الاستوائي الشمالي، أما في فصل الصيف فتنعكس الدورة بسبب تغير اتجاه الرياح الموسمية، التي تهب على شبه جزيرة الهند، والبحر العربي في هذا الفصل من الجنوب الغربي بصفة عامة، فتدفع أمامها المياه الساحلية على شكل تيار يتجه نحو الشرق، فإذا ما وصل إلى ساحل الملايو والهند الصينية غير اتجاهه نحو الجنوب، وأخيرًا يتحول إلى تيار استوائي يتجه من الشرق إلى الغرب، ومن الواضح أن شكل الساحل الهندي له تأثير واضح على اتجاه التيار البحري الذي يضطر للدوران حوله عند انتقاله من خليج بنغال إلى البحر العربي في فصل الشتاء أو العكس في فصل الصيف.
أما إلى الجنوب من خط الاستواء، فلا يختلف نظام التيارات البحرية في المحيط الهندي عن نظامها في المحيط الأطلسي الجنوبي أو المحيط الهادي الجنوبي؛ ففي الشرق يوجد تيار غرب أستراليا الذي تدفعه الرياح التجارية الجنوبية الشرقية نحو خط الاستواء، ثم يتكون منه التيار الاستوائي الجنوبي الذي يتحرك غربًا حتى يصل إلى الساحل الشرقي لإفريقية، وينحرف نحو الجنوب على شكل تيار دافئ يطلق عليه اسم تيار موزمبيق، نسبة إلى إقليم موزمبيق في شرق أفريقيا، وأخيرًا يغير اتجاهه نحو الشرق بتأثير الرياح العكسية الشمالية الغربية حتى يلتحم بتيار غرب أستراليا، وتبدأ الدورة من جديد.
стр. 317
تيارات البحر المتوسط:
يتميز البحر المتوسط ببعض التيارات السطحية التي تختلف في طبيعتها وأسبابها عن التيارات الرئيسية في المحيطات الكبرى؛ لأن العامل الرئيسي الذي يحرك مياه المحيطات هو الرياح العامة، أما المياه السطحية في البحر المتوسط فتتحرك نتيجة لعوامل أخرى من أهمها ارتفاع درجة ملوحة مياه هذا البحر، وارتفاع درجة حرارتها بالنسبة لمياه المحيطات عمومًا. ويرجع ذلك إلى دفء البحر المتوسط وسرعة تبخر مياهه من ناحية، وعدم كفاية ما ينصب فيه من مياه الأنهار أو
стр. 318
شكل "٨٣" التيارات البحرية في المحيط الهندي في فصل الشتاء
شكل "٨٣" التيارات البحرية في المحيط الهندي في فصل الصيف.
الأمطار لتعويض ما يضيع من مياهه بالتبخر من ناحية أخرى. وليس من شك في أن تضاريس الحوض لها كذلك دخل كبير في أحواله المائية؛ إذ إن امتداد الجبال بجوار الساحل في معظم أجزائه قد يقلل من فرصة وجود أنهار كبيرة تحمل إليه ما يكفي لتعويض المفقود منه بالتبخر، ويقدر مجموع ما تلقي به الأنهار التي تصب في البحر المتوسط مباشرة بنحو ٤.٩% فقط من المياه التي تضيع منه بالتبخر أما الباقي فيعوض بثلاث وسائل أخرى هي:
١- زيادة ما يدخل إلى هذا البحر من المحيط الأطلسي عن طريق بوغاز جبل طارق عما يخرج منه من نفس الطريق، وهذا يعوض ٧٠.٦% من مجموع المياه المتبخرة.
٢- الأمطار وغيرها من مظاهر التكثف وهذه تعوض ٢١.٣%.
٣- زيادة ما يدخل البحر المتوسط من البحر الأسود عن طريق بوغازي البوسفور والدردنيل عما يخرج منه إلى نفس البحر، وهذا يعوض ٣.٢% من قيمة المياه المتبخرة.
ومن هذا تتبين بوضوح أهمية بوغاز جبل طارق الضيق بالنسبة لمياه البحر المتوسط؛ إذا لولا المياه التي تصل عن طريقه إلى هذا البحر لجف بسبب كثرة التبخر، كما أنه لولا ضيق هذا البوغاز وضحولته بسبب وجود عتبة صخرية عند
стр. 319
مدخله لا يزيد ارتفاع الماء فوقها عن ٤٠٠ متر لاختلطت مياهه بمياه المحيط الأطلسي ولما عادت لها صفاتها الأولى التي تتميز بها.
شكل "٨٤" حركة المياه بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط
وقد ترتب على وصول المياه السطحية إلى البحر المتوسط من الغرب ومن الشرق تكون دورة عامة تتحرك بمقتضاها المياه السطحية لهذا البحر في اتجاه مضاد لحركة عقرب الساعة؛ حيث تتحرك من الشرق إلى الغرب أمام سواحله الشمالية، ومن الغرب إلى الشرق أمام سواحله الجنوبية، ولو أنها تتأثر في حركتها بشكل السواحل؛ ففي جنوب أوروبا مثلًا نلاحظ أن التيار يتحرك من الجنوب إلى الشمال أمام السواحل الغربية لأشباه الجزر ومن الشمال إلى الجنوب أمام سواحلها الشرقية، كما هي الحال أمام سواحل إيطاليا وإسبانيا.
وقد كان لهذه التيارات السطحية أثر في نشأة المواني المهمة القريبة من مصبات الأنهار؛ حيث يلاحظ أن هذه الموانئ تنشأ دائمًا في الجهة التي لا تتأثر بالرواسب التي يجلبها النهر ويحملها التيار البحري، وهذا هو السبب في نشأة سالونيكا إلى الشرق من مصب الواردار، والبندقية إلى الشمال من مصب نهر البو ومرسيليا إلى الشرق من مصب الرون، وبرشلونة في شمال شرق دلتا الأيرو،
стр. 320
وليس من شك في أن حركة التيارات أمام الساحل الشمالي لمصر من الغرب إلى الشرق قد ساعد على حماية ميناء الإسكندرية من الرواسب الطينية التي تحملها مياه نهر النيل وتلقي بها في البحر خصوصًا في موسم الفيضان.
أما التيار السفلي الذي يتحرك على عمق يتراوح بين ١٠٠ و ١٥٠ مترًا فيتجه نحو بوغاز جبل طارق في معظم أجزاء البحر ما عدا بحر إيجة؛ حيث يتحرك نحو البحر الأسود.
وحركة المياه في بوغاز جبل طارق تسير في اتجاهين متضادين؛ فهناك تيار سطحي قوي يندفع من المحيط إلى البحر المتوسط بسرعة تبلغ حوالي خمسة كيلو مترات في الساعة، ويتراوح عمقه بين ٥٠ و ١٠٠ متر من سطح الماء، ويقابل هذا التيار السطحي تيار آخر سفلي يتحرك على عمق يتراوح بين ١٠٠ و ٢٠٠ متر وتنحدر بواسطته مياه البحر المتوسط ذات الكثافة والملوحة المرتفعتين على حافة العتبة الصخرية نحو قاع المحيط، ويواصل التيار السطحي الذي يحمل مياه المحيط الأطلسي ذات الكثافة والملوحة المنخفضتين نسبيًّا حركته نحو الشرق، أمام الساحل الشمالي لإفريقية حتى الساحل الشمالي لمصر؛ إلا أن سرعته تتناقص تدريجيًّا كلما اتجهنا شرقًا. أما التيار السفلي الذي يخرج من البحر المتوسط فتنتشر مياهه الكثيفة على قاع المحيط في اتجاهات مختلفة أمكن تتبعها لمسافات طويلة أمام ساحل البرتغال وساحل المغرب، بل وفي عرض المحيط. والمياه التي تغذي هذا التيار السفلي تشمل الطبقة التي يتراوح عمقها بين ٣٠٠ و ٥٠٠ متر في معظم أجزاء البحر المتوسط؛ حيث يلاحظ أن هذه الطبقة تتحرك بصفة عامة نحو الغرب، أما الطبقات الأعمق من ذلك فلا تتأثر تأثرًا ظاهرًا بهذه الحركة، ويرجع ذلك إلى تأثير بوغاز جبل طارق الذي أشرنا إليه.
ومن الممكن أن نلاحظ نفس حركة المياه كذلك في البوغاز الذي يفصل جزيرة صقلية عن تونس؛ فهنا يوجد تياران أحدهما سطحي يتجه نحو الشرق، والثاني سفلي يتجه نحو الغرب، ولكنهما أضعف بكثير من تياري بوغاز جبل طارق.
стр. 321
وفي الطرف الشمالي الشرقي للبحر المتوسط يوجد تياران آخران في بوغازي البسفور والدردنيل؛ أحدهما سطحي يتحرك من البحر الأسود إلى البحر المتوسط، والثاني سفلي يتحرك في الاتجاه المضاد، وهذان التياران لا يبلغان كذلك من القوة مبلغ تياري بوغاز جبل طارق.
ولما كانت التيارات الدافئة تعمل دائمًا على تدفئة السواحل التي تمر بها بينما تعمل التيارات الباردة على برودتها؛ فقد ترتب على الظاهرتين السابقتين أن اختلفت درجة حرارة السواحل الشرقية للقارات عن درجة حرارة سواحلها الغربية التي تقع في نفس العروض، ويظهر هذا بوضوح عند مقارنة السواحل المتقابلة في القارة الواحدة أو السواحل المشرفة على محيط واحد في القارات المختلفة.
стр. 322
مقدمة في الطقس والمناخ .
تمهيد: الفرق بين الطقس والمناخ .
يجب عند دراسة المناخ ألا نخلط بين تعبيرين هما طقس Weather ومناخ Cimate فالطقس هو: حالة الجو في مكان ما خلال فترة قصيرة قد تكون يومًا أو بعض يوم، أما المناخ فهو: ملخص الأحوال الجوية لأي مكان في شهر من الشهور، أو فصل من الفصول ونظام توزيعها على طول السنة. ومهمته هي تحليل المتوسطات والمعدلات الخاصة بعناصر الجو المختلفة، وتوضيح علاقتها بمختلف المظاهر الطبيعية والحيوية والبشرية وتوزيعها توزيعًا زمنيًّا على الأشهر والفصول ومكانيًّا على مختلف الأماكن مهما كانت مساحاتها.
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نميز بين علمين مهمين كلاهما له صلة وثيقة بالآخر وهما: علم الظاهرات الجوية أو المتيورولوجيا، أو كما يسمى أحيانًا علم الأرصاد الجوية Meteorology ثم علم المناخ Climatology؛ فعلى الرغم من أن هذين العلمين متصلان اتصالًا وثيقًا إلا أن لكل منهما اختصاصًا معينًا فالمتيورولوجيا مهمتها مراقبة الجو وقياس العناصر المناخية المختلفة من حرارة وضغط ورياح وأمطار وسحب ورطوبة وإشعاع وغير ذلك، ثم تسجيل القياسات المختلفة يوميًّا. وتعتبر التنبؤات الجوية، ويقصد بها تقدير ما سيكون عليه الجو في الأربعة والعشرين أو الثمانية والأربعين ساعة المقبلة، من أهم فروع المتيورولوجيا الحديثة، وقد أصبحت لهذه التنبؤات في الوقت الحاضر أهمية خطيرة في حياة الإنسان اليومية؛ حتى أنها أصبحت تذاع بانتظام من معظم محطات التلفاز والإذاعة في العالم، وتنشر في معظم الصحف اليومية حتى يستفيد بها كل من كان عمله له علاقة بالأحوال الجوية، مثل البحارة والطيارين والزراع؛ بل ويستفيد بها الشخص العادي لتحديد تنقلاته وملابسه وغير ذلك من مظاهر حياته.
وهكذا نجد أن علم المتيورولوجيا يهتم بصفة خاصة بمراقبة التغيرات التي تطرأ على الجو من يوم إلى آخر أو من ساعة إلى أخرى، أما علم المناخ الذي يعتبر فرعًا من أهم فروع الدراسات الجغرافية؛ فمهمته هي دراسة الإحصائيات التي تنشرها المراصد الجوية لعناصر المناخ المختلفة، وتوضيح العلاقة بينها وبين بقية
стр. 323
المظاهر الأخرى للبيئة؛ سواء منها ما هو طبيعي أو ما هو متصل بحياة الإنسان وأوجه نشاطه، ثم مقارنة الأقاليم المختلفة بعضها ببعض من هذه النواحي.
ويلاحظ أن معظم فروع الدراسات العلمية " Sciences" أصبحت في الوقت الحاضر متشابكة بعضها ببعض، وأن علم المناخ أصبح يواجه مسئوليات خطيرة قبل العلوم الأخرى التي ترتبط به إما مباشرة أو بطريق غير مباشرة، وتبدو صلة هذا العلم واضحة بصفة خاصة بعلوم الزراعة والحيوان والنبات وعلوم الطيران والملاحة البحرية وهندسة المياه "الهيدرولوجيا Hydrology" وتخطيط المدن وغيرها؛ ولذلك فإننا نلاحظ دائمًا أن المؤلف الذي يتعرض للكتابة في أي موضوع من هذه الموضوعات كثيرًا ما يجد نفسه مضطرًا لأن يخصص فصلًا من الفصول الأولى من كتابه لدراسة الأحوال المناخية في المنطقة التي يدرسها، ولكن نلاحظ للأسف أن الربط بين الفصل المناخي وبين بقية فصول الكتاب يكون في كثير من الأحيان ضعيفًا غير ملحوظ، والسبب في ذلك يرجع بصفة خاصة إلى أن علم المناخ كان حتى وقت قريب جدًّا يعالج كعلم منفصل عن غيره من العلوم؛ إلا أنه قد ظهر اتجاه حديث يرمي إلى تقوية الصلة بين علم المناخ وبقية العلوم المتصلة به؛ بحيث يستطيع أن يقدم لكل منها الحقائق المناخية في الصورة التي يسهل عليه الاستفادة بها، ولتحقيق هذا الغرض أصبح من الواجب على الباحث أن يلمس نقط الاتصال بين هذه العلوم بعضها وبعض من وجهة، وبينها وبين علم المناخ من جهة أخرى.
стр. 324
٤-١- الغلاف الجوي .
تركيبه:
يطلق اسم الغلاف الجوي على الغلاف الغازي الذي يحيط بالكرة الأرضية إحاطة تامة، وهو يتألف في طبقاته السفلى من مجموعة من الغازات يختلط بعضها ببعض بنسب ثابتة تقريبًا لا تختلف من مكان إلى آخر، "وذلك على فرض أن الهواء جاف تمامًا". وكلها عديمة اللون والطعم والرائحة، وأهم هذه الغازات هي النيتروجين "الأزوت" والأكسوجين، وهما يكونان معًا حوالي ٩٩% من حجم الهواء "٧٨% نيتروجين ٢١%" أكسجين أما الباقي وقدره ١%؛ فتشترك فيه مجموعة من الغازات الأخرى أهمها الأرجون "Argon"
"٠.٠٨%" وثاني أكسيد الكربون "٠.٠٣%" والأيدروجين Hydrogen" ٠.٠١%" وعدد آخر من الغازات التي توجد بنسب ضئيلة جدًّا مثل الهيليوم Helium والأوزون Ozone والنيون "Neon".
ورغم أن نسب الغازات التي يتركب منها الهواء ثابتة تقريبًا فإن بعضها تتغير نسبته تغيرًا بسيطًا من مكان إلى آخر، ومن وقت إلى آخر على حسب
شكل "٨٥" نسب الغازات الرئيسية في الطبقة السفلى من الجو.
الظروف المحلية. وينطبق هذا بصفة خاصة على غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يكون معدومًا تمامًا في بعض الأحيان؛ بينما ترتفع نسبته إلى ١% في أحيان أخرى
стр. 325
كما هي الحال في المدن الصناعية. وينطبق هذا أيضًا على غاز الأوزون الذي تتغير نسبته على حسب الأحوال الجوية.
ولكل غاز من الغازات السابقة أهميته وصفاته الخاصة؛ فالأكسوجين هو أساس وجود الحياة بمختلف أنواعها. وكثافته أعلى قليلًا من متوسط كثافة الهواء عمومًا. وهو يدخل في تركيب الماء كما أنه يذوب فيه ولكن بنسبة ضئيلة. ولهذه الميزة أهمية خاصة لحياة كثير من الحيوانات والنباتات المائية التي تستمد الأكسجين اللازم لحياتها مما هو مذاب منه في الماء. والأكسجين هو الذي يساعد كذلك على جميع عمليات الاحتراق.
والأوزون ليس إلا شكلًا من الأشكال التي يتحول إليها الأكسجين. وهو لا يثبت على نسبة واحدة في تركيب الهواء؛ ولكنه يتغير مع تغير الأحوال الجوية. وتزداد نسبته كلما زاد اضطراب الجو. وهو غاز مطهر يمكن ذوبانه في الماء. وهو كالأكسجين يساعد على الاشتعال ولكن بدرجة أكبر.
أما النيتروجين فهو -كما يبدو من ارتفاع نسبته بين الغازات الأخرى- الأساسي الأصلي في تكوين الغلاف الجوي في جميع طبقاته، وكثافته أقل قليلًا من متوسط كثافة الهواء عمومًا. وهو يذوب في الماء بدرجة بسيطة، وهو عكس الأكسوجين بالنسبة لعمليات الاحتراق؛ حيث أنه لا يساعد عليها.
أما ثاني أكسيد الكربون فيتكون نتيجة لعمليات الاحتراق، ونتيجة لتنفس الحيوانات بجميع أنواعها بما فيها الإنسان، وهذا هو السبب في أن نسبته تتغير من مكان إلى آخر ومن وقت إلى آخر على حسب ظروف الحياة وتبعًا لكثرة عمليات الاحتراق ونشاطها. وتتميز النباتات بأنها تمتص ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين أثناء النهار؛ بينما تقوم بعكس ذلك في أثناء الليل.
ومن أقل غازات الجو كثافة الأيدروجين الهيليوم، وأولهما قابل للاشتعال أما الثاني فليس كذلك - ولهذا السبب فإنه يستخدم غالبًا في تعبئة البالونات المستخدمة في الأرصاد الجوية
стр. 326
ويجب أن نلاحظ أن النسب التي سبق ذكرها للغازات المختلفة محسوبة على أساس أن الهواء جاف؛ أي خال من بخار الماء الذي يعتبر كذلك من أهم المواد التي توجد عالقة بالجو في كل مكان؛ إلا أن بخار الماء يختلف عن الغازات السابقة في أن نسبة وجوده في الجو تتغير من مكان إلى آخر، ومن وقت إلى آخر تبعًا لعوامل كثيرة أهمها درجة الحرارة، ووجود المسطحات المائية، وكثافة الحياة النباتية وغيرها. وبخار الماء الموجود في الجو هو الذي يعبر عنه عادة باسم "الرطوبة"، وهو يهمنا عند دراسة المناخ أكثر مما تهمنا العناصر الأخرى التى تدخل في تركيب الهواء؛ وذلك لأنه هو الأساس الذي تتوقف عليه جميع مظاهر التكثف المختلفة مثل السحب والأمطار والثلج والضباب والندى.
وتنتشر في الجو كذلك كميات كبيرة من جزيئات دقيقة يطلق عليها في مجموعها اسم "الغبار". ويمكننا أن ندرك عظم هذه الكميات إذا راقبنا شعاعًا من الشمس يدخل غرفة من طاقة أو نافذة؛ فإننا نرى أعدادًا لا حصر لها من الجزيئات التي تسبح في الهواء باستمرار، وتختلف هذه الجزيئات في أشكالها وصفاتها وفي نسبة وجودها في الهواء من مكان إلى آخر، وهي في جملتها مستمدة من مصادر متعددة؛ أهمها الأتربة والرمال الدقيقة التي تثيرها الرياح من سطح الأرض، ثم الرماد الذي يندفع من فوهات البراكين عند ثورانها، والدخان الذي يخرج من المداخن والمواقد خصوصًا في المدن الصناعية. وقد يحتوي الغبار الذي في الجو كذلك على جزيئات من أصل عضوي، مصدرها أجزاء النباتات التي تجف وتتفتت وتتطاير مع الرياح، أو من النباتات التي تتطاير حبيباتها الخاصة بالتلقيح.
ووجود الغبار بالجو له أهمية عظيمة؛ لأنه يساعد الهواء على امتصاص الحرارة من أشعة الشمس أثناء النهار، كما يساعد على فقدانها أثناء الليل، ثم أنه يساعد كذلك على تكثف بخار الماء العالق بالهواء وتحوله إلى شابورة أو ضباب؛ لأن الجزيئات الصلبة المتطايرة في الهواء تكون بمثابة نوايات "جمع نواة" يتكثف عليها البخار عند انخفاض درجة الحرارة. وهذا الغبار هو المسئول بالاشتراك مع بخار الماء
стр. 327
العالق بالجو عند حدوث بعض المظاهر الضوئية الطبيعية المعروفة مثل الشفق الذي يظهر عادة عند غروب الشمس، وأحيانًا عند شروقها.
ويجب أن نلاحظ أن تركيب الهواء في طبقات الجو العليا قد يكون مختلفًا عنه في الطبقات السفلى؛ حيث تأخذ النسب التي توجد بها الغازات المختلفة في التغير تدريجيًّا كلما زاد الارتفاع؛ فتبدأ نسب الغازات الثقيلة مثل الأكسوجين وثاني أوكسيد الكربون والنيتروجين في النقصان؛ بينما تتزايد نسب الغازات الخفيفة مثل الأيدروجين، كما أن كمية بخار الماء وكمية الغبار العالقة بالهواء تتناقص كذلك تناقصًا سريعًا كلما زاد الارتفاع عن سطح الأرض.
стр. 328
سمك الغلاف الجوي وتركيبه
مدخل
...
سمك الغلاف الجوي وطبقاته:
ليس من السهل معرفة سمك الغلاف الجوي، وإن كان من المعروف أنه يبدأ في التلاشي تدريجيًّا على ارتفاع يتراوح ما بين ٣٠٠ و ٥٠٠ كيلو متر. ومن الثابت على العموم أن معظم الغازات التي يتكون منها الهواء تختفي غالبًا قبل الوصول إلى هذا الارتفاع، ويقدر على وجه الإجمال أن حوالي ٥٠% من الوزن الكلي للغازات التي يتألف منها الهواء تتجمع في الطبقات السفلى من الجو حتى ارتفاع ٦ كيلو مترات تقريبًا، وأن ٢٥% من هذا الوزن توجد في الستة كيلو مترات والنصف التي تعلو ذلك.
وينقسم الغلاف الغازي بصفة عامة إلى أربع طبقات أو أغلفة كبرى وهي بالترتيب من أسفل إلى أعلى:
стр. 329
١- التروبوسفير Troposphere:
ويبلغ ارتفاعه في المتوسط حوالى ١١ كيلو مترًا تقريبًا من سطح البحر؛ ولكن هذا الارتفاع يزيد عن ذلك في الأقاليم المدارية الحارة؛ بحيث يصل أحيانًا إلى ١٨ كيلو مترًا، بينما يقل عند القطبين بحيث يصل إلى ٨ كيلو مترات. وهذه الطبقة هي التي تهمنا دائمًا عند دراسة الجو والمناخ؛ لأنها هي الميدان الذي تتمثل فيه جميع الظاهرات الجوية والمناخية مثل السحب والأمطار والعواصف والأعاصير وغيرها، ويلاحظ أن درجة الحرارة في التروبوسفير تتناقص كلما زاد الارتفاع بمعدل درجة مئوية واحدة لكل ١٥٠
стр. 330
مترًا تقريبًا. وهذه الطبقة عظيمة الثقل جدًّا بسبب عظم كثافة هوائها من جهة، وبسبب الضغط الذي يقع عليها من الطبقات التي فوقها من جهة أخرى١. ويقدر وزن هذه الطبقة وحدها بنحو ٥/٤ وزن الغلاف الجوي كله.
ويطلق اسم التروبوبوز Tropopause على القسم الأعلى من هذه الطبقة، وهو عبارة عن منطقة انتقال بين التروبوسفير وما فوقها، وهي قليلة السمك نسبيًّا، وتتميز بأن درجة حرارتها منخفضة جدًّا حوالي -٥٥درجة مئوية ولا تتناقص تناقصًا محسوسًا بالارتفاع.
стр. 331
٢- الاستواتوسفير Stratosphere:
وهو أعظم سمكًا من التروبوسفير، ويبلغ سمكه في العروض المتوسطة حوالي ٥٠ كيلو مترًا؛ ولكنه يقل عن ذلك كثيرًا قرب خط الاستواء، حتى أنه قد يختفي تقريبًا. ودرجة حرارته منخفضة جدًّا، ولا تتغير كثيرًا بالارتفاع؛ إلا أنها تتزايد ببطء في القسم الأعلى منه. وعلى العكس مما يحدث في التروبوسفير، الذي تتناقص حرارته أفقيًّا كلما اتجهنا نحو القطبين فإن حرارة الاستراتوسفير تتزايد في هذا الاتجاه. وتخلو هذه الطبقة من جميع الاضطرابات الجوية، ولكنها تحتوي على نسبة ضئيلة من بخار الماء.
ويطلق اسم الاستراتوبوز Stratopuse على القسم الأعلى من الاستراتوسفير. ويبلغ متوسط ارتفاعه في العروض المتوسطة حوالي ٢٠ كيلو مترًا، وفيه تتجمع أعلى نسبة من غاز الأوزون الموجود في الجو، وهو يساعد على رفع درجة حرارته بعض الشيء.
стр. 332
٣- الميزوسفير Mesosphere:
وفيه تتناقص درجة الحرارة بحيث تبلغ حدها الأدنى في أعلى أجزاء هذا الغلاف على ارتفاع يتراوح بين ٧٠ و ٧٥ كيلو مترًا من سطح الأرض. وفي هذا الغلاف تحترق الشهب التي تندفع من الفضاء نحو الأرض.
стр. 333
ويطلق اسم الميزوبوز "Mesopause" على القطاع العلوي من هذا الغلاف، وهو الذي يمثل منطقة الانتقال بينه وبين الغلاف الذي فوقه، وهو الأيونوسفير.
стр. 334
٤- الأيونوسفير Ionosphere:
ويتراوح سمكه بين ٧٥ و ٣٧٥ كيلو مترًا، وهو عبارة عن القسم السفلي من الغلاف العلوي الذي يعرف اسم الثرموسفير Themospere، الذي يتميز عمومًا بارتفاع درجة حرارته، التي قد تصل في أعلاه إلى أكثر من ١٠٠٠ ْ مئوية.
ومما يعرف عن الأيونوسفير أن له بعض الخصائص الكهربائية التي تجعل له القدرة على عكس الموجات اللاسلكية القصيرة نحو الأرض. وفيه تنتقل كذلك بعض الإشعاعات المغناطيسية والكهربائية نحو القطبين؛ فتؤدي إلى شحنات كهربائية في أعلى الجو تكون سببًا في ظهور الوهج المشهور باسم الأورورا Aurora وهو يظهر بكثرة عند القطب على شكل قوس هائل مكون من مزيج من الألوان، وتخترقه سهام من الأشعة الزرقاء.
стр. 335
شكل "٨٦" طبقات الغلاف الجوي
شكل "٨٧" تباين سمك التروبوسفير في العروض المختلفة
стр. 336
عناصر المناخ
مدخل
...
٤-٢-عناصر المناخ:
يتألف المناخ من مجموعة من العناصر أهمها درجة الحرارة والضغط الجوي والرياح والأمطار وغيرها من مظاهر التكثف. وتقوم محطات الأرصاد في جميع أنحاء العالم بقياس هذه العناصر باستمرار بواسطة أجهزة خاصة، ثم تنشر متوسطاتها ومعدلاتها اليومية والشهرية والسنوية. وعلى أساس البيانات التي تنشرها هذه المحطات يقوم الجغرافيون بتقسيم المناخ إلى أنواع مختلفة يظهر كل منها في منطق معينة من العالم. وتخضع عناصر المناخ لعوامل متعددة هي السبب في اختلاف كل منها من منطقة إلى أخرى. وتعتبر تضاريس المكان، وبعده أو قربه عن البحر، وموقعه بالنسبة لخط العرض من أهم العوامل التي تؤثر في عناصر مناخه، والتي تؤدي إلى اختلاف هذه العناصر كثيرًا أو قليلًا عنها في أماكم أخرى، وبالإضافة إلى خضوع العناصر المناخية لتأثير العوامل المذكورة؛ فإن بعض هذه العناصر قد يؤثر في بعضها الآخر بطريقة متشابكة ومعقدة؛ فالضغط الجوي هو الذي يتحكم في اتجاه الرياح وسرعتها وما يتبع ذلك من تأثير على درجة الحرارة ومظاهر التكثف، كما أن درجة الحرارة تؤثر بدورها على الضغط الجوي وحركة الهواء ... وسنعود لشرح العوامل التي تؤثر في العناصر المناخية المختلفة عند الكلام على كل عنصر منها.
أجهزة قياس العناصر المناخية:
تنقسم الأجهزة المستخدمة حاليًا في قياس العناصر المناخية إلى قسمين رئيسيين هما:
١- أجهزة تقرأ نتائج القياس عليها بواسطة الراصد أو غيره. وهي تشمل كل أنواع الترمومترات، والبارومترات، والهيدرومترات "أجهزة قياس المطر" والهيجرومترات "أجهزة قياس الرطوبة" وغيرها.
стр. 337
٢- أجهزة تسجيل أوتوماتيكية، وفيها تسجل نتائج القياس باستمرار على خرائط خاصة بالرسم البياني، ومن أهم مميزات هذه الأجهزة أنها تسجل خط سير العنصر في كل ساعة ودقيقة، وأن نتائجها تحفظ عادة في سجلات خاصة يمكن الاستفادة بها في أي وقت، ومن أشهرها أجهزة قياس الصغط الجوي، ودرجة الحرارة، والأمطار، والرطوبة، كما سنبين فيما بعد.
وتقاس عناصر المناخ في التروبوسفير والاستراتوسفير بواسطة جهاز الراديو سوند Radio Sonde، وهو عبارة عن جهاز في حجم الراديو الصغير، وبه أجهزة تسجيل وإرسال آلية لقياس الضغط الجوي والحرارة وغيرها، وإرسال نتائج القياس إلى محطة الاستقبال على الأرض. ويعلق هذا الجهاز في بالون مملوء بالأيدروجين لكي يكون أخف من الهواء، ويستطيع الارتفاع إلى مستويات عالية؛ ولكن المستويات التي أمكن قياس عناصرها بهذه الطريقة لا يزيد ارتفاعها غالبًا على ٣٥ كيلو مترًا. أما المستويات التي أعلى من ذلك فكانت كل المعلومات الخاصة بها حتى وقت قريب مبنية على الاستنتاج والمقارنة؛ إلا أن تقدم أبحاث الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية قد ساعد على توفير كثير من المعلومات المحققة عن أحوال الجو في هذه المستويات. ولئن نجح العلماء في المستقبل في تنفيذ مشروعاتهم المتقدمة الخاصة بغزو الفضاء، ومنها إنشاء محطات دائمة تكون بمثابة المراحل الأولى للسفر بين الأرض والقمر، الذي استطاع الإنسان أن يضع قدمه عليه فعلًا لأول مرة في يوليو سنة ١٩٦٦ بواسطة رحلة "أبو للو ١١" الأمريكية، أو بينها وبين المريخ أو أي كوكب آخر من الكواكب السيارة؛ فإن المعلومات التي سيحصل عليها أهل الأرض عن الطبقات العليا للغلاف الجوي؛ بل وعن الفضاء الخارجي لن تكون أقل في دقتها من المعلومات التي لدينا عن الطبقات السفلى من الهواء الذي نعيش فيه١.
стр. 338
ويحسن أن نكرر هنا ما سبق أن ذكرناه من أن الظاهرات المناخية التي تهمنا في دراسة الجو والمناخ تحدث كلها في الطبقة السفلى "التروبوسفير"، وحتى لو فرض وذكرنا عن دراسة بعض عناصر المناخ مثل السحب والأمطار والثلج وغيرها، أن التكاثف يحدث في طبقات الجو العليا؛ فإن الذي يقصد في هذه الحالة هو الأجزاء العليا من الطبقة السفلى فقط، وهذه ملاحظة مهمة جدًّا يجب التنبه إليها.
стр. 339
الإشعاع الشمسي
تعريفه ومصدره
...
٤-٢-١-الإشعاع الشمسي SOLARRADLATION١.
تعريفه ومصدره:
الإشعاع الشمسي بمعناه العام هو الطاقة الإشعاعية التي تطلقها الشمس في جميع الاتجاهات، والتي تستمد منها كل الكواكب السيارة التابعة لها وأقمارها كل حرارة أسطحها وأجوائها. وهي طاقة ضخمة جدًّا؛ ولكي ندرك مدى ضخامتها يكفي أن نذكر أن كل نصيب كوكبنا منها لا يزيد على ١ / ٢٠٠٠ مليون جزء منها. وعلى الرغم من ضآلة هذا القدر؛ فإنه هو المسئول عن كل الطاقة الحرارية والضوئية لجو الأرض١، كما أنه هو الذي نقصده فعلًا عند الكلام على الإشعاع الشمسي الذي يتحكم في مناخ العالم. ولكي لا يحدث خلط بينه وبين الإشعاع الشمسي العام؛ فقد أطلق عليه علميًّا تعبير انسوليشن٢ Insolation ومعناه: الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى جو الأرض.
стр. 340
والشمس نفسها عبارة عن كتلة كروية ضخمة من الغازات الملتهبة قطرها حوالي ١.٣٨٢.٢٠٠ كيلو متر، وهو ما يعادل قطر الكرة الأرضية حوالي مائة مرة. وتقدر درجة الحرارة على سطحها بنحو ٦٠٠٠ مئوية "١٠٨٣٢ ْ مئوية ف".
أما عند مركزها؛ فإنها لا تقل على حسب معظم التقديرات عن ٣٠ مليون درجة مئوية. وتنطلق من سطحها باستمرار نافورات من اللهب التي يندفع بعضها في الفضاء بسرعة تزيد على ٤٠٠ كيلو متر في الثانية، ويمتد أحيانًا لمسافات تقدر بمئات الآلاف من الكيلو مترات.
ويقدر بعض الباحثين الطاقة الإشعاعية الكلية التي تنطلق من الشمس بنحو ١٧٠ ألف حصان من كل مربع من سطحها. وأن القدر الضئيل الذي يصل منها إلى الأرض يكفي لرفع درجة حرارة كل سنتيمتر مربع من سطح الغلاف الجوي للأرض بمقدار سعرين١.
стр. 341
تركيب الإشعاع الشمسي الواصل إلى جو الأرض:
يتركب هذا الإشعاع من مجموعة معقدة جدًّا من الأشعة التي تتباين في ألوانها وصفاتها وآثارها العامة. وعلى أساس الآثار التي تحدثها أشعة الشمس في الأحوال الجوية والمظاهر المختلفة فوق سطح الأرض، سواء منها ما هو حيوي أو ما هو غير حيوي، يمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي:
١- الأشعة الحرارية: وهي المصدر الأصلي لحرارة سطح الأرض وجوها.
٢- الأشعة الضوئية وهي المسئولة عن ظهور ضوء النهار.
٣- الأشعة الكيميائية وهي ضرورية جدًّا لنمو الكائنات الحية؛ لأنها تنشط التفاعلات الكيميائية اللازمة للنمو.
وتنتقل الأشعة الشمسية في الفضاء أو في الغلاف الجوي بشكل موجات تنتشر بسرعة عظيمة هي السرعة التي يطلق عليها اسم سرعة الضوء، وهي
стр. 342
٣٠٠ ألف كيلو متر في الثانية. وتختلف الأشعة الشمسية في أطوال موجاتها فمنها ما ينتقل في موجات قصيرة مثل الأشعة فوق البنفسجية، ومنها ما ينتقل في موجات طويلة مثل الأشعة الحرارية وبعض الأشعة الضوئية خصوصًا الأشعة الحمراء.
ويعتبر الاختلاف في طول الموجات من الصفات الأساسية التي تميز الأشعة بعضها عن بعض، والتي تعطي لكل منها خواصه الطبيعية وتأثيره الخاص على الأجسام المختلفة. وعلى أساس الخصائص العامة وطول الموجات تقسم الأشعة الشمسية عمومًا إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي:
١- أشعة غير مرئية:
وأغلبها أشعة حرارية ويتكون منها ٥١% من مجموع أشعة الشمس، وهي تنتقل عمومًا في موجات طويلة تتراوح أطوالها بين ٠.٨ و ٠.٩ ميكرون١ وهذه هي أطول الموجات.
٢- أشعة مرئية:
ومنها تتكون حوالي ٣٧% من مجموع الإشعاعات الشمسية، وهي تنتقل في موجات متوسطة تتراوح أطوالها بين ٠.٣ و ٠.٨ ميكرون، وهي ذات ألوان مختلفة أهمها البنفسجية والزرقاء والخضراء والصفراء والحمراء، ويتكون من اختلاطها ببعضها ظهور الضوء الذي يتميز به النهار. ولكن من الممكن رؤيتها عند تحليل هذا الضوء بواسطة منشور زجاجي، كما يمكن تمييزها بوضوح كذلك عندما يتكسر الضوء على جزيئات الثلج المكونة للسحب، فيظهر نتيجة لذلك قوس قزح "Rain bow" المعروف.
٣- أشعة فوق البنفسجية UItraviolet Rays:
وموجاتها هي أقصر الموجات، وتتراوح أطولها بين ٠.١ و ٠.٤ ميكرون، ومنها يتكون حوالي ١٢% من مجموع أشعة
стр. 343
الشمس. ومعظمها لا يصل إلى سطح الأرض حيث يحجزها الأوزون على ارتفاع يتراوح بين ٣ آلاف و ٥ آلاف متر. وهنا تختلط ببعض الأشعة الزرقاء، وينتج عن هذا الاختلاط ظهور السماء بلونها الأزرق المعتاد. وتتوقف نسبة مقدار ما يصل إلى الأرض من هذه الأشعة على درجة صفاء الجو، فكلما كان الجو صافيًا زادت نسبة ما يصل منها. والمعروف أن هذه الأشعة ذات فوائد خاصة لصحة الإنسان، حتى أنها تساعد على علاج بعض الأمراض مثل السل والكساح. ويرجع ذلك إلى قدرتها على تكوين فيتامين "D" "د" في الجلد وعلى إضعاف أثر البكتريا وبعض الجراثيم أو قتلها. كما أنها هي التي تعطي لبشرة الإنسان اللون البرونزي الذي تتلون به عند تعرضها لأشعة الشمس على شواطئ البحار وفوق الجبال. وفائدة هذا اللون هي حماية الجلد من التأثير الزائد لهذه الأشعة. إذ أن زيادتها عن الحد المطلوب تؤدي إلى حدوث بعض الالتهابات الجلدية، بل أنها قد تؤذي العين وتعرضها لبعض الأمراض مثل مرض ماء العين Cataract.
стр. 344
العوامل التي يتوقف عليها توزيع الأشعة وتأثيرها:
يتوقف مقدار وتأثير الأشعة الشمسية التي تصل إلى الأرض على العوامل الآتية:
١- البعد بين الأرض والشمس.
٢- الألبيدو الأرضي Earth,s Albedo.
٣- زاوية سقوط الأشعة على سطح الأرض.
٤- طول النهار بالنسبة لطول الليل.
стр. 345
١- البعد بين الأرض والشمس:
يبلغ متوسط هذا البعد حوالي ١٤٥.٨ مليون كيلو متر؛ ولكنه يزداد في فصل الصيف بحيث يصل إلى أقصاه وهو ١٥١.٢ مليون كيلو متر في أول يوليو، وتكون الشمس عندئذ في الموضع المعروف باسم "نقطة الذنب Aphelion". ثم يتناقص في فصل الشتاء حتى يصل إلى أدناه وهو ١٤٦.٤ مليون كيلو متر في أول يناير، وتكون الشمس عندئذ في الموضع المعروف باسم "نقطة الرأس Perihelion" ومن الواضح أن الفرق بين هذين البعدين وبين المتوسط ليس كبيرًا. وعلى الرغم من أن اقتراب الأرض نسبيًّا في الشتاء يؤدي إلى زيادة كمية الأشعة التي تصل إلى جو الأرض بنحو ٧ % عنها في الصيف؛ فإن تأثير هذه الزيادة تمحوه العوامل الثلاثة الأخرى التي ذكرنا أنها تتدخل في تحديد كمية الأشعة التي تصل إلى سطح الأرض وفي تحديد تأثيرها "شكل ٨٨".
شكل "٨٨" تغير البعد بين الأرض والشمس في الفصول المختلفة
٢- الألبيدو الأرضي:
ومعناه القدرة الكلية للأرض والجو على رد الأشعة الشمسية إلى الفضاء دون أن يكون لها تأثير على حرارتهما، فالمعروف أن
стр. 346
جزءًا كبيرًا من الأشعة ينعكس إلى الفضاء بعد سقوطه على سطح السحب وعلى ذرات الغبار وبخار الماء العالقة بالجو وعلى سطح الأرض نفسه. ويتكون الألبيدو الأرضي من القدرة الكلية لكل هذه الأجسام على رد الأشعة؛ إلا أن لكل جسم منها ألبيدو خاص به. وأكبرها هو ألبيدو السحب الذي يبلغ معدله حوالي ٢٣ % من مجموع الأشعة الشمسية التي تصل إلى جو الأرض، ويليه ألبيدو المواد العالقة بالجو "الغبار وبخار الماء وبعض الغازات مثل ثاني أكسيد الكربون" وهو يبلغ ٥٩% من مجموع الأشعة، أما ألبيدو سطح الأرض نفسه فهو ٢ % فقط. ويتكون الألبيدو الأرضي كله من مجموع هذه النسب؛ أي أنه على هذا الأساس يبلغ ٣٤% من مجموع الأشعة التي تصل إلى جو الأرض. وهذه هي الكمية الإشعاعية التي تخسرها الأرض من الأشعة الواصلة إليها. أما الباقي وهو ٦٦% فهو صافي ما تكسبه الأرض فعلًا من هذه الأشعة. ويقدر أن حوالي ربع هذا المكسب يمتص في الهواء بواسطة الغبار وبخار الماء وبعض الغازات مثل ثاني أوكسيد الكربون، أما الباقي فيمتصه سطح الأرض إما مباشرة أو بعد انعكاسه من السحب، ومن المواد العالقة بالجو. وقد يختلف الألبيدو الأرضي من مكان إلى آخر على حسب كمية السحب والمواد العالقة بالجو، وكلما كان الجو صافيًا وشفافًا ساعد ذلك على نقص الألبيدو الأرضي على كمية الأشعة التي تستفيد بها الأرض عمومًا أهم بكثير من تأثير العامل الأول وهو تغير البعد بين الأرض والشمس.
٣- زاوية ميل الأشعة Angle of Inclination:
المقصود بهذه الزاوية هو الزاوية المحصورة بين اتجاه سير الأشعة الساقطة على سطح الأرض والاتجاه العمودي على هذا السطح. ومعنى ذلك أن الأشعة العمودية تكون زاوية ميلها صفرًا. ويكون تأثيرها أقوى من تأثير أي أشعة مائلة في نفس المكان ونفس الظروف، وكلما زاد ميل الأشعة كلما ضعف تأثيرها لأن هذا الميل يؤدي إلى انتشار الأشعة على مساحة أكبر من سطح الأرض، كما يؤدي في نفس الوقت إلى زيادة طول المسافة التي تقطعها خلال الجو "شكل ٩٠". وهذا العامل هو
стр. 347
شكل "٨٩" النسبة بين ما يكسبه جو الأرض من الإشعاع الشمسي وما يخسره بسبب الألبيدو الأرضي
شكل "٩٠" الأشعة العمودية والأشعة المائلة
стр. 348
السبب في أن أشعة الشمس تكون ضعيفة نسبيًّا عند الشروق وعند العروب؛ بينما تبلغ أقصى قوتها في فترة الظهيرة عندما تكون الشمس في أعلى وضع لها في السماء؛ حيث تكون زاوية ميلها أصغر منها في أي وقت آخر، وهذا العامل هو المسئول أيضًا عن اشتداد قوة الأشعة في الصيف عنها في الشتاء، وعن اشتداد قوتها عند خط الاستواء ثم تناقصها تدريجيًّا كلما اتجهنا نحو القطبين، وسنعود لإلقاء المزيد من الضوء على هذه النقطة عند الكلام على العوامل التي تؤثر في درجة الحرارة.
٤- طول النهار بالنسبة لطول الليل: هذا العامل هو الذي يحدد طول فترة ظهور الأشعة، وطول فترة اختفائها؛ فعند خط الاستواء يتساوى الليل والنهار تقريبًا طول السنة، أما في العروض الأخرى فإن نهار الصيف يكون دائمًا أطول من ليله؛ بينما يحدث العكس في فصل الشتاء، ويزداد الفرق بين بينهما كلما بعدنا عن خط الاستواء نحو القطبين حتى إذا وصلنا إلى الدائرة القطبية نجد أن اليوم الذي يمثل منتصف الصيف الفلكي، وهو يوم الانقلاب الصيفي "٢١ يونيو في نصف الكرة الشمالي" يكون كله نهارًا بينما يكون اليوم الذي يمثل منتصف الشتاء، وهو يوم الانقلاب الشتوي ٢١ ديسمبر كله ليلًا؛ فإذا ما وصلنا إلى القطبين نجد أن نصف السنة الصيفي يكون كله نهارًا بينما يكون نصفها الشتوي كله ليلًا، وسنعود لهذه النقطة مرة أخرى عند الكلام على درجة الحرارة.
стр. 349
قياس الإشعاع الشمسي:
أهم الأجهزة المستخدمة لقياس الإشعاع الشمسي هي:
١- جهاز كامبل - ستوكس Campbells Stokes ذو الكرة البلورية.
٢- الترمومتر ذو الفقاعة السوداء وذو الفقاعة اللامعة.
٣- ترمومتر النهاية العظمى للإشعاع الشمسي
٤- البيرهيليومتر Perheliometer
стр. 350
١- جهاز كامبل - ستوكس "شكل ٩١":
وأهم أجزائه عبارة عن كرة زجاجية حارقة تسقط عليها الأشعة فتحرقها، وتتجمع في بؤرة تكون فيها الحرارة
شكل "٩١" جهاز كامبل - ستوكس لقياس الإشعاع الشمسي
مرتفعة بحيث تستطيع أن تحرق ئأيه ورقة تسقط عليها. ويوضح خط سير هذه البؤرة على شريط من الورق المقوى مقسم إلى أقسام تبين ساعات اليوم من الشروق والغروب، ويكون أحد وجهي شريط الورق ملونًا بلون داكن مثل اللون الأزرق؛ حتى يستطيع امتصاص أشعة الشمس. ويؤدي تحرك البؤرة "نتيجة لتحرك الشمس الظاهري من الشرق إلى الغرب" إلى رسم خط سميك محروق على شريط الورق إذا كان سطوع الشمس مستمرًا بدون انقطاع طول النهار، أما إذا انقطع الخط المحروق أثناء هذا الوقت، وبهذه الطريقة يمكن معرفة حالة الأشعة من حيث الظهور والاحتجاب خلال اليوم، كما يمكن أيضًا تقدير قوة هذه الأشعة على أساس شدة احتراق الشريط.
ونظرًا لأن خط سير البؤرة يتغير درجة ميل أشعة الشمس من فصل إلى آخر؛ فقد صممت أشرطة الورق بثلاثة أشكال يستخدم أحدها في فصل الصيف وأحدها في فصل الشتاء، والثالث في فصلي الربيع والخريف.
стр. 351
٢- الترمومتر ذو الفقاعة السوداء وذو الفقاعة اللامعة:
ومهمة الترمومتر الأول هي قياس النهاية العظمى لدرجة حرارة الأجسام المعتمة التي يمكنها أن تمتص معظم الإشعاع الشمسي. وتطلى فقاعة هذا الترمومتر عادة بطبقة من السناح، أما الترمومتر الثاني؛ فمهمته هي قياس النهاية العظمى لدرجة حرارة الأجسام اللامعة. وثبت كل ترمومتر على حامل خاص به، ثم يثبت الحاملان معًا على قائمة خشبي يوضع رأسيًّا بحيث يكون الترمومتران موازيين لخط الزوال الجغرافي، وتكون فقاعتاهما في اتجاه الجنوب ومعرضتين للأشعة طول مدة سطوع الشمس ومرتفعتين عن سطح الأرض بنحو ١٢ سنتيمترًا.
ويستخدم الفرق بين قراءتي الترمومترين في تحديد الإشعاع الشمسي أثناء النهار.
٣- ترمومتر النهاية العظمى للإشعاع الشمسي "شكل ٩٢":
وهو ترمومتر يشبه من معظم النواحي ترمومتر النهاية العظمى لدرجة الحرارة؛ ولكنه موضوع داخل غلاف زجاجي مفرغ تمامًا من الهواء، وذلك حتى تكون فقاعته متأثرة بموجات الإشعاع الشمسي وحدها، أي دون أن تتأثر بحرارة الهواء المحيط به.
وتدل درجة الحرارة التي يسجلها هذا الترمومتر على قوة الإشعاع الشمسي.
شكل "٩٢" ترمومتر النهاية العظمى للإشعاع الشمسي.
٤- البيرهيليومتر "شكل ٩٣":
وهو جهاز إليكتروني تقوم فكرته على نفس فكرة الجهاز المكون من ترمومترين أحدهما ذو فقاعة سوداء، والآخر ذو فقاعة لامعة؛ ففي هذا الجهاز يوجد سطحان أحدهما أبيض والآخر أسود. ويدل
стр. 352
الفرق بين تأثير الأشعة على كل منهما على قوة هذه الأشعة، ويسجل هذا الفرق إليكترونيًّا.
شكل "٩٣" بيرهيليومتر
стр. 353
توزيع الإشعاع الشمسي على سطح الأرض:
يرتبط التوزيع العام للإشعاع الشمسي على سطح الأرض ارتباطًا وثيقًا بخطوط العرض. وتبلغ الكمية السنوية للإشعاع الشمسي أقصاها عند خط الاستواء، ثم تتناقص تدريجيًّا كلما اتجهنا نحو القطبين اللذين لا تزيد كمية الإشعاع الشمسي عند أي منهما عن ربع كميتها عند خط الاستواء. أما كمية الإشعاع اليومي والشهري؛ فتختلف من فصل إلى آخر تبعًا لحركة الشمس الظاهرية. وتتميز العروض الواقعة بين المدارين بوفرة الإشعاع الشمسي طول السنة تقريبًا، ولكن نظرًا لأن الشمس تتعامد على كل عرض من هذه العروض مرتين في نصف السنة الصيفي عند انتقالها بين المدارين؛ فإن الإشعاع الشمسي تكون له تبعًا لذلك قمتان تتفقان مع مرتي تعامد الشمس. أما في العروض الواقعة بين المدارين والدائرتين القطبيتين؛ فإن الإشعاع الشمسي يبلغ أقصاه في وقت الانقلاب الصيفي، ويبلغ أدناه في وقت الانقلاب الشتوي، مع ملاحظة التباين الفصلي بين نصفي الكرة. أما فيما بين الدائرتين القطبيتين والقطبين فإن قمة الإشعاع تتفق مع وقت الانقلاب
стр. 354
الصيفي؛ بينما يختفي الإشعاع تمامًا في فترة يتراوح طولها بين يوم واحد في قلب الشتاء عند الدائرتين نفسهما وستة أشهر عند القطبين.
إلا أن التوزيع المذكور للإشعاع الشمسي على خطوط العرض تتدخل فيه عوامل أخرى: أهمها كمية السحب ورطوبة الهواء؛ فكلما كثرت السحب وزادت رطوبة الهواء قلت كمية الإشعاع؛ ولهذا السبب فإن أكبر المعدلات الخاصة بالإشعاع الشمسي لا توجد في النطاق الاستوائي بل توجد عادة في الصحارى المدارية حيث يكون الجو في معظم أيام السنة جافًا وخاليًا من السحب.
стр. 355
درجة حرارة الجو
الميزانية الحرارية للأرض
...
٤-٢-٢-درجة حرارة الجو AIR TEMPERATURE
الميزانية الحرارية للأرض Earth.s Heat Budjet:
يتضح مما قلناه عن الإشعاع الشمسي الواصل إلى جو الأرض أن هناك عملية مكسب حراري مستمرة من أشعة الشمس، وأن هناك في نفس الوقت عملية فقدان أو خسارة مستمرة نتيجة لانعكاس الحرارة، وارتدادها إلى الفضاء بسبب الألبيدو الأرضي وغيره من العوامل. ومن الواضح أيضًا أن الحرارة المكتسبة لا تتوزع توزيعًا عادلًا على كل أجزاء سطح الأرض؛ بل إن بعض الأقاليم تكسب أكثر من غيرها بحيث يكون بها وفر حراري، كما هي الحال في معظم الأقاليم المدارية؛ بينما يكون المكسب صغيرًا في بعضها الآخر بدرجة تؤدي إلى حدوث عجز حراري مستمر، كما في الأقاليم القطبية. كما أن فصل الصيف في العروض المعتدلة يكون به دائمًا وفر حراري؛ بينما يكون هناك غالبًا عجز في فصل الشتاء. ولكن على الرغم من هذه الاختلافات فإن الميزانية الحرارية للأرض كلها يجب أن يتعادل فيها تقريبًا مجموع المكسب مع مجموع الخسارة. ويحدث هذا التعادل نتيجة للعوامل الجغرافية والجوية التي تؤدي إلى حدوث تبادل حراري بين الأقاليم بعضها وبعض مثل الرياح "سواء منها الرياح التي تحدث عند سطح الأرض أو التي