← Акыда

Акыда · id 8565

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (705 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه. ــ ظلمت أصحاب الأموال، وإن أخذت الرديء ظلمت الفقراء، إذا أخذت الوسط اعتدلت. "وإياك وكرائم" تخدير من الرسول ﷺ وفيه وجب العدل على الولاة، وعدم الظلم. "واتق دعوة المظلوم" هذه وصيّة هامة، يجب على الراعي والأمير وكل مسلم أن يحذر من دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، أي دعوة المظلوم مستجابة، حتى ولو كان كافراً: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فالمظلوم ترفع دعوته إلى الله ، والله جل وعلا يجيب دعوة المظلوم. وهنا سؤال أورده العلماء على هذا الحديث، يقولون: الرسول ﷺ ذكر ثلاثة أركان، الشهادتان والصلاة والزكاة، ولم يذكر الصيام، ولم يذكر الحج، فما الجواب عن هذا؟ فيه أجوبة كثيرة، لكن أصحها والذي اختاره الشيخ تقي الدين ﵀: أن الرسول ﷺ اقتصر على الأركان العظيمة الأساسية التي يقاتَل من تركها، وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا﴾ يعني: شهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ . فالرسول ﷺ في هذا الحديث ذكر الأركان التي يُقاتل عليها، وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة. هذا من ناحية. والناحية الثانية: أن هذه أركان ظاهرة، يراها الناس ويسمعونها، أما الصيام فهو أمر خفي بين العبد وبين ربه، والحج لا يجب على كل أحد، وإنما يجب على من استطاع إليه سبيلاً، وأيضاً إنما يجب مرة في العمر، بخلاف الشهادتين، فإن الإنسان يلازمها طول الحياة، ولا يتخلى عنها، والصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرّات، والزكاة كل عام، أما الحج فإنه يجب مرة واحدة في العمر، ولا يجب

стр. 107

ولهما عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خَيْبَر: ــ إلاَّ على المستطيع، وأما الصيام فلأنه أمر خفي، وأيضاً من حافظ على الشهادتين، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه سيحافظ على الصيام ويحافظ على الحج من باب أولى. ما يستفاد من الحديث: دل هذا الحديث على مسائل كثيرة: أوّلاً: فيه إرسال الدعاة إلى الله . ثانياً: فيه فضيلة لمعاذ بن جبل ﵁. ثالثاً: فيه قبول خبر الواحد في العقائد وغيرها. رابعاً: فيه بيان منهج الدعوة، وهذا أصل عظيم، وهو أنه يتدرج فيها، ويبدأ بالأهم فالأهم. خامساً: في الحديث دليل على عظم رسالته ﷺ وأنه مبعوث إلى جميع العالم اليهود والنصارى وغيرهم، وإذا كان مبعوثاً إلى اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، فغيرهم من باب أولى. سادساً: فيه المسألة التي أشار إليها الشيخ، وهي أن من العلماء من يجهل معنى لا إله إلاَّ الله، لأن أهل الكتاب يدعون إليها وهم أهل كتاب وأهل علم. سابعاً: في الحديث دليل على أنه لا يجوز أخذ الكرايم في الزكاة، وإنما يُؤخذ المتوسط. ثامناً: فيه دليل على التحذير من دعوة المظلوم، وأنه ليس بينها وبين الله حجاب. قال الشيخ ﵀: "ولهما" يعني: البخاري ومسلم. عن سهل بن سعد ﵁ راوي الحديث هو سهل بن سعد الساعدي الأنصاري الخزرجي- رضي الله تعالى عنه، هو وأبوه صحابيان. "أن رسول الله ﷺ قال يوم خبير" خَيْبَر: حصن لليهود شمالي الحجاز، وكان به مزارع ونخيل، ولا يزال يحمل هذا الاسم إلى الآن، كانت بلاداً زراعيّة، وبلاد

стр. 108

تخيل وإنتاج للتمور، ويُضرب المثل فيقال: كجالب التمر إلى خَيْبَر، أو كجالب التمر إلى هجر، يعني: أن الذي يأتي بشيء إلى بلد هي تُنْتِج ذلك الشيء يصبح كجالب التمر إلى خَيْبَر، ولهذا يقول حسان ﵁. إنا ومن يُهدي القصائد نحونا ... كمُسْتَبْضِع تمراً إلى أهل خَيْبرَا وكانت خيبر بلاداً يَقْظُنُها اليهود، وجلا إليها اليهود من المدينة، لما أجلاهم رسول الله ﷺ وهم بنو النضير الذين غدروا بالعهد فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى اصطلحوا مع النبي ﷺ على أن يتركوا له ما معهم من السلاح والقوة، ويجلوا إلى خَيْبَر وإلى أَذْرِعات بأرض الشام، كما ذكر الله ذلك في أول سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ إلى آخر الآيات، فهؤلاء هم بنوا النضير من اليهود، ثم إن رسول الله ﷺ غزاهم في السنة السابعة من الهجرة، بعد صُلح الحُدَيْبِيَة، وقبل فتح مكة، ومكّنه الله منهم، وفتح خَيْبَر، وحصل المسلمون منها على خيرات كثيرة، ثم إنهم تعاقدوا مع النبي ﷺ على أن يبقوا فيها عمّالاً للمسلمين، يزرعونها بأجرة، فأقرّهم النبي ﷺ وبقوا فيها إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- بعد ذلك، لأن النبي ﷺ لم يقرهم فيها إقراراً دائماً، وإنما قال: "نُقِرُّكُم فيها ما شئنا"، حاصرها رسول الله ﷺ واشتد الأمر بالمسلمين في الحصار من قلّة ذات اليد، ومن طول الحصار فبشرهم رسول الله ﷺ بهذه البشارة من أجل أن يَذهب عنهم ما يجدون من المشقّة وطول الانتظار. قال الشيخ ﵀: "في هذا ما يجري على أولياء الله من الجوع، ومن الوباء" يعني: ما جرى عليهم في هذا الحصار من المشقّة، مع أنهم أولياء الله، وفيهم رسوله ﷺ ومع هذا نالهم مشقّة وجوع في هذا الحصار، وفي هذا دليل على أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وأن الجوع والفقر ليسا دليلاً على بغض الله لمن يصيبه ذلك، فإن هذا قد يصيب أفضل الخلق.

стр. 109

"لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؛ يفتح الله على يديه" فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها". ــ قال "لأعطين الراية"، الراية هي: العَلَمِ الذي يحمله الجُند، من أجل أن يهتدوا به، ويَلْتَفُّوا حوله في القتال، وحمل العَلَم في الغزو من سنة النبي ﷺ وكان له رايات، وكان مكتوباً في رايته ﷺ : لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله. "رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، هذه مِيزة عظيمة لهذا الرجل الذي يُعطيه رسول الله ﷺ الراية، ففيه فضل علي بن أبي طالب ﵁، وأن الرسول ﷺ شهد له بهذه الشهادة العظيمة أنه يحب الله ورسوله، وأنه يحبه الله ورسوله، وله فضائل كثيرة، وان كان الله جل وعلا يحب المؤمنين كلهم، والمؤمنون يحبون الله، كما قال الله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ . فالحاصل؛ أن مِيزة محبة الله ورسوله للمؤمنين موجودة في كل مؤمن ومؤمنة عموماً، ولكن شهادة الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب بخصوصه فيها مزية له. ففي هذا ردٌّ على الخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكفّروه، كما أن فيها ردّاً على النواصب الذين يُبغضون علياً، ويسبُّونه، وفيها إثبات فضيلة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ابن عم الرسول، ورابع الخلفاء الراشدين، وفي هذا-أيضاً- إثبات صفة لله ، وأنه يحب عباده المؤمنين، فالله يحب عباده المؤمنين، ويحب أولياءه، ففيه إثبات المحبة لله ، ردًّا على من ينفي هذه الصفة من الأشاعرة وغيرهم. "يفتح الله على يديه" هذه المِيزة الثانية لعلي بن أبي طالب أن الله جل وعلا يفتح هذا البلد المستعصي على يد هذا الولي من أوليائه. وفيه: علامة من علامات النبوّة، حيث إن الرسول ﷺ أخبر عما يحصل في المستقبل، وقد حصل كما أخبر به ﷺ . فالناس لما سمعوا هذه البشارة العظيمة، وسمعوا وصف هذا الرجل الذي يتولى ذلك، من صحابة رسول الله ﷺ اهتموا بهذا الأمر لمحبتهم للخير، وباتوا ليلتهم "يَدُوكُون"؛ يبحثون عنه، مثل ما مَرّ معنا في السبعين الألف الذين أخبر عنهم رسول الله: "ثم نهض ودخل منزله، فخاض الناس في أولئك"، وهذا دليل على أن

стр. 110

فلما أصبحوا غدو على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يُعْطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ ". فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ كأن لم يكن به وجع. ــ الصحابة يهتمون بالفضائل، ويهتمون بأمور الآخرة، أكثر مما يهتم أهل الدنيا بدنياهم، وأنهم يتنافسون في الخيرات. حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "ما تمنيت الإمارة إلاَّ هذه الليلة"،"تمنى أن يكون هو ذلك الأمير الذي يقود الجيش، ويفتح هذا البلد، حتى ينال هذه الميزة: "يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". وقوله: "فلما أصبحوا غدوا على رسول الله" يعني: ذهبوا إليه مبكِّرين، من الغَدْوة، يقال: غدا إذا ذهب في الغُدُو وهو الصباح، ويقال راح إذا ذهب في المساء، وقت الرّواح، فالغُدُوُّ: الذهاب في أول النهار، والرواح: الذهاب في آخر النهار. "كلهم يرجو أن يُعطاها" أي: كلٌ يرجو أن يكون هو ذلك الرجل، لرغبتهم في الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمة الله، والحصول على هذه البَشارة العظيمة. قال رسول الله ﷺ : "أين علي بن أبي طالب؟ " قال الشيخ ﵀: في هذا دليل على: "الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها، ومنعها عمن سعى"، وأن الإنسان وإن فعل السبب فإنه قد لا يحصل على المطلوب، لكنا مأمورون بفعل الأسباب، أما النتائج فأمرها إلى الله ، لكن يُؤجرون على مسعاهم، وعلى نيتهم الطيّبة، وعلى رغبتهم في الخير، وعلى خطواتهم ومشيهم إلى الرسول ﷺ . وقال الشيخ- أيضاً-: "فيه تَفَقُّد الإمام أو القائد لجنده" يعني: من حضر ومن تخلف. "قال: أين علي؟ " هذا تَفَقُّد للجند، ما سكت وترك الذي لم يحضر، بل تَفَقُّده، فالإمام والقائد يَتَفَقَّد جنوده، يَتَفَقَّد رعيّته، ولا يسمح لأحد أن يتخلف من غير عذر. "قيل: هو يشتكي عينيه" أي أصابه رمد، وهو مرض من أمراض العيون

стр. 111

فأعطاه الراية فقال: "انفذ على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم". ــ المعروفة عند الأطباء. ويُروى أنه أصابه في المدينة، وأنه لم يخرج مع النبي ﷺ بسبب المرض، ولكن بعدما ذهب النبي ﷺ هو وأصحابه من المدينة، ضاقت عليه نفسه، وقال: كيف أتخلف عن رسول الله ﷺ ؟، فخرج وهو مريض، ولحق بالنبي ﷺ وما طابت نفسه أن يبقى بعد رسول الله ﷺ . وهكذا كان صحابة الرسول ﷺ : ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ . "فأرسلوا إليه" أرسل إليه من يأتي به. "فأتي به، فبصق في عينيه" يعني: تفل من ريقه الطيب الطاهر في عيني علي بن أبي طالب ﵁. "ودعا له" بالشفاء. "فبرأ كأن لم يكن به وجع" وهذا- أيضاً- كن معجزاته ﷺ ، حتى قال علي "لم يصبني رمد بعد ذلك" يعني: استمر هذا الشفاء طول حياته ﵁؛ ببركة ريق رسول الله ﷺ . ولا شك أن التبرك بريق النبي ﷺ وبعَرَقِه وبوضوئه أمر مشروع، وهذا خاص بالنبي ﷺ ، أما غيره فلا يُتبرك بشيء منه، لا يتبرك بشيء من الصالحين والأولياء، لأن هذا خاص بالرسول ﷺ ، وأفضل الأمة بعد نبيِّها هو أبو بكر ﵁، ومع ذلك لم يُتبرك بريقه ولا بعرقه ﵁، ما فعله الصحابة معه لعلمهم أن هذا لا يجوز إلاَّ في حق النبي ﷺ ، وفيما انفصل من جسده ﷺ ، أما أن يُتبرّك بحجرته أو بقبره، فهذا لا يجوز، لأن هذا ليس منفصلاً عن جسد النبي ﷺ ، وسوف يأتينا باب خاص بمن تبرّك بشجرة أو حجر أو نحوها. وقوله: "فأعطاه الراية" دفعها إليه. ثم إنه ﷺ أرشده وأوصاه على عادته ﷺ مع قُوّاده وأمرائه إنه كان يوصي القُوّاد والأمراء حينما يبعثهم.

стр. 112

ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، ــ فهذا فيه دليل على أن وليّ الأمر يوصي قُوَّاده ويخط لهم الخِطط النافعة التي يسيرون عليها في مهمّتهم، ولا يتركهم لأنفسهم يذهبون بدون وصية، وبدون إرشاد، وبدون وضع خطة يسيرون عليها. وقال: "انفذ على رِسْلِك" "انفذ" يعني: أمض "على رِسْلِك" يعني: على هيّنتك، لا تُسرع في المشي، ولا يكون هناك أصوات أو صخب، بل يكون هناك هدوء تام، وسير بالرفق. فهذا فيه دليل على مشروعية الهدوء في الجهاد، وترك العجلة ورفع الأصوات، لأن ذلك يدل على الثبات والشجاعة، ويدل على التدبر في الأمر، وعدم العجلة والتسرع، بخلاف الطيش والركض ورفع الأصوات، فإن هذا يدل على الجبن، ويدل على عدم الثبات. "حتى تنزل بساحتهم" الساحة يُراد بها: ما قَرُب من المكان، أي: حتى تنزل قريباً من الحصن، وهذا فيه أن المجاهدين ينزلون قريباً من البلاد المحاصرة، ويقربون منها. وقوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام" هذا محل الشاهد من الحديث للباب، "باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله". حيث قال: "ادعهم إلى الإسلام" فهذا فيه دليل على وجوب الدعوة إلى الإسلام، وأن العدو يُدعى قبل أن يُقاتل، ولا يُبدأ بالقتال قبل الدعوة. والإسلام هو: الاستسلام لله بالتّوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو الإسلام، انقياد مع خضوع وتعبد لله تعالى، من لم يستسلم لله كان مستكبراً، ومن استسلم لله ولغيره كان مشركاً، ومن استسلم لله وحده كان موحّداً مسلماً. "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه " يعني. اشرح لهم معنى الإسلام، وبينّه لهم، وما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وغير ذلك من أركان الإسلام، فلا يكفي الدعاء إلى الإسلام

стр. 113

مجملاً، كما يُثَرْثِرُ به بعض الدعاة اليوم ممن يقومون بالدعوة المجملة إلى الإسلام. ولو تسألهم ما هو الإسلام؟، ما استطاعوا أن يُعرِّفوه، فكيف يدعون إلى شيء وهم لا يعرفونه؟، الذي يدعو إلى الإسلام لابد أن يعرف الإسلام ما هو، ويبينه للمدعوِّين، ويشرحه لهم، وإلاَّ ما معنى "ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه". أما الإسلام المجمل، فكل يقول: إنما هو عليه هو الإسلام؛ من الطوائف الضالة والمنحرفة والكافرة، كل يفسر الإسلام بمذهبه، وكلمة الإسلام غطاء كل يدّعيها الآن من الطوائف المنحرفة والضالة والكافرة: القاديانية، والباطنية، والقبورية، وغيرهم من الطوائف المنحرفة، كلهم يدّعون أن الإسلام هو ما هم عليه، لكن لو شُرح الإسلام بأنه التّوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من المشركين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، وإفراد الله بجميع أنواع العبادات من الذبح والنذر والاستغاثة والاستعاذة، حينئذٍ يتبيّن الإسلام الصحيح من الإسلام المزيّف، وهذا لا يريدونه، لا يريدون أن يبين الإسلام على حقيقته لأنه يتبين بطلان ما هم عليه، والرسول ﷺ قال: ادعوا إلى الإسلام وبيّنوا ما هو الإسلام، كما أوصى علي بن أبي طالب بقوله: "ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه"، ولهذا لما ارتد من ارتد عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ وعزمَ أبو بكر على قتالهم، قال له الصحابة -ومنهم عمر-: يا خليفة رسول الله، كيف تقاتلهم وهم يقولون: لا إله إلاَّ الله؟، قال؟ إن رسول الله ﷺ يقول: ("إلاَّ بحقها"، وإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه) . فالإسلام ليس مجرّد انتساب ودعوى فقط، أو قول: لا إله إلاَّ الله بدون التزام بمعناها ومدلولها، حتى لو كان عِقالاً يؤدونه إلى رسول الله ﷺ يعتبر من حق لا إله إلاَّ الله، فكيف بالذي لا يصلي وهو يقول: أنه مسلم؟، كيف بالذي يجحد وجوب الزكاة ويقول: أنا مسلم؟، كيف بالذي يجحد وجوب الصوم ويقول: أنا مسلم؟، بل أعظم من ذلك كيف بالذي يدعو غير الله وهو يقول أنا مسلم؟، يدعو القبور

стр. 114

فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النعم". يَدُوكُون أي: يخوضون". ــ والأضرحة ويذبح لها وينذر لها ويقول أنا مسلم؟. هل هذا هو الإسلام؟. يجب أن نعرف هذا الأمر العظيم، وهذا الأصل العظيم، وهذه القاعدة العظيمة، وهذا الذي يجب أن يركِّز الدعاة عليه، إذا كانوا يريدون أن تكون دعوتهم إلى الله دعوة صحيحة، أما إذا كانت مجرد انتساب، كلٌ يدخل تحتها، ويجعل الإسلام مجرد غطاء، فهذا لا يُرضي الله ، وليس هو الإسلام، لأن كلاًّ يدعِّي أنه، على الإسلام ولو كان مشركاً. الإسلام والإيمان ليس مجرد دعوى، أو انتساب، أو هويّة تُكتب في حفيظة النفوس، أو يُكتب أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام؛ والعمل على خلافه، يأبى الله ذلك : ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . خذوا منهج الدعوة من هذا وأمثاله، لا تأخذوا، منهم الدعوة من نظام الجماعة الفلانية أو الجماعة العلاّنية، خذوا نظام الدعوة، ومنهج الدعوة من كلام الله وكلام رسول الله ﷺ ، هذا هو منهج الدعوة. ثم بيّن ﷺ فضيلة الدعوة إلى الله، فقال: "فوالله" أقسم ﷺ وهو الصادق المصدوق، والقَسَم أحياناً يُؤتى به من أجل الاهتمام بالشيء وتوكيده، ولهذا يقول الشيخ في مسائله فيه: "الحَلِف على الفتيا"، الإنسان إذا أفتى بفتوى وهو يتأكد أنها هي حكم الله يقسم عليها، ويحلف عليها. "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْر النَّعم" هذا ترغيب في الدعوة إلى الله . و"حُمْر النعم" الإبل الحُمْر، جمع حمراء، وهتي الناقة النفيسة، لأن الإبل الحُمْر أنفس أموال العرب. فكيف إذا اهتدى على يديك جماعة؟، أو اهتدى على يدك أمة، أو اهتدى على يدك أجيال تأتي من بعدك؟ هذا فيه: فضل الدعوة إلى الله. انظروا ماذا حقق الله من الخير بسبب دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومن اهتدى بسببه من الأجيال التي لا تزال إلى الآن والحمد لله، ومن بركات دعوة

стр. 115

شيخ الإسلام ابن تيمية: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تتلمذ على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في أمور العقيدة، فقام بهذه الدعوة المباركة. إذاً ماذا يحصل للداعية الأول من الأجر؟ كما قال ﷺ في الحديث الآخر: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً"، فكيف بالأجر الذي يحصل للرسول ﷺ سيّد الدعاة، وإمام الدعاة؟، من يؤمن من الخلق إلى يوم القيامة يحصل للرسول مثل أجره، وكذلك الأئمة من بعده، الدعاة الذين جاءوا بعد الرسول، يحصل لهم من الأجور مثل أجور من تبعهم، نسأل الله الكريم من فضله. فهذا فيه: فضل الدعوة إلى الله ، والدعوة إلى الله أن تدعو الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإخلاص العبادة لله ، والحكم بما أنزل الله، هذه هي الدعوة إلى الله ، ليست مجرد انتساب، أو مجرّد شكليّات، أو مجرّد شعارات، ولهذا كل دعوة ترتكز على المنهج الصحيح تنجح بإذن الله ولو بعد حين. هذا شيخ الإسلام عُذِّب ومات في السجن؛ لكن نجحت دعوته فيما بعد، لماذا؟، لأنها دعوة أصيلة، ترتكز على الكتاب و، لسنّة، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ . أما دعاة الضلال- حتى ولو تَجَمْهَر حولهم مئات الألوف- فإن هذا غثاء كغثاء السيل. فالدعوة الصحيحة يبقى خيرها وأثرها على مرِّ الأجيال، أما الدعوة غير الصحيحة، أو الدعوة المغرضة التي يُقصد منها أشياء أخرى؛ فهذه وإن تَجَمْهَر الناس حولها في وقت من الأوقات، إلاَّ أنها لا بركة فيها، ولا خير فيها، ولا تؤثر في الناس خيراً. وهذا الحديث فيه من المسائل ما مررنا عليه، ويمكن أن نجمله فيما يلي: أولاً: فيه مشروعية إرسال الدعاة، لأن رسول الله ﷺ أرسل علي بن أبي طالب داعياً إلى الله قبل الجهاد.

стр. 116

ثانياً: -وهي مسألة مهمة-: أن الدعوة تكون قبل القتال، ولا يجوز أن يكون القتال قبل الدعوة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . ثالثاً: فيه وصية الإمام لمن يبعثه للدعوة إلى الله، وأنه يخطط له المنهج السليم، ويُرشده إلى الطريق الصحيح الذي يسير عليه، وأن المُرسل يستمد الإرشادات من قائده ومن إمامه، ولا يستبد هو بشيء، لأن هذا أضبط للأمور. رابعاً: في الحديث دليل على إثبات صفة من صفات الله ، وهي المحبة، ردًّا على نُفاة الصفات، الذين ينفون صفات الله . خامساً: في الحديث دليل على معجزات من معجزات النبي ﷺ . أحدها: قوله: "لأعطيّن الراية غداً"، وقد وقع هذا. ثانياً: إخباره عن وقوع الفتح، وقد وقع. ثالثاً: بصقه ﷺ في عيني المريض فيُشفى في الحال. هذه كلها من معجزاته ﷺ وعلامات نبوته- ﵊. سادساً: فيه فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه-، ردّاً على أعدائه من الخوارج والنواصب وغيرهم ممَن يتنقّصون الصحابة، ويقلّلون من قدرهم وشأنهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولاسيّما الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم. سابعاً: في الحديث دليل على حرص الصحابة على الخير، وأنهم يتنافسون في أمور الخير، لأنهم باتوا ليلتهم "يَدُوكون" يعني: يبحثون من سيحصل على هذه الميزة العظيمة، وأيضاً بادروا كلهم في الصباح، كلهم يرجوا أن يُعطاها. ثامناً: فيه الإيمان بالقدر، وهو أن الأمر قد يحصل لمن لم يسع إليه، ولا يحصل لمن سعى إليه لكن السعي إلى الخير مأمور به وحصول النتائج من الله سبحانه. تاسعاً:- وهي المسألة المهمة التي ساق الشيخ ﵀ هذا الحديث في الباب من أجلها-: وهي بيان منهج الدعوة إلى الله ، وأن الداعية يدعو إلى الإسلام ويشرحه للناس.

стр. 117

عاشراً: فيه بيان خطة الجهاد الشرع، حيث إن الرسول ﷺ قال: "اذهب على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام"، هذا فيه التدرّج في الدعوة، والتهيُّء لها شيئاً فشيئاً، بدون تسرّع، وبدون جَلَبَة، وفَخْفَخَة. حادي عشر: فيه كما ذكر الشيخ ﵀: دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، مع أنهم أهل كتاب، ويزعمون أنهم مؤمنون، وأنهم على الإسلام، وبيان أن ما هم عليه ليس هو الإسلام، وإن كان ينتسبون إلى الأنبياء، فهم ليسوا على الإسلام، لماذا؟، لأن الله أوجب إتباع هذا الرسول محمد ﷺ على كل مخلوق على وجه الأرض، من اليهود والنصارى وغيرهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، لأن الله نسخ الأديان السابقة بهذا الدين العظيم، وجعله هو الدين الباقي: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ يعني: هذه الأمة، فتحول الكتاب والدين والدعوة إلى ما جاء به هذا الرسول ﷺ : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، أي: كما أنه يملك السموات والأرض فهو الذي أرسلني، والأمر له . ثاني عشر: فيه فضل الدعوة إلى الله ، وأن الداعية يحصل له من الأجر مثل أجر المدعويِّن، وأيضاً يحصل له من الأجر ما هو خير وأنفس مما في الدنيا من الأموال.

стр. 118

[الباب السادس:] * باب تفسير التّوحيد وشهادة أن لا إله إلاَّ الله. ــ مناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ لأن الباب الذي قبله: "باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله "، وهذا الباب في تفسير هذه الكلمة، وبيان معناها، لأن الذي يدعو إلى شيء ويطلب من الناس أن يفعلوه، فلابد أن يبيّنه لهم، ويوضّحه لهم توضيحاً تامًّا، ولا يكتفي بمجرد أن يقول للناس قولوا: لا إله إلاَّ الله١ أو يقول للناس: ادخلوا في الإسلام، بل لابد أن يبين لهم معنى لا إله إلاَّ الله، وأن يبين لهم معنى الإسلام الذي يدعوهم إليه، ولابد مع ذلك أن يبَيّن لهم ما يناقض الإسلام، وما يناقض لا إله إلاَّ الله، من أنواع الرِّدّة، وأنواع الشرك، حتى تكون دعوته مُثمرة، وحتى يستفيد الناس من دعوته، أما أن يدعوَهم إلى شيء مجمل، فهذا لا يكفي. وكثير من الذين يتسمَّون بالدعوة في هذه الأيام من الجماعات أو الأفراد، أكثرهم لا يعرفون معنى لا إله إلاَّ الله على الحقيقة، ولا يعرفون معنى الإسلام على الحقيقة، ولا يعرفون نواقض الإسلام، ونواقض الشهادتين، وإنما يَدْعُون إلى شيء مجمل، وربما أن بعضهم يفهم هذا، ولكن لا يحب أن يبين للناس هذه الأشياء لأنهم- بزعمه- يَنْفُرون منه، وهو يريد أن يجمِّع الناس، يُجمعهم على ماذا؟، على جهالة؟، يجمعهم على ضلالة؟. لابد أن تبين ما تدعو إليه، وتوضح ما تدعو إليه كما قال تعالى في حق نبيه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ والبصيرة معناها: العلم بما يدعو إليه، ومعرفة معناه، حتى يوضحه للناس، والنبي ﷺ -كما سبق في آخر الباب الذي قبل هذا- لما بعث عليًّا ﵁ وأعطاه الراية، قال: "ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه"، ما قال: "ادعهم إلى الإسلام" واكتفى بهذا، بل قال: "أخبرهم بما يجب عليهم"، إذا

стр. 119

قبلوا أن يدخلوا في الإسلام، فبيّن لهم: معنى الإسلام، واشرحه لهم، حتى يدخلوا فيه على بصيرة. وقال ﷺ لمعاذ: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات"، إلى آخر الحديث، ولم يقف عند قوله: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله "، بل أمره أن يبيّن لهم بعدما ينطقون بالشهادتين، أن يبيّن لهم مقتضى هاتين الشهادتين، وأنه ليس المراد مجرد النُّطق بهما والتلفظ بهما، بل لابد من الالتزام والعمل. من هنا عقد الشيخ ﵀ هذا الباب، بعد "باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله"؛ ليتبين من ذلك أن من دعا إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فلابد أن يفسِّرها، ويفسِّر التّوحيد، حتى تكون دعوته على بصيرة، أما إن كان لا يعرف هذا، فلا يدخل فيما ليس من شأنه، حتى يتعلم هو بنفسه أولاً، أو إن كان يعرف هذا ولكن لا يريد أن يبينه للناس لغَرَض في نفسه، أو لإرضاء جماعته أو حزبه؛ فليبتعد عن هذا، ولا يكون محسوباً على الدعوة، وهو لا يقوم بواجبها، لأن هذا يصبح سُبَّةً على الدعوة، ونَكْسَة على الدعوة. فهؤلاء الذين شغلونا بهموم الدعوة -كما يقولون-، هم لا يفهمون معنى الدعوة، ولا يفهمون ما يُطلب من الداعية، فالواجب أن يكون الدعاة على بصيرة، حتى تُجدي دعوتهم، وحتى تنفع، وحتى يكتب لهم الأجر عند الله . وقول الشيخ: "تفسير التّوحيد، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله " هذا من عطف الدال على المدلول، المدلول هو التّوحيد، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله هو الدال، لأن شهادة أن لا إله إلاَّ الله تدل على التّوحيد، فهو من عطف الدال على المدلول، والشيخ ﵀ جمع بينهما في الترجمة ليبين أن معناهما واحد، فمعنى التّوحيد هو لا إله إلاَّ الله، ومعنى لا إله إلاَّ الله هو التّوحيد، من أجل أن لا يخفى هذا على أحد، فيظن أن التّوحيد غير لا إله إلاَّ الله، بل هما شيء واحد، فهذا معنى جمع الشيخ ﵀، بين اللفظتين في الترجمة. وقد ذكر الشيخ في هذا الباب أربع آيات، وذكر حديثاً واحداً.

стр. 120

وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية. ــ الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ "، تتمة الآية: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ قال جمهور المفسرين: إن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يعبدون المسيح وأُمَّه وعُزَيْراً، فبيّن الله سبحانه أن هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي يدعونني، وهم فقراء إليّ يدعونني، ويتقربون إليّ بالطاعة، فهم عباد من عبادي، والعبد لا يصلح أن يكون معبوداً، وليس هناك في السموات والأرض إلاَّ من هو عبد لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (٩٣) ﴾ ، ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ، فكل الخلق، كل سكان السموات والأرض كلهم عباد لله، فلا يصلح أن يُعبدوا من دون الله ، ولذلك قال الله في الآية التي قبلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) ﴾ هذا تعجيز للمشركين، وتعجيز لآلهتهم التي يعبدونها من دون الله. "قل ادعوا" هذا أمر تهديد ووعيد، "الذين زعمتم" والزّعم مَطِيَّة الكذب، الزّعم يُطلق على الأمر الذي لا حقيقة له، ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم ينفعون أو يضرون من دون الله . ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: غير الله ، ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ إذا نزل بكم مرض فإن كل هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله- بما فيهم الملائكة والأنبياء والصالحون والأولياء- كلهم لا يملكون كشف الضر، إذا أنزل الله ضرًّا بعبد فلن يستطيع أحد رفعه إلاَّ الله ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ لا يملكون كشف الضر، لا يملك كشف الضر إذا نزل ولا يرفعه إلاَّ الله ، وبذلك تبطل عبادة هؤلاء، ﴿وَلا تَحْوِيلاً﴾ أي: نقله من محل إلى محل، لا يملكون نقل المرض من عضو إلى عضو، إذا أنزله الله بالرأس فلا يستطيع كل الخلق أو الأطباء المَهَرَة، لا يستطيعون أن يحولوا وجع الرأس إلى اليد، أو وجع اليد إلى الرِّجل، أبداً، وكذلك لا يستطيعون أن يحولوه من شخص إلى شخص آخر، إذا نزل مرض بعبد من العباد فلن يستطيع أطباء العالم والمستشفيات والمنظمات الصحية العالمية أن تنقل المرض

стр. 121

من شخص إلى شخص، ويصبح المنقول عنه بريئاً صحيحاً، أو ينقلون المرض من بلد إلى بلد، لا يستطيعون هذا، وإنما هذا تقدير العزيز العليم، هو الذي يقدر على كشف الضر ورفعه نهائياً، ويقدر على تحويله من محل إلى محل إذا شاء . وهذا من التحديات التي يتحدّى الله بها المشركين، ولن يجيبوا عنها إلى أن تقوم الساعة، فدلّ على انقطاع حجتهم. لا أحد قال: بلى آلهتنا تستطيع كشف الضر، أو تستطيع تحويل الضر، ما أحد قال هذا، فدلّ على انقطاع حجتهم وانخصامهم، وعاد الأمر لله . ثم بيّن أن هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله أنهم عباد لله، هم بأنفسهم يدعون الله ؛ يرجون رحمته، ويخافون عذابه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ، فالملائكة وعيسى ﵇ وأُمُّه، وعُزَيْر، وكل الصالحين، والأولياء بهذه المثابة، كلهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة. والوسيلة معناها في الأصل السبب الذي يُوَصِّل إلى المقصود، فالسبب الذي يُوَصِّل إلى المقصود يسمى: وسيلة. وأما معناها هنا: فالوسيلة: الطاعة والقُرب، فالملائكة- عليهم الصلاة والسلام-، وعيسى- ﵊، وعُزَيْر ﵇، والأولياء والصالحون كلهم يتقرّبون إلى الله بالطاعة، يعبدون الله، يعبدون الله لأجل أي شيء؟. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ كل واحد يرجو أن يكون أقرب إلى الله ، يتقرّبون إليه بطاعته، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ، فدلّ على أنهم عباد فقراء إلى الله ، يرجون رحمة الله لأنهم بحاجة إليها، ويخافون عذاب الله أن ينزل بهم، إذاً هم لا يستطيعون أن يجلبوا لأنفسهم النفع، ولا يستطيعون أن يدفعوا عنها الضرر، فكيف يملكون ذلك لكم يا من تعبدونهم؟. فالوسيلة هنا معناها: الطاعة والعبادة، وليس معناها ما يظنُّه، القبوريُّون والمخرِّفون أن الوسيلة معناها: أن تجعل بينك وبين الله شخصاً يرفع حوائجك إلى الله. هذه هي الوسيلة عند المشركين قديماً وحديثاً، كما يتخذ الناس الوسائط عند الملوك وعند السلاطين، قاسوا الله جل وعلا بالخلق، فكما أن الناس

стр. 122

لا يتوصلون إلى الملوك والسلاطين إلاَّ بوسائط من الوزراء والمقرّبين لدى الملوك ليبلّغوا حوائجهم إلى الملوك والسلاطين، قاسوا الله جل وعلا على خلقه، فقالوا: لابد أن نجعل بيننا وبين الله واسطة ترفع حوائجنا إلى الله . وتقرّبوا إلى هؤلاء الوسائط بأنواع العبادات: فذبحوا لهم من دون الله، ونذروا لهم من دون الله، كالحاصل عند قبور الأولياء اليوم، يذبحون للقبور، وينذرون لها، ويطوفون بها، ويتمرّغون على ترابها، ويتمسحون بجدرانها وشبابيكها؛ من أجل أن هؤلاء الموتى رجال صالحون، يرفعون حوائج هؤلاء إلى الله بزعمهم. هذه هي الوسيلة عند هؤلاء، الذين انتكست أفهامهم، وهذا تنقُّص لله ، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ، اتخذوا الوسائط من الأولياء بزعمهم أنهم يقرّبونهم إلى الله زلفى، أو يشفعون لهم عند الله، فعبدوهم من دون الله، فصرفوا العبادة للمخلوقين من أجل أن المخلوقين يتوسطون عند الله . هذا شرك الأولين وشرك أهل هذا الزمان باتخاذ الوسائط والشفعاء من الأموات والغائبين بينهم وبين الله ، وصرفوا لهم أنواع العبادات والقُربات، بما زيّن لهم شياطين الإنس والجن من هذه الأباطيل، هذه هي الوسيلة عند هؤلاء. أما الوسيلة في القرآن والسنة فمعناها: الطاعة والعبادة، وليست اتخاذ الأشخاص وسائط، وإنما هي الطاعة والعبادة لله ، والله تعالى قريب مجيب، يعلم كل شيء، ليس بحاجة بأن تجعل بينك وبينه وسائط، بل ارفع حوائجك إليه، مباشرة، وصلِّ له، وانحر له، وانذر له، واعبده، وهو قريب مجيب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ، ما الداعي إلى إنك تجعل بينك وبين الله وسائط وهو قريب يسمعك ويراك ويجيب؟، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ، باب الله مفتوح في الليل والنهار، وهو قريب من عباده ،

стр. 123

لا يغيب، ولا يخفى عليه شيء، ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: "هل من سائل فأعطيه؟، هل من داع فأستجيب له؟، هل من مستغفر فأغفر له؟، هل من تائب فأتوب عليه؟ ". فالله ليس بحاجة إلى أنك تتخذ بينك وبينه وسائط من الأشخاص؛ من الأنبياء والصالحين والملائكة، بل ادعُهُ مباشرة، وتقرّب إليه مباشرة. وخواص عباده من الملائكة والأنبياء يبتغون إليه الوسيلة، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ، يخاف منه أولياء الله العارفون به. فهذه الآية فيها أن من معنى لا إله إلاَّ الله: أن لا يُدعى إلاَّ الله، وأنها لا تتخذ الوسائط بين العباد وبين الله من الخلق، فمن اتخذ بينه وبين الله واسطة فقد أخلّ بمعنى: لا إله إلاَّ الله. هذه الآية الأولى في الباب: تدل على أن من معنى لا إله إلاَّ الله أن يُصرف الدعاء والتقرّب والعبادة لله ، لا تُصرف لأحد من خلقه بحجة أنه واسطة بين العبد وبين ربه ، لأن الله ليس بينه وبين عباده واسطة من هذا النوع. أما الواسطة في تبليغ الوحي فإن بين الله وبين عباده واسطة لتبليغ الوحي والرسالات. أما الواسطة بين العباد وبين الله في رفع حوائجهم؛ فهذه غير موجودة، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هناك واسطة من جحدها فقد كفر، وهناك واسطة من أقرّ بها فقد كفر". فما هي هذه الواسطة التي من جحدها فقد كفر؟ هم الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، فهم واسطة بين الله وبين عباده في تبليغ الرسالات والأوامر والنواهي، فمن جحدها فقد كفر، لأنه جحد رسالة الرسل. وهناك واسطة من اقرّ بها فقد كفر، وهي أن يجعل إنسان بينه وبين الله واسطة في تبليغ حوائجه ورفع دعائه، يتقرّب إلى هذه الواسطة بالعبادة، وهذه الواسطة- بزعمه- تطلب له من الله ما يحتاجه.

стр. 124

وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية. ــ الآية الثانية: قوله : " ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) ﴾ " إبراهيم هو الخليل- ﵊، الذي تكرّر ذكره في القرآن الكريم، وأثنى الله عليه، وأمر باتباعه والاقتداء به، وهو أبو الأنبياء- ﵊، اتخذه الله خليلاً، وجعله إماماً للناس، أي: قُدوة يُقتدى به، وجعل الأنبياء الذين جاءوا من بعده من ذريته: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ، فكل الأنبياء الذين جاءوا بعد إبراهيم فهم من ذرية إبراهيم ﵇، فأنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق، ومحمد ﷺ من ذرية إسماعيل، فكلهم إذاً من ذرية إبراهيم- ﵊، ولهذا سُمِّي "أبا الأنبياء". " ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ﴾ " أول ما بدأ بأبيه. " ﴿وَقَوْمِهِ﴾ " الذين بعثهم الله إليهم، وهم الأمة التي كانت تعبد الكواكب، وهم الصابئة المشركون الذين كانوا يعبدون الكواكب، وكان ملكهم النُّمْرُود الذي قال الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ ، جادله وجحد أن يكون هناك رب غيره ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ يعني: بسبب أن الله أعطى النُّمْرُود الملك تكبّر وعصى، بدل أن يشكر الله ما أعطاه، ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ، بمعنى أن يقتل من شاء ويترك من شاء فأراد إبراهيم أن يأتي بأمر لا يمكنه أن يُغالط فيه: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ، فلم يمكنه أن يغالط في هذا الأمر، لأنه لا يمكنه أنه يُغالط ويدَّعي أنه يأتي بالشمس من المغرب، معاكسة لتدبير الله ، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . وقوله: " ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ " براء وبريء بمعنىً واحد، معناه: قطع الصِّلة والبعد عن المُتَبَرَّأُ منه، بخلاف الموالاة، فإن معناها: القُرب والاتصال بالمُوَالى، أما البراءة فمعناها: البعد والانقطاع، يقال برأ القلم إذا قطعه.

стр. 125

" ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ " يعني مما تعبدون من الأصنام والكواكب وغيرها، وهذا تحدٍّ لهم، تحدَّى آلهتهم وتبرّأ منها، ولو كانت قادرة لانتقمت منه، لأنه يتبرّأ منها على رؤوس الأشهاد، ويكفر بها، ومع ذلك لا تمسُّه بسوء؟، هذا دليل على بُطلانها. " ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ " يعني: الله ، و" ﴿فَطَرَنِي﴾ "، يعني: خلقني، فالفَطْر معناه: ابتداء الخلق من غير مثال سابق، فلم يتبرّأ منه لأنه ربه وحده لا شريك له. " ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ " وهذا معنى: لا إله إلاَّ الله، لأن قوله: " ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ " معناه: النفي؛ لا إله، " ﴿ِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ " معناه، الإثبات؛ إلاَّ الله. فهذه الآية فيها معنى لا إله إلاَّ الله، إذاً فهي تفسر لا إله إلاَّ الله بأن معناها ترك عبادة الأصنام، والبراءة منها، وإخلاص العبادة لله. أما الذي يعبد الله ويعبد معه غيره، فهذا لم يحقق لا إله إلاَّ الله، وان كان يتلفظ بها بلسانه، فالذي يقول: لا إله إلاَّ الله ثم يذهب إلى القبور، ويطلب منها الحوائج، ويتمسح بها، ويستغيث بها، يطلب المدد منها، ويطوف بها. فهذا لم يتبرّأ من الشرك، فلا تنفعه لا إله إلاَّ الله ولو قالها عدد الأنفاس، لأن لا إله إلاَّ الله ليست مجرد لفظ يقال باللسان، وإنما لها مقتضى ومدلول ومعنى لابد أن يحقق، وهو عبادة الله والبراءة من الشرك والمشركين. فالذي لا يتبرّأ من الشرك فإنه لم يحقق لا إله إلاَّ الله، وإن تلفظ بها، وجعل له منها أوراداً صباحية ومسائية، ومعه سبْحَة طول الباع يسبِّح بها، ومعه أوراد يردِّدها وفيها لا إله إلاَّ الله آلاف المرّات، لا تنفعه أبداً حتى يفعل ما فعل إبراهيم- ﵊، فيتبرّأ من الشرك. " ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ " جعل لا إله إلاَّ الله كلمة باقية في عقبه، في ذرية إبراهيم- ﵊، فلا يزال فيها من يقول هذه الكلمة ويعمل بها إلى أن بعث محمد ﷺ بها، ودعا إليها. بقيت في عَقِبه، وإن خالفها الأكثر، إلاَّ أنه يوجد في ذرية إبراهيم ﵇ من التزم بها ولو كانوا قليلين، إلى أن بُعث محمد ﷺ ، فلم تَخْلُ الأرض من التّوحيد ولله الحمد، ولا تخلو إلاَّ عند قيام الساعة، وإذا خلت الأرض من التّوحيد قامت القيامة، كما في الحديث: "لا تقوم الساعة وفي الأرض

стр. 126

وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية. ــ من يقول: الله الله"، لأن الأرض لا تبقى إلاَّ فع التّوحيد، لأن لا إله إلاَّ الله كلمة قامت بها السموات والأرض، ونُصبت من أجلها الموازين، وأُسست المِلّة، وفُرض الجهاد، من أجل لا إله إلاَّ الله، فهذه الكلمة لا تزال، لكن أحياناً يكثر أنصارها والقائمون بها، وأحياناً يقلُّون، إلاَّ أنهم لا ينعدمون إلاَّ عند قيام الساعة، حتى ولو كثر الشرك، فإنه يكون في الأرض من يعبد الله وحده لا شريك له إلى قرب قيام الساعة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون إليها، ويحققونها، وهذا حاصل والحمد لله، فإنه وإن حصل الشرك وكثر، فإن من ذرية إبراهيم ﵇ من يرجع إلى التّوحيد الصحيح ويدعو إليه ويجدّده للناس، فهذا من رحمة الله . فهذه الآية- كما ذكرنا- دلّت على أن معنى التّوحيد، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله: البراءة من الشرك، وإفراد الله تعالى بالعبادة، فهي تفسِّر لا إله إلاَّ الله. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ تتمة الآية: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾ الأحبار: جمع حَبْر، أو حِبِر، وهو العالم. والرهبان: جمع راهب، وهو العابد. والأحبار والرهبان موجودون في اليهود والنصارى، فاليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، بأيِّ شيءٍ اتخذوهم أرباباً من دون الله، فسرّ ذلك النبي ﷺ لَعَدِّي بن حاتم الطائي؛ لما جاء إلى النبي ﷺ وقرأ عليه الرسول ﷺ : " ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ "، واستشكلها عدي، لأنه كان نصرانيًّا، فقال: يا رسول الله لسنا نعبدهم، فقال النبي ﷺ : "أليسوا يحرّمون ما أحل الله، فتحرمونه؟ "، قال: بلى، قال: "أليسوا يحلُّون ما حرّم الله، فتحلُّونه؟ "، قال: بلى، قال: "فتلك عبادتهم". فمعنى: " ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ " أنهم أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ فدلّ هذا على أن من أطاع مخلوقاً في تحليل ما

стр. 127

حرّم الله أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذه ربًّا يعبده من دون الله، وهذا ما يسميه العلماء بشرك الطاعة. والشاهد من الآية للباب: أنها دلّت على أن من معنى لا إله إلاَّ الله: أن لا يُطاع إلاَّ الله ، وأن من أطاع أحداً في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا من دون الله. لكن إذا كان يعتقد أن تحليل الحرام وتحريم الحلال أمر جائز، فهذا شرك أكبر يخرجه من الملّة، أما إذا لم يعتقد جواز هذا، بل يعتقد أن التحليل والتحريم حقٌّ لله ، ولكنه فعله من باب الهوى، أو من باب تحصيل بعض المصالح، فهذه معصية عظيمة، لكنها لا تصل إلى حد الشرك الأكبر فطاعة المخلوقين في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا تجوز أبداً، لكن فيها تفصيل من حيث الكفر والشرك وعدم ذلك. والحاصل من هذا كله: أن الآية الكريمة دلّت على أن من تفسير التّوحيد وشهادة أن لا إلاَّ الله أن لا يُطاع إلاَّ الله في الحلال والحرام، وأن من أطاع مخلوقاً في التحليل والتحريم فقد اتخذه ربًّا من دون الله . ويشهد لهذه آيات أخر كما ذكر الله في سورة الأنعام لما ذكر أن المشركين يستبيحون الميتة، مع أن الله حرّمها ونهى عباده عنها، وأخبر أن المشركين سيجادلون المؤمنين في ذلك، ثم قال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ إن أطعتم المشركين في استباحة الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ . ويقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ يعني: من الحلال والحرام والعبادة ما لم يأذن به الله، فالتشريع حق لله ، لا يجوز أن يُطاع فيه أحد من المخلوقين غير الرسل، فمن أطاع أحداً من المخلوقين في التشريع؛ فإنه قد اتخذه شريكاً لله ، وهذا من معنى لا إله إلاَّ الله وهو إفراد الله تعالى بالطاعة في تحريم ما حرّمه وتحليل ما أحلّه.

стр. 128

وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ الآية. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال: لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حَرُم ماله ودمه، وحسابه على الله ". ــ الآية الرابعة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ تتمة الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ . " ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ " بعض الناس يعني: المشركين. " ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ " يعني: غير الله. " ﴿أَنْدَاداً﴾ " جمع نِدْ، والنِّد معناه: الشبيه والنظير والمثيل، يقال: فلان نِدُّ فلان، بمعنى: أنه يشبهه، وأنه نظيره، وأنه يساويه. فاتخاذ الأنداد من دون الله معناه اتخاذ الشركاء، سُمُّوا أنداداً لأن المشركين سوّوهم بالله ، وشبّهوهم بالله وأحبوهم محبة عبادة وتذلل. " ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ " الحب عمل قلبي ضد البُغض. فالمشركون اتخذوا من الأحجار والأشجار والأصنام شركاء لله سوّوهم بالله في المحبة، يحبونهم كما يحبون الله ، فالمراد هنا محبة العبادة، فالمشركون يحبون أصنامهم كما يحبون الله محبة عبادة وتذلل. " ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ " من المشركين لله، فالمشركون يحبون الله، والمؤمنون يحبون الله، ولكن المشركين يحبون الله ويحبون معه غيره، أما المؤمنون فيحبون الله وحده، ولا يشركون معه غيره في المحبة، فلذلك صار المؤمنون أشد حبًّا لله، لأن محبتهم خالصة، ومحبة المشركين مشتركة، فدلّت الآية على أن المشركين يحبون الله، ولكنهم لمّا أحبوا معه غيره صاروا مشركين، وأن التّوحيد لا يصح إلاَّ بإخلاص المحبة لله . فدلّت الآية الكريمة على: أن من تفسير لا إله إلاَّ الله وتفسير التّوحيد إفراد الله بالمحبّة، وأن لا يُحَبَّ معه غيره محبة عبادة بل يُفرد الله جل وعلا بالمحبّة، ولا يُحَبَّ معه غيره، محبة العبادة. قال الشيخ ﵀: "وفي الصحيح" يعني: صحيح الإمام مسلم. "عن النبي ﷺ قال: "من قال لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يُعبد من دون الله؛ حَرُم

стр. 129

ماله ودمه وحسابه على الله" علّق حُرمة المال والدم على شيئين: الشيء الأول: أن ينطق بكلمة لا اله إلاَّ الله. الشيء الثاني: أن يكفر بما يُعبد من دون الله، فإذا تحقق هذان الشيئاًن حرُم ماله ودمه، لأنه صار مسلماً، والمسلم يحرُم دمه وماله. "وحسابه على الله " فإن كان صادقاً في قول هذه الكلمة فإنه يكون مسلماً حقًّا، باطناً وظاهراً ويدخل الجنة، وإن كان قالها ظاهراً فقط فهذا هو النفاق، وذلك يحقن دمه ويحرم ماله، ولكنه في الآخرة يكون في النار ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ . فمن قال لا إله إلاَّ الله كَفَفْنا عنه وحقنا دمه وحرّمنا ماله، أما دخوله الجنة، وكونه مؤمناً حقًّا، فهذا عند الله ، هو الذي يعلم ما في القلوب، ويجازي عليها، وحسابه على الله . وإن ظهر منه ما يناقض هذه الكلمة حكم عليه بالردة. الحاصل؛ أن هذا الحديث بيّن معنى التّوحيد، ومعنى لا إله إلاَّ الله، وأنه النطق بالشهادة مع الكفر بما يُعبد من دون الله والبراءة منه، أما لو قال لا إله إلاَّ الله وهو لا يكفر بما يُعبد من دون الله بأن كان يعبد القبور، ويدعو الأولياء والأضرحة، فهذا لم يكفر بما يُعبد من دون الله، ولا يحرُم دمه ولا يحرُم ماله، لأنه لم يأت بالأمرين، وإنما أتى بأمر واحد، وهو قول: لا إله إلاَّ الله، ولكنه لم يكفر بما يُعبد من دون الله، لأنه يقول إن عبادة القبور ليست بشرك، فهو لم يكفر بما يُعبد من دون الله، فمعناه أنه لا يحقن دمه، ولا يَحْرُم ماله، لأنه ما دام أنه لم يكفر بما يُعبد من دون الله، فإنه لم يحصل المقصود. فهذا الحديث عظيم جدًّا، وهو حجة للموحّدين على أصحاب الشبه والمشركين، الذين يقولون: من قال لا إله إلاَّ الله فهو المسلم ظاهراً وباطناً ولو فعل ما فعل، يعبد القبور، ويذبح للأولياء والصالحين، ويعمل السحر والشعوذة، ويعمل كل شيء، هو مسلم حقاً ما دام يقول: لا إله إلاَّ الله. ولهذا يقول الشيخ ﵀: "لم يجعل النطق بلا إله إلاَّ الله، بل ولا كونه لا يدعو إلاَّ الله، بل ولا معرفة معنى هذه الكلمة، لم يجعل كل هذه الأمور عاصمة للدم والمال حتى يضيف إليها الكفر بما

стр. 130

وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب: ــ يُعبد من دون الله"، فالذي يقول أنا ما أكفِّر هؤلاء، أنا ما أكفر من يعبدون الحسن والحسين والبدوي، لا أكفّرهم لأنهم يقولون: لا إله إلاَّ الله؛ هم إخواننا، لكن أخطئوا، نقول له: أنت مشرك مثلهم، لأنك لم تكفر بما يُعبد من دون الله، والله تعالى قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فلا بد من الكفر بالطاغوت، ولابد من الكفر بما يعبد من دون الله ، واعتقاد بطلانه، والبراءة منه ومن أهله، وإلا فلا يصير الإنسان مسلماً، لأن هذا تلفيق بين الإسلام والكفر، ولا يجتمع الكفر والإسلام أبداً. فهذا الحديث على اختصاره منهج عظيم، يبيّن معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنها ليست مجرد لفظ يقال باللسان ويردّد في الأذكار والأوراد، وإنما هي حقيقة تقتضي منك أن تكفر بما يُعبد من دون الله، وأن تتبرّأ من المشركين، ولو كان أقرب الناس إليك، كما تبرأ الخليل- ﵊ من أبيه وأقرب الناس إليه. ثم قال ﵀: "وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب" أي: أن الأبواب الآتية إلى آخر كتاب التّوحيد، كلها تفسير لهذه الكلمة، مثل باب: النهي عن لبس الحَلْقَة والخيط، والتبرك بالأشجار والأحجار وباب السِّحر، وباب التَّنْجيم، وباب ما جاء في الطِّيَرة، وباب الرُّقى والتمائم، إلى آخر ما في هذا الكتاب من الأبواب، كله يفسِّر التّوحيد، ويفسِّر معنى: لا إله إلاَّ الله.

стр. 131

[الباب السابع:] * بابُ من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه ــ مناسبة هذا الباب لما قبله من الأبواب: أن الشيخ ﵀ لما ذكر في الباب الذي قبله بيان معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وتفسير التّوحيد، وأن ذلك هو عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه؛ ناسب أن يذكر في هذا الباب وما بعده أشياء من الشرك الأكبر أو الأصغر، الذي هو ضدّ التّوحيد، وضدّ شهادة أن لا إله إلاَّ الله أو منقص لهما. وقوله رحمه الله تعالى: "بابٌ من الشرك" أي: من أنواع الشرك، "لبس الحلْقة والخيط ونحوهما" مما يعلّق على البدن أو على الدابة، أو على السيارة أو على الأبواب من الأشياء التي يعتقدون فيها أنها تدفع عين الحاسد، وأنّها تحرس البدن، أو تحرس الدابة، أو تحرس السيارة أو تحرس البيت أو المتجر من الشرور والمحاذير، وهذه عادة جاهلية لا تزال في بعض الناس إلى اليوم، بل تتزايد بسبب الجهل، فإنهم يعلّقون هذه الأشياء على أجسامهم، وعلى أجسام الأطفال، وعلى السيارات، والدكاكين، والبيوت، قصدهم من ذلك أن هذه الأشياء تدفع عنهم الشرور والمحاذير، وهذا من الشرك لأنه تعلق على غير الله ، لأن الله جل وعلا وهو الذي يدفع الشر، وهو الذي إذا أراد بعبده شيئاً فلابد أن يقع إما في نفسه أو في ماله أو في أهله، فلا أحد يدفعه، وإذا منع شيئاً فلا أحد ينزله ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) ﴾ ، الأمر كله بيد الله جلّ وعلا، فيجب أن تتعلق القلوب بالله ، وأن تُخلص العبادة لله ، وأن لا يخاف إلاَّ من الله ، فمن تعلّق قلبه بالله ووحّد الله، فإنه لا يضره شيء إلاَّ بإذن الله ، أما من تعلّق على غير الله، فإن الله يَكِلُه إلى ما تعلق عليه، ويبتليه- كما يأتي-.

стр. 132

وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية. ــ قال: "وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ، تتمة الآية: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ". هذه الآية من سورة الزمر، السورة العظيمة التي قرّر الله فيها التّوحيد، وأبطل فيها أنواع الشرك، فالسورة من أولها إلى آخرها تعالج قضية العقيدة، وتعالج قضية أنواع الشرك التي كان المشركون يزاولونها، فأبطلتها هذه السورة ونقضتها، ومن ذلك هذه الآية الكريمة. " ﴿قُلْ﴾ " يا محمد، الخطاب للنبي ﷺ ، أي قل لهؤلاء المشركين: " ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ " من الأصنام والأحجار والأشجار والقبور والأضرحة والأولياء والصالحين، وكل ما يُعبد من دون الله. فالسؤال موجّه إلى كل مشرك على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، هل يستطيع الإجابة عنه؟، لا. " ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ " أي: أخبروني " ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ " " ﴿مَا﴾ " عامة لكل ما يُدعى من دون الله، لا يُستثنى منها شيء، سواء كان من البشر أو من الجماد أو غير ذلك. " ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ " يعني: بضرر، أو بفقر، أو بموت، أو أرادني بضياع مال، أو إصابة في قريب، أو غير ذلك مما يضرّني في بدني أو في مالي أو في أهلي. " ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ " هل هذه المعبودات التي تعبدونها تستطيع أن تكشف الضر عمّن دعاها؟، وهذا مثل ما سبق في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) ﴾ ، " ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ "؟، سؤال استنكار ونفي، أي. لا تكشف الضر عمن دعاها. ولذلك المشركون يمرضون، ويُقتلون، ويُصابون، وتذهب أموالهم، ولا تستطيع معبوداتهم أن تدفع عنهم شيئاً نزل من الله . " ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ " من صحة وغنىً وغير ذلك من أنواع الرحمة، هل أحد

стр. 133

من الخلق يستطيع أن يمنع نزول الرحمة على أحد من عباد الله؟، فظهر بذلك عجز آلهة المشركين. والنبي ﷺ قال لهم هذا وتلا عليهم القرآن، وسألهم هذا السؤال، وأعلنه على رؤوس الأشهاد، ولم يُجيبوه، ولن يجيبوه إلى أن تقوم الساعة. هذه من جملة الأسئلة التي وجهها الله في القرآن إلى المشركين ولم يجيبوا عنها. فدلّ على بطلان الشرك. " ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ " أي: هو كافيني، لأن الحَسْب معناه: الكافي، فهذا فيه تفويض الأمور إلى الله ، وتعليق القلوب بالله دون ما سواه، لما أبطل الشوك في أول الآية قرّر التّوحيد بقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ أي: هو كافيني ولن يستطيع أحد أن يضرني من دون الله أو ينفعني من دون الله، ولهذا يقول هود ﵊ لقومه: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) ﴾ ثم قال ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) ﴾ . " ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ " ولا يتوكلون على الحلْقة والخيط والصنم والقبر والولي أو غير ذلك، بل الذي يُتوكّل عليه هو الله ، لأنه بيده مقادير الأشياء. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عباس: "واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفَّت الصحف". فالأمور كلها مرجعها إلى الله ، فهو الذي يستحق أن يُعبد، وأن يُتوكّل عليه، وأن يُدعى، ويُرجى، ويُخاف ، وما عداه فإنه خلق من خلق الله، مسخّر بيد الله ، إن شاء سلّطه عليك وإن شاء منعه عنك، ما في الأرض من الأشرار من بني آدم ومن الشياطين ومن الجن ومن الإنس ومن الحيّات والسباع ومن سائر الأشياء الضارة، كلها بيد الله ، إن شاء سلّطها عليك وإن شاء أمسكها عنك، فلا تخف من غير الله ، وكذلك الخير بيد الله : ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

стр. 134

عن عمران بن حُصين ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلْقة من صُفْر، فقال: "ما هذا؟ ". ــ قَدِيرٌ﴾ ، بيده الخير فلا يملك أحد من الخلق أن يُعطيك شيئاً من الخير إلاَّ إذا أراده الله لك، ويكون هذا الشيء سبب فقط أجرى الله على يده الخير لك، أو سبب أجرى الله على يده الضرر عليك فهي، مجرّد أسباب، وإلا فما من شك أن النار تُحرق، وأن السَّبُع يفترس، وأن العدو يَفْتِك بعدوه، ولا شك أن الله خلق أشياء فيها ضرر، ولكن هذه الأشياء جنود من جنود الله ، نواصيها بيد الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ ، فإذا أراد الله سلّط عليك هذه الجنود، وإذا أراد الله حبس عنك هذه الجنود، إذاً فلا تعلق قلبك إلاَّ بالله ، ولا تتوكل إلاَّ عليه، ولا تُفوِّض أمورك إلاَّ عليه ، ولا يمنع هذا من أن تتخذ الأسباب- الجالبة للخير والأسباب الواقية من الشر، ولكن الاعتماد على الله . قوله: "عمران بن حُصين" بن عُبيد الخزاعي، هو وأبوه صحابيّان ﵄، ومن أفاضل الصحابة. "أن النبي ﷺ رأى رجلاً" الرجل مُبْهَم، ولكن جاءت الرّوايات أنه هو نفس عمران بن حُصين، دخل على النبي ﷺ . "وفي يده حلقة" الحلْقة هي: الشيء المستدير الذي يُدار على العضد، أو على الذِّراع، أو على الأصبع. فالشيء المستدير يسمى حلْقة، ومنه تحلّق القوم إذا استداروا في الجلوس. "من صُفر" الصفر نوع من المعدن معروف. "فقال النبي ﷺ : "ما هذا؟ " " الظاهر أنه سؤال إنكار، وقيل: إنه سؤال استفهام، فالنبي ﷺ سأله عن قصده في هذه الحلقة. ففيه دليل على وجوب إنكار المنكر، وفيه دليل على أن الإنسان لا ينكر شيئاً حتى يعرف مقصود صاحبه إذا كان الشيء محتمِلاً، فإن كان مقصود صاحبه شرًّا فإنه ينكره.

стр. 135

قال: من الواهِنَة. فقال: "انزعها، فإنها لا تزيدك إلاَّ وهناً، فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبداً"، رواه أحمد بسند لا بأس به. ــ "قال: من الواهنة" يعني: لبستها من أجل دفع الواهنة، لتقيني منها، والواهنة مرض يصيب اليد، يُسَمَّى عند العرب بالواهنة، وكان من عادتهم لبس الحلْقة من أجل توقِّي هذا الوجع، يزعمون أن هذه الحلْقة تدفع هذا الوجع. "فقال النبي ﷺ : "انزعها" النزع معناه: الرفع بشدّة، أي: ارفعها مسرعاً بنزعها ونشيطاً في رفعها لا تتوانى، في تركها على جسمك، لأنها مظهر شرك- والعياذ بالله-. ففيه المبادرة بإزالة مظاهر الشرك، وأن الإنسان لا يتوانى في تركه. ثم علّل ﷺ ما في بقائها عليه من الضرر، قال: "فإنها لا تزيدك إلاَّ وهناً" إلا ضعفاً، فالوهن معناها: الضعف والمرض. فهذا فيه دليل على أن لبس هذه الأشياء فمن الحلْقة ونحوها بقصد دفع الضرر أنه يسبّب عكس المقصود، فإنه لبسها من أجل توقِّي المرض، والنبي ﷺ أخبر أنها تجلب المرض، وذلك ظاهر في الذين يتعاطون هذه الأشياء؛ تجدهم دائماً في قَلَق وفي خوف، لكن الذي يتوكل على الله لا يهمّه شيء فتجده نشيطاً، قويّ العزيمة، مرتاح الضمير، منشرح الصدر، وتجد الذي يخاف من غير الله ويستعمل هذه، الرباطات ضعيف الجسم، منهك القوى، مهموماً حزيناً، يتخوّف من كل شيء. "فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبداً" أي: لو مات ولم يتب منها ما أفلح أبداً. فهذا فيه دليل على أن الشرك لا يُغفر حتى ولو كان شركاً أصغر، يُعذّب به، وإن كان لا يعذّب تعذيب المشرك الشرك الأكبر؛ فلا يخلّد في النار، لكن يعذّب بها بقدره. قال الشيخ ﵀ في مسائله: "فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر"، فالشرك الأصغر أكبر من الكبائر، لأن المعاصي وإن كانت كبائر إذا لم تكن شركاً، فلا تخل بالعقيدة وأما الشرك الأصغر فإنه يخلّ بالعقيدة، وأيضاً لا يُغفر على الصحيح، والمعاصي الكبائر التي دونه مظِنّة المغفرة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .

стр. 136

والشاهد من هذا الحديث ظاهر: لأن النبي ﷺ استنكر لبس الحلْقة التي يُقصد منها دفع الضرر، وأخبر أنها لا تزيد صاحبها إلاَّ مرضاً، وأنه لو مات وهي عليه ما أفلح أبداً، وهذا فيه دليل على منع لبس الحلْقة ونحوها من أجل دفع الضرر، أو من أجل دفع العين، أو غير ذلك من المقاصد السيّئة. ومثله: ربط الخيط على الساق، فبعض الناس يربطون خيوطاً على سيقانهم، أو على أذرعهم، أو على أصابعهم، ويقولون: إن هذا يمنع من المرض، وهذا هو نفسه فعل الجاهلية، وهو مثل الذي استنكره النبي ﷺ في هذا الحديث. قال: "رواه أحمد" الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، الإمام الجليل، أحد الأئمة الأربعة، شيخ المحدّثين ﵀، وهو الإمام الذي امتُحن وصبر، امتُحن في العقيدة على يد المأمون والمعتصم والواثق من خلفاء بني العباس، لأن المأمون تأثّر بالمعتزلة، وأدخلوا عليه أشياء مستنكرة، منها: القول بخلق القرآن- والعياذ بالله-، ومنها: تعريب الكتب الرُّومية وكتب الأمم الكافرة، التي لما عُرِّبت دخل على عقائد المسلمين منها الشر الكثير، وهذا كله بسبب المعتزلة، لأنهم غرّروا بهذا الخليفة. ففي هذا خطر الفِرق الضالة، وخطر مصاحبتها والقُرب منها، ولهذا كان السلف يُحذِّرون من مصاحبة المبتدعة ومن مجالستهم، لأنهم يُؤثِّرون على من صاحبهم. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ . فهؤلاء لما صاحبوا هذا الخليفة استمالوه معهم، فصار ضد أهل السنّة، ووقف الإمام أحمد في وجهه، وأبى أن يقول بخلق القرآن، حتى ضُرب وسُجن وعُذّب، ولكنه صبر ﵀ وصابر، وتعاقب عليه ثلاثة خلفاء، كلهم ضدّه: المأمون، والمعتصم، والواثق، ولكنه صبر ووقف بحزم وثبات، ولم يَخْضع لهم، وصبر على الضرب وعلى الحبس، وعلى الإهانة حتى نصره الله ، وجاء المتوكِّل ورفع عنه المحنة، وناصره، وصارت العاقبة للمتقين- والحمد لله-، وأخزى الله المعتزلة ومن تابعهم. فهذا الإمام يجب أن نعرف موقفه من أجل أن نقتدي به، وأن نعرف- أيضاً-

стр. 137

وله عن عُقبة بن عامر مرفوعاً: "من تَعَلّق تَمِيمَة؛ فلا أتم الله له، ومن تَعَلَّق وَدَعَة؛ فلا وَدَعَ الله له". ــ موقفنا من الفِرق الضالة والفِرق المخالفة لأهل السنة والجماعة حتى لا نتساهل معها، ونعمل عمليّة تجميع، ونقول: نحن نجمِّع ولا نفرّق كما تقوله بعض الجماعات!. بل يجب أن نفرّق بين أهل الحق وأهل الباطل، نحن مع أهل الحق وإن قَلُّوا، ولسنا مع أهل الباطل وإن كثروا، هذا هو الموقف الصحيح. فالإمام أحمد وحده وقف في وجه أمة، ونصره الله عليهم، ولا بد أن الإنسان يناله أذى في مقابل موقفه وصبره وثباته، لكن ما دام على الحق لا يهمه ذلك، وهذا في موازينه وفي حسناته عند الله . فهذا الحديث: "رواه أحمد" في مسنده "بسند لا بأس به"، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الإمام الذهبي ﵀. قال: "وله" أي: للإمام أحمد ﵀ "من تعلق تميمة فلا أتم الله له" إلخ. قوله: "من تَعَلَّق" أي: من علّق هذا الشيء على جسمه، أو علّق قلبه به، واعتقد فيه أنه ينفعه أو يضره من دون الله . "تميمية" التَمِيمَة: خرزات تعلّق على الأولاد يتّقون بها العين، وكذلك ما شابهها من كل ما يُعلّق من الخرزات وغيرها من الحُرُوز والحُجُب، فهذا ليس بخاص بالخرز، وإنما هذا التفسير لبيان نوع من أنواع المعلّقات، ومنهم من يعلّق النعل على الباب، ويجعل وجه النعل مقابلاً للشخص الآتي، أو على السيارة، ويظنون أن هذه الأشياء تدفع عنهم شر الحسد، وكل هذا من أمور الجاهلية. وقوله: "فلا أتم الله له" هذا دعاء من النبي ﷺ بأن الله لا يتمّ له أموره، ويعكس مقصوده عليه؛ والرسول ﷺ مجاب الدعوة، فهذه الدعوة تتناول كل من علّق على نفسه أو على غيره شيئاً من الحُجُب والحُرُوز والتمائم يريد بها كفّ الشر عنه إلى يوم القيامة، إلاَّ أن يتوب إلى الله ، فمن تاب تاب الله عليه، ومن لم يتب "فلا أتمّ الله له" يعني: لا أتم الله له أمره ومقصوده، بل أصابه بعكس ما يريد من الضرر والشر والخوف والقلق، ولهذا تجدون من يعلِّقون هذه الأشياء من أكثر الناس

стр. 138

وفي رواية: "من تَعَلَّق تَمِيمَة؛ فقد أشرك". ــ خوفاً وهمًّا وحزناً وضعفاً وخوراً، بعكس الموحّدين المعتمدين على الله، فتجدونهم أقوى الناس عزيمة وأقوى الناس عملاً، وتجدونهم لأن أيضاً- في أمن واستقرار وانشراح الصدور، لأنهم يؤمنون بالله وحده، ويعلّقون آمالهم بالله ، والله يكفيهم : ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ . وقوله: "ومن تعلق وَدْعَة؛ فلا وَدَع الله له" الوَدْع: شيء يُستخرج من البحر، يشبه الصّدف، يعلقونه على صدورهم أو على أعناقهم أو على دوابهم يتقون به العين. "فلا وَدَعَ الله له" أي: لا تركه في دَعَة وسُكُون وراحة، بل سلّط عليه الهموم والأحزان والوساوس والأعداء حتى يُصبح في قلق وهمّ وغمّ دائم، وهذا دعاء من الرسول ﷺ بأن يسلب الله راحته واستقراره وأمنه، ويصبح في خوف وهمّ وقلق دائم، يخاف من كل شيء، إلى أن يتوب إلى الله ، وهذا ظاهر في كل من يتعاطون هذه الأشياء، تجدونهم من أشد الناس قلقاً وهمًّا وخوفاً وتوقُّعاً للمكروه في كل لحظة ومن كل شخص. قال: "وفي رواية" يعني: للإمام أحمد ﵀. "من تعلّق تَمِيمَة؛ فقد أشرك" هذه فيها زيادة على دعاء الرسول ﷺ عليه بأنه قد أشرك، فهذا تصيبه مصيبتان: مصيبة دعوة الرسول ﷺ عليه، والمصيبة الثانية في عقيدته، وهي أنه قد أشرك بالله باتخاذ هذا الشيء، وهذا هو الشاهد من الحديث للباب، لان الباب: "باب من الشرك تعليق الحلْقة والخيط ونحوهما". فإن قلت: ما نوع هذا الشرك؟، هل هو الشرك الأكبر، نقول: فيه تفصيل إن كان يرى أنها تقيه من دون الله فهذا شرك أكبر. وإن كان يعتقد أنها سبب فقط والواقي هو الله فهذا شرك أصغر لأن الله لم يجعل هذه الأشياء سبباً.

стр. 139

ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحُمّى، فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) ﴾ . ــ قوله: "ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلاُ في يدّه خيط من الحُمّى" يعني: اتخذه أن يقيه من الحُمّى، والحُمّى: ارتفاع الحرارة في الجسم. فالرجل ربط الخيط من أجل أن يتقي الحُمّى، فحذيفة بن اليمان ﵁ قطع هذا الخيط من هذا الرجل، فهذا فيه إزالة المنكر، كما أن النبي ﷺ لما رأى الحلْقة قال: "انزعها". قوله: "وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) ﴾ "، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الناس " ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ " قيل معناه أنهم لا يؤمنون بالربوبية إلاَّ وهم مشركون في الألوهية، لأن المشركين كلهم يقرُّون بالربوبية، ولكنهم يشركون في الألوهية، إما الشرك الأكبر وإما الشرك الأصغر، وربط الخيط حسب ما فصّلنا من أنه إذا كان يرى أن النفع والضرر بيد الله، وإنما الخيط سبب؛ فهذا شرك أصغر، لأن الله لم يجعل ربط الخيط سبباً من الأسباب الواقية. أما إذا كان يعتمد على هذا الخيط من دون الله في دفع الضرر؛ فهذا شرك أكبر. فدلّ على أن الشرك قد يقع ويكثر وقوعه حتى من أهل الإيمان، إن كان المراد الشرك الأصغر، فالشرك الأصغر قد يصدر من المؤمن، كما قد يصدر منه النفاق لا العملي، ويصدر منه الرياء. أما إذا كان القصد الاعتماد عليه فإنه يكون من الشرك الأكبر المنافي للإيمان، فالشرك الأصغر ينقّص الإيمان، وينقّص التّوحيد، أما الشرك الأكبر فإنه ينافي الإيمان وينافي التّوحيد. قال الشيخ ﵀ في مسائله فيه: "أن الصحابة يستدلُّون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر"، لأن حذيفة بن اليمان استدل بالآية النازلة في الشرّك الأكبر على الشرك الأصغر، هذا إذا فُسِّرت الآية بأن المراد بها أهل الجاهلية، لأن أهل الجاهلية يقرّون بتوحيد الربوبية ويشركون في توحيد الألوهية، ولكن إقرارهم بتوحيد الربوبية لا يدخلهم في الإسلام، فيكون حذيفة ﵁ استدل بالآية النازلة على الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، لأنها تتناوله بعمومها، مثل ما استدل ابن عباس بقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: "هو قول الرجل: ما شاء الله وشئت، لولا الله وأنت، لولا كُليبة هذا لأتانا اللصوص وما أشبه ذلك"، فسّرها بالشرك

стр. 140

الأصغر، لأن الآية شاملة للشرك الأكبر والشرك الأصغر، فهو استدل بها على بعض ما دلّت عليه، كذلك حذيفة استدل بهذه الآية على بعض ما دلت عليه، لأنها تشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وبعض المسلمين يؤمنون بالله في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ولكن يصدر منهم بعض الشرك الأصغر الذي لا ينافي الإيمان، فدلّ على الحذر من الشرك، وأنه إذا كان هذا يحصل من بعض المؤمنين، فإن الإنسان لا يأمنه على نفسه، ويستعيذ بالله من الشرك الأكبر والأصغر ويقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم"، وفي الدعاء المشهور: "أعوذ بك من الشك والشرك والكفر والنفاق وسوء الأخلاق"، فالمسلم يخاف على نفسه، ويدعو الله بالعافية من هذه الأمور، ولا يزكي نفسه، ولا يأمن على نفسه.

стр. 141

[الباب الثامن:] *باب ما جاء في الرقى والتمائم في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: "أن لا يُبقين في رقبة بعير قلادة من وَتَر، أو قلادة إلاَّ قُطِعت". ــ قال الشيخ ﵀: "باب ما جاء في الرّقى والتمائم" أي: ما جاء عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين من الأحاديث والآثار في النهي عن الرُّقى والتّمائم. هذا الباب مناسبته لما قبله: وهو: "بابٌ من الشرك لبس الحلْقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه"؛ أن هذا الباب مكمِّلٌ للباب الذي قبله، لأنه ذكر أنواعاً أخرى مكمِّلة لما ذُكر في الباب الذي قبله، ولكن الباب الذي قبله صرّح الشيخ في ترجمته بأن لبس الحلْقة والخيط من الشرك، وأما هنا فلم يصرّح، بل قال: "ما جاء في الرُّقى والتمائم"، وهذا من دقّة فقهه ومعرفته ﵀، فإنه إذا كان الحُكم واضحاً منصوصاً عليه في الحديث ذكره في الترجمة، وإذا كان الحكم فيه تفصيل، أو فيه احتمال؛ فإنه لا يجزم في الترجمة، وإنما يورد الأدلة في الباب ويُؤخذ منها الحكم مفصّلاً. فهذا من دقّة فقهه ﵀، وشدّة تورّعه عن إطلاق الأحكام، مما يُرَبِّي في طلبة العلم هذه الخَصْلَة الطيّبة، وهي أنهم يتورّعون في إطلاق الأحكام ويتثبتون فيها، لأن الأمر خطير جدًّا. قوله: "عن أبي بشير الأنصاري ﵁" هكذا كان مشهوراً بكُنْيته، ولم يُعرف له اسم -كما قال ابن عبد البر. "أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره" لم يعين هذا السفر، قال الحافظ: لم أقف على تعيينه". "فأرسل رسولاً" أي: مندوباً. "أن لا يبقيّن في رقبة بعير قلادة" " يبقيّن" مؤكّد بنون التأكيد الثقيلة، وقلادة فاعل. كانوا في الجاهلية يعلّقون القلائد على رقاب الإبل، يعتقدون أن ذلك يدفع

стр. 142

عنها العين والضرر، والنبي ﷺ أراد أن يزيل هذه العادة الجاهلية، ويقرر التّوحيد. والقلادة ما أحاط بالعنق. والـ "وَتَر" -بفتح الواو- المراد به: وَتَر القوس، والقوس آلة كانوا يرمون بها السهام. وكانوا في الجاهلية إذا اخْلَقَّ الوَتَر أخذوه وعلّقوه على رقاب الدواب، وأبدلوه بوَتَر جديد، يعتقدون أن هذا الوَتَر القديم الذي استعمل ورُمي به أنه يدفع العين عن الإبل. وقوله: "أو قلادة" هذا شك من الراوي، هل الرسول ﷺ قال: قلادة من وَتَر، أو قال: قلادة مطلقة، سواء كانت من وَتَر أو من غيره؟. وهذا من دقتهم ﵃ في الرواية. وعلى كل حال؛ فيه دليل على منع هذا الشيء من أي نوع كان، سواء كان من وَتَر أو من غيره، ما دام أن المقصود منه عقيدة فاسدة، حتى ولو كان من السُّيور، أو من الخيوط، أو من الخرز، أو من غير ذلك، كل قلادة يُقصد بها هذا المقصد الشركي فهي ممنوعة. أما القلائد التي لا يُقصد منها مقصد شركي، مثل قلاد الهَدْي الذي يُهدى للبيت العتيق؛ فلا حرج فيها. "إلاّ قُطِعت" هذا فيه إزالة المنكر، ولاسيّما إذا كان هذا المنكر في العقيدة، فإن إزالته متأكِّدة. وفيه: أن الحاكم أو الإمام يرسل نوّاباً عنه في إزالة المنكر، وليس من شرط ذلك أن يباشره بنفسه. الشاهد من الحديث: تحريم عقد القلائد على الدواب، أو على الآدميين بقصد أن ذلك يدفع العين لأنه لا يدفع الضرر ولا يدفعه إلاَّ الله ، وليست القلائد هي التي تدفع الضرر، أو تجلب النفع، وليست سبباً في ذلك وإنما هذا بيد الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) ﴾ ، ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) ﴾ ، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا

стр. 143

وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقى والتّمائم والتِّوَلَة شرك" رواه أحمد وأبو داود. ــ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . قال: "وعن ابن مسعود" هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهُذلي الصحابي الجليل، من أئمة العلم المعروفين في الصحابة، ومن أشهر القرّاء لكتاب الله ، وهو الذي أُعجب النبي ﷺ بقراءته، وقال: "من أراد أن يسمع القرآن غضًّا طريًّا كما أنزل؛ فليسمع إلى قراءة ابن أم عبد"، وقد أمره النبي ﷺ أن يقرأ عليه، فقال: يا رسول الله كيف أقرأ عليك وعليك أُنزل؟، قال ﷺ : "إني أحب أن أسمعه من غيري"، قال عبد الله: فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) ﴾ قال النبي ﷺ : "حسبك"، قال: فالتفت إليه ﷺ فإذا عيناه تذرفان. والشاهد من هذا: فضيلة عبد الله بن مسعود ﵁. وكان من أَوْعِيَة العلم، وكان له رواية عن النبي ﷺ كثيرة، وكان مُفتياً من مشاهير المُفتين من الصحابة، وكان يقال له: صاحب السِّواد، لأنه كان يحمل نعليّ الرسول ﷺ . وفضائله كثيرة ﵁، وكان من السابقين الأولين. وفي بعض الأسفار: أنه صعد شجرة وكان نحيلاً، فنظر الصحابة إلى ساقيه دقيقتين؛ فضحكوا، فقال الرسول ﷺ : "تضحكون من دقّة ساقيه؟!، لهما في الميزان أثقل من جبل أحد". سبب ذكر عبد الله بن مسعود لهذا الحديث: أنه رأى على امرأته زينب ﵂ خيطاً في عنقها، وقال: لأنتم يا آل عبد الله أغنياء عن الشرك، قالت: إن عيني كانت تَطْرف، فأذهب إلى فلان اليهودي فيرقاها فتكف، قال ﵁: إنما ذلك شيطان يَنْخَسُها بكفه، فإذا رُقي كفّ، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقى والتّمائم والتوَلَة شرك".

стр. 144

وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعاً: "من تعلّق شيئاً؛ وُكِل إليه". ــ فهو لما قطع هذا الخيط، وأنكر على زوجته هذا الفعل؛ ذكر الدليل من سنة رسول الله ﷺ : " إن الرُّقى والتّمائم والتِّوَلَة شرك" وسيأتي تفسير هذه الثلاثة. قال: "وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعاً" عبد الله بن عُكيم أدرك النبي ﷺ ، لكنه لم يثبت له سماع من النبي ﷺ ؛ فيكون تحديثه عن الرسول من باب المرسل، لأنه لم يسمع من النبي ﷺ ، ولهذا قال الشيخ: "مرفوعاً". "من تعلّق شيئاً وُكِل إليه" "من تعلّق شيئاً" سواءً قلادة، أو تَمِيمَة، أو حِرْزاً من الحُرُوز، أو خيطاً، أو حلقة، يعني: علّق قلبه بشيء أيّ شيء، يظن أنه ينفع ويضر، "وُكِل إليه" وَكَلَه الله إلى ما تعلق به. وهذه عقوبة من الله ، وإهانة له من الله ، لأن الله إذا تخلّى عنه وَوَكَلَه إلى غيره هلك. أما من توكّل على الله وحده فإن الله يتولى أمره. أما من اعتقد بغيره فإنه يَكِلُه إليه ويتخلّى عنه، يَكِلُه إلى حلْقة من صُفْر، أو خيط، أو إلى تَمِيمَة، أو إلى وليّ من الأولياء، أو قبر من القبور، أو ضريح من الأضرحة، يَكِلُه إلى من اعتقد فيه. فهذا فيه خطر عظيم، وفيه حث على أن يعلِّق الإنسان قلبه بالله ، وأن يعتقد أنه لا ينفع إلاَّ الله، ولا يضر إلاَّ الله، ولا يشفي إلاَّ الله، ولا يرزق إلاَّ الله، ولا يُعطي ولا يمنع إلاَّ الله، يتوكّل على الله، مع أخذه بالأسباب المباحة التي جعلها الله أسباباً كالدواء المباح، وغير ذلك من الأسباب المباحة، لكن القلب يتعلق بالله. فقوله: "من تعلّق شيئاً وُكِل إليه" قاعدة عامة، تعمّ كل شيء يعلّق الإنسان قلبه به من دون الله ؟ من بشر، أو حجر، أو شجر، أو قبر، أو حلْقة، أو خيط، أو تَمِيمَة، أو غير ذلك، أو جن، أو إنس. ففي هذا وجوب التوكّل على الله، والنهي عن الاعتماد على غير الله في جلب خير أو دفع ضُر، والقرآن يقرّر هذا في آيات كثيرة.

стр. 145

"التّمائم": شيء يعلّقونه على الأولاد يتقون به العين. لكن إذا كان المعلّق من القرآن؛ فرخّص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخّص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁. ــ ثم إن الشيخ محمد ﵀ شرح هذه الألفاظ، فقال: "التّمائم شيء يعلِّقونه على الأولاد يتّقون به العين" ثم قال مفصِّلاً الحكم في هذا: "لكن إذا كان هذا المعلَّق من القرآن؛ فقد رخّص فيه بعض السلف" يعني: إذا كانت التَمِيمَة مكتوبة من القرآن؛ فقد رخّص فيها بعض السّلف، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، وعائشة، لأنها من القرآن، والتشافي بالقرآن ليس فيه محذور شركي، فهو كلام الله . "وبعضهم" أي: بعض الصحابة، "لم يرخِّص فيه " حتى لو كان من القرآن، منهم: عبد الله بن مسعود- راوي الحديث-، وسيأتي الأثر عن إبراهيم أنه قال: "كانوا يكرهون التّمائم من القرآن ومن غير القرآن"، وإبراهيم النخعي تلميذ لابن مسعود. هذا اختلاف السلف في تعليق التّمائم من القرآن، فقد اختلفوا في هذا على قولين: منهم من أجاز، نظراً لأن هذا من القرآن، وهو كلام الله ، والتداوي بكتاب الله والاستشفاء بكتاب الله مشروع، ومنهم من منع هذا ولم يرخِّص فيه لعموم النهي عن التمائم. وبناءً على ذلك اختلف الفقهاء من بعد الصحابة في هذه المسألة على قولين: منهم من أجاز؛ أخذاً برأي من أجاز من الصحابة، ومنهم من منع. والصحيح: الرأي الثاني وهو المنع، والشيخ عبد الرحمن بن حسن وقبله الشيخ سليمان بن عبد الله رجَّحا منعه، وذلك لثلاثة أمور: الأمر الأول: عموم النهي، ولم يَرِد دليل يخصّص ذلك. الأمر الثاني: سدّ الوسيلة المُفضية إلى الشرك، لأننا إذا أجزنا تعليق القرآن انفتح الباب لتعليق غيره. الأمر الثالث: أن تعليق القرآن يعرِّضه للامتهان، لأنه يعلّق على الصبيان، والصبيان لا يتجنّبون النجاسة أو الدخول في مواضع القاذورات، وكذلك الجُهّال لا يحترمون القرآن كما ينبغي، ولا يتنّبهون لذلك، وما كان سبباً لتعريض القرآن للامتهان فهو محرّم.
следующие страницы →