباء للثمنيّه، فالعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإدخاله عباده الصالحين الجنة تفضل منه، وإحسان منه ، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ إذا كنت لا تستطيع عدَّها، فكيف تستطيع الشكر؟، ولهذا يقول ﷺ في دعاء القنوت "أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، هذا سيّد الأنبياء، وإمام المرسلين، وأفضل الخلق يعترف أنه لا يُحصي الثناء على الله ، فكيف بغيره؟
فهؤلاء يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، لأن أعمالهم أقل بكثير مما يجب عليهم، ثم - أيضاً- لا يضمنون أنها تكون متقبلة، قد تكون مردودة بسبب من الأسباب، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ومن يضمن لنفسه أنه من المتقين؟، لكن الإنسان يعمل ولا ييأس ولا يقنط، ويُحسن الظن بالله ، إنما لا يستكثر عمله، أو يتمنّن على الله، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂، للنبي ﷺ لَمَّا سمعت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) ﴾ ، قالت: يا رسول الله، أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر، ويخافون أن يعذبوا بذنوبهم؟، قال: "لا، يا ابنة الصديق، ولكنهم يصلون ويصومون ويجاهدون، ويخافون أن تُردّ عليهم أعمالهم".
قوله: "وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير" إلخ.
ساق الشيخ ﵀، هذا الحديث، في "باب من حقق التّوحيد"، بعد أن ذكر الآيات السابقة، لأن هذا الحديث، هو فيمن حقق التّوحيد وما له عند الله من
стр. 78
فقلت: أنا، ثم قلت، أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدِغْت، قال: فما صنعت؟، قلت: ارتقيت.
ــ
الكرامة، وسبق لنا معنى تحقيق التّوحيد، وأنه تخليصه من شوائب الشرك الأكبر والأصغر، ومن البدع والمخالفات وهذه مرتبة السابقين من هذه الأمة.
قال: "عن حُصين بن عبد الرحمن" السُّلمي، أحد التابعين الثقات.
"قال: كنت عند سعيد بن جُبير" سعيد بن جُبير من أكابر التابعين علماً وورعاً وفقهاً، وهو من تلاميذ ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قتله الحجّاج بن يوسف الثَّقفي قبل أن يبلغ الخمسين من عمره، وبقتله أُصيبت الأمة بفقد عالم من أجلِّ علمائها.
"فقال: أيُّكم رأى الكوكب الذي أنقض البارحة؟ "، يسأل الجالسين عنده، والكوكب معناه: الشِّهاب الذي يُرمى به الشياطين الذين يَسْتَرِقُون السمع، وليس معناه أن الكوكب نفسه يسقط، ولكن ينفصل منه شَظِيَّة. "الذي انقض البارحة"، أي: الذي سقط.
قال: حُصين بن عبد الرحمن: "أنا"، والبارحة كلمة تُطلق على الليلة الماضية، ما قبل الزوال يقال له: الليلة، وما بعد الزوال يقال له: البارحة، مِن "بَرَح الشيء" إذا فات وذهب، هذا عند العرب.
وقوله: "قلت: أنا" يعني: أنا رأيت الكوكب، فدلّ هذا على أن هذا الرجل لم يَنَم.
ثم إنه خشي على نفسه من الرياء، فاستدرك وقال: "أما إني لم أكن في صلاة" يعني: لا تظنوا أني سهرت أتهجّد، خشِي على نفسه الرياء، أن يمدح بشيء ليس فيه، وهذا من ورع السّلف وابتعادهم عن الرياء وتزكية النفس، لأن هذا ينافي الإخلاص.
وقوله: "ولكني لُدِغْت" يعني: السبب في كوني كنت مستيقظاً وقت نزول الشهاب أنني لُدِغْت، واللَّدْغ معناه: إصابة ذات السموم من العقارب ونحوها.
وقوله: "قال: فما صنعت؟ " لأن من عادة المَلْدُوغ أنه يتعاطى شيئاً من العلاج.
стр. 79
قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي.
قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رُقية إلاَّ من عين أو حُمَة.
ــ
وقوله: (ارْتَقَيت) يعني: طلبت من يَرْقِينِي بالقرآن، والرُّقية معناها: أن يُقرأ على المصاب بالمرض أو باللَّدْغ من القرآن والأدعية، ويُنْفَث على موضع الإصابة وموضع الألم. وهذا من أنفع العلاج إذا صدر عن يقين من الرّاقي ويقين من المَرْقي، لأن الله أنزل هذا القرآن شفاءً للأمراض المعنويّة: أمراض الشِّرك، والنفاق، والمعاصي، والأمراض الحسيّة: أمراض الأجساد، لأنه كلام رب العالمين ، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ فالرُّقية مشروعة، وقد رَقَى النبي ﷺ ورُقي- ﵊، رَقَاه جبريل لما أصابه السحر، ورَقَى ﷺ بعض أصحابه، فالرُّقية بالكتاب والأدعية أمر مشروع.
قوله: "قال: فما حملك على هذا؟ " هذا فيه أن السلف يطلبون الدليل على ما يفعلون وما يقولون، وفيه طلب الدليل على المذهب والاجتهاد. فمن قال بمسألة من المسائل، أو فعل فعلاً، فإنه يطلب منه الدليل على جوازه، أو على مشروعيّته من الكتاب والسنّة. هذا أدب السلف- ﵏ أنهم لا يُقْدِمون على شيء إلاَّ بدليل من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ خصوصاً في أمور العلاج، لأن النفوس تتشبث بأي شيء لطلب الشفاء، حتى ولو كان غير مشروع. فسعيد بن جُبير ﵁ خَشِي من هذا الأمر. فهذا فيه أن العلاج لا يكون إلاَّ بما دل عليه دليل من كتاب الله وسنّة رسوله، أما الذهاب إلى المشعوذين والدجّالين والسَّحرة والكَذَبة فهو محرّم، وقد يكون شركاً أكبر يُخرج صاحبه من الملّة؛ إذا ذبح لغير الله، أو دعا غير الله، أو استغاث بالجن أو الشياطين، فإنه يخرج من الملّة، ولو فرضنا أنه شُفي، ماذا ينفعه إذا ذهبت عقيدته وصحّ جسمه، هذا أمر وباب خطير جدًّا، ويجب التحرُّز منه.
وقوله: "قلت: حديث حدثنيه الشَّعْبي" يعني: هذا دليلي على ما فعلت، والشعبي هو: عامر بن شُرَاحيل، الإمام الجليل من أئمة التابعين.
"قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بُريدة بن الحُصيب" بُريدة بن الحُصيب الأسلمي، من صحابة رسول الله ﷺ ، فهذا التابعي- الذي هو الشَّعْبي- يروي عن هذا الصحابي.
стр. 80
قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
ــ
قوله: أن النبي ﷺ قال: "لا رُقية إلاَّ من عين أو ُحمة" لا رُقية يعني: أنفع وأشفى إلاَّ من عين، أي: إصابة العين بسبب الحسد الذي يكون في بعض الناس، إذا نظر إلى الأشياء أصيبت على أثر نظرته، لأن نظره مسموم، وهذا من عجائب- خلق الله وقدرته، أنه يجعل بعض الأنظار مسمومة، إذا نظر صاحبها إلى شخص، أو إلى حيوان، أو إلى شيء، أصيب بإذن الله ، والعين حق- كما في الحديث، قال ﷺ : "العين حق، ولو أن شيئاً سبق القدر لسبقته العين"، هذا في الصحيح، وقد أصيب رجل في عهد النبي ﷺ فطلب النبي ﷺ من الذي عانه، أن يغتسل، ثم أخذت غُسالته وصبّت على المصاب، فشُفي بإذن الله، وقال: "العين حق، وإن استغسلتم فاغسلوا"، هذا هو علاجها، أنه يَأمر العائن أن يغتسل، ويغسل بواطن إزاره، ثم تُصَب هذه الغُسالة على المصاب، فيُشفى- بإذن الله-، كما فعل النبي ﷺ وكذلك مِن علاجها: الرُّقية، بأن يُقرأ على المصاب بالعين، فاتحة الكتاب، والمعوّذتان.
وقوله: "أو حُمَة" الحُمَة هي: اللَّدْغة من ذوات السّموم، وهذا محل الشاهد من الحديث لما فعله حصين ﵀.
ثم قوله: "لا رُقية إلاَّ من عين أو حُمَة" قال العلماء: هذا من باب التأكيد، لا من باب الحَصْر، فالرُّقية تنفع من غير العين والحُمَة أيضاً ومن سائر الأمراض، ولكن أنفع ما يُشفى بالرُّقية هذان المرضان: العين والحُمَة، وإلاّ فإن الرّقية تنفع - أيضاً- من جميع الأمراض- بإذن الله-، فهذا من باب الحصر النِّسبي والتأكيد، كما قال ﷺ : "لا ربا إلاَّ في النّسيئة"، مع أن هناك ربا الفضل، فمعنى الحديث: "لا ربا إلاَّ في النسيئة" يعني: لا ربا أعظم وأشد من ربا النسيئة، فهو أشد من ربا الفضل، لأنه ربا الجاهلية، فليس هذا من باب الحَصْر، وإنما هو حَصْر إضافي.
ولما أتى حُصين بن عبد الرحمن بالدليل على ما فعل، قال له سعيد بن جبير ﵀: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" أثنى عليه، وصوّبه على هذا الفعل، ء وأنه عَمِل عملاً جائزاً ومباحاً، واستدل بدليل صحيح عن النبي ﷺ ، فتأدّب سعيد مع الحديث، ولم يكن مثل بعض الجهّال الذين إذا بلغهم الحديث وهو لا يوافق
стр. 81
ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرَّهْط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد؛ إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه.
ــ
هواهم، أو لا يوافق مذهبهم، راحوا يطعنون فيه أكبر الطّعن، ويجرّحون ولو كان الحديث في "البخاري"، فإنهم قالوا في أحاديث في "البخاري": "حتى ولو قالها الرسول ﷺ فإن معناها ليس بصحيح عندهم"!!، قال ذلك بعض الكُتّاب، فهذا أمر خطير.
وسعيد بن جُبير لما بلغه حديث رسول الله ﷺ قال: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع"، هذا هو أدب العلماء، وهذا أدب الصحابة ﵁، والتابعين، وسائر أئمة العلماء، فهم يتأدّبون مع السنّة إذا بلغتهم عن رسول الله.
قوله: "ولكن حدثنا ابن عباس" معناه أن: سعيد بن جُبير عنده دليل آخر، العمل به أحسن من العمل بحديث حُصين بن عبد الرحمن، وإن كان العمل بحديث حُصين بن عبد الرحمن حسناً، ولكن هناك حسن وهناك ما هو أحسن، فأراد أن يرقيه من الحسن إلى الأحسن.
قال: "حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "عُرضت عليّ الأمم" فيه معجزة من معجزات النبي ﷺ حيث عُرضت عليه الأمم، أي: أُرِيَ الأمم السابقة. قيل: كان هذا ليلة الإسراء والمعراج.
"فرأيت النبي ومعه الرَّهْط" الرَّهْط: هم الجماعة دون العشرة، يعني: لم يتبعه من أمته إلاَّ دون العشرة، وبقية الأمة كفروا به.
"والنبي ومعه الرجل والرجلان" هذا أقل، تبعه من قومه رجل أو رجلان، والبقيّة أَبَوْ أن يؤمنوا بالله ورسوله.
"والنبي وليس معه أحد" فيه من الأنبياء من كذبه قومه كلهم، ولم يتبعه أحد، فهذا فيه دليل على أنه لا يُحتج بالكثرة، وإنما يُحتج بمن كان على الحق، ومعه الدليل، ولو كانوا قليلين، ولو كان شخصاً واحداً، فمن كان على الحق، ومعه دليل من كتاب الله وسنّة رسوله، فهذا هو الذي يُؤخذ بقوله ويُقتدى به، أما من خالف
стр. 82
فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب".
ــ
الدليل فلا عبرة به حتى ولو كانوا كثرة، والله تعالى يقول في نوح: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ ويقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ويقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) ﴾ ، فالكثرة ليست هي الضابط في إصابة الحق، ولا يُغتر بها، فربما تكون الكثرة على الباطل، إنما إذا اجتمع الكثرة مع إصابة الحق، فهذا طيّب، أما إذا كانت كثرة بدون حق فلا، ولا يُزَهِّدُنا في الحق قلّة أتباعه، لأن بعض الناس اليوم إذا نُبّه على خطأ يقول: هذا عليه أكثر الناس، إذا قلت له- مثلاً- عن تحريم تأويل الصفات، قال: تسعة أعشار العالم الإسلامي أشاعرة يئولون الصفات وهذا ليس عذراً أمام الله ﷺ ما دام تبيّن الحق، وأما أمر الناس فهو موكول إلى الله سبحانه، ويجب على المسلم أنه يتبع الحق، ولا يكابر بكثرة من خالفه أو جانبه، نبي من أنبياء الله ليس معه إلاَّ دون عشرة، ونبي من أنبياء الله ليس معه إلاَّ رجل أو رجلان، ونبي من أنبياء الله ليس معه أحد. نسأل الله أن يوفقنا وإيّاكم لقول الحق والعمل به، ومخالفة الهوى والنفس والشيطان.
قوله: "إذ رُفع لي سواد عظيم" السواد هو: الأشباح البعيدة.
"فظننت أنهم أمتي" ظن النبي ﷺ أن هذا السواد العظيم هم أمته، لأنه أكثر الأنبياء أتباعاً، ﵊.
"فقيل لي: هذا موسى وقومه" هذا فيه فضل موسى ﵇، كليم الله، وأنه اتبعه من قومه خَلْق كثير، آمنوا به واتبعوه، فهو من أكثر الرسل أتباعاً بعد نبينا محمد ﷺ ، وفيه فضيلة لموسى ﵊.
فهذا يدل على أن موسى ﵇ آمن به خَلْقٌ كثير من بني إسرائيل، وإنما حدث التحريف والكفر بعد موسى ﵇.
قوله: "فنظرت فإذا سوادٌ عظيم"، وفي رواية: "ولكن انظر إلى الأفق"، والرواية في "صحيح مسلم".
"فنظرت فإذا سوادٌ عظيم، فقيل لي: هده أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون
стр. 83
ثم نهض فدخل منزله.
فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم ائذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً. وذكروا أشياء.
ــ
الجنة بلا حساب ولا عذاب"، وفي رواية: "ومنهم سبعون ألفاً"، السبعون الألف هؤلاء من أمّة محمد ﷺ يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. هذا فضل عظيم، والبقيّة من الخلائق تُحاسب، منهم من يُحاسب حساباً يسيراً، ومنهم من يناقش الحساب. واختلف العلماء في الكُفار هل يُحاسبون أو يدخلون النار بدون حساب؟، والذي قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية- كما في "العقيدة الواسطية"- أنهم يقرّرون بأعمالهم فقط، ولا يحاسبون محاسبة من يوازن بين حسناته وسيئاته، لأنهم لا حسنات لهم، ولكنهم يقرّرون بكفرهم وأعمالهم الكفريّة، ثم يُؤمر بهم إلى النار - والعياذ بالله-. وان كان لهم حسنات في الدنيا فإنهم يجازون بها في الدنيا، وتعجّل لهم حسناتهم، فإن الله لا يظلم أحداً، أما في الآخرة فليس لهم ثواب ولا حسنات- والعياذ بالله-.
قوله: "ثم نهض ﷺ " أي: قام.
"ودخل منزله" دون أن يبيّن من هم هؤلاء السبعون الألف.
والصحابة ﵃ اهتموا بهذا الأمر، لأن هذا أمر عظيم، فصاروا يخوضون في هؤلاء السبعين من هم؟.
فقوله: "خاض الناس في أولئك" يعني: بحثوا من هم، وهذا من حرص الصحابة ﵃ على الخير، واهتمامهم بأمور الآخرة، لأنهم لا يهتمُّون بأمور الدنيا، وإنما يهتمُّون بأمور الآخرة، بخلاف أهل الدنيا، إذا سمعوا بتجارة صاروا يتحدثون عنها ولا يهمهم أمر الآخرة.
قوله: "فقال بعضهم: فلعلهم الذين صَحِبوا رسول الله ﷺ " لأن أفضل الأمة هم الصحابة ﵃، لا أحد يساوي الصحابة في الفضيلة، قال ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم
стр. 84
ولا نصيفه"، فالصحابة هم أفضل الأمة، ولا أحد يساويهم في الفضل- رضي الله تعالى عنهم-، بسَبْقِهم إلى الإسلام، وصحبتهم لرسول الله ﷺ وجهادهم في سبيل الله، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيل الله ، فلذلك قالوا: "فلعلهم الذين صحبوا"، لأنهم لا يعلمون أحداً أفضل من صحابة رسول الله ﷺ .
وقوله: "وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً" يعني: الذين وُلدوا بعد بِعْثَة النبي ﷺ من أولاد المسلمين، وبقوا على الفطرة الصحيحة، وآمنوا بالله ورسوله، ولم يشركوا بالله شيئاً. وهذا- أيضاً- فيه فضل من سَلِم من الشرك، بحيث إن الصحابة توقَّعوا أنهم هم الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، ففيه فضل من سَلِم من الشرك، ولكن من وقع في الشرك ثم تاب تاب الله عليه، وصار من أفضل المسلمين لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، ولكن الصحابة توقَّعوا أن مواليد الإسلام الذين لم يشركوا بالله شيئاً، هم المعنيُّون بهذا الحديث.
وهذا- أيضاً- يدل على المحافظة على الأولاد، والمحافظة على فطرتهم. ويدل على وجوب التربية على الإسلام، والتربية على التّوحيد، وتصحيح العقيدة، لأن بعض الناس اليوم لا تهمهم العقيدة، ويقولون العقيدة أمرها سهل، والناس أحرار في عقائدهم، ولا يهتمون بأمر الشرك، ويقولون هذه اجتهادات، ولا يهتمون بالدعوة إلى التّوحيد، والتحذير من الشرك، وتصحيح العقائد.
فقول الصحابة: "فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً"يدل على خطر الشرك، وأن الإنسان لو وُلد في الإسلام فإن هذا لا يكفي، لابد أن يَسْلم من الشرك، ولا يسلم من الشرك إلاَّ إذا عرفه وعرف طرقه، حتى يتجنّبه ويحذّر منه، أما من يجهل الشيء فربما يقع فيه، لأنه لا يدري عنه؛ وعمر بن الخطاب ﵁ يقول: "إنما تُنْقَضُ عُرى الإسلام عُروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وحذيفة بن اليمان ﵁ يقول: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه"، فهذا أمر عظيم جدًّا، الاهتمام بأمر العقيدة، والخوف من الشرك، ومن خاف من شيء فإنه يهرب منه، ولا يمكن أن
стр. 85
فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: "هم الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يَكْتَوُون، ولا يَتَطَيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون".
ــ
يهرب منه إلاَّ إذا عرف من أن يأتيه هذا العدو، ومن أين يدركه، فهذا أمر عظيم.
وقوله: "ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه" ذكروا ما بحثوا فيه، وما خاضوا فيه، والاجتهادات التي أبدَوْها حول هذا الأمر. وهذا فيه دليل على مشروعية المباحثة في أمور العلم، والبحث عن معاني كلام الله وكلام رسوله ﷺ حتى نعمل به، وننتفع به.
وقوله: "قال: هم الذين لا يَسْتَرْقُون" يعني: لا يطلبون من غيرهم أن يَرقيهم، لماذا؟، لأن طلب الرُّقية من الناس سؤال للمخلوق، والسؤال للمخلوق فيه ذِلّة، فهم يستغنون عن الناس، ويعتمدون على الله ، وهذا من تمام التّوحيد: أن الإنسان لا يسأل الناس، والنبي ﷺ بايع بعض أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئاً، فكان أحدهم إذا سقط سوطه من على راحلته لا يقول لأحد: ناولني السوط، لأنهم يريدون الاستغناء عن الناس، لكن سؤال أهل العلم عما أشكل ليس من هذا، وهو واجب قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، إذا كان ذلك عن حاجة، أما سؤال التعنّت والاستكبار وتعجيز المسؤول، فهذا لا يجوز، لأنه ليس عن حاجة، وإنما هو عن إظهار عَظَمة، وأن السائل أعلم من المسؤول، وهذا لا يجوز، وسؤال المال، يجوز للحاجة إذا كان الإنسان مضطرًّا، فإنه يجوز أن يسأل الناس حتى ترتفع ضرورته، أما سؤال الإنسان وهو غني، فهذا حرام: "من سأل الناس تكثّراً، فإنما يسأل جمراً، فليُقِل أو ليستكثر".
وقوله: "ولا يَكْتَوُون" كذلك لا يطلبون من غيرهم أن يكويهم بالنار من أجل العلاج.
والكَيْ بالنار نوع من أنواع الطب، وقد قال النبي ﷺ : "الشفاء في ثلاث: شَرْبة عسل، أو شَرْطة مِحْجَم، أو كيّة بنار"، وفي رواية أخرى: "وأنا أكره الكَيْ "، فالكَيُّ عند الحاجة علاج مباح، ولكنه إذا طلبته من غيرك، يكون مكروهاً لأنه من مسألة الناس، وكذلك يكره الكيّ ذاته، لما فيه من التعذيب بالنار.
قوله: "ولا يَتَطَيَّرون" التطيّر هو: التشاؤم بالطيور وغيرها، ثم يرجع المتطير
стр. 86
فقام عُكّاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت منهم" ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عُكّاشة".
ــ
عن ما عزم عليه، هذا هو التّطيُّر، أما التفاؤل فهو مشروع، وكان النبي يعجبه الفَأْل، لأن الفَأْل حسن ظن بالله ، أما الطِّيَرة فهي سوء الظن بالله.
فهؤلاء السبعون الألف استحقوا هذه المنزلة، لأنهم تركوا أموراً محرمة وهي الطيرة، أو مكروهة وهي طلب الرقية والكي من الناس، فهم تركوها استغناء عن الناس، وتوكلاً على الله .
أما أن الإنسان يَرْقِي نفسه أو يَرْقِي غيره، فهذا فعله النبي ﷺ فرقى نفسه ورقى غيره ورقاه غيره فلا كراهة في ذلك.
يبقى قضية التداوي بالمباح كالحبوب- مثلاً-، أو بالأعشاب، أو بإجراء العمليّات الجراحيّة: واستئصال الأورام أو الزوائد؛ فهذا مباح، من غير كراهة لقول النبي ﷺ : "تداووا ولا تداووا بحرام"، وقوله ﷺ : "ما أنزل الله داءاً إلاَّ وأنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله" ومن العلماء من يرى أن التداوي مستحب، ومن العلماء من يرى أنه واجب، والتدواي سواءً كان مباحاً أو مستحبًّا أو واجباً لا ينافي التوكل، لأن بعض الجهّال يقول: اتْرُك التدواي توكّلاً على الله، نقول: الأخذ بالأسباب لا ينافى التوكل، والتداوي سبب، والأخذ بالأسباب قد أمر الله تعالى به.
قوله: "فقام عُكّاشة بن مُحصَن" عُكّاشة بن مُحصَن الأسدي، من السابقين إلى الإسلام، شهد غزوة بدر، وغيرها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وعاش بعد النبي ﷺ وقاتل في حروب الرّدة حتى قُتل، ﵁.
"فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم" هذا فيه مشروعيّة طلب الدعاء من أهل الخير، الأحياء، لأن هذا الصحابي طلب الدعاء من رسول الله ﷺ وأقرّه على ذلك، فدلّ على جواز، طلب الدعاء من الصالحين الأحياء.
"قال: أنت منهم" أخبر ﷺ أن عُكّاشة من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة
стр. 87
بلا حساب ولا عذاب، وقد وقع ما أخبر به ﷺ ، فإنه قُتل شهيداً في سبيل الله وفي هذا دليل من أدلة النبوّة، حيث أخبر ﷺ أن عُكّاشة من السبعين الألف، وقتل شهيداً في سبيل الله ، فصار في زُمْرة الشهداء في سبيل الله، مع سَبْقه إلى الإسلام، وشهوده بدراً وغيرها مع الرسول ﷺ .
" ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عُكّاشة"، كأن الرسول ﷺ علم أن هذا الرجل لا يصل إلى هذه المرتبة، ولكن ما جابهه بكلام يكرهه، ولم يقل له: أنت لا تستحق، أو أنت لست من أهل هذه المنزلة، وهذا من حُسن أدب الرسول ﷺ بل جاء بكلمة لم تؤثر على الرجل، وهي وافية بالمقصود، فقال: "سبقك بها عُكّاشة".
قال الشيخ ﵀ في مسائله: "هذا فيه استعمال المعاريض" يعني: الكلمات التي تُستعمل بدل الكلمات المكروهة، لأنه لو قال لا تستحق هذا، أو أنت لا تصل إلى هذه المرتبة، لحصل عند الرجل انكسار نفس وخجل، فالرسول ﷺ كان كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، فالرسول ﷺ علم أن هذا الرجل - بما علّمه الله لا يصل إلى هذه المرتبة، ولكنه جاء بكلمة ليّنة لطيفة ليس فيها تجريح، فهذا فيه حُسن الأدب مع المسلمين، وعدم مواجهتهم بما يكرهون من الكلمات النابية، حتى ولو كانوا على خطأ، فهم يواجهون بكلمات فيها تطييب لخواطرهم، وعدم تجريح لنفوسهم.
فهذا حديث عظيم دلَّ على مسائل:
أولاً: دلَّ على جواز الرُّقية من العين ومن الحُمة وغيرهما، لأنه فعله حُصين بن عبد الرحمن، واستدل بحديث الرسول ﷺ .
ثانياً: في الحديث دليل على فضل موسى ﵇ وأمته الذين آمنوا به.
ثالثاً: فيه دليل على عدم الاحتجاج بالكثرة، وهذه مسألة مهمة.
ورابعاً: فيه حرص الصحابة على مسائل العلم ومعرفتها، حيث خاضوا في طلب معنى هذا الحديث الذي ألقاه عليهم رسول الله ﷺ وبحثوا فيه، قال الشيخ: فيه المناظرة في العلم.
стр. 88
خامساً: في الحديث دليل على كراهية سؤال الناس: "لا يَسْتَرْقُون، ولايُكْتَوُون"، ففيه كراهيّة سؤال الناس، وأن سؤال الناس فيه تنقيص للتوحيد، أما الاستغناء عنهم فهذا فيه كمال للتّوحيد، وهو من تحقيق التّوحيد.
سادساً: الحديث دليل على جواز العلاج بالكَيْ، مع الكراهة بشرط أن يكون المعالج به من أهل المعرفة، الذي يعرفون موضع الألم وموضع الكَيْ، ومقدار الكَيْ، وفيه دليل على أن الإصابة بالعين حق، وأنها تُعالج بالرُّقية، وتعالج بما أرشد إليه النبي ﷺ من الاستغسال- أيضاً-.
سابعاً: فيه دليل على علم من أعلام نبوّته ﷺ حيث أخبر أن عُكّاشة من السبعين الألف، وقد قُتل شهيداً في سبيل الله بعد ذلك.
ثامناً: وفيه دليل على استعمال المعاريض في الأمور التي يُكره مواجهة الناس بها، وحُسن خلقه ﷺ في تعامله مع أصحابه، وكذلك يجب أن يقتدي به أهل العلم وأهل الدعوة في مخاطبتهم للناس.
تاسعاً: وفيه دليل على طلب الدليل على المذهب، حيث إن سعيد بن جُبير طلب من حُصين بن عبد الرحمن الدليل على ما فعله من طلب الرقية فلما جاء بالدليل استحسنه، وقال له: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع".
عاشراً: وفيه دليل على ما تَرْجَم له المصنف، وهو الشاهد للباب أن من حقّق التّوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، وأن تفسير ذلك بأن يترك الشرك الأكبر والأصغر، ويترك الأمور المكروهة، احتياطاً لعقيدته.
стр. 89
[الباب الرابع:] * باب الخوف من الشرك
ــ
هذا الباب في غاية المناسبة للأبواب السابقة، وهذا من دقّة فقهه وفهمه ﵀، وحُسن تأليفه، فإنه لما ذكر في الباب الأول: معرفة حقيقة التّوحيد، وذكر في الباب الثاني: فضل التّوحيد وما يكفّر من الذنوب، وذكر في الباب الثالث: من حقّق التّوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب. لما ذكر هذه الأبواب ناسب أن يذكر ضدّ التّوحيد وهو الشرك، لأنه لا يكفي أنّ الإنسان يعرف التّوحيد ويعمل به، بل لابد أن يعرف ضدّه وهو الشرك، خشية أن يقع فيه، ويُفسد عليه توحيده، لأن من لا يعرف الشيَّء يوشك أن يقع فيه، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "يوشك أن تُنْقَض عُرى الإسلام عُروة عُروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" لأنه لا يدري عن أمور الجاهلية أو يحسبها شيئاً طيّباً وهي من أمور الجاهلية، فبجهله بحقيقتها الْتَبَسَتْ، فصار يفعلها وهي من الجاهلية، فكذلك وأخطر من ذلك من لا يعرف الشرك ومداخله، وأنواعه، وأخطاره، فإنه حَرِّيٌ أن يقع في الشرك من حيث لا يدري، لأن الجهل داء قاتل، والشاعر يقول:
والضد يظهر حسنه الضد ... وبضدها تتبين الأشياء
فلا يعرف قيمة الصحة إلاَّ من ذاق المرض، ولا يعرف قيمة النور إلاَّ من وقع في الظلام، ولا يعرف قيمة الماء إلاَّ من عطش، وهكذا، ولا يعرف قيمة الطعام إلاَّ من مسّه الجوع، ولا يعرف قيمة الأمن إلاَّ من أصابه الخوف، إذاً لا يعرف قيمة التّوحيد، وفضل التّوحيد، وتحقيق التّوحيد إلاَّ من عرف الشرك وأمور الجاهلية حتى يتجنّبها، ويحافظ على التّوحيد، ومِن هنا يظهر خطأ هؤلاء الذين يقولون: لا داعي أن نتعلم العقائد الباطلة ونعرف المذاهب الباطلة، ونرد على المعتزلة والجهمية، لأنهم بادوا وذهبوا، علموا الناس التّوحيد ويكفي، أو بعضهم يقول لا تعلّموهم التّوحيد لأنهم أولاد فطرة، ونشأوا في بلاد المسلمين، علّموهم أمور الدنيا: الصناعات والاختراعات والأمور الحديثة، أما التّوحيد فيحصلونه بفطرتهم وبيئتهم، نعم وجُد من يقول هذا، وبعض الناس يقول: الناس تجاوزوا مرحلة الخرافات،
стр. 90
لأنهم تثقفوا وعرفوا، فلا يمكن أنهم يشركون تتعد ذلك، لأن الشرك كان في الجاهلية، يوم كان الناس سذج ويسمون الشرك في العبادة شركاً ساذجاً، والشرك عندهم ما يسمونه بالشرك السياسي أو شرك السلاطين أو شرك الحاكمية.
ولذلك لا يهتمون بإنكار هذا الشرك الذي بعثت الرسل لإنكاره، وإنما ينصبّ إنكارهم على الشرك في الحاكمية فقط.
وكل هذه من حيَل الشيطان لبني آدم، والواجب أننا، كما نعرف الحق؛ يجب أن نعرف الباطل، من أجل أن نعمل بالحق، ونتجنّب الباطل، ولهذه المناسبة العظيمة ذكر الشيخ "باب الخوف من الشرك" بعدما ذكر أبواب التّوحيد وفضله، وما يكفر من الذنوب، وتحقيق التّوحيد وهذه نعمة عظيمة لكن إذا حازها الإنسان، فإنه يخشى من ضدها، فلابد أن يعرف ضدّها حتى يتجنّبه، فلنتنبّه لهذا الأمر، فإن هناك أناساً الآن كثيرين يزهِّدون في تعلم هذه الأمور: تعلّم التّوحيد، تعلّم الشرك، معرفة الشُّبَه والضلال، يزهدون في هذه الأمور، وهذا إما من جهلهم، وعدم معرفتهم، وإما لأنهم يريدون الدّس على المسلمين، وإفساد عقيدة المسلمين، فلنحذر من هذا الأمر، سمعنا من يقول إن الذي يدرس عقائد المعتزلة والرد عليهم مثل الذي يرجم القبر، لأنهم ماتوا، يقولون كذا، نقول: يا سبحان الله هم ماتوا بأشخاصهم، لكن مذاهبهم باقية، وشبهاتهم باقية، وكتبهم، تطبع الآن وتحقق، وينفق عليها الأموال، وتُرَوّج، فكيف نقول نتركهم لأنهم ماتوا، والله تعالى ذكر شبهات المشركين من الأمم السابقة: فرعون وهامان وقارون وقوم ونوح وعاد وثمود، مع أنها أمم بائدة، ذكر شبهها ورد عليها، فالعبرة ليست بالأشخاص، العبرة بالمذاهب، والعبرة بالشُّبَه الباقية ولكل قوم وارث.
ولهذا قال الشيخ: "باب الخوف من الشرك" أي: أن الموحّد يجب أن يخاف من الشرك، ولا يقول أنا موحّد وأنا عرفت التّوحيد، ولا خطر علي من الشرك، هذا إغراء من الشيطان، لا أحد يزكي نفسه، ولا أحد لا يخاف من الفتنة ما دام على قيد الحياة، فالإنسان معرّض للفتنة، ضلّ علماء أحبار، وزلّت أقدامهم، وخُتم لهم بالسّوء، وهم علماء، فالخطر شديد، ولا يأمن الإنسان على نفسه أن تَنْزَلِق قدمه في
стр. 91
وقول الله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ .
ــ
الضلال، وأن يقع في الشرك، إلاَّ إذا تعلم هذه الأمور من أجل أن يجتنبّها، واستعان بالله، وطلب منه العصمة والهداية: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ خافوا من الزّيغ بعد الهداية، والمهتدي يكون أشد خوفاً أن يزيغ، وأن تزلّ قدمه، وأن تسوء خاتمته، وأن يكون من أهل النار، نسأل الله العافية.
قال: "وقول الله : " ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " هذا خبر من الله عن نفسه مؤكّد بـ "إنّ".
أنه: " ﴿لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ " فهذا فيه خطورة الشرك، فالله لا يغفر للمشرك مع أن رحمته وسعت كل شيء، ولكن المشرك لا يدخل فيها، لعِظم جريمته- والعياذ بالله، فمن مات على الشرك فإنه لا يغفر له، وهذا يدلّ على خطورة الشرك، فإذا كان الشرك بهذه الخطورة، فإنه يجب الحذر منه غاية الحذر، كل الذنوب مَظِنّة المغفرة ورجاء المغفرة إلاَّ الشرك. والشرك لا يمكن تجنبه إلاَّ إذا عرف وعرف خطره.
وفي الآية الأخرى أخبر سبحانه أنه حرم الجنة على المشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والحرام: الممنوع، فلا يمكن أنّ المشرك يذوق طعم الجنة، أو يشم رائحة الجنة.
وفي الآية الثالثة: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ، منعهم الله من دخول المسجد الحرام لأنهم نجس، ونجاسة الشرك نجاسة معنويّة، والمسجد الحرام لا يدخله إلاَّ أهل التّوحيد ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ كذلك المشرك حلال الدم والمال، قال ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله ".
قوله.: "وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ الخليل هو إبراهيم ﵇، سمي بالخليل لأن الله سبحانه اتخذه خليلاً، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ
стр. 92
وفي الحديث قال: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه، فقال: "الرياء".
ــ
اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ من الخُلَّة، وهي أعلى درجات المحبة، أي: أن الله يحبه أعلى المحبة، وهذه مرتبة لم ينلها إلاَّ إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
قوله: " ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ " أي أبعدني واجعلني في جانب بعيد " ﴿أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ " خاف من عبادتها.
مع هذه المنزلة العظيمة التي نالها إبراهيم ﵇ من ربه، ومع أنه قاوم الشرك وكسر الأصنام بيده، وتعرض لأشد الأذى في سبيل ذلك حتى ألقي في النار، مع ذلك خاف على نفسه من الوقوع في الشرك، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والحي لا تؤمن عليه الفتنة، ولهذا قال بعض السلف: "ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ "، فإبراهيم خاف على نفسه الوقوع في الشرك لما رأى كثرة وقوعه في الناس، وقال عن الأصنام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ .
وفي هذا أبلغ الرد على هؤلاء الذين يقولون: لا خوف على المسلمين من الوقوع في الشرك بعدما تعلموا وتثقفوا، لأن الشرك بعبادة الأصنام شرك ساذج يترفع عنه المثقف والفاهم، وإنما الخوف على الناس من الشرك في الحاكمية، ويركزون على هذا النوع خاصة، وأما الشرك في الألوهية والعبادة فلا يهتمون بإنكاره، وعلى هذا يكون الخليل ﵇ وغيره من الرسل إنما ينكرون شركاً ساذجاً!!، ويتركون الشرك الخطير وهو شرك الحاكمية كما يقول هؤلاء.
قال: "وفي الحديث" أي الحديث الذي رواه أحمد والطبراني والبيهقي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، الرسول ﷺ يقول لأبي بكر وعمر ولسادات المهاجرين والأنصار، الذين بلغوا القمّة في التّوحيد والإيمان والجهاد في سبيل الله، ومع هذا الرسول يخاف عليهم، فمن يأمن بعد هؤلاء؟: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه فقال: "الرياء" هذا دليل على اهتمام الصحابة في الأمر، والرياء معناه: أن الإنسان يتصنّع أمام الناس بالتقوى، والعمل الصالح، وإتقان الصلاة، وغير ذلك، من أجل أن يمدحوه، فالرياء من الرؤية أن يحب الإنسان أن يراه الناس وهو يعمل العمل الصالح من أجل أن
стр. 93
يمدحوه، والسُّمعة أن يحب الإنسان أن الناس يسمعون كلامه ويسمعون عمله ويمدحونه، فالرياء لما يُرى من الأعمال، والسُّمعة لما يسمع منها.
والرياء شرك خفي، لأن الشرك على نوعين: شرك ظاهر وشرك خفي، الشرك الظاهر: الذي يتمثل في الأعمال والأقوال، بأن يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله، أو يستغيث بغير الله، هذا ظاهر يراه الناس ويسمعونه، لكن هناك شرك خفي لا يدري عنه الناس، لأنه في القلب، لا يعلمه إلاَّ الله ، وهو الشرك في النيّة والإرادة، فالإنسان إذا سَلِم من الشرك الأكبر فإنه قد لا يسلم من الشرك الأصغر الذي يكون في القلوب، وهذا مما يُعطي المؤمن الحذر الشديد.
والرياء من صفات المنافقين، يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً (١٤٢) ﴾ والله تعالى توعّد المرائين، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (٦) ﴾ فوعدهم الله بالويل، وجاء في الحديث أن الله يقول للمرائين يوم القيامة: "اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم في الدنيا هل تجدون عندهم جزاءً".
فهذا الحديث فيه الخوف من الشرك، لأن النبي ﷺ خافه على سادات المهاجرين والأنصار، وعلى أفضل هذه الأمة، فكيف بمن دونهم، وإذا كان هذا في الشرك الأصغر الذي لا يُخرج من الملّة فكيف بالشرك الأكبر- والعياذ بالله-.
وفيه دليل على وجوب إخلاص النية لله ، وان الإنسان لا يقصد مدح الناس أو ثناء الناس أو مطامع دنيا بأعماله الصالحة، وإنما يخلص النيّة لله ، يريد وجه الله، فإن عَمِل من أجل الرياء فعمله باطل.
فهذا الحديث يدل أولاً: على الخوف من الشرك.
ثانياً: أن الرياء شرك، ومعناه- كما ذكرنا-: أن يحب الإنسان أن يراه الناس على الطاعة فيُثنوا عليه بها.
وثالثاً: أن الرياء شرك خفي، لا يعلمه الناس، وإنما الله جل وعلا هو الذي يعلمه، لأنه في القلوب.
стр. 94
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندّاً دخل النار" رواه البخاري.
ولمسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار".
ــ
قال: "وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات وهو يشرك بالله شيئاً دخل النار" هذا خبر من الرسول ﷺ أنّ من مات على الشرك فهو من أهل النار، ولا يُغفر له. ولاحظوا كلمة "شيئاً" تعم الشرك كله، ما أشرك مع الله من نبي أو ولي أو ملك، لأن الشرك لا يقبله الله أبداً: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ .
ومن يدري متى يموت؟، ومن يدري ماذا يموت عليه؟، فالإنسان يخاف على نفسه من سوء الخاتمة، وأن يموت وهو يشرك بالله، فيكون من أهل النار، فالإنسان يجب عليه أن يحذر من الشرك طول حياته لأنه لا يدري في أي لحظة يموت، فيكون من أهل النار.
فهذا فيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يُختم له بالشرك فيكون من أهل النار، ولو كان من أهل التّوحيد قبل ذلك، وعارف به، ومستقيم، لكن يخاف على نفسه من أنه يتنكس بعد ذلك، ويشرك بالله، ويموت على ذلك فيكون من أهل النار، فنسأل الله الثبات، فيكون عنده حذر دائماً وأبداً من الشرك.
قال: "ولمسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة" هذا فيه فضل التّوحيد، وأن من مات عليه دخل الجنة، وهذا وعد من الله ، والله لا يخلف وعده، حتى ولو كان عنده ذنوب ومعاص دون الشرك، فقد يغفرها الله له ويدخله الجنة من غير عذاب، وقد يعذبه الله بها ثم يدخله الجنة، فمآل الموحّد إلى الجنة، إما ابتداءً وإما في النهاية.
فقوله: "من لقي الله " يعني: مات.
"ومن لقيه يُشرك به شيئاً دخل النار" هذا مثل حديث ابن مسعود، من مات على الشرك، فإنه من أهل النار،- نسأل الله العافية-.
فهذا فيه الحذر من سوء الخاتمة.
стр. 95
وفيه- كما ذكر الشيخ ﵀ قرب الجنة والنار من الإنسان، فما بينه وبين الجنة والنار إلاَّ أن يموت، ولا يدري، ربما يموت في الحال، ربما يموت بعد دقائق، أو بعد شهر، أو بعد سنة، ما بينه وبين النار والجنة إلاَّ الموت، فإذا مات دخل النار أو دخل الجنة، ففيه قُرب الجنة والنار من الإنسان، والنبي ﷺ يقول: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك"، والشاعر يقول:
كل امرئ مُصَبِّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
تصبح في الدنيا وتمسي في الجنة، أو بالعكس-.
فهذا الحديث فيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان يخشى أن يلقى الله وهو على الشرك فيكون من أهل النار، والعياذ بالله.
وفي نصوص الباب أن الإنسان لا يغتر بنفسه مهما بلغ من العلم والإيمان والمعرفة، بل يعترف بعجزه وفقره إلى الله ، وأنه إن لم يعصمه الله فإنه على خطر.
كما أن في الباب - أيضاً- بيان معنى لا إله إلاَّ الله- كما يقول الشيخ في مسائله-: "في الباب معنى لا إله إلاَّ الله، وذلك في الحديث الأخير: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار"، هذا هو معنى لا إله إلاَّ الله، لأن في هذا الحديث التّوحيد والشرك، ولا إله إلاَّ الله أثبتت التّوحيد ونفت الشرك، فـ (لا إله) نفي للشرك، و (إلاَّ الله) إثبات للتّوحيد.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا وإياكم الثبات على دينه، وأن يُرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن لا يجعله ملتبساً علينا فنضل، ونعوذ بالله من الغرور، ونعوذ بالله من الإعجاب، ونعوذ بالله من تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .
стр. 96
[الباب الخامس:] * باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله
ــ
قال المؤلف ﵀: "باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله".
مناسبة هذا الباب لما قبله من الأبواب ظاهرة جدّاً، فإنه في الأبواب السابقة ذكر في الباب الأول: معرفة التّوحيد، وفي الباب الثاني: ذكر فضل التّوحيد، وفي الباب الثالث: ذكر فضل من حقق التّوحيد، وفي الباب الرابع: ذكر ما يضاد التّوحيد، وهو الشرك. فإذا كان طالب العلم ألَمَّ بهذه الأبواب، وعرفها معرفة جيدة، عرف التّوحيد وفضله وتحقيقه، وعرف ما يضاده من الشرك الأكبر أو ينقصه من الشرك الأصغر والبدع وسائر المعاصي، فإنه حينئذٍ تأهّل للدعوة إلى الله ، لأنه لا يجوز للإنسان إذا علم شيئاً من هذا العلم أن يختزنه في صدره، ويُغلق عليه، ويختصه لنفسه، هذا العلم مشتَرك بين الأمة، فمن عرف شيئاً منه فإنه يجب عليه أن ينشره، وأن يدعو الناس إليه، فإن هذه الأمة أمة دعوة، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) ﴾ ، فلا يجوز للمسلم الذي عرف شيئاً من العلم أن يسكت عليه وهو يرى الناس في حاجة إليه، خصوصاً علم التّوحيد وعلم العقيدة، لأنه إذا فعل ذلك فقد ترك واجباً عظيماً، ولا يقول الإنسان أنا ما علي إلاَّ من نفسي- كما يقوله بعض الجهلة أو الكسالى-، أنا ما عليَّ من الناس!! بل عليك نفسك أولاً، ثم عليك أن تدعو الناس إلى دين الله ، فإن اقتصرت على نفسك تركت واجباً عظيماً تحاسب عنه يوم القيامة، وتعرّض نفسك لغضب الله حيث تركت ما أوجبه عليك من الدعوة إلى الله ، هذا وجه المناسبة، وهي ظاهرة.
فقوله: "باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله" أي: الدعوة، وأن المسلم الذي منّ الله عليه بمعرفة التّوحيد، ومعرفة الشرك لا يسعه أن يسكت وهو يرى الناس يجهلون التّوحيد، ويقعون في الشرك الأكبر والأصغر، ويسكت على ذلك، كما هو واقع كثير من طلبة العلم والعلماء، الذين يرون الناس على العقائد الفاسدة
стр. 97
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية.
ــ
والعقائد الباطلة وعبادة الأضرحة، ويسكتون على ذلك، ويقولون: نحن لا نهتم إلاَّ بأنفسنا. بهذا ضيّعوا واجباً عظيماً، ولو أن العلماء وطلبة العلم قاموا بما أوجب الله عليهم من هذا الأمر في جميع الأمصار لرأيت للمسلمين حالة غير هذه الحالة، فالآن بلاد الإسلام تعج بالشرك الأكبر، تُبنى فيها المشاهد، والمزارات الشركية، ويُنفق عليها الأموال، ودول الكفر تساعد على ذلك، والمسلمون ساكتون على هذا الوضع، وهذا خطر عظيم أصاب الأمة، وما أصيبت به من حروب ومجاعات وأمور تعرفونها إنما هو نتيجة لهذا الإهمال- والعياذ بالله-، فهذا واجب عظيم.
قال رحمه الله تعالى: "وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) ﴾ هذه الآية في آخر سورة يوسف، يأمر الله نبيه محمداً ﷺ أن يُعلن للناس عن بيان منهجه ومنهج أتباعه، وهو الدعوة إلى الله على بصيرة، فدل على أن من لم يدع على بصيرة فإنه لم يحقق اتباع النبي ﷺ وإن كان عالماً وفقيهاً.
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد للناس.
﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ السبيل معناها: الطريق التي أسير عليها.
﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، وكذلك الدعوة إلى بقيّة شرائع الدين، فتكون الدعوة للكفار للدخول في الإسلام، وتكون الدعوة للعصاة من المسلمين للتوبة إلى الله وأداء الواجبات والتحذير من الوقوع في الشرك، واجتناب المحرمات، فالدعوة ليست مقصورة على دعوة الكفار، بل حتى المسلمون الذين هم بحاجة إلى الدعوة لوقوعهم في المعاصي والمخالفات يحتاجون إلى دعوة، دعوة إلى التوبة، وأداء الواجبات، وترك المحرمات، والمخافة من الله ، فالدعوة عامة. والدعوة إلى معرفة التّوحيد ومعرفة ضده.
﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ قال الشيخ ﵀: "فيه التنبيه على الإخلاص، فإن بعض الناس إنما يدعو إلى نفسه" فقد يكون الإنسان يدعو، ويحاضر ويخطب، لكن قصده من ذلك أنه يتبيّن شأنه عند الناس، ويصير له مكانة، ويمدح من الناس، ويتجمهرون
стр. 98
عليه، ويكثرون حوله، فإذا كان هذا قصده، فهو لم يدع إلى الله، وإنما يدعو إلى نفسه والإنسان الذي يترك الدعوة فإنه ترك واجباً عظيماً، والإنسان الذي لم يُخلص في الدعوة يقع في محظور عظيم، بل لابد من الدعوة وأن تكون خالصة لوجه الله ، ويكون القصد منها إقامة شرع الله، والقصد منها هداية الناس ونفع الناس، مدحوك أو ذمُّوك، فبعض الناس، إذا لم يُمدح ويشجّع تَرَكَ الدعوة، وهذا دليل على أنه لا يدعو إلى الله، وإنما يدعو إلى نفسه، فليتنبّه المسلم ويكون رائده وقصده من دعوته هو الإخلاص لوجه الله ، ونفع الناس، وتخليصهم من الشرك، ومن البدع، ومن المخالفات، وأن يؤدي الواجب الذي عليه، والكثرة حول الشخص لا تدل على فضله، بعض الأنبياء لم يتبعه إلاَّ القليل: "النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحداً"، هل هذا يدل على عدم فضل هذا النبي؟، لا، حاشا وكلاّ، فالإنسان لا ينظر إلى كثرة الحاضرين، "لأن يهدي الله بك وجلاً واحداً خير لك من حُمُر النعم".
اجتمع الناس على باب ابن مسعود ﵁ وهو يريد الخروج إلى الصلاة فلما خرج ومشوا خلفه، التفت إليهم وقال: "ارجعوا، فإنه فتنة للمتبوع، ذِلّة للتابع".
﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ البصيرة معناها: العلم، بل هي أعلى درجات العلم.
وفي هذا دليل على أنه يُشترط في الداعية أن يكون على بصيرة، أي: على علم بما يدعو إليه، أما الجاهل فلا يصلح للدعوة، بل لابد أن يتزوّد بالعلم قبل أن يَشْرَع في الدعوة، لأنه في دعوته يتعرض إلى شبهات ومناظرات، فمن أين يجيب إذا وقف في وجه معاند أو معارض أو مشبِّه، كيف يستطيع الخلاص. إنه يفشل، ويصير نَكْسَة على الدعوة، أو يجيب بجهل ويكون الأمر أخطر، إما أن يسكت عن الجواب وينتصر عليه الخصم، وإما أن يجيب بجهل فيكون الأمر أخطر. هذا من ناحية. والناحية الثانية: أن الداعية يحتاج إلى معرفة الحلال والحرام، فقد يقول بجهله هذا الشيء حرام وهو حلال، وقد يقول بجهله: هذا الشيء حلال وهو حرام، فالداعية يجب أن يكون على علم بما يدعو إليه، بحيث أنه يعرف الحلال والحرام، ويعرف
стр. 99
الواجب والمستحب والمحرّم والمكروه والمباح، ويعرف كيف يجيب على الاعتراضات والشبه والمجادلات، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، كيف يستطيع أن يجادل بالتي هي أحسن وهو ليس عنده علم؟!، فيُشترط في الداعية: أن يتأهل بالعلم، فإن بعض الدعاة اليوم ليس عندهم علم، وإنما يجيد الكلام والشَّقْشَقَة والخطابة، لكن ليس عنده علم، بحيث لو عرضت له أدنى شُبهة، أو سئل عن أدنى مسألة في الحرام والحلال تخبّط فيها.
﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: وأتباعي يدعون إلى الله على بصيرة، فدلّ على أن من لم يدع إلى الله لم يحقق إتباع الرسول ﷺ وأن من دعا إلى الله على جهل لم يحقق إتباع الرسول ﷺ ، بل إنه أدخل نفسه فيما ليس من شأنه، وصار خطراً على الدعوة، وعلى الدعاة.
ثم قال: ﴿وَسُبْحَنَ اللهِ﴾ سبحان: اسم مصدر من سبّح بمعنى: نَزَّه الله عما لا يليق به من الشرك والقول عليه بلا علم، فإن الله يُنَزَّه عن الشرك ويُنَزَّه عن القول عليه بلا علم، فهذا فيه وجوب تنزيه الله عن النقائص، وأعظمها الشرك.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذه براءة من الرسول ﷺ من المشركين، كما تبرّأ منهم خليل الله إبراهيم- ﵊: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، ففيه البراءة من المشركين، يعني: قطع المحبة والمودّة والمناصرة بينك وبين المشركين، لأنهم أعداء الله وأعداء رسوله، فلا يجوز لك أن تَوَدَّهم بقلبك أو تناصرهم أو تدافع عنهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ ، ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 100
آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
ففي هذا دليل على أنه يجب البراءة من المشركين، وأن من أصول الدعوة إلى الله: البراءة من المشركين، أما الداعية الذي لا يتبرأ من المشركين، فهذا ليس بداعية، وليس على طريقة الرسول ﷺ وإن زعم أنه يدعو إلى الله، والكفر بالطاغوت مقدم على الإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ، فلابد من البراءة من المشركين، أما الذين يقولون: "ما علينا من عقائد الناس، من دخل في جماعتنا وصار معنا فهو أخونا، وعقيدته له" هذه ليست دعوة إلى الله ، وإنما هي دعوة إلى الحزبية والعصبية.
ففي هده الآية الكريمة مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: أن طريقة النبي ﷺ وطريقة أتباعه على الحقيقة: الدّعوة إلى الله.
المسألة الثانية: أن من لم يدع إلى الله وهو يستطيع الدعوة إلى الله، فإنه لم يحقق إتباعه للرسول ﷺ بل إتباعه فيه نقص عظيم.
المسألة الثالثة: وهي المسألة التي نبّه عليها الشيخ في مسائله: التنبيه على الإخلاص في الدعوة لقوله: ﴿إِلى اللهِ﴾ فإن بعض الناس إنما يدعو إلى نفسه، فالذي يقصد المدح والثناء وكثرة الأتباع وكثرة الجماعة وكذا وكذا والفَخْفَخَة، هذا لا يدعو إلى الله.
المسألة الرابعة: -وهي المسألة العظيمة-: أن الداعية إلى الله لابد أن يكون على بصيرة، مؤهّلاً بالعلم النافع الذي يستطيع به أن يدعوَ إلى الله، وأن يجادله المُغرضين والمعارضين، ويَدْحضَ حججهم بلسانه وبقلمه، الدعوة إلى الله تكون باللسان وتكون بالقلم أيضاً، وتكون بالسيف والجهاد، فيُشترط في الداعية شرط أساسي، بل أصلي، بأن يكون على علم، وأما الجاهل فلا يصلح للدعوة، وإن كان عنده عبادة، وعنده. ورع، وعنده تُقى، وعنده غيرة على الدين، وعنده محبة للدين، هذا شيء طيّب، وصفات طيّبة، لكن نقول له: يا أخ الدعوة لا يدخل فيها إلاَّ من
стр. 101
كان على علم، أما مجرّد الخوف والخشية والعبادة والورع والغيرة والصلاح، فهذا شيء طيّب، لكن أنت لا تصلح للدعوة لأنك لست على علم، والله تعالى يقول: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ .
ويقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ ، والحكمة هي العلم، فأنت لا تصلح للدعوة، تعلّم أولاً، فإذا تعلّمت تعال للدعوة، فالدعوة ليست بالمسألة الهيّنة، ولذلك عندما حصل هذا الإهمال في الدعوة حصل ما ترون الآن من التفكك والتخاذل لأن الدعوة دخل فيها ما هب ودب، من الجهال والمُغرضين وأصحاب المطامع، ولا تنجح دعوة لم يتوفر فيها الشروط الإلهية التي اشترطها الله تعالى، ولا يبقى إلاَّ الأصلح دائماً وأبداً، ولو كثرت الجماعات الدعوية، ما دامت أنها ليست على الشروط التي اشترطها الله، والمنهج الذي رسمه الله ورسوله، فإنها لا تنجح مهما بلغت من الكثرة والقوة، وستتلاشى وتصاب بالنَكْسَة والفشل، أما إذا كانت مؤسَّسة على العلم وعلى الإخلاص والنصيحة، فهذه هي التي تنجح بإذن الله ولو كانت من فرد واحد.
المسألة الخامسة: أن الشرك نقص عظيم يجب تنزيه الله عنه، لأن الله كامل، له الكمال المطلق فمن أشرك به فقد تنقصه ومن نفى صفات الله أو أوّلها فقد تنقص الله ، فالمؤوّلة والمشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، أو يؤوِّلون صفات الله، أو يُلحدون في أسمائه، هؤلاء تنقّصوا الله ، وهذا نقص ينزّه الله جل وعلا عنه، ومن وصفه بما لا يليق به أو سماه بغير ما سمى به نفسه فقد تنقصه، ومن حكم بغير ما أنزل فقد تنقصه، ومن عصى أمره أو ارتكب نهيه فقد تنقصه سبحانه.
المسألة السادسة:- وهي مهمة جدًّا-: البراءة من المشركين، فالذي يدعو إلى الله -بل وكل مسلم- لكن الذي يدعو إلى الله من باب أولى، لأنه قدوة، يجب عليه أن يتبرّأ من المشركين، لأنهم أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء المؤمنين، ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ، فمن لم يتبرأ من المشركين فإنه لم يحقق الدعوة إلى الله ، حتى وإن انتسب إليها، وهذه مسألة عظيمة.
стр. 102
وعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال له: " إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلاَّ الله".
ــ
قوله: "بعث معاذاً" البعث معناه: الإرسال.
"إلى اليمن" القُطر المعروف، جنوب الجزيرة، سُمِّيَ باليمن لأنه يقع أيمن الكعبة، والشام سُمِّيَ بالشام لأنه يقع شاميَّ الكعبة.
وكان بعث معاذ في السنة العاشرة، وقيل: في آخر السنة التاسعة قبل وفاته ﷺ . أرسل قاضياً ومعلّماً وداعياً إلى الله ، ينوب عن الرسول ﷺ في هذه المهمات.
فهذا أولاً: فيه مشروعية إرسال الدعاة إلى الله ، وأنه سنة نبوية.
وثانياً: فيه فضيلة لمعاذ ﵁، حيث إن النبي ﷺ اختاره لهذه المهمة العظيمة، مما يدل على فضله وعلمه، لأن الرسول لا يرسل إلاَّ من توفّرت فيه الشروط المطلوبة، وقد توفّرت في معاذ ﵁، وكان أعلم الناس بالحلال والحرام.
وفيه- أيضاً- العمل بخبر الواحد، لأن الرسول ﷺ أرسل معاذاً وحده.
وهذا يدل على أنه يعتمد خبر الواحد ولا يشترط التواتر- كما يقوله بعض الضُّلاّل-، يقولون: أمور العقائد لا يقبل فيها خبر الواحد. والرسول ﷺ اكتفى بخبر الواحد، فأرسل معاذاً إلى اليمن يدعو إلى الله ويعلم التّوحيد، وهكذا، ما كان الرسول يُرسل رسله جماعات وإنما كان يرسلهم أفراداً، كما بعث عليًّا، وبعث معاذاً، وبعث أبا عبيدة بن الجرّاح، وهذا يدل على قبول خبر الواحد في أصول الدين وفروعه، وأما ما قاله علماء الكلام فهو باطل.
"قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب" هذا فيه وصية الإمام لمندوبه حينما يرسله، أنه يخط له المنهج، ويرسم له الطريق الذي يسير عليه، وهذه سنة الرسول ﷺ في بعوثه، أنه إذا أرسل جيشاً أو سَرِيَّة يوصيهم.
"أهل الكتاب" أهل الكتاب المراد بهم: اليهود والنصارى، سُمُّوا أهل الكتاب لأن الله أنزل عليهم التوراة والإنجيل، التوراة على موسى ﵇ والإنجيل على عيسى - عليهما الصلاة والسلام-، فسُمَّيَ أتباع الرسولين بأهل الكتاب، فرقاً بينهم وبين الوثنيين، الذين ليس لهم كتاب، ولا يؤمنون بالرسل.
стр. 103
وقصْد النبي ﷺ من هذا أن يتأهّب معاذ لمن سيقدَم عليهم، وأنهم أهل كتاب يحتاجون إلى استعداد علمي للمجادلة والمناظرة.
وفي هذا أنه يجب على الداعية معرفة حالة المدعوين، وهذا من منهج الدعوة: أن الداعية ينظر في حالة المدعوين، ويخاطب كلاً منهم بحسب ما يليق به، فإن كان يخاطب علماء فإنه يخاطبهم بما يليق بهم، وإن كان يخاطب عواماً يخاطبهم بما يليق بهم، الناس ليسوا على حد سواء، فلا يليق بالداعية أنه يخاطب العلماء بخطاب الجهال، ولا يليق به أنه يخاطب الجهال بخطاب العلماء، ولا يليق بالداعية أنه يخاطب السلاطين بخطاب عامة الناس، أو يخاطب عامة الناس بخطاب السلاطين، كل يخاطبه بما يرى أنه أقرب إلى قبوله للحق، قال الله تعالى لرسوليْه موسى وهارون ﵇ لما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ .
قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلاَّ الله" هذا فيه التدرّج في الدعوة، وأنه يبدأ بالأهم فالأهم، وهذه طريقة الرسل، أنهم أول ما يبدءون بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، لأنها الأصل والأساس، الذي يُبنى عليه الدين، فإذا تحققت شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فإنه يمكن البناء عليها بالأمور الأخرى، أما إذا لم تحقق شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فلا فائدة من بقية الأمور، فلا تأمر الناس بالصلاة وعندهم شرك، ولا تأمرهم بالصيام والصدقة والزكاة وصلة الأرحام وكذا وكذا وهم يشركون بالته، لأنك لم تضع الأساس أولاً، وهذا بخلاف كثير من دعاة اليوم الذين لا يهتمون بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، وإنما يدعون الناس إلى ترك الربا، والى المعاملات الحسنة، وإلى الحكم بما أنزل الله، وإلى، وإلى، لكن التّوحيد لا يذكرونه، ولا يلتفتون له، وكأنه ليس مفروضاً، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فهؤلاء مهما أتعبوا أنفسهم فإن عملهم لا ينفع، حتى يحققوا الأصل في الأساس الذي تُبنى عليه أمور الدين، من: حاكمية، ومن صلاة، ومن زكاة، ومن حج، إلى آخره، هذا منهج الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وكذلك ذكر الله عن نوح ﵇ أنه قال أول ما قال لقومه: ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا
стр. 104
"وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله".
فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.
ــ
نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ ، فكل رسول أول ما يبدأ بالدعوة يبدأ بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، فيدعو إلى التّوحيد، وإلى تصحيح العقيدة، ثم بعد ذلك يأمرهم ببقية أوامر الدين، أما إنه يبدأ بالعكس، يبدأ بالأمور الجزئية والأمور الفرعية، ويترك الأصل، فهذا العمل لا ينفع، فلو فرضنا أن المجتمع صار بعيداً عن الربا، ويحافظ على الصلاة، وتمتلئ المساجد، وكل الأعمال تُعمل، لكن ليس هناك إخلاص في التّوحيد فهم يدعون غير الله، يدعون الأولياء والصالحين والأنبياء والقبور، فلا فائدة في أعمالهم، وهؤلاء ليسوا مسلمين، مهما صلوا وصاموا.
"وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله" لماذا جاء الشيخ بهذه الرواية؟، لأنها تفسِّر شهادة أن لا إله إلاَّ الله، بأن معناها: توحيد الله وإفراده بالعبادة، ليس المقصود منها اللفظ فقط، بأن يقول أشهد أن لا إله إلاَّ الله، بل لابد أن يوحّد الله في العبادة، أما إذا نطق بها بلسانه ولم يوحّد الله في العبادة، فلا تنفعه شهادة أن لا إله إلاَّ الله.
وفي هذا دليل على عموم رسالة محمد ﷺ ، فإنه مبعوث إلى العالم كله، بما فيهم أهل الكتاب، كما كتب ﷺ لهِرَقْل عظيم الروم، وكما كتب للمُقَوْقِس ملك مصر، وكما كتب لكِسْرى ملك الفُرس، وكما كتب لملوك الأرض، لأن الله أرسله إلى الناس عامة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ .
وقوله: "فإن هم أطاعوك لذلك" يعني: شهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله وعملوا بمقتضاهما.
"فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل بوم وليلة" هذا الركن
стр. 105
فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.
فإن هم أطاعوك لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم.
ــ
الثاني: لما حقق الركن الأول والأساس، انتقل إلى الركن الثاني وهو الصلاة، وهذا يدل على أهمية الصلاة، وأنها تأتي بعد التّوحيد مباشرة.
فمن لم يصل فإنه ليس بمسلم، وإن كان يشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله. كما دلت على ذلك الأدلة مثل قوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة" وغيره من الأدلة.
وقوله: "فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" هذه هي الزكاة، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ وهي الركن الثالث من أركان الإسلام.
"تُؤخذ من أغنيائهم" في هذا دليل على أن الزكاة لا تجب على الفقير، وإنما تجب على الغني وهو من يملك النِّصاب فأكثر.
"فتردُّ في فقرائهم" هذا فيه مصرف من مصارف الزكاة، فالفقراء صنف واحد من الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخر الآية.
واستدل العلماء ﵏ بهذا على أن الزكاة لا تحل لغني، وأن مصرف الزكاة يجوز الاقتصار فيه على صنف واحد من الأصناف الثمانية، لأن الرسول ﷺ هنا اقتصر على الفقراء، ويدخل فيهم المساكين.
واستدلوا به- أيضاً- على أن مصرف الزكاة في البلد الذي فيه المال، لا ينبغي نقلها إلى بلد آخر، إلاَّ إذا كان البلد الذي فيه المال ليس فيه فقراء، فإنها تنقل إلى أقرب بلد فيه فقراء من بلدان المسلمين.
"فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم" الكرائم جمع كريمة وهي: النفيسة من المال، يعني: لا تأخذ في الزكاة أحسن الأموال، لأن هذا فيه إجحاف بهم، كما أنك لا تأخذ أردأ المال، لأن هذا فيه ظلم للفقراء، ولكن خذ المتوسط، بين النفيس وبين الرديء، هذا هو العدل، إن أخذت النفيس
стр. 106
واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه.
ــ
ظلمت أصحاب الأموال، وإن أخذت الرديء ظلمت الفقراء، إذا أخذت الوسط اعتدلت.
"وإياك وكرائم" تخدير من الرسول ﷺ وفيه وجب العدل على الولاة، وعدم الظلم.
"واتق دعوة المظلوم" هذه وصيّة هامة، يجب على الراعي والأمير وكل مسلم أن يحذر من دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، أي دعوة المظلوم مستجابة، حتى ولو كان كافراً: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فالمظلوم ترفع دعوته إلى الله ، والله جل وعلا يجيب دعوة المظلوم.
وهنا سؤال أورده العلماء على هذا الحديث، يقولون: الرسول ﷺ ذكر ثلاثة أركان، الشهادتان والصلاة والزكاة، ولم يذكر الصيام، ولم يذكر الحج، فما الجواب عن هذا؟
فيه أجوبة كثيرة، لكن أصحها والذي اختاره الشيخ تقي الدين ﵀: أن الرسول ﷺ اقتصر على الأركان العظيمة الأساسية التي يقاتَل من تركها، وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا﴾ يعني: شهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ .
فالرسول ﷺ في هذا الحديث ذكر الأركان التي يُقاتل عليها، وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة. هذا من ناحية.
والناحية الثانية: أن هذه أركان ظاهرة، يراها الناس ويسمعونها، أما الصيام فهو أمر خفي بين العبد وبين ربه، والحج لا يجب على كل أحد، وإنما يجب على من استطاع إليه سبيلاً، وأيضاً إنما يجب مرة في العمر، بخلاف الشهادتين، فإن الإنسان يلازمها طول الحياة، ولا يتخلى عنها، والصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرّات، والزكاة كل عام، أما الحج فإنه يجب مرة واحدة في العمر، ولا يجب
стр. 107
ولهما عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خَيْبَر:
ــ
إلاَّ على المستطيع، وأما الصيام فلأنه أمر خفي، وأيضاً من حافظ على الشهادتين، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه سيحافظ على الصيام ويحافظ على الحج من باب أولى.
ما يستفاد من الحديث:
دل هذا الحديث على مسائل كثيرة:
أوّلاً: فيه إرسال الدعاة إلى الله .
ثانياً: فيه فضيلة لمعاذ بن جبل ﵁.
ثالثاً: فيه قبول خبر الواحد في العقائد وغيرها.
رابعاً: فيه بيان منهج الدعوة، وهذا أصل عظيم، وهو أنه يتدرج فيها، ويبدأ بالأهم فالأهم.
خامساً: في الحديث دليل على عظم رسالته ﷺ وأنه مبعوث إلى جميع العالم اليهود والنصارى وغيرهم، وإذا كان مبعوثاً إلى اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، فغيرهم من باب أولى.
سادساً: فيه المسألة التي أشار إليها الشيخ، وهي أن من العلماء من يجهل معنى لا إله إلاَّ الله، لأن أهل الكتاب يدعون إليها وهم أهل كتاب وأهل علم.
سابعاً: في الحديث دليل على أنه لا يجوز أخذ الكرايم في الزكاة، وإنما يُؤخذ المتوسط.
ثامناً: فيه دليل على التحذير من دعوة المظلوم، وأنه ليس بينها وبين الله حجاب.
قال الشيخ ﵀: "ولهما" يعني: البخاري ومسلم.
عن سهل بن سعد ﵁ راوي الحديث هو سهل بن سعد الساعدي الأنصاري الخزرجي- رضي الله تعالى عنه، هو وأبوه صحابيان.
"أن رسول الله ﷺ قال يوم خبير" خَيْبَر: حصن لليهود شمالي الحجاز، وكان به مزارع ونخيل، ولا يزال يحمل هذا الاسم إلى الآن، كانت بلاداً زراعيّة، وبلاد
стр. 108
تخيل وإنتاج للتمور، ويُضرب المثل فيقال: كجالب التمر إلى خَيْبَر، أو كجالب التمر إلى هجر، يعني: أن الذي يأتي بشيء إلى بلد هي تُنْتِج ذلك الشيء يصبح كجالب التمر إلى خَيْبَر، ولهذا يقول حسان ﵁.
إنا ومن يُهدي القصائد نحونا ... كمُسْتَبْضِع تمراً إلى أهل خَيْبرَا
وكانت خيبر بلاداً يَقْظُنُها اليهود، وجلا إليها اليهود من المدينة، لما أجلاهم رسول الله ﷺ وهم بنو النضير الذين غدروا بالعهد فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى اصطلحوا مع النبي ﷺ على أن يتركوا له ما معهم من السلاح والقوة، ويجلوا إلى خَيْبَر وإلى أَذْرِعات بأرض الشام، كما ذكر الله ذلك في أول سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ إلى آخر الآيات، فهؤلاء هم بنوا النضير من اليهود، ثم إن رسول الله ﷺ غزاهم في السنة السابعة من الهجرة، بعد صُلح الحُدَيْبِيَة، وقبل فتح مكة، ومكّنه الله منهم، وفتح خَيْبَر، وحصل المسلمون منها على خيرات كثيرة، ثم إنهم تعاقدوا مع النبي ﷺ على أن يبقوا فيها عمّالاً للمسلمين، يزرعونها بأجرة، فأقرّهم النبي ﷺ وبقوا فيها إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- بعد ذلك، لأن النبي ﷺ لم يقرهم فيها إقراراً دائماً، وإنما قال: "نُقِرُّكُم فيها ما شئنا"، حاصرها رسول الله ﷺ واشتد الأمر بالمسلمين في الحصار من قلّة ذات اليد، ومن طول الحصار فبشرهم رسول الله ﷺ بهذه البشارة من أجل أن يَذهب عنهم ما يجدون من المشقّة وطول الانتظار.
قال الشيخ ﵀: "في هذا ما يجري على أولياء الله من الجوع، ومن الوباء" يعني: ما جرى عليهم في هذا الحصار من المشقّة، مع أنهم أولياء الله، وفيهم رسوله ﷺ ومع هذا نالهم مشقّة وجوع في هذا الحصار، وفي هذا دليل على أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأن الجوع والفقر ليسا دليلاً على بغض الله لمن يصيبه ذلك، فإن هذا قد يصيب أفضل الخلق.
стр. 109
"لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؛ يفتح الله على يديه" فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها".
ــ
قال "لأعطين الراية"، الراية هي: العَلَمِ الذي يحمله الجُند، من أجل أن يهتدوا به، ويَلْتَفُّوا حوله في القتال، وحمل العَلَم في الغزو من سنة النبي ﷺ وكان له رايات، وكان مكتوباً في رايته ﷺ : لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله.
"رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، هذه مِيزة عظيمة لهذا الرجل الذي يُعطيه رسول الله ﷺ الراية، ففيه فضل علي بن أبي طالب ﵁، وأن الرسول ﷺ شهد له بهذه الشهادة العظيمة أنه يحب الله ورسوله، وأنه يحبه الله ورسوله، وله فضائل كثيرة، وان كان الله جل وعلا يحب المؤمنين كلهم، والمؤمنون يحبون الله، كما قال الله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .
فالحاصل؛ أن مِيزة محبة الله ورسوله للمؤمنين موجودة في كل مؤمن ومؤمنة عموماً، ولكن شهادة الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب بخصوصه فيها مزية له. ففي هذا ردٌّ على الخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكفّروه، كما أن فيها ردّاً على النواصب الذين يُبغضون علياً، ويسبُّونه، وفيها إثبات فضيلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ابن عم الرسول، ورابع الخلفاء الراشدين، وفي هذا-أيضاً- إثبات صفة لله ، وأنه يحب عباده المؤمنين، فالله يحب عباده المؤمنين، ويحب أولياءه، ففيه إثبات المحبة لله ، ردًّا على من ينفي هذه الصفة من الأشاعرة وغيرهم.
"يفتح الله على يديه" هذه المِيزة الثانية لعلي بن أبي طالب أن الله جل وعلا يفتح هذا البلد المستعصي على يد هذا الولي من أوليائه.
وفيه: علامة من علامات النبوّة، حيث إن الرسول ﷺ أخبر عما يحصل في المستقبل، وقد حصل كما أخبر به ﷺ .
فالناس لما سمعوا هذه البشارة العظيمة، وسمعوا وصف هذا الرجل الذي يتولى ذلك، من صحابة رسول الله ﷺ اهتموا بهذا الأمر لمحبتهم للخير، وباتوا ليلتهم "يَدُوكُون"؛ يبحثون عنه، مثل ما مَرّ معنا في السبعين الألف الذين أخبر عنهم رسول الله: "ثم نهض ودخل منزله، فخاض الناس في أولئك"، وهذا دليل على أن
стр. 110
فلما أصبحوا غدو على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يُعْطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ ".
فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ كأن لم يكن به وجع.
ــ
الصحابة يهتمون بالفضائل، ويهتمون بأمور الآخرة، أكثر مما يهتم أهل الدنيا بدنياهم، وأنهم يتنافسون في الخيرات.
حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "ما تمنيت الإمارة إلاَّ هذه الليلة"،"تمنى أن يكون هو ذلك الأمير الذي يقود الجيش، ويفتح هذا البلد، حتى ينال هذه الميزة: "يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".
وقوله: "فلما أصبحوا غدوا على رسول الله" يعني: ذهبوا إليه مبكِّرين، من الغَدْوة، يقال: غدا إذا ذهب في الغُدُو وهو الصباح، ويقال راح إذا ذهب في المساء، وقت الرّواح، فالغُدُوُّ: الذهاب في أول النهار، والرواح: الذهاب في آخر النهار.
"كلهم يرجو أن يُعطاها" أي: كلٌ يرجو أن يكون هو ذلك الرجل، لرغبتهم في الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمة الله، والحصول على هذه البَشارة العظيمة.
قال رسول الله ﷺ : "أين علي بن أبي طالب؟ " قال الشيخ ﵀: في هذا دليل على: "الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها، ومنعها عمن سعى"، وأن الإنسان وإن فعل السبب فإنه قد لا يحصل على المطلوب، لكنا مأمورون بفعل الأسباب، أما النتائج فأمرها إلى الله ، لكن يُؤجرون على مسعاهم، وعلى نيتهم الطيّبة، وعلى رغبتهم في الخير، وعلى خطواتهم ومشيهم إلى الرسول ﷺ .
وقال الشيخ- أيضاً-: "فيه تَفَقُّد الإمام أو القائد لجنده" يعني: من حضر ومن تخلف.
"قال: أين علي؟ " هذا تَفَقُّد للجند، ما سكت وترك الذي لم يحضر، بل تَفَقُّده، فالإمام والقائد يَتَفَقَّد جنوده، يَتَفَقَّد رعيّته، ولا يسمح لأحد أن يتخلف من غير عذر.
"قيل: هو يشتكي عينيه" أي أصابه رمد، وهو مرض من أمراض العيون
следующие страницы →