Полный текст (1 255 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
«وهو يتوضأ وضوءًا مكيثًا، فرفع رأسه، فنظر إلي، فقال: "ست فيكم أيتها الأمة: موت نبيكم ﷺ ". فكأنما انتزع قلبي من مكانه. قال رسول الله ﷺ : "واحدة". قال: "ويفيض المال فيكم حتى إن الرجل ليعطى عشرة آلاف، فيظل يتسخطها ". قال رسول الله ﷺ : "ثنتين". قال: "وفتنة تدخل بيت كل رجل منكم". قال رسول الله ﷺ : "ثلاث". قال: "وموت كقعاص الغنم". قال رسول الله ﷺ : "أربع. وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، يجمعون لكم تسعة أشهر كقدر حمل المرأة، ثم يكونون أولى بالغدر منكم". قال رسول الله ﷺ : "خمس". قال: "وفتح مدينة". قال رسول الله ﷺ : "ست". قلت: يا رسول الله! أي مدينة؟ قال: "قسطنطينية» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه أبو جناب الكلبي، وهو مدلس".
قلت: وحديث عوف بن مالك ﵁ يشهد له ويقويه.
وعن ذي مخمر (رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وهو ابن أخي النجاشي ﵁ : أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «تصالحون الروم صلحًا آمنًا، حتى تغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم، فتنصرون وتغنمون وتنصرفون، حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيقول قائل من الروم: غلب الصليب، ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب، فيتداولانها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم وهم منه غير بعيد فيدفعه، ويثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمين إلى أسلحتهم، فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة من المسلمين بالشهادة، فيقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب، فيغدرون، فيجتمعون للملحمة، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» .
стр. 387
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وهذا لفظه، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن إسحاق بن عبد الله: «أن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أتى رسول الله ﷺ في فتح له، فسلم عليه، ثم قال: هنيئًا لك يا رسول الله! قد أعز الله نصرك، وأظهر دينك، ووضعت الحرب أوزارها بجرانها. قال: ورسول الله ﷺ في قبة من أدم، فقال: "ادخل يا عوف! ". فقال: أدخل كلي أو بعضي؟ فقال: "ادخل كلك". فقال: "إن الحرب لن تضع أوزارها حتى تكون ست: أولهن موتي". فبكى عوف. قال رسول الله ﷺ : "قل: إحدى. والثانية فتح بيت المقدس، والثالثة موت يكون في الناس كقعاص الغنم، والرابعة فتنة تكون في الناس، لا يبقى أهل بيت إلا دخل عليهم نصيبهم منها، والخامسة يولد في بني الأصفر غلام من أولاد الملوك يشب في اليوم كما يشب الصبي في الجمعة، ويشب في الجمعة كما يشب الصبي في الشهر، ويشب في الشهر كما يشب الصبي في السنة، فلما بلغ اثنتي عشرة سنة ملكوه عليهم، فقام بين أظهرهم فقال: إلى متى يغلبنا هؤلاء القوم على مكارم أرضنا؟ إني رأيت أن أسير إليهم حتى أخرجهم منها. فقام الخطباء، فحسنوا له رأيه، فبعث في الجزائر والبرية بصنعة السفن، ثم حمل فيها المقاتلة، حتى ينزل بين أنطاكية والعريش» . قال ابن شريح (أحد رواته) : فسمعت من يقول: «"إنهم اثنا عشر غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا، فيجتمع المسلمون إلى صاحبهم ببيت المقدس، فأجمعوا رأيهم أن يسيروا إلى مدينة الرسول ﷺ حتى يكون مسالحهم بالسرح وخيبر» . قال ابن أبي جعفر: قال رسول الله ﷺ : «يخرجون أمتي من منابت الشيح» . قال: وقال الحارث بن يزيد: إنهم سيقيمون فيها هنالك، «فيفر منهم الثلث، فيهزمهم الله بالثلث»
стр. 388
«الصابر» . وقال خالد بن يزيد: «يومئذ يضرب الله بسيفه ويطعن برمحه، ويتبعهم المسلمون حتى يبلغوا المضيق الذي عند القسطنطينية، فيجدونه قد يبس ماؤه، فيجيزون إلى المدينة حتى ينزلوا بها، فيهدم الله جدرانهم بالتكبير، ثم يدخلونها، فيقسمون أموالهم بالأترسة» . وقال أبو قبيل المعافري: «فبينما هم على ذلك إذ جاءهم راكب، فقال: أنتم هاهنا والدجال قد خالفكم في أهليكم؟ وإنما كانت كذبة، فمن سمع العلماء في ذلك أقام على ما أصابه، وأما غيرهم فانفضوا، ويكون المسلمون يبنون المساجد في القسطنطينية، ويغزون وراء ذلك، حتى يخرج الدجال، السادسة» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعا.
قلت: ولبعضه شواهد مما تقدم وما يأتي.
عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «فتح لرسول الله ﷺ فتح، فقلت: يا رسول الله! اليوم ألقى الإسلام بجرانه، ووضعت الحرب أوزارها. فقال رسول الله ﷺ : "إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالًا ستًا: أولهن موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم فئتان من أمتي دعواهم واحدة يقتل بعضهم بعضًا، ويفيض المال حتى يعطى الرجل المائة دينار فيتسخط، وموت يكون كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب فيه قومه، فيملكونه؛ يقولون: نرجو أن يربك علينا ملكنا! فيجمع جمعًا عظيمًا، ثم يسير حتى يكون فيما بين العريش وأنطاكية، وأميركم يومئذ نعم الأمير، فيقول لأصحابه: ما ترون؟ فيقولون: نقاتلهم حتى يحكم الله»
стр. 389
«بيننا وبينهم. فيقول: لا أرى ذلك؛ نحرز ذرارينا وعيالنا، ونخلي بينهم وبين الأرض، ثم نغزوهم وقد أحرزنا ذرارينا. فيسيرون، فيخلون بينهم وبين أرضهم، حتى يأتوا مدينتي هذه، فيستهدون أهل الإسلام، فيهدونهم، ثم يقول: لا ينتدبن معي إلا من يهب نفسه لله حتى نلقاهم نلقاهم فنقاتل حتى يحكم الله بيني وبينهم. فينتدب معه سبعون ألفًا، ويزيدون على ذلك، فيقول: حسبي سبعون ألفًا؛ لا تحملهم الأرض، وفيهم عين لعدوهم. فيأتيهم، فيخبرهم بالذي كان، فيسيرون إليهم، حتى إذا التقوا سألوا أن يخلى بينهم وبين من كان بينهم وبينه نسب، فيدعونهم، فيقولون: ما ترون فيما يقولون؟ فيقول: ما أنتم بأحق بقتالهم ولا أبعد منهم. فيقول: فعندكم؛ فاكسروا أغمادكم. فيسل الله سيفه عليهم، فيقتل منهم الثلثان، ويفر في السفن الثلث، وصاحبهم فيهم، حتى إذا تراءت لهم جبالهم بعث الله عليهم ريحًا، فردتهم إلى مراسيهم من الشام، فأخذوا، فذبحوا عند أرجل سفنهم عند الساحل؛ فيومئذ تضع الحرب أوزارها» .
رواه ابن أبي حاتم.
وقد رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، ولفظه: قال: «فتح لرسول الله ﷺ فتح لم يفتح له مثله منذ بعثه الله، فقلت له: يهنيك الفتح يا رسول الله! قد وضعت الحرب أوزارها. فقال: "هيهات، هيهات، والذي نفسي بيده إن دونها يا حذيفة لخصالًا ستًا: أولهن موتي". قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. "ثم يفتح بيت المقدس، ثم يكون بعد ذلك فتنة تقتتل فيها فئتان عظيمتان يكثر فيها القتل ويكثر فيها الهرج؛ دعوتهما واحدة، ثم يسلط عليكم موت، فيقتلكم قعصًا كما تموت الغنم، ثم يكثر المال فيفيض، حتى يدعى الرجل إلى مائة دينار، فيستنكف أن يأخذها، ثم ينشأ لبني الأصفر غلام من أولاد ملوكهم". قلت: ومن بنو الأصفر يا رسول الله؟ قال: "الروم. فيشب في اليوم الواحد كما يشب»
стр. 390
«الصبي في الشهر، ويشب في الشهر كما يشب الصبي في السنة، فإذا بلغ أحبوه واتبعوه ما لم يحبوا ملكًا قبله، ثم يقوم بين ظهرانيهم، فيقول: إلى متى تترك هذه العصابة من العرب لا يزالون يصيبون منكم طرفًا ونحن أكثر منهم عددًا وعدة في البر والبحر؟ ! إلى متى يكون هذا؟ ! فأشيروا علي بما ترون! فيقوم أشرافهم فيخطبون بين أظهرهم ويقولون: نعم ما رأيت، والأمر أمرك» .
وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده؛ ليأرزن الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأزر الحية إلى جحرها، وليأرزن الإيمان إلى المدينة كما يحوز السيل الدمن، فبينما هم على ذلك استغاث العرب بأعرابها، فخرجوا في مجلبة لهم كالصالح ممن مضى وخير من بقي، فاقتتلوا هم والروم؛ فتنقلب بهم الحرب حتى يردوا عميق أنطاكية، فيقتتلون بها ثلاث ليال، فيرفع الله النصر عن كلا الفريقين حتى تخوض الخيل في الدم إلى ثنتها، وتقول الملائكة: أي رب! ألا تنصر عبادك؟ ! فيقول: حتى تكثر شهداؤهم. فيستشهد ثلث، وينصر ثلث، ويرجع ثلث شاكًا فيخسف بهم. فتقول الروم: لن ندعكم إلا أن تخرجوا إلينا كل من كان أصله منا. فتقول العرب للعجم: الحقوا بالروم. فتقول العجم: الكفر بعد الإيمان؟ ! فيغضبون عند ذلك، فيحملون على الروم، فيقتتلون، فيغضب الله عند ذلك، فيضرب بسيفه ويطعن برمحه» . قيل: يا عبد الله بن عمرو! وما سيف الله ورمحه؟ قال: سيف المؤمن ورمحه، «"حتى يهلك الروم جميعًا، فيفتحون حصونها ومدائنها بالتكبير؛ يكبرون تكبيرة فيسقط جدار، ثم يكبرون تكبيرة أخرى فيسقط جدار، ثم يكبرون تكبيرة أخرى فيسقط جدار آخر، ويبقى جدارها البحري لا يسقط، ثم يستجيزون إلى رومية، فيفتحونها بالتكبير، ويتكايلون يومئذ غنائمهم كيلًا بالغرائز» .
رواه نعيم بن حماد.
стр. 391
قوله: «حتى تخوض الخيل في الدم إلى ثننها» : قال ابن الأثير: " (الثنن) : شعرات في مؤخر الحافر من اليد والرجل".
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ قال: "أتيت عبد الله بن عمرو ﵄ في بيته، وحوله سماطان من الناس، وليس على فراشه أحد، فجلست على فراشه مما يلي رجليه، فجاء رجل أحمر عظيم البطن، فجلس، فقال: من الرجل؟ قلت: عبد الرحمن بن أبي بكرة. فقال: ومن أبو بكرة؟ فقال: وما تذكر الرجل الذي وثب إلى رسول الله ﷺ من سور الطائف؟ فقال: بلى. فرحب، ثم أنشأ يحدثنا، فقال: يوشك أن يخرج ابن حمل الضأن (ثلاث مرات) . قلت: وما حمل الضأن؟ قال: رجل أحد أبويه شيطان؛ يملك الروم، يجيء في ألف ألف من الناس، خمسمائة ألف في البر وخمسمائة ألف في البحر، ينزلون أرضا يقال لها: العميق، فيقول لأصحابه: إن لي في سفينتكم بقية، فيحرقها بالنار، ثم يقول: لا رومية لكم ولا قسطنطينية لكم؛ من شاء أن يفر، ويستمد المسلمون بعضهم بعضا، حتى يمدهم أهل عدن أبين، فيقول لهم المسلمون: الحقوا بهم! فكونوا سلاحا واحدا. فيقتتلون شهرا، حتى تخوض في سنابكها الدماء، وللمؤمن يومئذ كفلان من الأجر على من كان قبله؛ إلا ما كان من أصحاب محمد ﷺ ، فإذا كان آخر يوم من الشهر؛ قال الله ﵎: اليوم أسل سيفي وأنصر ديني، وأنتقم من عدوي. فيجعل الله لهم الدائرة عليهم، فيهزمهم الله حتى تستفتح القسطنطينية، فيقول أميرهم: لا غلول اليوم. فبينما هم كذلك يقتسمون بترسهم الذهب والفضة؛ إذ نودي فيهم: ألا إن الدجال قد خلفكم في دياركم، فيدعون ما بأيديهم ويقتلون الدجال".
رواه البزار موقوفا، وله حكم الرفع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات".
стр. 392
وسيأتي نحوه في حديث طويل في ذكر نزول عيسى ابن مريم إن شاء الله تعالى.
وعن ابن سيرين عن عقبة بن أوس الدوسي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: "يكون على الروم ملك لا يعصونه (أو: لا يكادون بعصونه) ، فيجيء حتى ينزل بأرض كذا وكذا". قال عبد الله: "أنا ما نسيتها". قال: "ويستمد المؤمنون بعضهم بعضا، حتى يمدهم أهل عدن أبين على قلصاتهم". قال عبد الله: "إنه لفي الكتاب مكتوب: فيقتتلون عشرا لا يحجز بينهم إلا الليل، ليس لكم طعام إلا ما في أداويكم، لا تكل سيوفهم وأنتم أيضا كذلك، ثم يأمر ملكهم بالسفن فتحرق (يعني: ملك الروم) ".
قال: "ثم يقول: من شاء الآن فليفر. فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة لم ير مثلها (أو: لا يرى مثلها) ، حتى إن الطائر ليمر بهم فيقع ميتا من نتنهم، للشهيد يومئذ كفلان على من مضى قبله من الشهداء، وللمؤمن يومئذ كفلان على من مضى قبله من المؤمنين". قال: "وبقيتهم لا يزلزلهم شيء أبدا، وبقيتهم يقاتل الدجال". قال ابن سيرين: فكان عبد الله بن سلام يقول: إن أدركني هذا القتال وأنا مريض؛ فاحملوني على سريري حتى تجعلوني بين الصفين.
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ورواته ثقات.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق (أو: بدابق) ، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون؛ إذ صاح فيهم الشيطان: إن»
стр. 393
«المسيح قد خلفكم في أهليكم! فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف؛ إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﷺ ، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» .
رواه مسلم.
قال النووي: " (الأعماق) و (دابق) : موضعان بالشام بقرب حلب". وقال صاحب "القاموس": " (الأعماق) : بلد بين حلب وأنطاكية، مصب مياه كثيرة لا تجف إلا صيفا، وهو العمق، جمع بأجزائه". وذكر مرتضى الحسيني في "تاج العروس" أنه بقرب دابق. وقال صاحب "القاموس" أيضا: " (دابق) : قرية بحلب". قال مرتضى الحسيني: "وهي على أربعة فراسخ من حلب".
وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجيش الروم على وال من عترتي، اسمه يواطئ اسمي، فيلتقون بمكان يقال له: العماق، فيقتتلون، فيقتل من المسلمين الثلث أو نحو ذلك، ثم يقتتلون يومًا آخر، فيقتل من المسلمين نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الثالث، فيكون على الروم، فلا يزالون حتى يفتحوا القسطنطينية، فبينما هم يقتسمون فيها بالأترسة؛ إذ أتاهم صارخ أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم» .
رواه الخطيب في "المتفق والمفترق".
وعن يسير بن جابر؛ قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى إلا يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة. قال: فقعد وكان متكئا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة. ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام، فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل
стр. 394
الإسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة (إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها) ، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة، فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد؛ فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم؟ ! فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول الله ﷺ : «إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، (أو: من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ) » .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم. وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وزاد بعد قوله: "أو أي ميراث يقاسم؟ ": "قال معمر: وكان قتادة يصل هذا الحديث. قال: فينطلقون حتى يدخلوا قسطنطينية، فيجدون فيها من الصفراء والبيضاء ما إن الرجل يتحجل حجلا". وزاد أيضا بعد قوله: «هم خير الفوارس في الأرض» : «فيقاتلهم الدجال فيستشهدون» .
قوله: (هجيرى) ؛ بكسر الهاء والجيم المشددة؛ أي: شأنه ودأبه ذلك.
وعن عمرو بن عوف ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «"لا»
стр. 395
«تقوم الساعة حتى تكون رابطة من المسلمين ببولان، يا علي (قال المزني: يعني: علي بن أبي طالب ﵁ قال: لبيك يا رسول الله. قال: أعلم أنكم ستقاتلون بني الأصفر ويقاتلهم من بعدكم من المؤمنين، ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير، فيهدوا حصنهما، ويصيبوا مالًا عظيمًا لم يصيبوا مثله قط، حتى يقتسموا بالترسة، ثم يصرخ صارخ: يا أهل الإسلام! قد خرج المسيح الدجال في بلادكم وذراريكم. فينقبض الناس عن المال، فمنهم الآخذ ومنهم التارك، فالآخذ نادم والتارك نادم، ثم يقولون: من هذا الصارخ - ولا يعلمون من هو - فيقولون: ابعثوا طليعة إلى لد، فإن يكن المسيح قد خرج فسيأتيكم بعلمه، فيأتون فيبصرون ولا يرون شيئًا، ويرون الناس ساكنين، فيقولون: ما صرخ الصارخ إلا إلينا؛ فاعتزموا ثم ارشدوا، فنخرج بأجمعنا إلى لد، فإن يكن بها المسيح الدجال؛ نقاتله حتى يحكم الله بيننا وبينه وهو خير الحاكمين، وإن تكن الأخرى فإنها بلادكم وعشائركم وعساكركم رجعتم إليها» .
رواه: ابن ماجه مختصرا، والطبراني وهذا لفظه، والحاكم في "مستدركه" بنحوه. قال الهيثمي: "وفيه كثير بن عبد الله، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه".
وقد رواه الديلمي مختصرا، ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يفتح الله على المؤمنين القسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير» .
قال ابن الأثير وابن منظور: " "فيخرج إليهم روقة المؤمنين"؛ أي: خيارهم وسراتهم، وهي جمع رائق، من: راق الشيء: إذا صفا وخلص". انتهى.
وقد زعم أبو عبية في تعليقه على هذا الحديث في (صفحة ٧٧) من
стр. 396
"النهاية" لابن كثير: أن روقة الإسلام يهزمون أعداءهم بقوة الإيمان وثبات اليقين الذي ينعكس أثره على الألسنة تسبيحا وتكبيرا. انتهى.
وهذا واضح في إنكاره أن يكون الفتح بالتسبيح والتكبير الذي يكون للمؤمنين في ذلك الزمان أعظم من الأسلحة الثقلية والفتاكة.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم في " صحيحه": «أن المسلمين إذا نزلوا على المدينة التي جانب منها في البر وجانب منها في البحر؛ لم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم؛ قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر؛ فيفرج لهم فيدخلوها» .
ونظير هذا ما يأتي في باب قتال اليهود: «أن الحجر والشجر يقول: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي؛ فتعال فاقتله» .
وهذا من كرامات الأولياء وخوارق العادات، ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، فمن لم يصدق بما ثبتت به الأخبار من ذلك فقد اتبع غير سبيل المؤمنين. والله أعلم.
وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «"سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها (قال ثور - وهو ابن زيد الديلي أحد رواته -: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر) ، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما»
стр. 397
«هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون» .
رواه مسلم.
قوله: «من بني إسحاق» : قال النووي: "قال القاضي: كذا هو في جميع أصول "صحيح مسلم ": «من بني إسحاق» . قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: «من بني إسماعيل» ، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما أراد العرب، وهذه المدينة هي القسطنطينية ".
قلت: ومما يدل على أنه إنما أراد العرب - وهم بنو إسماعيل - ما تقدم في حديث ذي مخمر ﵁: أن الروم يقولون لصاحبهم: كفيناك حد العرب، ثم يغدرون ويجتمعون للملحمة. فدل هذا على أن الملحمة تكون بين العرب وبين الروم.
وظواهر أحاديث هذا الباب تدل على ذلك أيضا، والذين يباشرون القتال في الملحمة الكبرى هم الذين يفتحون القسطنطينية.
ويدل على ذلك أيضا قوله في حديث عمرو بن عوف ﵁: «ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز» ، فدل على أنهم بنو إسماعيل لا بنو إسحاق. والله أعلم.
وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم ستفتحون مدينة هرقل (أو قيصر) ، وتقتسمون أموالها بالأترسة، ويسمعهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في أهاليهم، فيلقون ما معهم، ويخرجون فيقاتلونه» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وقد رواه
стр. 398
نعيم بن حماد في "الفتن"، ولفظه: قال: «لا تقوم الساعة حتى تفتح مدينة قيصر أو هرقل، ويؤذن فيها المؤمنون، ويقتسمون الأموال فيها بالأترسة، فيقبلون بأكثر أموال على الأرض، فيلقاهم الصريخ أن الدجال قد خلفكم في أهليكم، فيلقون ما معهم ويجيئون فيقاتلونه» .
ورواه ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "إنكم ستغزون القسطنطينية ثلاث غزوات: الأولى يصيبكم فيها بلاء، والثانية يكون بينكم وبينهم صلح حتى تبنوا في مدينتهم مسجدا، وتغزون أنتم وهم عدوا وراء القسطنطينية، ثم ترجعون إلى القسطنطينية، وأما الثالثة؛ فيفتحها الله عليكم بالتكبيرات، فيخرب ثلثها، ويحرق الله ثلثها، وتقتسمون الثلث الباقي كيلا".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: "لا تذهب الليالي والأيام حتى يغزو العادي رومية، فيفعل إلى القسطنطينية، فيرى أن قد فعل".
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ورجاله كلهم ثقات.
وعن عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش» . قال: فدعاني مسلمة بن عبد الملك، فسألني فحدثته، فغزا القسطنطينية.
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله، والبزار، وابن خزيمة، والطبراني.
قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
стр. 399
وعن أبي قبيل؛ قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق. قال: فأخرج منه كتابا. قال: فقال عبد الله: «بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب؛ إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولًا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : "مدينة هرقل تفتح أولًا» ؛ يعني: قسطنطينية.
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير أبي قبيل، وهو ثقة". ورواه الدارمي في "سننه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أنس بن مالك ﵁: أنه قال: " فتح القسطنطينية مع قيام الساعة".
رواه الترمذي؛ قال: "وقال محمود (وهو ابن غيلان شيخ الترمذي) : هذا حديث غريب، والقسطنطينية هي مدينة الروم، تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فتحت في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ ". انتهى كلام الترمذي.
قال ابن كثير: "هكذا قال: إنها فتحت في زمن الصحابة! وفي هذا نظر؛ فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري ﵁، ولكن لم يتفق فتحها، وحاصرها مسلمة بن عبد الملك بن مروان في زمان دولتهم، ولم تفتح أيضا، ولكن صالحهم على بناء مسجد بها".
قلت: وقد فتحت القسطنطينية في سنة سبع وخمسين وثمانمائة على يد السلطان العثماني التركماني محمد الفاتح (وسمي الفاتح لفتحه القسطنطينية) ، ولم تزل القسطنطينية في أيدي العثمانيين إلى زماننا هذا في آخر القرن الرابع
стр. 400
عشر من الهجرة، وهذا الفتح ليس هو المذكور في الأحاديث التي تقدم ذكرها؛ لأن ذاك إنما يكون بعد الملحمة الكبرى، وقبل خروج الدجال بزمن يسير؛ كما تقدم بيان ذلك في عدة أحاديث من أحاديث هذا الباب، وكما سيأتي أيضا في حديثي معاذ وعبد الله بن بشر ﵄، ويكون فتحها بالتسبيح والتهليل والتكبير لا بكثرة العدد والعدة؛ كما تقدم مصرحا به في غير ما حديث من أحاديث هذا الباب، ويكون فتحها على أيدي العرب لا أيدي التركمان؛ كما يدل على ذلك قوله في حديث عمرو بن عوف ﵁: «ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير» . وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: «فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ» .
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «ويستمد المسلمون بعضهم بعضًا حتى يمدهم أهل عدن أبين» . وفي حديث ذي مخمر ﵁: «أن الروم يقولون لصاحبهم: كفيناك حد العرب، ثم يغدرون ويجتمعون للملحمة» . فدل هذا على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب والروم، والذين يباشرون القتال في الملحمة الكبرى هم الذين يفتحون القسطنطينية، وأمير الجيش الذي يفتحها في آخر الزمان عند خروج الدجال هو الممدوح هو وجيشه؛ كما تقدم ذلك في حديث عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه ﵁، وتقدم في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه الخطيب في "المتفق والمفترق ": "أن أمير الجيش إذ ذاك من عترة النبي ﷺ ".
والمقصود هاهنا التنبيه على أن الفتح المنوه بذكره في أحاديث هذا الباب لم يقع إلى الآن، وسيقع في آخر الزمان عند خروج الدجال، ومن حمل ذلك على ما وقع في سنة سبع وخمسين وثمانمائة؛ فقد أخطأ وتكلف ما لا علم له به. والله أعلم.
стр. 401
باب
علامة فتح القسطنطينية
عن أبي ثعلبة الخشني صاحب رسول الله ﷺ ﵁: أنه قال وهو بالفسطاط في خلافة معاوية ﵁ وكان معاوية أغزى الناس القسطنطينية - فقال: "والله؛ لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم، إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته؛ فعند ذلك فتح القسطنطينية ".
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وإسناد كل منهما صحيح على شرط مسلم، وقد روى أبو داود طرفا منه، وقال فيه: "قال رسول الله ﷺ "، ورواته ثقات.
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال. ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال: إن هذا الحق كما أنك هاهنا (أو: كما أنك قاعد) » ؛ يعني: معاذا.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود. وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: وثقه دحيم. وقال يعقوب بن شيبة: "كان رجل صدق". وقال المنذري: "كان رجلا صالحا، وثقه بعضهم، وتكلم فيه غير واحد". وبقية رجالهما ثقات. وقال ابن كثير في "النهاية" بعد إيراد هذا الحديث بإسناده عند الإمام أحمد وأبي داود ما نصه: "وهذا إسناد جيد وحديث حسن، وعليه نور الصدق وجلالة النبوة". انتهى.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" موقوفا على معاذ ﵁، وقال: "إسناده صحيح"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
стр. 402
قال ابن كثير: "وليس المراد أن المدينة تخرب بالكلية قبل خروج الدجال، وإنما ذلك في آخر الزمان؛ كما سيأتي بيانه في الأحاديث الصحيحة، بل يكون عمارة بيت المقدس سببا في خراب المدينة النبوية؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث أن الدجال لا يقدر على دخولها، يمنع من ذلك بما على أنقابها من الملائكة بأيديهم السيوف الصلتة". انتهى.
باب
في تواتر الملاحم في آخر الزمان
عن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال؛ في سبعة أشهر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وفي الباب عن الصعب بن جثامة وعبد الله بن بسر وعبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري ﵃".
وعن عبد الله بن بسر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج المسيح الدجال في السابعة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، ورواته كلهم ثقات، وقد صرح بقية بن الوليد بالتحديث في رواية الإمام أحمد، فزال ما يخشى من تدليسه.
قال أبو داود: "وهذا أصح من حديث عيسى، يعني الحديث الذي قبله".
стр. 403
وهذا جواب عما يقال بين المحدثين من التعارض، فأشار أبو داود إلى أن الحديث الثاني أقوى إسنادا، فلا يعارضه الحديث الأول. وقيل: يمكن أن يكون بين أول الملحمة وآخرها ست سنين، ويكون آخرها وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر، وفي هذا جمع بين الحديثين. والله أعلم.
وعنه ﵁: أنه قال: "يابن أخي! لعلك تدرك فتح القسطنطينة؛ فإياك إن أدركت فتحها أن تترك غنيمتك منها؛ فإن بين فتحها وبين خروج الدجال سبع وسنين ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعنه ﵁: أنه قال: "إذا أتاكم خبر الدجال وأنتم فيها فلا تدعوا غناءمكم فيها؛ فإن الدجال لم يخرج".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
في معاقل المسلمين من الملاحم
عن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، ورجالهما رجال الصحيح؛ سوى زيد بن أرطاة، وهو ثقة.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: «يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير»
стр. 404
«منازل المسلمين يومئذ» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووفقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جبير بن نفير؛ قال: حدثنا رجل من أصحاب محمد ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال: «ستفتح عليكم الشام، فإذا خيرتم المنازل فيها؛ فعليكم بمدينة يقال لها: دمشق؛ فإنها معقل المسلمين من الملاحم، وفسطاطها منها بأرض يقال لها: الغوطة» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناد ضعف.
وعن الحسن بن جابر وأبي الزاهرية عن كعب؛ قال: "إن المعاقل ثلاثة: فمعقل الناس يوم الملاحم بدمشق، ومعقل الناس يوم الدجال نهر أبي قطرس، ومن الناس من يقول: بيت المقدس، ومعقلهم يوم يأجوج ومأجوج بطور سيناء".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال الذهبي: "منقطع".
وقد رواه ابن أبي شيبة عن أبي الزاهرية مرسلا، ولفظه: قال: "معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور".
باب
في تأييد الدين بالموالي إذا وقعت الملاحم
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثًا من الموالي، هم أكرم العرب فرسًا، وأجوده سلاحًا،»
стр. 405
«يؤيد الله بهم الدين» .
رواه: ابن ماجه، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه "، وقال الذهبي في "تلخيصه": "وعلى شرط مسلم ".
باب
ما جاء في قتال اليهود
عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «تقاتلكم اليهود، فتسلطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي.
وفي رواية لمسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي؛ فتعال فاقتله» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر، فيقول الحجر: يا مسلم! هذا يهودي يختبئ ورائي تعال فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ أحمد، ولفظ البخاري نحوه.
ولفظ مسلم: قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي؛ فتعال فاقتله؛ إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» .
стр. 406
ورواه الإمام أحمد أيضا بهذا اللفظ.
قال النووي: " (الغرقد) : نوع من شجر الشوك، معروف ببلاد بيت المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود". وقال أبو حنيفة الدينوري: "إذا عظمت العوسجة؛ صارت غرقدة".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وفي الحديث ظهور الآيات قرب قيام الساعة؛ من كلام الجماد من شجر وحجر، وظاهره أن ذلك ينطق حقيقة، ويحتمل المجاز؛ بأن يكون المراد أنهم لا يفيدهم الاختباء، والأول أولى".
قلت: بل هو المتعين، ولا ينبغي أن يقال فيه باحتمال المجاز، لا سيما وقد صرح في حديث أبي أمامة الآتي بأن الجمادات والدواب تنطق بالدلالة على اليهود، وهذا ينفي احتمال المجاز، وصرح أيضا في حديث سمرة الآتي بأن الجمادات تنادي المسلمين وتدلهم على اليهود، وهذا أيضا ينفي احتمال المجاز، وأيضا فحمل كلام الجمادات وندائها على المجاز ينفي وجود المعجزة في قتال اليهود في آخر الزمان، ويقتضي التسوية بينهم وبين غيرهم من أصناف الكفار الذين قاتلهم المسلمون وظهروا عليهم، إذ لا بد أن يختبئ المختبئ منهم بالأشجار والأحجار، ومع هذا لم يرد في أحد منهم مثل ما ورد في اليهود، فعلم اختصاص قتال اليهود بهذه الآية، وأن الجمادات تنطق حقيقة بنداء المسلمين ودلالتهم على اليهود.
ونظير هذا قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله
стр. 407
عنه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وروى الإمام أحمد أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه.
فتكليم السباع للإنس وتكليم العذبة والشراك والفخذ مثل نداء الشجر والحجر بالدلالة على اليهود، وذلك كله على الحقيقة لا على المجاز. والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: "وفيه أن الإسلام يبقى إلى يوم القيامة.
وفي قوله ﷺ : «تقاتلكم اليهود» : جواز مخاطبة الشخص، والمراد من هو منه بسبيل؛ لأن الخطاب كان للصحابة، والمراد من يأتي بعدهم بدهر طويل، لكن لما كانوا مشتركين معهم في أصل الإيمان ناسب أن يخاطبوا بذلك". انتهى.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال..... (فذكر الحديث بطوله وفيه:) «فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب! فيفتح، ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها. فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء؛ لا حجر»
стр. 408
«ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله» .
رواه ابن ماجه.
قال الجوهري: " (السياج) : الطيلسان الأخضر، والجمع سيجان". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (السياج) : الطيلسان الضخم الغليظ. وقيل: هو الطيلسان المقور ينسج كذلك. وقيل: هو طيلسان أخضر". وقال ابن الأعرابي: " (السيجان) : الطيالسة السود واحدها ساج".
وعن ثعلبة بن عباد العبدي من أهل البصرة؛ قال: شهدت يوما خطبة لسمرة بن جندب ﵁، فذكر في خطبته حديثا عن رسول الله ﷺ ، فقال: بينا أنا وغلام من الأنصار نرمي في غرضين لنا..... (فذكر الحديث في كسوف الشمس، وصلاة النبي ﷺ بهم، وخطبته بعد الصلاة، وإخباره بخروج الدجال، وفيه:) «وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالًا شديدًا، ثم يهلكه الله ﵎ وجنوده، حتى إن جذم الحائط وأصل الشجرة لينادي: يا مؤمن (أو قال: يا مسلم) ! هذا يهودي (أو قال: هذا كافر) ؛ تعال فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني في "الكبير" وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن سمرة أيضا ﵁ مرفوعا: «لا تقوم الساعة حتى يدل الحجر على الرجل اليهودي مختبئًا كان يطرده رجل مسلم، فاطلع قدامه فاختبأ؛ يقول الحجر: يا عبد الله! هذا ما تبتغي» .
رواه الطبراني.
стр. 409
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطًا مخافة أن تخرج إليه، ثم يسلط الله المسلمين عليه فيقتلونه ويقتلون شيعته، حتى إن اليهودي ليختبئ تحت الشجرة أو الحجر، فيقول الحجر أو الشجرة للمسلم: هذا يهودي تحتي؛ فاقتله» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس".
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال.......... (فذكر الحديث بطوله، وأن عيسى ﵊ يقتل الدجال، وقال في آخره:) حتى إن الشجرة والحجر ينادي: يا روح الله هذا يهودي؛ فلا تترك ممن كان يتبعه أحدًا؛ إلا قتله» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهذا آخر الجزء الأول من كتاب "إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة "، ويليه الجزء الثاني، وأوله: "كتاب أشراط الساعة".
стр. 410
كتاب أشراط الساعة
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ .
قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: "أشراط الساعة علاماتها". وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": "علاماتها ودلائلها التي تتقدم عليها، واحدها: شرط؛ بالفتح". انتهى.
وقد تقدم ذكر جملة كثيرة من أشراط الساعة في الفتن والملاحم.
و (الساعة) : اسم ليوم القيامة. قال الزجاج: " معنى الساعة في كل القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة ". قال ابن الأثير: "يريد أنها ساعة خفيفة، يحدث فيها أمر عظيم، فلقلة الوقت الذي تقوم به سماها ساعة". انتهى.
باب
أن بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة
قال الحسن البصري: "بعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة".
ذكره ابن كثير في "تفسيره"، وقال: "هو كما قال".
وقال ابن كثير أيضا: "بعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم
стр. 411
الرسل الذي أكمل الله به الدين وأقام به الحجة على العالمين".
وقال البغوي في "تفسيره": "وكان النبي ﷺ من أشراط الساعة".
وذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن الضحاك: أنه قال: "أول أشراطها بعثة محمد ﷺ ".
وعن سهل بن سعد ﵁؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بإصبعيه هكذا - بالوسطى والتي تلي الإبهام -: «بعثت والساعة كهاتين» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، واللفظ للبخاري.
وفي رواية له عن سهل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين (ويشير بإصبعيه فيمدهما) » .
وفي رواية لأحمد: أن رسول الله ﷺ قال: «مثلي ومثل الساعة كهاتين (وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام) ، ثم قال: مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان، ثم قال: مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق؛ ألاح بثوبه: أتيتم أتيتم، ثم يقول رسول الله ﷺ : أنا ذلك» .
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي.
زاد مسلم: قال شعبة: "وسمعت قتادة يقول في قصصه: "كفضل إحداهما على الأخرى"؛ فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة؟ ".
وفي رواية له عن معبد (وهو ابن هلال) عن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» . قال: وضم السبابة والوسطى.
стр. 412
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين (وجمع بين إصبعيه) » .
رواه: البخاري، وابن ماجه، وهذا لفظه.
وعن جبر بن عبد الله ﵄؛ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
وعن المستورد بن شداد الفهري ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «بعثت أنا في نفس الساعة، فسبقتها كما سبقت هذه هذه (لأصبعيه السبابة والوسطى) » .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
قال الحافظ ابن حجر: "قوله: "في نفس"؛ بفتح الفاء، وهو كناية عن القرب؛ أي: بعثت عند نفسها". انتهى.
وعن بريدة ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة جميعا، إن كادت لتسبقني» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بإصبعيه ويقول: "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن.
ورواه ابن جرير ولفظه: قال: «كأني أنظر إلى إصبعي رسول الله ﷺ ،»
стр. 413
«أشار بالمسبحة والتي تليها وهو يقول: "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه» . وفي رواية: «وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى» .
وفي هذه الأحاديث على اختلاف ألفاظها إشارة إلى قلة المدة التي بين بعثة النبي ﷺ وبين قيام الساعة.
قال عياض وغيره: "والتفاوت إما في المجاورة وإما في قدر ما بينهما، ويعضده (أي: القول الأخير) قوله: "كفضل إحداهما على الأخرى". وقال القرطبي في "المفهم": "حاصل الحديث تقريب أمر الساعة، وسرعة مجيئها". وقال البيضاوي: "معناه أن نسبة تقدم البعثة النبوية على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الإصبعين على الأخرى". ورجح الطيبي هذا القول. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري".
باب
في ذكر كثير من أشراط الساعة
عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: "اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مَوَتَان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبخاري، وابن ماجه، والحاكم
стр. 414
مختصرا ومطولا، وهذا لفظ البخاري، وقد ذكرت ألفاظه في (باب الملحمة الكبرى) ؛ فليراجع هناك.
وفي رواية للحكام: قال: فلما كان عام عمواس؛ زعموا أن عوف بن مالك ﵁ قال لمعاذ بن جبل ﵁: «إن رسول الله ﷺ قال لي: "اعدد ستا بين يدي الساعة"؛ فقد كان منهن الثلاث، وبقي الثلاث. فقال معاذ: إن لهذا مدة، ولكن "خمس أظلتكم، من أدرك منهن شيئا، ثم استطاع أن يموت؛ فليمت: أن يظهر التلاعن على المنابر، ويعطى مال الله على الكذب والبهتان، وسفك الدماء بغير حق، وتقطع الأرحام، ويصبح العبد لا يدري أضال هو أم مهتد؟ !» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن معاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو ﵃ عن النبي ﷺ نحو حديث عوف بن مالك ﵁، وقد تقدم ذكرهما في (كتاب الملاحم) .
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج (وهو القتل) ، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه! وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس؛ آمنوا أجمعون؛ فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن»
стр. 415
«الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» .
رواه البخاري بهذا اللفظ، وقد روى الإمام أحمد ومسلم بعضه مفرقا.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : أخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان..........» الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: «قال: فمتى الساعة؟ قال: سبحان الله! ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها. قال: أجل. قال: إذا رأيت الحفاة العراة يتطاولون في البناء وكانوا ملوكا. قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: العُرَيب. قال: وإذا رأيت الأمة تلد ربها؛ فذاك من أشراط الساعة. قال: صدقت» .
وعن أبي هريرة ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان؛ فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله (ثم تلى ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
стр. 416
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه. وفي رواية أحمد: «وإذا كانت العراة الحفاة الجفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها» . وفي رواية مسلم: «وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض؛ فذاك من أشراطها» .
وعن أبي هريرة وأبي ذر ﵄: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : "يا محمد! أخبرني متى الساعة؟ قال: فنكس فلم يجبه شيئا. ثم أعاد، فلم يجبه شيئا. ثم أعاد، فلم يجبه شيئا، ورفع رأسه، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علامات تُعرف بها: إذا رأيت الرعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها، خمس لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
رواه النسائي.
وعن ابن عباس ﵄: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : حدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ : سبحان الله! في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ، ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك. قال: أجل يا رسول الله! فحدثني. قال رسول الله ﷺ : إذا رأيت الأمة ولدت ربتها (أو ربها) ، ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس؛ فذلك من معالم الساعة وأشراطها. قال: يا رسول الله! ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: العرب» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ثقة وفيه كلام،
стр. 417
وبقية رجاله ثقات.
وعن عامر (أو: أبي عامر، أو: أبي مالك) ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : متى الساعة يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ) ، ولكن إن شئت حدثتك بعلامتين تكونان قبلها. فقال: حدثني. فقال: إذا رأيت الأمة تلد ربها، ويطول أهل البنيان بالبنيان، وعاد العالة الحفاة رؤوس الناس. قال: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: العريب» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار، ويفتح القول ويخزن العمل، ويقرأ في القوم المثناة ليس فيهم أحد ينكرها. قيل: وما المثناة؟ قال: "ما اكتتبت سوى كتاب الله » .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "غريب الحديث" (٢٨٢\٤) : "سألت رجلا من أهل العلم بالكتب الأولى، قد عرفها وقرأها عن المثناة؟ فقال: إن الأحبار والرهبان من بني إسرائيل بعد موسى وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله ﵎، فسموه المثناة، كأنه يعني أنهم أحلوا فيه
стр. 418
ما شاؤوا، وحرموا ما شاؤوا، على خلاف كتاب الله ﵎ ". انتهى.
وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرهن في النار؟ قلت: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذ القرآن مزامير، وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفيء دولا، والزكاة مغرما، والأمانة مغنما، وتفقه في الدين لغير الله، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأقصى أباه، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره؛ فيومئذ يكون ذلك، ويفزع الناس إلى الشام، وإلى مدينة منها يقال لها: دمشق؛ من خير مدن الشام، فتحصنهم من عدوهم ".
قلت: وهل تفتح الشام؟ قال: "نعم؛ وشيكا، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضا، حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له: المهدي، فإن أدركته فاتبعه، وكن من المهتدين» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عبد الحميد بن إبراهيم، وثقه ابن حبان وهو ضعيف، وفيه جماعة لم أعرفهم".
(الحملان) ؛ بضم الحاء: جمع حمل؛ بفتح الحاء والميم، وهو الجذع من ولد الضأن فما دونه، والمراد هاهنا الصبيان، وإنما شبهوا بالصغار من أولاد الضأن تحقيرا لهم وتصغيرا لشأنهم، وأنهم ليسوا بأهل القعود على المنابر. والله أعلم.
وعن علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «"إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة؛ حل بها البلاء". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل»
стр. 419
«زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وقد رواه ابن أبي الدنيا، وعنده: «فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خسفًا أو مسخًا» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتخذ الفيء دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتُعُلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشُربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا، وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة، إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفًا، والكذب صدقًا، والحرير لباسًا، وظهر الجور، وكثر الطلاق وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وصدق الكاذب، وكذب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظًا، والولد غيظًا، وفاض اللئام فيضًا، وغاض الكرام غيضًا، وكان الأمراء»
стр. 420
«فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة، إذا لبسوا مسوك الضمان، قلوبهم أنتن من الجيفة، وأمر من الصبر، يغشيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة، وتظهر الصفراء (يعني: الدنانير) ، وتطلب البيضاء (يعني: الدراهم) ، وتكثر الخطباء، ويقل الأمر بالمعروف، وحليت المصاحف، وصورت المساجد، وطولت المنابر، وخربت القلوب، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة صاروا ملوكًا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف بغير الله، وشهد المرء من غير أن يستشهد، وسلم للمعرفة، وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعق الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع امرأته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق، واتخذ الظلم فخرًا، وبيع الحكم، وكثرت الشرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفافا، والمساجد طرقًا، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات» .
رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف، وله شواهد من حديث علي وأبي هريرة وغيرهما مما تقدم وما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ولم يذكر فيه سوى سبع وستين خصلة، فلعل الباقي سقط من بعض النساخ، وكل ما فيه قد ظهر مصداقه؛ سوى خصلة أو خصلتين.
قوله: «يتهاوكون تهاوك اليهود» : قال الجوهري: " (التهوك) : التحير، والتهوك أيضًا مثل التهور، وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة". وقال ابن الأثير: " (التهوك) : كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير روية، والمتهوك الذي يقع في
стр. 421
كل أمر، وقيل: هو التحير". وقال ابن منظور: " (التهوك) : السقوط في هوة الردى، وإنه لمتهوك لما هو فيه؛ أي: يركب الذنوب والخطايا، والمتهوك: الذي يقع في أكل أمر".
قوله: "وجلود السباع صفافًا": جمع صفة: قال ابن الأثير وابن منظور: "وهي للسرج بمنزلة الميثرة من الرحل".
وعن مكحول عن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة: إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، واستحلوا الكبائر، وأكلوا الربا، وأخذوا الرشى، وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واتخذوا القرآن مزامير، واتخذوا جلود السباع صفافا، والمساجد طرقًا، والحرير لباسًا، وكثر الجور، وفشا الزنى، وتهاونوا بالطلاق، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وصار المطر قيظًا، والولد غيظًا، وأمراء فجرة، ووزراء كذبة، وأمناء خونة، وعرفاء ظلمة، وقلت العلماء، وكثرت القراء، وقلت الفقهاء، وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وطولت المنابر، وفسدت القلوب، واتخذوا القينات، واستحلت المعازف، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، ونقصت الشهور، ونقضت المواثيق، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وركب النساء البراذين، وتشبهت النساء بالرجال والرجال بالنساء، ويحلف بغير الله، ويشهد الرجل من غير أن يستشهد، وكانت الزكاة مغرمًا، والأمانة مغنمًا، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأقصى أباه، وصارت الإمارات مواريث، وسب آخر هذه الأمة أولها، وأكرم الرجل اتقاء شره، وكثرت الشرط، وصعدت الجهال المنابر، ولبس الرجال التيجان، وضيقت الطرقات، وشيد البناء، واستغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وكثرت خطباء منابركم، وركن علماؤكم إلى ولاتكم؛ فأحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، وأفتوهم بما يشتهون، وتعلم علماؤكم العلم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم،»
стр. 422
«واتخذتم القرآن تجارة، وضيعتم حق الله في أموالكم، وصارت أموالكم عند شراركم، وقطعتم أرحامكم، وشربتم الخمور في ناديكم، ولعبتم بالميسر، وضربتم بالكبر والمعزفة والمزامير، ومنعتم محاويجكم زكاتكم ورأيتموها مغرمًا، وقتل البريء ليغيظ العامة بقتله، واختلفت أهواؤكم، وصار العطاء في العبيد والسقاط، وطففت المكاييل والموازين، ووليت أموركم السفهاء» .
رواه: أبو الشيخ في "الفتن"، والديلمي، وغيرهما.
وقد ذكر فيه ثلاث وسبعون خصلة، منها أربع وأربعون قد ذكرت في حديث حذيفة الذي تقدم ذكره، وتسع وعشرون لم تذكر فيه.
وعن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتراب الساعة: إذا كثر خطباء المنابر، وركن علماؤكم إلى ولاتكم، فأحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فأفتوهم بما يشتهون، وتعلم علماؤكم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم، واتخذتم القرآن تجارة» .
رواه الديلمي.
وعن عتي السعدي؛ قال: "خرجت في طلب العلم حتى قدمت الكوفة، فإذا أنا بعبد الله بن مسعود ﵁ بين ظهراني أهل الكوفة، فسألت عنه فأرشدت إليه؛ فإذا هو في مسجدها الأعظم، فأتيته، فقلت: أبا عبد الرحمن! إني جئت إليك أضرب إليك ألتمس منك علمًا لعل الله أن ينفعنا به بعدك. فقال لي: ممن الرجل؟ قلت: رجل من أهل البصرة. قال: ممن؟ قلت: من هذا الحي من بني سعد. فقال: يا سعدي! لأحدثن فيكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، «سمعت رسول الله ﷺ وأتاه رجل، فقال: يا رسول الله! ألا أدلك على قوم كثيرة أموالهم، كثيرة شوكتهم، تصيب منهم مالًا كثيرًا؟ قال: من هم؟ قال: هذا الحي من بني سعد من أهل الرمال. فقال رسول الله ﷺ : "مه! فإن بني»
стр. 423
«سعد عند الله ذو حظ عظيم» . سل يا سعدي، قلت: يا أبا عبد الرحمن! هل للساعة من علم تعرف به؟ قال: وكان متكئًا، فاستوى جالسًا، فقال: يا سعدي! سألتني عما سألت عنه رسول الله ﷺ ؛ «قلت: يا رسول الله! هل للساعة من علم تعرف به؟ قال: "نعم يا ابن مسعود! إن للساعة أعلامًا، وإن للساعة أشراطًا، ألا وإن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يكون الولد غيظًا، وأن يكون المطر قيظًا، وأن تفيض الأشرار فيضًا. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يصدق الكاذب، وأن يكذب الصادق. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يؤتمن الخائن، وأن يخون الأمين. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تواصل الأطباق، وأن تقطع الأرحام. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يسود كل قبيلة منافقوها، وكل سوق فجارها. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تزخرف المحاريب، وأن تخرب القلوب. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: ملك الصبيان، ومؤامرة النساء. يا ابن مسعود! إن من أشراط الساعة وأعلامها: أن يعمر خراب الدنيا، ويخرب عمرانها. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تظهر المعازف، والكبر، وشرب الخمور. يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكثر أولاد الزنى". قلت: أبا عبد الرحمن! وهم مسلمون؟ ! قال: نعم. قلت: أبا عبد الرحمن! وأنى ذلك؟ ! قال: يأتي على الناس زمان يطلق الرجل المرأة طلاقها، فتقيم على طلاقها؛ فهما زانيان ما أقاما» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه سيف بن مسكين وهو ضعيف".
стр. 424
قلت: وله شواهد تقويه، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وأيضًا؛ فقد ظهر مصداق أكثر ما ذكر فيه، وشهد الواقع بخروجه من مشكاة النبوة. والله أعلم.
وقد رواه ابن النجار في ترجمة محمد بن علي المحاملي من طريق سيف ابن مسكين - وفيه زيادة ونقص - ولفظه: قال: خرجت في طلب العلم، فقدمت الكوفة؛ فإذا أنا بابن مسعود ﵁، فقلت له: هل للساعة من علم تعرف به؟ قال: «سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "من أعلام الساعة: أن يكون الولد غيظًا، والمطر قيظًا، وتفيض الأشرار فيضًا، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويسود كل قبيلة منافقوها، وكل سوق فجارها، وتزخرف المحاريب، وتخرب القلوب، ويكتفي النساء بالنساء، والرجال بالرجال، ويخرب عمران الدنيا، ويعمر خرابها، وتظهر الغيبة وأكل الربا، وتظهر المعازف، والكبر، وشرب الخمر، ويكثر الشرط، والغمازون، والهمازون» .
ورواه البيهقي في كتاب "البعث والنشور" بنحوه، ثم قال: "هذا إسناد فيه ضعف؛ إلا أن كثيرًا من ألفاظه قد روي بأسانيد أخر متفرقة". وقال ابن كثير: "لهذا الحديث شواهد كثيرة". انتهى.
وفي رواية الطبراني: «إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تكنف المساجد، وأن تعلو المنابر، وإن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تكثر الشرط، والهمازون، والغمازون، واللمازون، وأن تكثر أولاد الزنى» .
قوله: "أن تواصل الأطباق"؛ يعني: البعداء والأجانب. قاله ابن الأثير وابن منظور.
و (النقد) : صغار الغنم.
стр. 425
و (الكبر) ؛ بفتح الكاف والباء: هو العود، وقيل الدف، وقيل: هو الطبل ذو الرأسين، وقيل: الطبل الذي له وجه واحد.
قوله: "أن تكنف المساجد": يحتمل أن يكون معناه: تستر أرضها بما يفرش فوقها من البسط وغيرها؛ قال ابن منظور في "لسان العرب": "كل ما ستر فقد كنف، ومنه قيل للمذهب: كنيف، وكل ساتر كنيف". ويحتمل أن يكون معناه: يتخذ لها الكنف؛ قال ابن منظور: "كنف الدار يكنفها كنفًا: اتخذ لها كنيفًا، والكنيف: الخلاء". ويحتمل أن يكون معناه: يجعل على أبوابها ظلة ونحوها؛ قال ابن منظور: "والكنيف: الكنة تشرع فوق باب الدار". قال ابن سيده: "والكنة؛ بالضم: جناح يخرجه من الحائط، وقيل: هي السقيفة تشرع فوق باب الدار، وقيل: الظلة تكون هنالك ". انتهى.
وكل من هذه الأمور الثلاثة واقع في زماننا وقبله، ويحتمل أن يكون المراد غير ذلك. والله أعلم.
قوله: "ويكثر الهمازون والغمازون واللمازون": قال الجوهري: "الهمز مثل اللمز، والهامز والهماز: العياب، والهمزة مثله، يقال: رجل همزة وامرأة همزة". وقال ابن الأثير: "الهمز: الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم، وقد همز يهمز فهو هماز، وهمزة للمبالغة". وقد ذكر ابن منظور في "لسان العرب" نحو هذا عن الليث؛ قال: "والهمزة: الذي يخلف الناس من ورائهم ويأكل لحومهم، وهو مثل العيبة، ويكون ذلك بالشدق والعين والرأس". انتهى.
وأما الغمز؛ فقال الراغب الأصفهاني: "أصله الإشارة بالجفن أو اليد طلبًا إلى ما فيه معاب، ومنه قيل: ما في فلان غميزة؛ أي: نقيصه مشار بها إليه".
وقال ابن منظور: "الغمز: الإشارة بالعين والحاجب والجفن". قال: "والمغموز المتهم ". انتهى.
следующие страницы →