تمهيد
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ؛ ليظهره على الدِّين كُلِّه، ولو كره الكافرون.
ولقد قام رسول الله ﷺ بالتبليغ والتبيين، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأُمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وعبد رَبَّه حتى أتاه اليقين، فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
ورضي الله ﵎ عن صحابته أجمعين، الغُرّ الميامين، الذين قاموا بنقل الشريعة بأمانة ونصح، ورضي الله عن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. وبعد:
فإنَّ خدمة هذا الدِّين وإظهار علوم سَيّد المرسلين ﷺ واجب إسلامي، وهو أمانة في أعناق العلماء العاملين، والأئمة المصلحين، وما ذاك إلاَّ بنشر سُنَّته ﷺ ، والعمل بها، والدعوة إليها، وحفظها، والذَّوْدِ عن حياضها.
ولقد قيَّض الله تعالى لذلك أئمة عاملين، ودعاة مخلصين، أفنوا أعمارهم وبذلوا النفس والنفيس في سبيل ذلك.
ومن هؤلاء الأئمة الذين بذلوا الجهود المضنية في جمع السُّنَّة النبوية، وفي حفظها وتدوينها، وفي ضبط أسانيدها وشرح متونها، واستنباط الأحكام منها، ومعرفة صحيحها من سقيمها.
стр. 2
ولذلك أُلِّفت الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والمصنَّفات، والأجزاء، وكتب الجرح والتعديل، وموسوعات تراجم الرجال والرواة الشاملة للثقات والضعفاء، أو المخصصة للضعفاء والمجروحين، وهكذا.
ولأجل ذلك وضعت علوم جمَّة لخدمة السنة، وفق مناهج علمية رصينة، وقواعد محكمة، لمعرفة درجة كل حديث، والاستفادة من الفوائد الإسنادية والمتنية.
ومن المعلوم أن السُّنَّة هي المصدر الثاني للتشريع، وقد كانت محصورةً في زمن البعثة باعتبار صدورها عن رسول الله ﷺ ، من قول أو فعل أو تقرير، ولكنْ كثرتْ طُرُقُها، وتشعَّبتْ أسانيدُها، باعتبار النقلة من عصر الصحابة ﵃ إلى آخر عصر الإسناد، في المصنَّفات والجوامع والسنن والأجزاء ... كحديث العرنيين، بلغت طرقه أكثر من (٥٠) طريقاً، وهو واقعة واحدة، وحديث واحد صادر عن المصطفى ﷺ (١) . وكحديث جابر بن عبد الله في صفة حجة النبي ﷺ ، بلغت طرقه أكثر من (١٠٠) طريق، مختصراً ومطولاً، وهو حديث واحد يصور واقعة واحدة (٢) .
لذا عكف العلماء في مختلف العصور على فكرة الجمع الموسوعي للوصول إلى حصر السُّنَّة وفق أصلها، للعمل بها وتبليغها للناس.
هذا وإنَّ فكرة هذا الجمع، الشامل للأحاديث النبوية، ليست وليدة هذا العصر، بل كانت ماثلةً في أذهان المتقدمين، وقائمةً في بعض مصنَّفاتهم بصور مختلفة.
стр. 3
لقد أدرك الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢?) أهمية جمع الأحاديث النبوية واستيعابها في مصنَّف واحد، وإلى ذلك يشير قوله (١) : ((ولقد كان استيعابُ الأحاديث سهلاً، لو أراد الله تعالى ذلك، بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه، ثم يذكر مَنْ بعده ما اطَّلع عليه ممَّا فاته من حديث مستقل أو زيادة في الأحاديث التي ذكرها، فيكون كالدليل عليه، وكذا من بعده، فلا يمضي كثيرٌ من الزمان إلاَّ وقد استُوعبت وصارت كالمصنَّف الواحد، ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن)) .
ويقول أيضاً رحمه الله تعالى (٢) : ((وإن المتعيّن على من يتكلَّم على الأحاديث أن يَجْمَعَ طُرُقَها، ثم يجمعَ ألفاظ المتون إذا صَحَّت الطُّرُقُ ويشرحها على أنه حديث واحد، فإنَّ الحديث أولى ما فُسِّرَ بالحديث)) .
والجمع الموسوعي عند المتقدِّمين يتمثَّل بحلقات موسوعية، تُحقِّق أهدافاً موسوعية مقيدة، وتتمثل بحلقات مختلفة: في كتب الأطراف، وكتب جمع المتون، وكتب الزوائد على كتب معينة.
ولو نَظَرْنا بعين الإنصاف والشمول لرأينا أنَّ النظرة الموسوعية في التصنيف والتأليف كان صاحب السبق فيها هو الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، بما جمعه واحتواه من طريقة المتقدِّمين وفوائد المتأخرين، وبخاصَّة في كتابه ((المطالب العالية)) ، حيث جمع زوائد المتون والأسانيد، على مطالب الساحة الراهنة في الجمع والتصنيف والتبويب.
وسيكون جمع المادة العلمية لهذا البحث ضمن العناصر الرئيسة التالية:
стр. 4
١ - الجمع الموسوعي عند المتقدِّمين في براعة الحفظ والاستحضار.
٢ - التصنيف الموسوعي عند المتقدِّمين والمعاصرين.
٣- الجهود المبذولة في سبيل إعداد الموسوعة الشاملة باستخدام الحاسب الآلي.
٤ - مراحل طريقة الجمع الموسوعي.
٥ - مقترحات في تشكيل أهم اللجان الدائمة للعمل الموسوعي.
٦ - خاتمة في أهداف العمل الموسوعي.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 5
- الجمع الموسوعي عند المتقدِّمين في براعة الحفظ والاستحضار
كان المتقدِّمون من علماء المسلمين في غاية إتقان الحفظ واستحضار ما هو مركوزٌ في حافظتهم، حتى لو أعادَ أحدهم ما حفظه مراتٍ عديدةً، لا يُغَيِّرُ كلمةً منه، ولا يُحَرِّفُها أو يُصَحِّفُها، ولا يبدل بها مرادفاً لها.
ولو أملى من ذلك كتاباً ضخماً من الأحاديث النبوية، أو القصائد الشعرية، أو المقطعات النثرية؛ لَمَا غَاب عنه شيءٌ من محفوظاته مطلقاً، لقوة ملكة حفظه، وسرعة نُطْقه واستحضاره.
والجمع الموسوعي عند المتقدِّمين، في الحديث النبوي، كان أعظم من الجمع الموسوعي على الحاسب الآلي، في هذه الأزمنة، ويتجلَّى ذلك واضحاً في تراجمهم وأخبارهم التي نُقلت إلينا، والتي تشهدُ على سعة حفظهم، وسيلان ذهنهم، واطِّلاعهم الواسع على علل الحديث، ومعرفة صحيحها من سقيمها.
وممَّن اشتهر بالحفظ وسعة الاطّلاع: الحافظُ الكبير، شيخُ الإسلام، أبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن الكوفي المُلائي (١٣٠ - ٢١٩?) .
قال يعقوب الفَسَوِي (١) : أجمع أصحابُنا أنَّ أبا نُعَيْم كان غايةً في الإتقان والحفظ.
وقال أبو حاتم الرازي (٢) : كان حافظاً متقناً، لم أَرَ من المحدِّثين من يحفظ
стр. 6
ويأتي بالحديث على لفظٍ واحدٍ لا يُغَيِّرُه سوى قَبِيصة وأبي نعيم في حديث الثوري، وكان أبو نُعَيْم يحفظُ حديث الثوري حفظاً جيداً، يعني الذي عنده عنه. قال: وهو ثلاثة آلاف وخمسمئة حديث، ويحفظ حديث مِسْعَر، وهو خمسمئة حديث، وكان لا يُلَقَّن (١) .
ومما يشهدُ له بالحفظ والاطلاع اختبارُ يحيى بن مَعِين له بحضرة الإمام أحمد بن حنبل. فقد روى الخطيبُ البغداديُّ (٢) من طريق أحمد بن منصور الرمادي قال:
خرجتُ مع أحمد ويحيى بن مَعِين إلى عبد الرزاق خادماً لهما، فلمَّا عُدْنا إلى الكوفة قال يحيى بن مَعِين لأحمد بن حنبل: أُرِيدُ أنْ أختبرَ أبا نُعَيْم، فقال أحمد: لا تُرِدْ، فالرجلُ ثقةٌ. قال يحيى: لا بُدَّ لي.
فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثاً، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثاً ليس من حديثه. ثم إنهم جاؤوا إلى أبي نُعَيْم، فخرج، وجلس على دكان طين، وأقعد أحمد بن حنبل عن يمينه، ويحيى عن يساره، وجلستُ أسفل.
فقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث، وهو ساكت، ثم الحادي عشر، فقال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي، فاضْرِبْ عليه. ثم قرأ العشرة الثانية وقرأ الحديث الثاني فقال: هذا أيضاً ليس من حديثي، فاضْرِبْ عليه. ثم قرأ العشرة الثالثة وقرأ الحديث الثالث، فتغيَّر أبو نعيم، وانقلبتْ عيناه.
стр. 7
ثم أقبل على يحيى، فقال: أمَّا هذا - وذراعُ أحمد بيده - فأورعُ من أن يعمل مثل هذا، وأمَّا هذا - يريدني - فأقلُّ من أن يفعل ذاك، ولكن هذا من فعلك يا فاعل.
ثم أخرج رجله، فرفس يحيى بن مَعِين وقلبه عن الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد بن حنبل ليحيى: ألم أنهك وأقل لك: إنه ثَبْت؟ فقال له يحيى: واللهِ! لرفستُه لي أحبُّ إليَّ من سفرتي.
وقال أبو عُبَيْد الآجُرِّي (١) : قلتُ لأبي داود: كان أبو نُعَيْم حافظاً؟ قال: جدّاً.
ومن أئمة هذا الشأن: الحافظ الإمام الجِهْبذ شيخ المحدِّثين أبو زكريا يحيى بن مَعِين (١٥٨ - ٢٣٣?) .
قال أحمد بن عُقْبة (٢) : سألت يحيى بن مَعِين: كم كتبتَ من الحديث؟ قال: كتبتُ بيدي هذه ستَّ مئة ألف حديث.
وقال عبَّاس الدُّوري (٣) : سمعتُ يحيى يقول: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة، ما عَرَفْناه.
وقال محمد بن نصر الطبري (٤) : دخلتُ على يحيى بن مَعِين، فوجدتُ عنده كذا وكذا سَفَطاً دفاتر، وسمعتُه يقول: كتبتُ بيدي ألفَ ألفِ حديث، وكُلُّ حديثٍ لا يُوجَدُ هاهنا - وأشارَ بيده إلى الأسفاط - فهو كذب.
стр. 8
وقال العِجْلي (١) : ما خَلَقَ اللهُ أحداً كان أعرفَ بالحديث من يحيى بن مَعِين. كان يُؤْتى بالأحاديث قد خُلطت وقُلبت، فيقول: هذا كذا، وهذا كذا، كما قال.
ومن أئمة الحُفَّاظ وسادتهم: الإمام الكبير، شيخ المشرق، إسحاق بن راهويه (١٦١ - ٢٣٨?) .
قال الشَّعْبي (٢) : ما كتبتُ سوداءَ في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدَّثني رجلٌ بحديثٍ قطُّ إلاَّ حفظتُه، ولا أحببتُ أن يُعيده عليَّ. قال علي بن خشرم: فحدَّثْتُ بهذا إسحاق بن راهويه، فقال: تعجَبُ من هذا؟ قلتُ: نعم. قال: ما كنت أسمع شيئاً إلا حَفِظْتُه، وكأني أنظر إلى سبعين ألف حديث - أو قال: أكثر من سبعين ألف حديث - في كتبي.
قال أبو داود الخَفَّاف (٣) : سمعتُ إسحاق بن راهويه، يقول: لكأني أنظر إلى مئة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفاً أَسْرُدُها. قال: وأَمْلَى علينا إسحاق أحدَ عشر ألف حديثٍ من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفاً، ولا نقص حرفاً.
قال الحافظ الذهبي (٤) : فهذا واللهِ الحفظ.
وعن إسحاق بن راهويه، قال: ما سمعتُ شيئاً إلا وحفظتُه، ولا حفظتُ شيئاً قطُّ فنسيتُه (٥) .
стр. 9
وقال أبو يزيد محمد بن يحيى: سمعت إسحاق يقول: أحفظُ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي.
وقال أحمد بن سلمة: سمعت أبا حاتِم الرازي، يقول: ذكرتُ لأبي زُرعة حِفْظَ إسحاق بن راهويه، فقال أبو زرعة: ما رُئي أحفظ من إسحاق، ثم قال أبو حاتِم: والعجب من إتقانه، وسلامته من الغلط مع ما رُزِقَ من الحفظ. فقلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه. قال: وهذا أعجب، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهونُ من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها.
وقال إبراهيم بن أبي طالب الحافظ (١) : فاتني عن إسحاق مجلسٌ مِن مُسنده، وكان يُمِلُّه حفظاً، فترددت إليه مِراراً ليُعيده، فتعذَّر. فقصدته يوماً لأسأله إعادته، وقد حمَلْتُ إليه حنطة من الرُّستاق، فقال لي: تقومُ عندي وتكتبُ وزن هذه الحنطة، فإذا فرغْتَ أعدتُ لك. ففعلتُ ذلك، فسألني عن أول حديث من المجلس، ثم اتكأ على عُضادة الباب، فأعاد المجلس حفظاً. وكان قد أملى ((المسند)) كُلَّه حفظاً، وقرأه أيضاً من حفظه ثانياً كلّه.
وقال أبو يَزيد محمد بن يحيى بن خالد (٢) : سمعتُ إسحاق بن راهويه الحنظلي يقول: أعرفُ مكان مئة ألف حديث، كأني أنظرُ إليها، وأحفظُ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، وأحفظُ أربعة آلاف حديث مُزَوَّرة. فقيل له: ما معنى حفظ المُزَوَّرة؟ قال: إذا مَرَّ بي منها حديثٌ في الأحاديث الصحيحة فَلَيْتُه منها فَلْياً.
стр. 10
ومن المشهورين بالحفظ: شيخ الإسلام، الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١?) .
قال عبد الله بن أحمد (١) : قال لي أبو زُرْعة: أبوك يحفظ ألفَ ألفِ حديث. فقيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه فأخذتُ عليه الأبواب.
قال الحافظ الذهبي: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله.
وقال ابن أبي حاتم (٢) : قال سعيد بن عَمْرو: يا أبا زُرْعة، أأنتَ أحفظُ أم أحمد؟ قال: بل أحمد. فقلتُ: كيف علمتَ؟ قال: وجدتُ كتبه ليس في أوائل الأجزاء أسماءُ الذين حدَّثوه، فكان يحفظُ كُلَّ جزء ممَّن سمعه، وأنا لا أقدرُ على هذا.
وعن أبي زُرْعة قال (٣) : حُزِرَتْ كُتُب أحمد يوم مات، فبَلَغَتْ اثني عشر حِمْلاً وعِدْلاً. ما كان على ظَهْرِ كتابٍ منها: حديث فلان، ولا في بطنه: حَدَّثنا فلان، كلّ ذلك كان يحفظُه عن ظهر قلبه.
وقال حسن بن مُنَبِّه (٢) : سمعتُ أبا زُرْعة يقول: أخرج إليَّ أبو عبد الله أجزاءً، كُلُّها: سفيان سفيان، ليس على حديث منها: حدثنا فلان، فظننتُها عن رجلٍ واحد، فانتخبتُ منها. فلمَّا قرأ ذلك عليَّ جعل يقول: حدَّثنا وكيع ويحيى، وحدَّثنا فلان، فعجبتُ من ذلك، وجهدتُ أن أَقْدِرَ على شيءٍ من هذا، فلم أَقْدِرْ.
وقال عبد الله بن أحمد (٤) : قال لي أبي: خُذْ أيَّ كتابٍ شئتَ من كُتُب
стр. 11
وكيع من المصنّف، فإنْ شئتَ أن تسألني عن الكلام حتى أُخبرك بالإسناد، وإنْ شئتَ بالإسناد حتى أُخبرك أنا بالكلام.
وعن أحمد الدَّوْرَقي (١) ، عن أبي عبد الله، قال: نحن كَتَبْنا الحديث من ستة وجوهٍ وسبعة لم نضبطه، فكيف يضبطُه من كتبه منْ وَجْهٍ واحد؟!.
ومن حُفَّاظ الدنيا: أمير المؤمنين في الحديث الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ - ٢٥٦?) .
قال محمد بن أبي حاتم الورَّاق (٢) : سمعتُ حاشدَ بنَ إسماعيل وآخر يقولان: كان أبو عبد الله البخاري يختلفُ معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلامٌ، فلا يكتب، حتى أَتَى على ذلك أيام، فكُنّا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما تصنع؟ فقال لنا يوماً بعد ستة عشر يوماً: إنكما قد أكثرتُما عليَّ وألححتُما، فاعْرِضا عليَّ ما كتبتُما. فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزادَ على خمسة عشر ألف حديث، فقَرَأَها كُلَّها عن ظهر القلب، حتى جعلنا نُحْكِمُ كُتُبَنا من حفظه.
ثم قال: أَتَرَوْن أني أختلف هَدْراً، وأُضَيِّع أيامي؟! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.
وقال ابنُ عَدِيّ (٣) : حدثني محمد بن أحمد القُومسي، سمعتُ محمد بن خميرويه، سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: أحفظُ مئة ألف حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح.
стр. 12
وقال أبو بكر الكَلْوَاذاني (١) : ما رأيتُ مثل محمد بن إسماعيل، كان يأخذُ الكتابَ من العلماء، فيطَّلعُ عليه اطِّلاعةً، فيحفظُ عامَّةَ أطرافِ الأحاديث بمرَّة.
وقال علي بن الحُسَيْن بن عاصم البِيكَنْدي: قدم علينا محمد بن إسماعيل، قال: فاجتمعنا عنده، فقال بعضُنا: سمعتُ إسحاق بن راهويه يقول: كأنّي أنظرُ إلى سبعين ألف حديثٍ من كتابي. ̧ فقال محمد بن إسماعيل: أو تَعْجَبُ من هذا؟! لعلَّ في هذا الزمان مَنْ ينظرُ إلى مئتي ألف حديث من كتابه. وإنما عَنَى به نفسه.
ومن أعجب العجائب ما فعله أصحاب الحديث مع الإمام البخاري، وهذه القصَّة أوردها الخطيبُ البغدادي (٢) من طريق أبي أحمد بن عَدِيّ قال: سمعت عدة مشايخ يحكون: أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحابُ الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متنَ هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسنادَ هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أَنْ يُلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم ومن البغداديين.
فلمَّا اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجلٌ من العشرة فسأله عن حديثٍ من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا
стр. 13
أعرفه، فما زال يُلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاريُّ يقول: لا أعرفه.
فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فَهِم الرجل، ومن كان فَهِمَ منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ.
ثم انتدب إليه رجلٌ آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاريُّ: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال:
لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يَزَلْ يُلقي عليه واحداً بعد واحدٍ حتى فرغ من عشرته والبخاريُّ يقول: لا أعرفه.
ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاريُّ لا يزيدهم على لا أعرفه.
فلمَّا عَلِمَ البخاريُّ أنهم قد فَرَغُوا التفت إلى الأول منهم فقال: أمَّا حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة.
فرَدَّ كلَّ متنٍ إلى إسناده، وكُلَّ إسنادٍ إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ردَّ متونَ الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدَها إلى متونها، فأقرَّ الناسُ له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
قال الحافظ ابن حجر (١) : سمعتُ شيخنا - يعني الحافظَ العراقيَّ - غير مرة يقول: ما العجبُ من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لاتِّساع معرفته، وإنما يُتعجب منه في هذا لكونه حَفِظَ موالاة الأحاديث على
стр. 14
الخطأ من مرَّةٍ واحدة.
وقال أيضاً رحمه الله تعالى (١) : وهنا تخضع للبخاري الرقاب، فما العجب من رَدِّه الخطأَ إلى الصواب، بل العجب من حفظه للخطأ القليل الفائدة، على ترتيب ما أَلْقَوْه عليه من مرَّة واحدة.
وأضاف الحافظ السخاوي (٢) : ولا عجب، لأنه في سرعة الحفظ: طويل الباع، وهو إمام النُّقَّاد بلا نِزاع، وحصرُ سيلانِ ذهنه لا يُستطاع.
فإن قيل: كيف ساغ لهم هذا الامتحان العجيب، الذي ارتكبوا بسببه شِبْه الوضع في هذا التقليب، وربما يترتَّبُ عليه تغليطُ المُمْتَحَن، واستمرارُه على روايته، لظنّه أنه صواب، بحيث يُعَدُّ من البلايا والمحن، وقد يسمعُه من لا خبرة له، فيرويه على هذه الصيغة المهملة؟
قلت: لما رأوا فيه من تمام المصلحة، التي منها: معرفةُ رتبة الراوي في الضبط، في ساعة ولمحة.
وأيضاً، ففعلُهم لهذا ينتهي بانتهاء الحاجة، بحيث يزول أثرُه، ونأمن علاجه، وقد فعله غيرُ واحد من الأكابر، المجتهدين في تحقيق السُّنَّة بالألسُن والمحابر.
وما لعلَّه ينتج من مفسدته، فهو دون ما أبديناه من مصلحتِه.
وقال أبو الأزهر (٣) : كان بسمرقند أربعمئة ممَّن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام
стр. 15
في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلَّقُوا منه بسَقْطةٍ لا في الإسناد، ولا في المتن.
ومن هؤلاء الأعلام: الإمام سيد الحُفَّاظ، أبو زُرْعة عُبَيْد الله بن عبد الكريم الرازي (ت٢٦٤?) .
قال أبو إسحاق الجوزجاني (١) : كُنّا عند سُلَيْمان بن عبد الرحمن، فلم يَأْذَنْ لنا أياماً، ثم دخلنا عليه، فقال: بلغني وُرُودُ هذا الغلام، يعني أبا زُرْعة، فدرستُ للالتقاءِ به ثلاثَمئة ألف حديث.
وقال صالح بن محمد جَزَرَة (٢) : سمعتُ أبا زُرْعَة يقولُ: كتبتُ عن إبراهيم ابنِ موسى الرَّازي مئةَ ألفِ حديثٍ، وعن أبي بكر بن أبي شَيْبة مئة ألفٍ. فقلتُ له: بَلَغَني أنَّك تحفَظُ مئةَ ألفِ حديثٍ، تَقْدِرُ أن تُملي عليَّ ألفَ حديثٍ من حفظٍ؟ قال: لا، ولكنْ إذا أُلقيَ عَليَّ عَرَفْتُ.
وقال أبو عبد الله بن مَنْدَه الحافظ: سمعتُ أبا العبَّاس محمد بن جَعْفر بن حَمْكَوَيْه بالرَّي يقول: سُئِل أبو زُرْعة عن رَجُل حَلَف بالطَّلاق: أنَّ أبا زُرْعَة يحفظُ مئتي ألف حديث هَل حَنِثَ؟ فقال: لا. ثم قال أبو زرعة: أحفظُ مئتي ألفِ حديثٍ كما يحفظُ الإنسانُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وفي المُذَاكرة ثلاثَمئةِ ألفِ حديثٍ.
قال الحافظ الذهبي (٣) : هذه حكايةٌ مُرْسَلةٌ، وحكايةُ صالح جَزَرَة أصَحُّ.
وقال الحافظُ أبو أحمد بنُ عَدِي (٤) : سَمعتُ أبي يقولُ: كنتُ بالرَّي، وأنا
стр. 16
غلامٌ في البزازين، فَحَلَف رجل بطلاق امرأته: أنَّ أبا زُرْعة يحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ. فَذَهبَ قومٌ - أنا فيهم - إلى أبي زُرْعة، فسألناه، فقال: ما حَمَلَه على الحلف بالطَّلاق؟ قيلَ: قد جَرى الآن منه ذلك. فقال أبو زُرْعَة: ليُمْسِكْ امرأتَه، فإنَّها لم تطلق عليه. أو كما قال.
وقال أبو عبد الله الحاكم (١) : سمعتُ أبا جَعْفر محمد بن أحمد الرَّازي يقول: سمعتُ محمد بن مُسْلم بن وَارَة قال: كنتُ عند إسْحاق بِنَيْسابور، فقال رَجُلٌ من العِراق: سمعتُ أحمد بن حَنْبل يقول: صَحَّ من الحديث سبعُمئةِ ألفِ حديثٍ وكسرٌ، وهذا الفتى - ̧ يعني أبا زُرْعة - قد حَفِظَ ستَّمئةِ ألفِ حديث.
وقال عُمَر بن محمد بن إسحاق القَطَّان (٢) : سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حَنْبل، سمعتُ أبي يقول: ما جاوزَ الجِسْرَ أحدٌ أفْقهُ من إسحاق بن رَاهَوَيْه، ولا أحفظُ من أبي زُرْعة.
قال ابن عدي (٣) : سمعتُ أبا يَعلى الموْصِلي يقول: ما سمعنا بذكر أحد في الحفْظِ، إلاَّ كانَ اسمُه أكبرَ من رُؤيتِه، إلا أبا زُرْعة الرَّازي، فإنَّ مُشاهدَتَه كانتْ أعظم من اسمِه، وكانَ قد جَمَعَ حفظَ الأبوابِ والشُّيُوخ والتَّفْسير، كتبنا بانتخابه بواسط سِتَّةَ آلاف حديثٍ.
وقال الحاكم (٤) : سمعتُ الفقيه أبا حَامد أحمد بن محمد، سمعتُ أبا العَبَّاس الثَّقفي يقول: لما انصرف قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ إلى الرَّي، سَألُوه أن يُحدِّثَهم،
(١) المصدر السابق ١٠ / ٣٣٢.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٠ / ٣٢٨.
(٣) المصدر السابق ١٠ / ٣٣٤.
(٤) المصدر السابق ١٠ / ٣٣٢.
стр. 17
فامتنع، فقال: أُحدِّثُكم بعد أن حضر مجلسي أحمد، وابنُ مَعِين، وابنُ المديني، وأبو بكر بنُ أبي شَيْبَة، وأبو خيثمة؟ قالوا له: فإن عندنا غُلاماً يَسْرُدُ كلَّ ما حَدَّثْتَ به، مجلساً مجلساً، قمْ يا أبا زُرْعة، قال: فقام، فَسَرَدَ كلَّ ما حدَّث به قُتَيْبة، فحدَّثهم قُتَيْبة.
وممن امتحنه تلاميذه: الحافظ الجليل الناقد أبو جعفر محمد بن عَمْرو بن موسى العُقَيْلي الحِجازي (ت٣٢٢?) .
قال مسلمة بن القاسم (١) : كان العُقَيْليُّ جليلَ القَدْر، عظيمَ الخطر، ما رأيتُ مِثْلَه، وكان كثيرَ التصانيف، فكان مَنْ أتاه من المحدِّثين، قال: اقرأْ من كتابك، ولا يُخرج أصلَه.
قال: فتكلَّمنا في ذلك، وقلنا: إمَّا أن يكون من أحفظ الناس، وإمَّا أن يكون من أكذب الناس. فاجتمعنا فاتَّفقنا على أنْ نكتب له أحاديثَ من روايته، ونَزِيد فيها وننقص.
فأتيناه لنمتحنَه، فقال لي: اقرأْ، فقرأتُها عليه، فلمَّا أتيتُ بالزيادة والنقص، فَطِنَ لذلك، فأَخَذَ مني الكتاب، وأخذ القلم، فأَصْلحها من حِفْظِه، فانصرفنا من عنده، وقد طَابَتْ نفوسُنا، وعلمنا أنه من أحفظ الناس.
стр. 18
٢- التصنيف الموسوعي عند المتقدِّمين والمعاصرين
الحلقة الأولى: كتب الأطراف
...
الحلقة الأولى: كتب الأطراف
لقد أدرك الأئمة منذ اللحظة الأولى ضرورة العمل الموسوعي، وكان هو الباعثَ لوَضْع التصنيف، بشكلٍ أو بآخر، وبهذا تختلف مُصَنَّفاتُ كلِّ فَنٍّ بحَسَبِه.
ولكن كُتُبَ الحديث - وبدرجةٍ أصيلةٍ - تعتمدُ على الإسناد؛ إذْ هو مدارُ القبول والردّ، فوَضَعَ فيه الأئمةُ المتقدِّمون مُصَنَّفاتِهم بهذا الاعتبار، وكانتْ درجةُ كُلِّ مصنَّف تختلفُ باعتبار درجة التوثيق في أسانيدها، ومدى اعتبارِ ذلك في طُرُقِ مروياتهم، فجاءت كُتُبُ الصِّحاح والمسانيد والمعاجم والمشيخات تُحَقِّقُ الأهدافَ الموسوعية، ولكن على نحوٍ غير مباشر.
ولقد كان فَضْلُ السَّبق في التصنيف الموسوعي في الحديث الشريف وبالمفهوم المعاصر، على نحوٍ واضح وملموس، وبنظام مُحْكَم؛ للأئمة الذين جمعوا الأحاديث على طريقة فنّ الأطراف، وذلك في تأصيل لهذا العمل على قواعدَ ثابتة، وهو يتمثَّل في كتبهم التالية:
١ - ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف))
للإمام الحافظ المُتْقِن جمال الدِّين أبي الحجَّاج يوسف بن عبد الرحمن المِزّي (٦٥٤ - ٧٤٢?) .
٢ - ((جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأَقْوَمِ سَنَن)) : للإمام الحافظ عماد الدِّين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (٧٠٠ - ٧٧٤?) .
٣ - إِطْراف المُسْنِد المُعْتَلِي بأَطْراف المُسْنَد الحنبلي)) : للإمام الحافظ شهاب الدِّين أبي الفَضْل أحمد بن علي بن حَجَر العسقلاني (٧٧٣-٨٥٢?) .
٤ - ((إتحاف المَهَرة بالفوائد المُبْتَكَرة من أطراف العَشَرَة)) : للحافظ ابن
стр. 19
حَجَر أيضاً.
٥ - ((ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث)) : للعلاَّمة عبد الغني بن إسماعيل الدمشقي المعروف بالنَّابُلُسِيّ (١٠٥٠-١١٤٣?) .
١- ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف))
للإمام العلامة أبي الحجّاج جمال الدِّين يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزّي (٦٥٤ - ٧٤٢?) .
وهو موسوعة إسنادية ضمن إطارٍ محدودٍ، وهو الكتبُ السِّتة وملحقاتها، وهو لَبِنَةٌ في الهيكل الموسوعي العامّ للسُّنَّة النبوية.
قال مؤلّفه رحمه الله تعالى في المقدمة (١) :
((فإني قد عَزَمْتُ على أنْ أجمعَ في هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى - أطرافَ الكتب الستة التي هي عمدةُ أهلِ الإسلام، وعليها مدارُ عامَّةِ الأحكام، وهي:
١ - ((صحيح)) محمد بن إسماعيل البُخاري (ت٢٥٦?) .
٢ - و ((صحيح)) مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت٢٦١?) .
٣ - و ((سنن)) أبي داود السِّجِسْتاني (ت٢٧٥?) .
٤ - و ((جامع)) أبي عيسى التِّرْمذي (ت٢٧٩?) .
٥ - و ((سنن)) أبي عبد الرحمن النَّسائي (ت٣٠٣?) .
٦ - و ((سنن)) أبي عبد الله بن مَاجَه القَزْويني (ت٢٧٣?) .
وما يجري مجراها من:
((مقدمة)) كتاب مسلم. وكتاب ((المراسيل)) لأبي داود.
стр. 20
وكتاب ((العلل)) للترمذي، وهو الذي في آخر كتاب الجامع له.
وكتاب ((الشمائل)) له. وكتاب ((عمل يوم وليلة)) للنَّسائي.
مُعْتَمِداً في عامّة ذلك على كتاب أبي مسعود الدمشقي (ت٤٠١?) وكتاب خلف الواسطي (ت بعد ٤٠٠?) في أحاديث الصحيحَيْنِ، وعلى كتاب أبي القاسم بن عساكر (ت٥٧١?) في كتب السُّنَن وما تقدّم ذِكْرُه معها.
ورَتَّبْتُه على نحو ترتيب كتاب أبي القاسم، فإنه أَحْسَنُ الكُلِّ ترتيباً، وأَضَفْتُ إلى ذلك بعضَ ما وَقَعَ لي من الزيادات التي أَغْفَلُوها، أو أغْفَلَها بعضُهم، أو لم يَقَعْ له من الأحاديث ومن الكلام عليها، وأصلحتُ ما عثرتُ عليه في ذلك مِنْ وَهمٍ أو غَلَط.
وكان الشُّروعُ فيه يوم عاشوراء سنة ستّ وتسعين وستّمئة، وخُتم في الثالث من ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وسبعمئة)) . انتهى كلام المِزّي.
وقال الحافظ ابن حجر في ((النكت الظراف على الأطراف)) : ((فإنَّ من الكُتُبِ الجليلةِ المُصَنَّفةِ في علوم الحديث كتابَ ((تُحْفَة الأشراف بمعرفة الأطراف)) تأليف شيخ شيوخنا الحافظ أبي الحجّاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المِزّي، وقد حَصَلَ الانتفاعُ به شرقاً وغرباً، وتَنَافَسَ العلماءُ في تحصيله بُعْداً وقُرْباً)) . اهـ.
وقد قسم المؤلِّفُ رحمه الله تعالى جميعَ أحاديثِ الكتب الستة وما يجري مجراها مُسْندِها ومُرْسَلِها - وعددُها ١٩٦٢٦ مع المكررات - إلى ١٣٩١ مُسْنداً، منها ٩٨٦ مُسْنداً منسوباً إلى الصحابة رجالاً ونساء رضوان الله عليهم أجمعين، مُرَتَّباً أسماؤهم على حروف المعجم، عن النبيّ ﷺ .
وباقي المسانيد (٩٨٧ - ١٣٩١) وعددها ٤٠٤ من المراسيل وما
стр. 21
يجري مجراها من أقوال أئمّة التابعين ومن بعدهم ﵃ أجمعين.
هذا هو التقسيم العامّ لأحاديث الكتب الستة، ومنه يُعرف عدد الأحاديث المروية عن كل صحابي على حِدَة، فمنهم من له حديثٌ واحد، ومنهم من له حديثان، فأكثر وأكثر، وهكذا ...
وللمُصنِّف تقسيمٌ آخرُ للمُكثرين من الصحابة، وذلك بأنه يقسم مروياتهم على تراجم جميع من يروي عنهم من التابعين وبعض الصحابة، كُلُّ ذلك على نَسَق حروف المُعْجَم.
وله تقسيمٌ ثالثٌ لمرويات كُلِّ تابعي تحت كُلّ صحابي مُكْثِرٍ إذا كَثُرَت الرواياتُ عن ذلك التابعي، حيث يقسمها على تراجمِ مَنْ يروي عنه من أتباع التابعين.
وإذا وَجَدَ أحداً من هؤلاء الأتباع مَنْ له عِدَّةُ تلاميذ يَرْوُون عنه قسم مروياتِه تقسيماً رابعاً على تراجمِ أتباعِ أتباع التابعين.
وعادةُ المُصَنِّفِ - رحمه الله تعالى - غالباً في ترتيب سياق الروايات تحت كل ترجمة، أنه يُقَدِّمُ ما كَثُرَ عددُ مُخَرِّجيه على ما قَلَّ عددُهم فيه، ولا عبرة بموضوعِ الأحاديث أو لَفْظِها.
فما رواه الجماعةُ الستةُ يَسْبِقُ ما رواه الخمسة، وما رواه الخمسةُ يَسْبِقُ ما رواه الأربعة، وهكذا إلى ما رواه الواحد، ويُراعي في ذلك تقديمَ ما رواه الإمامُ البخاريُّ، وتأخيرَ ما رواه ابنُ مَاجَه.
стр. 22
٢ - ((جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأَقْوَمِ سَنَن))
للإمام الحافظ عماد الدِّين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي
(٧٠٠ - ٧٧٤?) .
وهو عملٌ موسوعيٌّ مَتْنيٌّ وإسناديّ، حَرَصَ فيه مُصَنِّفُه على جَمْعِ كُتُبٍ مُعَيَّنَةٍ على قواعدِ فنِّ الأطراف وقواعدِ جوامع المُتون.
وهو لَبِنَةٌ موسوعيةٌ أُخرى تُتَمِّمُ ((إتحاف المهرة)) باعتبار الأسانيد، كما تُتَمِّمُ ((تحفة الأشراف)) باعتبار الأسانيد والمتون، وإنْ كان يَقْصُرُ أحياناً عن جوامع المتون إذْ لم يُبَيِّن اختلافَ المصادر في ألفاظ متون الحديث كما فعله الحافظُ ابنُ الأثير في ((جامع الأصول)) .
لقد بَيَّنَ الحافظُ ابن كثير رحمه الله تعالى في المقدمة الخِطَّةَ التي مشى عليها في تأليف هذا الكتاب، فقال: (( ... كتابي هذا الذي قد جَمَعْتُه أيضاً من كُتُبِ الإسلام المُعْتَمَدَة، في الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك:
الكتب الستة، وهي: الصحيحانِ البُخاريُّ ومسلم، والسُّنَنُ الأربع لأبي داود والترمذي والنَّسائي وابنِ مَاجَه.
ومن ذلك: مسند الإمام أحمد. ومسند أبي بكر البَزَّار.
ومسند الحافظ أبي يعلى الموصلي. والمعجم الكبير للطبراني. ﵏.
فهذه عشرٌ كاملة. أذكرُ في كتابي هذا مجموع ما في هذه العشرة، وربما زِدْتُ عليها من غيرها وكل ما يخرج من الأحاديث مما يُحتاج إليه في الدِّين.
وهذه الكتب العشرة تشتمل على أَرْبَى من مئة ألف حديث بالمكررة ...
وسَمَّيْتُ كتابي هذا ((جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأَقْوَمِ سَنَن)) ، وهو المسند الكبير، وشرطي فيه أني أُتَرْجِمُ كُلَّ صحابي له روايةٌ عن رسول الله
стр. 23
صلى الله عليه وسلم، مُرَتَّب على حروف المُعْجَم، وأُورِدُ له جميعَ ما وَقَعَ له في الكتب، وما تَيَسَّر لي من غيرها، وبالله أستعين، وعليه أَتَوكَّلُ، وإليه أُنيب)) . اهـ.
لقد اكتمل منهجُ أطرافِ الكتبِ الستةِ ولواحقِها ونضج على يد الحافظ المُتْقِن جمال الدين أبي الحجاج يوسف المِزّي (٦٥٤ - ٧٤٢?) ، واستفادَ علماءُ عصرِه ومَنْ بعدهم من كتابه ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) ، وتنافسوا في تحصيله بُعْداً وقُرْباً، وتناولوه بالدراسة والاختصار والتعقّب.
وقد لازم الحافظُ ابنُ كثير شيخَه الحافظَ المِزّي، واستفادَ منه، وقرأ عليه أكثر تصانيفه، وتَزَوَّجَ بابنته، وكانتْ له عنايةٌ خاصّةٌ بكتاب ((تحفة الأشراف)) ، وكانت له نسخةٌ خاصةٌ منه، وعلى حواشي هذه النسخة تعليقات بخطّ الحافظ المزي تتبّع فيها أشياء كثيرة من كتاب النَّسائي رواية ابن الأحمر، وقد أفردها الحافظ المزي في جُزْءٍ لطيف سمّاه ((لَحْق الأطراف)) (١) .
وقف الحافظ ابن كثير على كتاب ((تحفة الأشراف)) ، واستفادَ منه، وسبر الخطة التي سلكها شيخُه فيه، وكانتْ هي السببَ في نشوء فكرة إعداد كتابه ((جامع المسانيد والسنن)) ، ولكن بشكل أوسع، يجمع فيه الكتبَ الستةَ ولواحقَها التي استوعبها الحافظ المزّي في ((تحفة الأشراف)) ، مع الكتب الأخرى التي ذكرها في المقدمة.
كان للحافظ ابن كثير اهتمامٌ كبيرٌ بمسند الإمام أحمد، وكان -كما قيل- ممن يحفظه عن ظهر قلب، و ((مسند أحمد)) أحد دواوين الإسلام، ولكنه ينقصه معرفة درجة أحاديثه، وهذا يحصل بالربط بينه وبين ((تحفة الأشراف)) ،
стр. 24
وحينئذ تكتمل الفائدة منه بمعرفة الأحاديث التي هي في الكتب الستة، والتنبيه على الأحاديث التي تَفَرَّد الإمام أحمد بروايتها عن الكتب الستة خاصّة.
كان الحافظُ ابنُ المُحِبّ رحمه الله تعالى من قبل ذلك رَتَّب ((مسند أحمد)) على طريقة كتب الأطراف، فأخذه الحافظُ ابنُ كثير وجعله عمدة كتابه
((جامع المسانيد والسنن)) ، وأضاف إليه من شارك الإمام أحمد في رواية الأحاديث من أصحاب الكتبِ الستّةِ ولواحقِها تبعاً لما ورد في ((تحفة الأشراف)) ، فإنْ لم يشاركه أحدٌ أشارَ إلى تفرُّدِ الإمام أحمد برواية هذا الحديث باعتبار الكتب الستة فقط.
ثم أضاف إلى كتابه أحاديث ((المعجم الكبير)) للطبراني، و ((مسند البزّار)) ، و ((مسند أبي يعلى الموصلي)) .
وقد أشار إلى ذلك الحافظُ ابنُ الجَزَرِيّ (١) ، فقال رحمه الله تعالى: ((أمّا ترتيب هذا المسند، فقد أقام اللهُ تعالى لترتيبه شيخنا خاتمةَ الحُفَّاظ الإمامَ الصالح الورع: أبا بكر محمد بن عبد الله بن المُحِبّ الصامت رحمه الله تعالى، فرَتَّبَه على مُعْجَم الصحابة، وَرَتَّبَ الرواةَ كذلك، كترتيب كتاب الأطراف، تَعِبَ فيه تَعَباً كثيراً.
ثم إنَّ شيخنا الإمام مؤرّخ الإسلام، وحافظ الشام عمادَ الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى، أخذ هذا الكتاب المُرَتَّب من مؤلّفه، وأضاف إليه أحاديثَ الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزّار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وأَجْهَدَ نفسَه كثيراً، وتَعِبَ فيه تَعَباً عظيماً، فجاء لا نظيرَ له في العالم، وأَكْمَلَه إلاّ بعضَ مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن
стр. 25
يُكْمِلَه، فإنه عُوجِلَ بكَفّ بصره)) .
شرح خِطّة الحافظ ابن كثير في هذا الكتاب:
يبدأ الحافظ ابن كثير بذكر ترجمة الصحابي ممن له روايةٌ عن رسول الله ﷺ على ترتيب حروف المُعْجَم، ويوردُ فيها نَسَبَه ولقبَه وطرفاً من أخباره، مُعْتَمِداً في ذلك على ما ورد في الكُتُبِ العشرة أو غيرِها من كُتُبِ تراجمِ الصحابة.
ثم يُورِدُ له في ترجمته جميعَ ما وَقَعَ له من أحاديث في ((مسند أحمد)) ، والكتب الستة، و ((المعجم الكبير)) للطبراني، و ((مسند أبي بكر البزّار)) ، و ((مسند أبي يعلى الموصلي)) .
فإنْ لم يكن له حديث في هذه الكتب العشرة أورد له ما ذكره الحافظُ أبو نعيم في كتاب ((معرفة الصحابة)) ، وابنُ الأثير في ((أسد الغابة)) ، والعسكريُّ في الصحابة، وأبو موسى المديني، وابن عبد البَرّ، وعبدان بن محمد المروزي، وغيرهم ممن ألّف في الصحابة.
وقد يوردُ له ما وقع في غير كتب الصحابة مثل ((مسند أبي داود الطيالسي)) و ((العلل)) لابن أبي حاتم، و ((المستدرك)) للحاكم،
و ((المغازي)) للواقدي، و ((المؤتلف والمختلف)) للدارقطني.
فإنْ كان الصحابيُّ مُكْثِراً رَتَّبَ أسماء الرواة عنه أيضاً على حروف المعجم، ويبدأ أولاً بذكر أحاديث ((مسند أحمد)) تبعاً لكتاب ((ترتيب المسند)) لابن المُحِبّ، فإنْ شاركه أحدٌ من أصحاب الكتب الستة ذكره تبعاً لما في كتاب ((تحفة الأشراف)) ، وينقل منه الفوائد والتعقبات التي يوردها شيخه الحافظ المزّي رحمه الله تعالى، مُصَرِّحاً بذلك في بعض المواضع.
стр. 26
فإنْ لم يكن حديث ((مسند أحمد)) في أحد الكتب الستة عقّبه بقوله:
((تَفَرَّدَ به)) ، باعتبار الكتب الستة، لا باعتبار باقي الكتب العشرة التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه (١) .
وقد يورد أحياناً حديثاً تَفَرَّدَ به الإمام أحمد ثم يذكره من طريق أخرى من بقية الكتب العشرة لزيادة فيه (٢) .
ثم يورد في الترجمة باقي الأحاديث المذكورة في ((تحفة الأشراف)) من أحاديث الكتب الستة، والتي لم يَرْوِها الإمام أحمد في ((مسنده)) ، ويضيف إليها الفوائد التي ذكرها شيخه في ((تحفة الأشراف)) .
وقد ينفرد الحافظ ابن كثير فيذكر بعض التعقبات والنقد لبعض الأحاديث من قِبَل نفسه (٣) .
فإن لم يكن الحديث في ((مسند أحمد)) ولا في ((تحفة الأشراف)) أورده من طريق ((المعجم الكبير)) للطبراني.
فإن لم يذكر هذا الحديث في ((مسند أحمد)) و ((تحفة الأشراف))
و ((المعجم الكبير)) ذكره من طريق ((مسند أبي بكر البزّار)) .
فإنْ لم يوجد الحديث في الكتب المتقدمة أورده من طريق ((مسند أبي يعلى الموصلي)) .
هذا هو الغالب في خِطّة الحافظ ابن كثير في تصنيف كتابه، وربما خالف هذه الخِطّة في بعض الأحيان، ولكنه قليل.
стр. 27
فقد ذكر حديثاً وعزاه لابن ماجه والطبراني (١) .
وكذلك عزا حديثاً لابن ماجه والطبراني وأبي يعلى والبزار (٢) .
وعزا حديثاً لأبي يعلى والطبراني (٣) .
وذكر حديثاً من طريق أحمد وأبي داود والنسائي وأبي يعلى (٤) .
عدد أجزاء هذا الكتاب:
طُبع كتاب ((جامع المسانيد والسُّنَن)) في (٣٧) جُزْءاً، وليس كُلُّه من عمل الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، كما هو مذكور على جميع أجزاء الكتاب، بل عَمَلُ الحافظ ابن كثير شمل عشرين جُزْءاً من الكتاب، وهي: من الجزء الأول إلى تمام السادس عشر، والجزء الحادي والعشرين، والسابع والعشرين، والثامن والعشرين، والتاسع والعشرين.
وأمّا باقي أجزاء الكتاب فهي من تصنيف محقّق الكتاب، فكان ينبغي أن يذكر عليها عبارة: ((تكملة جامع المسانيد والسُّنَن)) للدكتور عبد المعطي أمين قلعجي. وهذه الأجزاء المزيدة تشمل المسانيد التالية:
(١٧، ١٨، ١٩، ٢٠) مسانيد الخلفاء الراشدين الأربعة.
(٢٢، ٢٣) باقي مسند أنس بن مالك.
(٢٤، ٢٥) مسند جابر بن عبد الله.
(٢٦) مسند عبد الله بن عَمْرو بن العاص.
(٣٠، ٣١، ٣٢) مسند عبد الله بن عباس.
стр. 28
(٣٣) مسند أبي سعيد الخدري.
(٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧) مسند السيدة عائشة.
وقد بَيَّنَ المحقِّقُ ذلك في ((المقدمة)) (١) ، وهذا لا يُعفيه من الإشارة إلى ذلك في عنوان كُلّ جُزْءٍ من هذه الأجزاء، أداءً للأمانة، لأنَّ القارئ ربما لا يقف على ذلك في المقدمة، فيظنُّ أنَّ الكتابَ كُلَّه من تصنيف الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وليس كذلك (٢) .
ويُلاحظ على عنوان الكتاب أنه وقع فيه خطأ في ضبط لفظ (سَنَن) غير المُعَرَّفة، ولعلّه من قِبَل الطابع، فقد كُتب على غلاف الكتاب هكذا: (سُنن) بضم السين، وهو خطأ، والصوابُ في العنوان كاملاً: ((جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأقوم سَنَن)) ، والله تعالى أعلم.
٣ - ((إطْراف المُسْنِدِ المُعْتَلي بأطْراف المُسْنَد الحنبلي))
للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حَجَر العَسْقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢?) . وهو عمل موسوعي إسنادي أيضاً، مهمّتُه جَمْعُ طُرُقِ الحديث على قواعدِ فَنِّ الأطراف في كتاب مُعَيَّن، وهو لَبِنَةٌ أُخرى في العمل الموسوعي، تُتَمِّمُ عَمَل الحافظِ المِزّي في ((تحفة الأشراف)) ، وقد بلغتْ أحاديثُ هذا الكتاب /١٢٧٨٧/ حديثاً.
وقد بَيَّن الحافظُ منهجَه في كتابه هذا، فقال رحمه الله تعالى في
(١) ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) وانظر بيان المآخذ التي وقع فيها مُحَقِّق هذا الكتاب في كتابي: ((القول المفيد في الذَّبّ عن جامع المسانيد)) ص (٧٥ – ١٦١) .
стр. 29
((المقدمة)) (١) : ((فهذا كتابُ أطرافِ الأحاديث التي اشتَمَلَ عليها ((المُسْنَدُ)) الشهيرُ الكبيرُ للإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل مع زيادات ابنِه عبد الله.
رَتَّبْتُ أسماءَ الصحابة الذين فيه على حروف المُعْجَم، ثم مَنْ عُرِفَ بالكُنْية، ثم المُبْهَم، ثم النساء كذلك.
فإنْ كان الصحابيُّ مُكْثِراً رَتَّبْتُ الرواةَ عنه على حروف المعجم، فإنْ كان بعضُ الرواة مُكْثراً على ذلك المُكْثِر فربما رَتَّبْتُ الرواة عنه أيضاً، أو رتبت أحاديثَه على الألفاظ، وقد أشرتُ في أوائل تراجم الصحابة المقلِّين إلى أماكِنها من الأصل.
وأمّا مَنْ كان مُكْثِراً فإني أرمزُ على اسم شيخ أحمد عدداً بالهندي يُعْلَمُ منه مَحَلُّ ذلك في أيّ جُزْءٍ هو من مُسْنَدِ ذلك الصحابي (٢) .
وإذا كان الحديثُ عنده من طريقٍ واحدةٍ سُقْتُ إسنادَه بحروفه، فإن كان المتنُ قصيراً سُقْتُه أيضاً بحروفه إنْ لم يكن مشهورَ اللفظ، وإلاّ اكتفيتُ بطَرَفهِ.
وإذا كان الحديثُ عنده من طُرُقٍ جَمَعْتُها في مكانٍ واحدٍ بالعَنْعَنة، واللَّفْظُ حينئذٍ لأول شيخٍ يُذكر.
وإذا كان من زيادات عبد الله قلتُ في أول الإسناد: قال عبد الله.
وهذه أسماء المسانيد التي اشْتَمَلَ عليها أصلُ ((المسند)) :
مسند العَشَرة وما معه.
ومسند أهل البيت، وفيه: مسند العبّاس وبَنِيه.
стр. 30
ومسند عبد الله بن عبّاس. ومسند ابن مسعود.
ومسند أبي هريرة. ومسند عبد الله بن عُمر.
ومسند عبد الله بن عَمْرو بن العاص. ومسند أبي سعيد الخُدْري.
ومسند أنس. ومسند جابر.
ومسند الأنصار. ومسند المكيين والمدنيين.
ومسند الكوفيين. ومسند البصريين.
ومسند الشاميين. ومسند عائشة.
ومسند النساء.
وهذه معرفة الرموز التي على الأحاديث، وبها يَتَبَيَّنُ مَنْ شَارَكَ الإمامَ أحمدَ في تخريج ذلك الحديث من الأئمة.
فللبُخاري: خ. ومسلم: م. ولأبي داود: د. وللنَّسائي: س. وللترمذي: ت. ولابن مَاجَهْ: ق. ولابن خُزَيْمة في ((صحيحه)) : خز. ولأبي عَوَانة في ((صحيحه)) : عه. ولابن حِبّان في ((صحيحه)) : حب. وللحاكم في ((مستدركه)) : ك. وللدارقطني في ((سننه)) : قط. وللدارمي في ((جامعه)) : مي.
وما خلا عن رقم فلم يُخرجه أحدٌ من هؤلاء من ذلك الوجه مع احتمال أنْ يكون بعضُهم أخرجه من وجه آخر)) . انتهى كلام الحافظ.
قلتُ: إنما ذكر الحافظ رحمه الله تعالى هذه الرموز المتقدمة في /٣٨/ مُسْنَداً، ولم يُوَفّ بذلك في جميع المسانيد، وقد بَيَّنْتُ أسماءَ المسانيد التي رَمَز لها في مقدمتي لتحقيق هذا الكتاب (١) .
стр. 31
٤ - ((إتحاف المَهَرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة))
للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حَجَر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢?) .
وهو عملٌ موسوعيٌّ إسنادي، أوسعُ دائرةً من ((إطراف المُسْنِد المعتلي بأطراف المُسْنَد الحنبلي)) ، مهمّتُه جَمْعُ طُرُقِ الحديث على قواعدِ فنِّ الأطراف لكُتُبٍ مُعَيَّنة، وهي عشرة كُتُب.
وهو لَبِنَةٌ أخرى في العمل الموسوعي تُتَمّمُ عَمَلَ الحافظ المِزّي.
وقد جَمَعَتْ هذه الموسوعةُ الإسناديةُ أحدَ عَشَرَ مصدراً من كتب السُّنَّة المشرّفة، على طريقة فنّ الأطراف، وهي:
١ - موطأ الإمام مالك بن أنس. ٢ - مسند الإمام الشافعي.
٣ - مسند الإمام أحمد بن حنبل. ٤ - سنن الدارِمي.
٥ - المنتقى لابن الجارود. ٦ - صحيح ابن خُزَيْمة.
٧ - مستخرج أبي عَوَانة. ٨ - شرح معاني الآثار للطحاوي.
٩ - صحيح ابن حِبّان. ١٠ - سنن الدارقطني.
١١ - مستدرك الحاكم.
وإنما زاد العددُ واحداً، لأنَّ الحافظ رحمه الله تعالى أردفها بالسُّنَن للدارقطني جَبْراً لما فات من الوقوف على جميع ((صحيح ابن خُزَيْمة)) .
وقد بَيَّنَ الحافظ ابن حجر في مقدمته (١) أولَ مَنْ صَنَّفَ في فَنّ الأطراف، وسببَ تأليفه هذا الكتاب، والخِطّة التي سلكها فيه، فقال رحمه الله تعالى:
((ثم صَنَّفَ الأئمّةُ في ذلك - أي الأطرافِ - تصانيفَ قَصَدُوا بها ترتيبَ الأحاديثِ وتسهيلها على مَنْ يَرُومُ كيفيةَ مخارجِها.
стр. 32
فمِنْ أول مَنْ صَنَّفَ في ذلك: خَلفٌ الوَاسِطيُّ (ت بعد ٤٠٠?) ، جَمَع أطراف الصحيحين. وأبو مسعود الدِّمشقي (ت ٤٠١?) جَمَعَهما أيضاً، وعصرُهما مُتَقارِب.
وصَنَّفَ الدَّانِيُّ (ت٥٣٢?) أطرافَ الموطأ.
ثم جَمَع أبو الفضل بنُ طاهر (ت ٥٠٧?) أطراف السُّنَن، وهي لأبي داود والنسائي والترمذي وابنِ ماجه، وأضافهما إلى أطراف الصحيحين.
ثم تَتَبَّعَ الحافظُ أبو القاسم بنُ عساكر (ت٥٧١?) أوهامَه في ذلك، وأَفْرَدَ أطراف الأربعة.
ثم جَمَعَ الستةَ أيضاً المُحَدِّثُ قطبُ الدِّين القسطلاني (ت ٦٨٦?) ، ثم الحافظُ أبو الحَجَّاج المِزّي (ت ٧٤٢?) ، وقد كَثُرَ النَّفْعُ به.
ثم إني نَظَرْتُ فيما عندي من المرويات فوجدتُ فيها عِدَّةَ تصانيف قد الْتَزَمَ مُصنِّفوها الصحة، فمنهم مَنْ تَقَيَّدَ بالشيخَيْن كالحاكم، ومنهم من لم يَتَقَيَّدْ كابنِ حِبَّان، والحاجةُ مَاسَّةٌ إلى الاستفادة منها، فَجَمَعْتُ أطرافَها على طريقةِ الحافظ أبي الحَجَّاج المِزّي وترتيبِه، إلا أني أَسُوقُ ألفاظَ الصِّيَغِ في الإسنادِ غالباً لتظهرَ فائدةُ ما يُصَرِّحُ به المُدَلّس. ثم إنْ كان حديثُ التابعي كثيراً رتَّبْتُه على أسماء الرواة عنه غالباً، وكذا الصحابي المتوسط.
وجعلتُ لها رقوماً أُبَيِّنُها:
فللدارمي: مي. ولابن خُزَيْمة: خز، ولم أقف منه إلاّ على رُبع العبادات بكماله ومواضعَ مفرقةٍ من غيره. ولابن الجارود: جا. ولأبي عَوَانة: عه. ولابن حِبّان: حب. وللحاكم أبي عبد الله في ((المستدرك)) : كم.
ثم أضفتُ إلى هذه الكُتُبِ الستةِ أربعةَ كُتُبٍ أخرى، وهي: ((الموطأ))
стр. 33
لمالك، و ((المسند)) للشافعي، و ((المسند)) للإمام أحمد، و ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي؛ لأني لم أَجِدْ عن أبي حنيفة مُسْنَداً يُعْتَمَدُ عليه.
فلمّا صارتْ هذه عشرةً كاملةً أردفتُها بـ ((السُّنَن)) للدارقطني جَبْراً لما فَاتَ من الوقوف على جميع ((صحيح)) ابن خُزَيْمة.
وجعلتُ للطحاوي: طح. وللدارقطني: قط.
فإنْ أخرجه الثلاثةُ الأُوَلُ أفصحتُ بذِكْرِهم، أعني: مالكاً، والشافعيَّ، وأحمد.
وهذه المُصَنَّفاتُ قَلَّ أنْ يشذَّ عنها شيءٌ من الأحاديث الصحيحة لا سيّما في الأحكام إذا ضُمَّ إليها أطراف المِزِّي)) . انتهى كلام الحافظ ﵀.
ثم إنَّ الحافظ أيضاً لم يقتصر على المصادر العشرة التي ذكرها في مقدمة
((الإتحاف)) والتزم بها، فكثيراً ما ينقل عن غيرها مِثْل:
١ - ((الأدب المفرد)) للبخاري (ت ٢٥٦?) .
٢ - ((روضة العقلاء)) و ((كتاب الصلاة)) كلاهما لابن حِبّان
(ت ٣٥٤?) .
٣ - ((المعاجم الثلاثة)) و ((الدعاء)) كلها للطبراني (ت ٣٦٠?) .
٤ - ((تهذيب الآثار)) للطبري (ت ٣١٠?) .
٥ - ((فضل العلم)) لابن عبد البَرّ (ت ٤٦٣?) .
٦ - ((فضائل القرآن)) لأبي عُبَيْد (ت ٢٢٤?) .
٧ - ((مسند البزّار)) (ت ٢٩٢?) .
٨ - ((مسند الحارث بن أبي أسامة)) (ت ٢٨٢?) .
٩ - كتاب ((السياسة)) وكتاب ((التوكل)) كلاهما لابن خُزَيْمة
стр. 34
(ت ٣١١?) .
١٠ - ((شعب الإيمان)) و ((السنن الكبرى)) كلاهما للبيهقي
(ت ٤٥٨?) .
١١ - ((مسند إسحاق بن راهُويه)) (ت ٢٣٨?) .
١٢ - ((مصنّف ابن أبي شيبة)) (ت ٢٣٥?) .
١٣ - ((مسند أبي يعلى الموصلي)) (ت ٣٠٧?) .
كما بينت ذلك في مقدمتي لإتحاف المهرة (١) .
٥ - كتاب ((ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث))
للعلامة عبد الغني بن إسماعيل الدمشقي المعروف بالنَّابُلُسِيّ
(١٠٥٠-١١٤٣?) .
جَمَع فيه أطراف الكتب الستة والموطأ، على طريقة الفهرست، لمعرفة موضع كُلّ حديثٍ منها، ومكان كل رواية مأثورة.
وقد تبع في تأليفه مَنْ تَقَدَّمَه من الأئمّة الذين صنّفوا في فنّ الأطراف، ولكنْ على وجه الاختصار، من غير إخلالٍ ولا إملالٍ ولا إكثار، فقد اتَّصَفَ عملُ الأئمة من قبل بالجمع الموسوعي، من حيث إيرادُ الأسانيد والمتون، مع الإكثار من ذِكْر الوسائط فيما بعد الصحابي من الرواة، بحيث مَنْ أراد استخراج حديثٍ منها فلا بُدَّ من معرفة صحابيِّه وتابعيه وتابعِ تابعيه وما بعد ذلك، وفي ذلك مشقة وعُسْر على كثيرٍ من الباحثين.
لقد لحظ الإمام النابلسي ذلك، فصنَّف كتابه ((ذخائر المواريث)) مع حذف الوسائط والتكرار، والاقتصار على الرواية المُصَرَّح بها دون المرموزة،
стр. 35
والاكتفاء بذِكْر مشايخ أصحاب الكتب السبعة، لأنَّ حذفَ الأسانيدِ والتزامَ جَمْع أحاديثه المتكررة ورواياته المتفرقة في موضعٍ واحد، مع التنبيه على مواضعها؛ من الاختصار النافع، فإنَّ في جَمْعِ رواياته فوائدَ عديدة، مما يُفيد العالِم سهولة الاستنباط، ويكفيه مُؤْنة البحث الشديد ليعمل بالاحتياط.
وهذه الفوائد ليست في كتب الأطراف التي وضعها الحفاظ، كأطراف ابن عساكر والمِزِّي وابن حجر وغيرهم.
أمّا أولاً: فلأنها لا يستفيد منها إلا الحافظُ الكبيرُ الذي يحفظ مئين الألوف من متون الأحاديث، بِشَرْطِ أن يكون حافظاً لأسماءِ الصحابة الذين رَوَوْها، وأسماءِ التابعين الذين أخذوها منهم. فإذا كان كذلك سَهُلَ عليه البحثُ في الأطراف للاطّلاع على جميع الطُّرُق لذلك الحديث.
وأمّا ثانياً: فلأنها غيرُ مُرَتَّبَةٍ على الأبواب المعروفة، وإنما هي مُرَتَّبَةٌ على حروف المُعْجَم في أسماء الصحابة، فلا يستفيدُ منها إلاّ مَنْ يعرف اسمَ الصحابي الذي رواه.
وبالجملة ففائدتُها قليلةٌ جدّاً لمن هو بصدد العمل واستنباط الحكم، واستخراج الفقه الذي هو المقصود من كتب الحديث وتدوينها وجَمْعها على اختلاف أنواعها، إذِ القصدُ من كُتُب الأطراف إنما هو جَمْعُ طُرُقِ الحديث، ومعرفةُ تَشَعُّبِ الرواة في الأسانيد من الصحابة إلى الحُفَّاظ.
وأمّا القصدُ بهذا التأليف فهو جَمْعُ الأحاديث والروايات في موضعٍ واحد، مع المحافظة على ذِكْر أسماء مشايخ الكتب السبعة التي التزمها المصنِّف، والتزام عَزْوِها إلى أبوابها.
ولا شكَّ أنَّ هذه الطريقة هي الغرضُ الذي حام حوله جماعةٌ من
стр. 36
الحُفَّاظ، والمعنى الذي كانوا يُشِيْرُون إليه بمختلف الألفاظ.
وبالجملة فإنَّ هذا المؤلَّف قد دَلَّ لمؤلِّفه على حفظٍ باهرٍ للسُّنَّة النبوية، ورسوخِ ملكةٍ في استحضار الأحاديث المروية , ولا غَرْوَ فهو سليلُ أسرةٍ معروفةٍ بالعلم والصلاح والتقوى، أنجبتْ علماء وأدباء مرموقين.
وقد قامت جمعية النشر والتأليف الأزهرية بالقاهرة سنة ١٣٥٢هـ بنشر كتاب ((ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث)) ، بعد طول بحث وتنقيب عن كتب الأطراف، وذلك بهمّة الأستاذ المحدّث الشيخ أحمد محمد شاكر الذي أحضر نسخته الفريدة من الحجاز.
خِطّة العلامة النَّابُلُسي في كتابه ((ذخائر المواريث)) :
بَيَّن العلامة النابلسي في المقدمة الخطَّةَ التي سلكها في تصنيف كتابه والطريقةَ التي مشى عليها في ترتيبه، فقال رحمه الله تعالى:
ولكني اقتصرت على:
بيان الرواية المُصَرَّح بها دون المرموزة.
ولم أذكر من الأسانيد غيرَ مشايخ أصحاب الكُتُب على طريقةٍ وجيزة.
واقتصرتُ على ذِكر الصحابة الأولين، وتركتُ ذِكرَ الوسائط كُلِّها من التابعين وتابعي التابعين.
ولم أُكَرِّرْ رواية، بل وضَعْتُ كُلَّ شيءٍ في موضعه بدايةً ونهاية.
وزِدْتُ أطرافَ رواياتِ ((الموطأ)) للإمام مالك، من رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي فإنها المشهورة بين الممالك.
وجعلتُ مكانَ ((سنن الإمام النسائي الكبرى)) ، حيث قلَّ وجودُها في هذه الأعصار، ((سُنَنَه الصغرى)) المُسَماةَ بـ ((المُجْتَبَى من سُنَن النبيّ المختار)) .
стр. 37
وقد اعتبرتُ المعنى أو بعضه دون اللفظ في جَمْع الروايات، بحيث تذكر الرواية من الحديث ويُشَارُ برموز الحروف إلى ما يوافقُها في المعنى دون الكلمات. فعلى الطالب أنْ يعتبرَ في مطلوبه المعاني، وهذا أمرٌ واضحٌ عند مَنْ يَتدَاوَلُ كُتُبَ الأطراف ولها يُعاني.
وإنْ رُوي الحديثُ الواحدُ عن جملةٍ من الصحابة، ذكرتُ أسماءهم في محلٍّ واحد، أذكرُ ذلك في مسند واحدٍ منهم، اكتفاءً بحُصولِ المقصود والإصابة.
وإذا أردتَ الاستخراج منه فتأمَّلْ في معنى الحديث الذي تريده في أيّ شيءٍ هو، ولا تعْتَبِر خصوصَ ألفاظه، ثم تَأَمَّلْ الصحابيَّ الذي عنه روايةُ ذلك الحديث، فقد يكون في السَّنَد: عن عُمَرَ أو أنسٍ مثلاً، والروايةُ عن صحابيٍّ آخرَ مذكورٍ في ذلك الحديث، فصَحِّح الصحابي المَرْوِي عنه، ثم اكشف عنه في مَحَلِّه تجدْه إن شاء الله تعالى.
ورمزتُ للكُتُب السبعة بالحروف هكذا:
(خ) لصحيح البخاري. (م) لصحيح مسلم.
(د) لسنن أبي داود السِّجِسْتاني. (ت) لسنن الترمذي.
(س) لسنن النسائي. (?) لسنن ابن مَاجه.
(ط) لموطأ الإمام مالك.
وَرتَّبْتُه على سبعة أبواب، كلُّ باب منها مرَتَّب ما فيه على ترتيب حروف المعجم، تسهيلاً للاستخراج منه على أُولي الألباب:
(الباب الأول) : في مسانيد الرجال، من الصحابة أهل الكمال.
(الباب الثاني) : في مسانيد من اشتهر منهم بالكُنية.
стр. 38
(الباب الثالث) : في مسانيد المبهمين من الرجال، على حسب ما ذكر فيهم من الأقوال.
(الباب الرابع) : في مسانيد النساء من الصحابيات.
(الباب الخامس) : في مسانيد من اشتهر منهن بالكُنية.
(الباب السادس) : في مسانيد المبهمات من النساء الصحابيات.
(الباب السابع) : في ذكر المراسيل من الأحاديث.
وفي آخره ثلاثة فصول: في الكنى، وفي المبهمين، وفي مراسيل النساء.
وهذا الكتاب لا يمكن اعتباره في العمل الموسوعي عند الإطلاق لخلوّه من الإسناد الذي هو شرطٌ أساسيٌّ في العمل الموسوعي في الحديث الشريف؛ إذْ به يمكن معرفة درجة الحديث من حيث القبولُ أو الردّ.
стр. 39
الحلقة الثانية: كتب جمع المتون
وهي كتب غير مسندة، جمع فيها الأئمة أحاديث كتب مخصوصة، مرتبة على المسانيد، أو على الكتب والأبواب، أو على حروف المعجم.
ولا يمكن عدُّ هذه الكتب في العمل الموسوعي، عند الإطلاق، لعدم اشتمالها على أسانيد الأحاديث المذكورة، إذ الإسنادُ شرطٌ أساسيٌّ في العمل الموسوعي في الحديث النبوي الشريف، وعليه مدار الحكم على هذه الأحاديث من حيث القبولُ أو الردّ.
وإنما يمكن التعامل مع هذه الكتب غير المسندة في العمل الموسوعي، بكيفية متنية قاصرة، ولاسيما أن أكثر هذه المصنَّفات قد اشتملت على كتبٍ هي فروعٌ عن أصول ميسَّرة.
ومن أهمّ الكتب المصنَّفة في جمع متون الأحاديث النبوية:
١ - ((الجمع بين الصحيحين)) : للإمام المحدِّث محمد بن فُتُوح الحُمَيْدي (ت ٤٨٨?) .
٢ - ((جامع الأُصول في أحاديث الرسول ﷺ ) : للإمام أبي السعادات مبارك بن محمد ابن الأثير الجزري (٥٤٤ - ٦٠٦?) .
٣ - ((الجامع الصغير من حديث البشير النذير ﷺ ) : للإمام الحافظ المؤرّخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيُوطي (٨٤٩ - ٩١١?) .
٤ - ((جَمْع الجوامع)) أو ((الجامع الكبير)) : وهو للحافظ السيوطي أيضاً.
٥ - ((منهج العمال)) و ((الإكمال)) و ((غاية العمال)) و ((كنْز العمال)) : للشيخ علاء الدِّين علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت ٩٧٥?) .
стр. 40
١ - ((الجمع بين الصحيحين))
للإمام المحدِّث محمد بن فُتُوح الحُمَيْدي (ت ٤٨٨?) .
سعى الحافظ الحُمَيْدي إلى جمع أحاديث صحيحي البخاري ومسلم في كتابٍ واحد، مرتَّب على المسانيد، بحيث يجمع أحاديث كلِّ صحابي من
((الصحيحين)) في موضع واحد.
وقد قسم المؤلف الكتاب إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: مسانيد العشرة المبشّرين بالجنة، بدأه بمسند أبي بكر الصِّدّيق، ثم الخلفاء الثلاثة بعده، ثم سائر العشرة رضوان الله عليهم وعلى الصحابة أجمعين.
القسم الثاني: مسانيد المقدَّمين بعد العشرة، بدأه بمسند عبد الله بن مسعود، وختمه بمسند سلمة بن الأكوع، وعددُ الصحابة في هذا القسم أربعةٌ وستون.
القسم الثالث: مسانيد المكثرين من الصحابة، وهم ستة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عُمر، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخُدْري، وأنس بن مالك، وأبو هريرة. وهذا هو القسم الأكبر من الكتاب، وفيه ما يقرب من (١٧٩٧) حديثاً من مجموع أحاديث الكتاب وعددها (٣٥٧٤) حديثاً.
القسم الرابع: مسانيد المقلّين، وفيه واحد وأربعون مسنداً. وفي آخر هذا القسم ذكر مسانيد الصحابة الذين أخرج لهم البخاريُّ دون مسلم، وهم خمسة وثلاثون، ثم الذين أخرج لهم مسلم دون البخاري، وعددهم خمسة وخمسون.
القسم الخامس: مسانيد النساء، بدأه بمسند السيدة عائشة أم المؤمنين، ثم