← Акыда

Акыда · id 858

شرح منظومة الإيمان

عصام البشير المراكشي

Полный текст (213 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرحُ منظومة الإيمان المسماة: "قلائد العقيان بنظم مسائل الإيمان" كلاهما: لأبي محمد عصام البشير المراكشي شكر وتحية: إلى والدَيَّ الكريمين الذين ربياني على معاني الإيمان الراسخة... إلى أمِّ عطية التي ساعدتني كثيرا في إعداد هذا الكتاب... إلى أبي الفاروق الذي تابع المشروع من أوله، وله علي أفضال كثيرة... إلى شيخي أبي الفضل الذي شجعني كثيرا على إتمام الكتاب، ثم قام بمراجعته والتقديم له... إلى أهل التوحيد في كل مكان... مقدمة بقلم الشيخ أبي الفضل عمر بن مسعود الحدوشي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ . وبعد: فقد سعدت منذ سنوات بمعرفة نخبة من طلبة العلم أذلال عائض وسلمان وسفر في تأجج نهيتهم، وتوقد حجاهم، وحصافة رأيهم، وفسيح خيالهم، وخصب عطائهم، وجسارة عقلهم، وشجاعة قلبهم، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله. منحهم الله نبراس النبوغ، ومصباح الإرهاف الحسي، واليراع السيال، والحكمة البليغة، والتأمل والتدبر والإمعان والإنعام في آي رب الأنام، يحلون فيها كل غامض، ويفتحون كل مغلق، ويفسرون كل معجم، ويبينون كل مجمل، ويوضحون كل مبهم، ويقيدون كل مطلق، ويخصصون كل عموم، ويميزون الناسخ من المنسوخ، ويوضحون كل ظاهر، ويحذرون من زغل العلوم، ومن اللمة والشرذمة الضالة المضلة، وينيرون الذاكرة النقية، ويغسلون الضمائر من أوضار وأضرار البدع والمحدثات، ويطهرون الأنوطة من أدران الشرك، وينظفون الفؤاد من أخباث النفاق، ويصقلون الصدور من أوساخ الإلحاد، يدبجون في (دفاترهم) (١)

стр. 2

كل ما يمر بهم من الشوارد والفوائد والفرائد (١) ، وما تجود به أرْيَحِيَّتهم النقية، وبذُرْعة وواسطة حرصهم وسهرهم أدركوا ونضجوا وأينعوا، وترفرفت عليهم ألوية الحكمة العميقة الجذور، والمترعرعة الأفنان، وتعلموا وعلِموا وعلّموا، واستنبطوا بقريحتهم الجياشة بحوثا وأحكاما زاملهم فيها مبين النصر والنجاح والفلاح، واستخذى وتطامن وقنب وبخع وخضع لهم اليراع، وعرجوا الفوائد في الأوراق رقما، وأصحت نَحِيزتهم وشنشنتهم (٢) ونحيتهم الغوص في بطون الأمات (٣) الست وأذلالها. رأيتهم قد أتوا فهوما وعلوما وذكاء وزكاء، وتصدروا بعد أن تأهلوا، وتزببوا بعد أن تحصرموا، لسانهم سئول وقلبهم عقول، وبدنهم غير ملول، يجيدون حسن السؤال، (يسألون تفقها لا تعنتا) . ويجيدون حسن الإنصات والاستماع، وحسن الفهم والحفظ، والعمل ومراعاة الحدود، وحسن التعليم، فلا يضغطون على عكد اللسان والشفتين إلا ليعبروا عن غيرتهم الدينية المضمرة في النياط، فأحببتهم في أول لقاء ووقتئذ رمقت فيهم شابا عاقلا سئولا يدعى (أبو محمد البشير عصام المراكشي) . رأيته مطلقا طلقا، سهل المرام، قريب المتناول مباح الحمى، إن قورع قرع، وإن جوري جرى، يبتسم بحساب، ويضحك بحساب، ويأكل بحساب، ويشرب بحساب، ويعمل بحساب، وينام بحساب، ويجلس مع الأصدقاء بحساب، ويتكلم بحساب، ويسأل بلا حساب، ويقرأ بلا حساب، همته عالية، (يعشق) الشدائد

стр. 3

والصعاب والتعب في طلب العلم، وكأني به ولسان حاله يقول: (لا راحة بدون تعب، ولا تيجان بدون أشواك، ولا عروش بدون مسئوليات جسام، ولا حصاد بدون زرع، ولا سبق بدون مباراة، ولا لذة بدون ألم، ولا نصر بدون كفاح) . وكأني به أيضا يقول: (من عرف ما قصد هان عليه ما وجد) ، ويقول: (لتكن الشدائد سُلّما أرتقي به إلى ذرا المجد ... وليس مثل المشقة مربٍّ للأفراد والأمم ... والإنسان في حياته لا يقوى خلقه، وتعظم ثقته بنفسه، وتزداد قوة احتماله وجلده، إلا بمواجهة الصعاب والشدائد. وعرف أن: (دماغ الكسلان، معمل الشيطان) ، أو: (قلب الكسلان، مركب الشيطان) . كما في المثل (الانجليزي) المشهور. فطريق الصعاب يوصل إلى غاية الغايات، لأن: ... من طلب العلا من غير كد ... ... ... أضاع العمر في طلب المحال على قدر المشقة (١) تكون الفائدة والثمرة، وعلى قدر اختيار الكلام وتأليفه يكون الفلاح والنجاح، (واختيار الكلام أصعب من تأليفه وقديما قيل: (اختيار الرجل وافد عقله) . فأخونا الشيخ البشير يكتب أحسن ما يسمع، ويحفظ أحسن ما يكتب، ويتحدث بأحسن ما يحفظ وكأن يحيى بن خالد عناه حين قال: (الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون) ، وقديما قيل: ... قد عرفناك باختيارك إذ كا ... ... ن دليلا على اللبيب اختياره

стр. 4

وهو يأخذ من العلم أحسنه. قال ابن سيرين: (العلم أكثر من أن يحاط به فخذ من كل شيء أحسنه، وفيما بين ذلك سقطات الرأي وزلل القول، ولكل عالم هفوة، ولكل صارم نبوة) (١) . لأن (عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم) (٢) . فأخونا الشيخ البشير - بارك الله فيه وفي جهوده - لما رأى العقيدة أصبحت - في عصرنا - كقوس قزح، حيث تجمعت حولها الغيوم الإرجائية، واكتنف بها ظلام الخارجية، نشطت نفسه في نظم قصيدة في أذلال قصيدة (الكافية الشافية) لابن القيم، استفرغ فيها غايته، وبذل جهده في إظهار العقيدة الصحيحة في مسمى الإيمان والكفر، فأضاف إلى مكتبتنا الإسلامية - في جانب العقيدة - سفرا نفيسا (٣) يحتاج إليها الأكابر من فرسان المحابر بله طلبة العلم الصغار، وقديما قيل: (كم من صغير احتاج إليه الأكابر) . وأنا أقول: (كم من كبير احتاج إليه الأكابر) .

стр. 5

هذا، وقد طلب مني أخي الشيخ البشير قراءة ومراجعة هذه الرسالة لأقول فيها رأيي - وأنا لست بتلك الدرجة التي ظنها أخونا - ونزولا عند رغبة أخينا قرأتها كلها (١) - رغم ضيق وقتي وكثرة الشواغل والصوارف - بتدبر وإمعان بل وإنعام النظر، فوجدت اسمها مطابقا لمسماها. وجدتها رسالة مفيدة نافعة جامعة مانعة، فريدة في بابها تصلح أن تكون في مكتبة كل مسلم ومسلمة، فشكر الله لأخينا الشيخ البشير عمله وسدد قلمه لنقد الآراء الباطلة، ولبيان الأخطاء الفاحشة، وليجتنب التعرض للأشخاص دون ما منفعة، وللنوايا والبواطن، وليعدل مع المخالف وينصفه، ولا يحكم عليه قبل أن يقيم عليه الحجة، ويبين له المحجة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة) . (ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك بالشك) . ولا سيما إن كان الخطأ في بعض المسائل الدقيقة في العقيدة فهي لا توجب التضليل والتبديع بله التكفير، فإذا لا بد من التبين والتثبت والتوثيق بالرجوع إلى كتبه إن كان ميتا، والاتصال به إن كان حيا، قبل إصدار الأحكام واتخاذ المواقف، ولا بد من لزوم حمل الكلام على أحسن محامله، ما دام يحتمل ذلك، ومن إحسان الظن بالمسلمين، ولا بد أن نعلم بأن المسلم يوزن بحسناته وسيئاته، والعبرة بكثرة الصواب والمحاسن، ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله. ... وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... ... ... جاءت محاسنه بألف شفيع

стр. 6

قال محمد بن عبد الوهاب: (فإذا تحققتم الخطأ بينتموه، ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مائة أو مائتين أخطأت فيهن، فإني لا أدعي العصمة) . قال ابن القيم: (فالأعمال تشفع لصاحبها عند الله، ولهذا من رجحت حسناته على سيئاته أفلح، ولم يعذب ووهبت له سيئاته لأجل حسناته) (١) . ولازم القول ليس قولا.. وعدم الإلزام لما لا يلزم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إن كان أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبا) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (والتحقيق أن الذي يدل عليه الدليل، أن لازم المذهب الذي لم يصرح به صاحبه، ولم يشر إليه، ولم يلتزمه ليس مذهبا، لأن القائل غير معصوم، وعلم المخلوق مهما بلغ فإنه قاصر، فبأي برهان تلزم القائل ما لم يلتزمه وتقوله ما لم يقل) . وأستسمح عن الإطالة الزائدة فما قاله الشيخ الفاضل في هذه الرسالة يشفي ويكفي فدونكم الرسالة عضوا عليها بالنواجذ. وكتبه أخوه أبو الفضل عمر بن مسعود الحدوشي في تطوان يوم السبت (٢٤/جمادى الثانية/١٤٢١ ٢٣/٩/٢٠٠٠) . المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ . - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ -

стр. 7

- يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا - - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (-) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا - أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ... فإن الناظرَ في حال أمتنا في هذه الأعصار، يتعجب من الفتن المتلاحقة التي عَمَّت البلاد والعباد، وغشِيت القلوب والأجسام، فتفتَّتت من حرِّها أكبادٌ ومهج، وتشتتت في دهاليزها أذهان وعقول، كان حَرِيًّا بها أن تكون شُموسا للمعارف يهتدي في ضوئها السالكون، وأقمارا للعلوم تشُق صفائحُ أنوارها حَنادسَ ظلام الجهل والضلال. ... فشريعة الحكيم الخبير محفوظة في أحشاء الدفاتر، وفوق خدود الطروس، لكن قوانين الغاب الجاهلية، وبُرايَة أذهان الكفرة هي المحَكَّمة في الأموال والفروج والنفوس. ... والمساجد وحلق العلم – إن وجدت – ومجالس الذكر- إن عقدت – تضِجُّ بالشكوى إلى بارئها مما يعاملها به المسلمون من الصد والهجران، بينما تعُج أماكن اللهو والخلاعة بالمرتادين، وتكتظ دور الفسق والفجور ومحادةِ الله ورسوله بالزائرين، حتى إنها لتشكو من الزحام وكثرة الوصال. ... والزوايا والتكايا والمواسمُ الشركية والأعياد الوثنية تُخرج كل يوم طوابيرَ متلاطمةً من الجهلة والمبتدعة وسَدَنة القبور وحُجَّاب الطواغيت الجاهلية.

стр. 8

.. ووسائل الإعلام العميلة – في الداخل والخارج – تقدم لشباب الأمة المنقطعين عن جذورهم، أطباقا شهية – وحفت النار بالشهوات كما قال المصطفى ﷺ – تلبي نداء غرائزهم، وتستحِثُّ شهواتهم من مكامنها، ثم تدُس لهم في تلك الأطباق سما زعافا من الإلحاد والعلمانية واللادينية. » ... فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينَه بعرض من الدنياَ « (١) . ... وأشد من هذه الفتن كلها، أن الأمة تتخبط في دَيجور من الجهل – بسيطِه ومركَّبِه – تتراءى في جَنَباتِه أنوارٌ خافتة لا تكاد تلمع حتى تخبوَ مرة أخرى. جهل بدينها، وجهل بتاريخها، وجهل بأسباب قوتها، وجهل بالمؤامرات التي تحاك لها ليلا ونهارا!! ... أليس عجبا أن تكون الأمةُ المحمدية التي خاطبها رب العزة جل ثناؤه بقوله: - كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ -، قد وصل بها الحال إلى هذا التشرذم والضياع؟! ... ثم إن هذا العجب سرعان ما يتحول إلى حسرةٍ تقض المضاجع، وألمٍ يملأ الجفونَ دمعا ساخنا، عندما تكتشف أن القائمين على إيقاظ الأمة من سُباتها، والمكلفين بإحياء القلوب والهمم، يتخبطون هم أنفسُهم في أنواع من البدع والجهالات – إلا من رحم الله. ... فهذه طائفة كبرى منتسبة إلى هذه " الصحوة الإسلامية " الواعدةِ، لا تلقي للعقيدة بالا، بل همُّها توحيد الكلمة ولو على غير كلمة التوحيد. مستعدة في تحركها إلى أن تتنازل عن أصول مقدساتها إرضاءً للجماهير. متميعةٌ في ولائها وبرائها، متلطخةٌ بأدران الديموقراطية الكفرية، متشبعة حتى النخاع بنتاجات الحضارة الغربية الملحدة.

стр. 9

.. وهذه نابتةٌ غريبة، هَجينة الأصول، متذبذبة المنهج والطريق، غامضة الغايات والأهداف، تنتسب إلى السلف، والسلفُ منها براء. همها التجريح والقدح في الآخرين، مع كونها مستكينةً إلى جبرية عقدية وسياسية بغيضة، ومتشبتةً بأذيال إرجاء عصري لقيط، صنعته بيدها ولم تستطع التخلص منه. ... وهذه فرقة شاذة صغيرة – لكن يخشى أن تتطور وتنتشر – تنسُج على منوال الخوارج، فتُكَفِّر المجتمعات وتهجرها، وتشترط شروطا طويلة لإثبات الإسلام الحكمي، ابتدعوها من أهوائهم، واصطلى المسلمون بنارها. ... أضف إلى هؤلاء كلهم، شراذم من أصحاب العقيدة الأشعرية، والسلوك الصوفي، ما زالوا يعيشون على ذكريات الماضي، وأمجاد التاريخ! ... طيف الظل من الفرق والتيارات والأهواء! ! ... فإن أظلمتْ عليك الصورة يا أخي، وتساءلت في حرقة وأسى:» فأين الحق بين هذه الظلمات التي بعضها فوق بعض؟! «، فجوابُك في حديث رسول الله ﷺ : » لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك « (١) ، ... فإن قلت: فأين هي في هذا الزمان؟ أجبتك: مَنْ تأمل بعين البصيرة وجدَ ما يُؤَمِّله، ومن انتكست فطرتُه لم تُؤْمن في وهَج الشمسِ عثرتُه: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... ... وينكر الفم طعم الماء من سقم وإن أعظم ما يميز هذه الطائفة عن غيرها، أنها متمسكة بعقيدة سنية سليمة، ومتحركة وفق منهج فكري قويم، يأخذ الإسلام بشموله فلا يغفل منه شيئا. ... وإن من أهم أركان هذه العقيدة: مسائل الإيمان والكفر. وهي التي تسمى كذلك مسائل الأسماء والأحكام، وذلك لأنها أسماءٌ ذات حقيقة شرعية كالإيمان والكفر والظلم والفسق وغيرها، عُلِّقَت عليها أحكامٌ شرعية متعددة في الدنيا والآخرة.

стр. 10

.. فالإيمان أنيط به الولاءُ والمحبة في الدنيا، وتكفل الله لأهله في الدنيا بالعزة وعدم الهوان، ووعدهم في الآخرة بالجنة والفلاح والرضوان. وأما الكفر فقد علق عليه البراء والبغض من المؤمنين، وأحكام الجهاد والقتال، وأوعد الله أهله في الآخرة بالنار والبَوار والخسران. ... وعلى أهمية هذا الموضوع وخطورة ما يُبنى عليه من الأحكام، فإن كثيرا من المنتسبين إلى العلم مرتبكون في مسائله، متخَبِّطون في قضاياه تخبُّطا عجيبا. وأشد الناس غلطا فيه قوم من المرجئة العصريين متلبسون بخليط من البدع والتناقضات في هذا الباب، مع أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ... ومن هنا كانت الحاجة متأكدة إلى جمع شتات هذا الموضوع وتقديمه إلى شباب " الصحوة "، وطلبة العلم، والدعاة إلى الله، بأسلوب ميسر، ووفق منهج علمي متناسق. ... ولقد طالما تمنيت أن أجد متنا من متون العقائد، جامعا لمسائل الإيمان، ميسَّرا لمن رغب في حفظه، أو أراد تدريسه وتعليمه للمبتدئين، مع كونه موافقا لروح العصر، معبِّرا عن التطبيقات الواقعية لهذه المسائل. لكنني لم أجد بغيتي إلى هذا الحين. ... لذلك استعنت الله في تأليف هذه» المنظومة الإيمانية «، التي حاولت أن أجمع فيها أهم مسائل الإيمان، وأغفلت ما ليس ذا فائدة مما كثر حوله الجدال العقيم. وضمنت ذلك في مائة بيت – غير المقدمة والخاتمة – من بحر الرجز، وسميتها: "قلائد العِقْيان من مسائل الإيمان". ... ثم لما رأيت أن النفع بها لا يتم إلا بشرحٍ يحُل ألفاظها، ويقيد مطلقها، ويخصص عمومها، ويوضح مقاصدها، شرعت – مستعينا بالرب جل ثناؤه – في هذا الشرح الذي قد أتوسع فيه في بعض المواضع، فأخرج عن المذكور في المنظومة، دون أن أهجر لب الموضوع، إذ ليست المنظومةُ مقصودةً لذاتها، ولكن المقصود هو فهم هذه المسائل والإحاطة بعلمها. ... وقد قسمت الشرح - تبعا للمنظومة - إلى الأبواب والفصول التالية: شرح خطبة المتن.

стр. 11

الباب الأول في حقيقة الإيمان، ويتضمن الفصول التالية الفصل الأول: تعريف الإيمان لغة. - الفصل الثاني: تعريفه شرعا عند أهل السنة ويتضمن الكلام على: قول القلب. قول اللسان. أعمال القلوب. أعمال الجوارح. الفصل الثالث: أقوال أهل البدع في حقيقة الإيمان. الباب الثاني في زيادة الإيمان ونقصانه، وفيه: الفصل الأول: أدلة الزيادة والنقصان. الفصل الثاني: أوجه الزيادة والنقصان. الفصل الثالث: أقوال المخالفين. الباب الثالث في الكفر وضوابط التكفير، وفيه: تعريف الكفر لغة واصطلاحا. قاعدة تكفير المعين وموانع التكفير. ٣- ... قواعد في التكفير. ... الباب الرابع في نواقض الإيمان: في الربوبية. في الإسماء والصفات. في الإلوهية. في النبوات والمغيبات وأمور أخرى. - ... ... خاتمة الكتاب. ... هذا وأسأل الله أن ينفع بهذا العمل المتواضع من أقبل عليه بِنية التعلم والفهم، وأن يدخر لي ثوابه وأجره إلى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ... وأرجو ممن وجد فيه عيبا أو قصورا أن يغُض الطرف عنه ويعذرني بما أنا فيه من القصور والتقصير، فإن وجد خطأ أو زللا فليُخبرني به مشكورا، فإنني - إن شاء الله تعالى - راجع إلى الحق، وما غيرَ الحقِّ أريد. وكتبه أبو محمد المراكشي في الرباط، جمادى الثانية، ١٤٢٠.

стр. 12

(قال) المعترفُ بتقصيره وذنبه، الفقيرُ إلى عفو ربه (أبو محمدٍ) البشيرُ (عصام) بن محمد المسفيوي المراكشي، السُّني مُعتقدا، طالبُ العلم وخادمُه، والمنافح عن اعتقاد أهل السنة والجماعة منافحةَ مَن يرى ذلك من أعظم الجهاد. ولفظُ» قال «ماض، ولكن المراد منه الاستقبالُ كما هو وارد في كلام العرب، وذكروا منه قوله تعالى: - أَتَى أَمْرُ اللَّهِ -. (دام) أي استمرَّ وطال (له) ولإخوانه من أهل السنة والجماعة ولكافة المؤمنين (من) لابتداء الغاية (ربه) (الإنعامُ) أي التفضل بأنواع النعم التي لا يحصرها المحصي، ولا يحيط بها المُستقصي: - وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا -.

стр. 13

(الحمد) أي جميعُ أنواعه مما علِمناه وممَّا لم يحط بعلمه إلا اللهُ ، ثابتٌ (لله) جل ذكره وشأنُه، وتعاظم سلطانُه، فهو المستحقُّ سبحانه لجميع المحامد، وليس لأحد من خلقه شيء من ذلك على جهة الاستقلال. والكلام على الحمدلة طويل ومبسوط في محاله. و» الحمد لله «وما بعدها إلى آخر المنظومة في محل نصبٍ مَقولُ القول. (السلام) من أسماء الله ، ومعناه السالم من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله، كما ذكر ابن كثير في تفسير آخر سورة الحشر (المؤمن) قال ابن عباس أي أمَّن خلقَه من أن يظلمهم (هادي) أي: موفقِ (العباد) المؤمنين إلى الإيمان والتقوى تفضلا منه سبحانه وتكرما (البارئ) أي الخالق الذي برأ البريات، وأوجد الأرضين والسموات (المهيمن) قال ابن عباس: أي الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم، كقوله تعالى - وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - وغيرها من الآيات (من) أي الّّذي (غمرت) أي غطت من غمر الماء غمَارة وغمورة إذا كثر كما في القاموس (نعمه) الظاهرة والباطنة (أهل التقى) مصدر اتقى يتقي بمعنى حذر، قال تعالى: - هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى - أي أهلٌ أن يتقى عقابه. وحاصل التقوى: فعل المأمور واجتناب المحظور. وإنما خصصتُ أهل التقوى مع أن نعم الله الدنيوية يستوي فيها المؤمن والكافر، لأنهم هم الذين يشكرون هذه النعم ويستعملونها في التعرف على المنعِم بها لذلك ذكرت أنهم جعلوا التدبرَ في هذه النعم سببا في السلوك إلى ربهم ، فقلت (فسلكوا) الفاء سببية (إليه) سبحانه (كل مرتقى) وهو ما يُرتقى أي يُصعد، والمعنى أنهم سعوا للوصول إلى رضا الله ، بأن تلبسوا بأنواع الطاعات، وأصناف القرُبات. والسلوك مخصوص في اصطلاح المتأخرين بارتقاء مقامات الإحسان، والله أعلم.

стр. 14

(بالعلم) متعلق بسلكوا، أي العلم بالله وبتمام ربوبيته، والعلم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والعلم باستحقاقه لكمال العبودية، امتثالا لقوله تعالى: - فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -، (و) بـ (الحب) الذي هو من أعظم أعمال القلوب، حتى جعله الله ورسولُه ﷺ ركنا من أركان الإيمان كما سيأتي بيانه في محله. ثم إن محبة الله لا تصح إلا (مع) كمال (التذلل) والإذعان له ، وهذا يستلزم تمامَ المتابعة لرسوله محمد ﷺ ، كما قال تعالى: - قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ -. (والخوف والرجاء) وهما الجناحان اللذان بهما يطير المؤمنُ في سلوكه إلى رب العزة ﷻ ، فإذا ضعُف جناحُ الخوف أقبل العبد على المعاصي دون وَجَلٍ، واستقلَّ ذنوبَه وآثامه، وإذا ضعف جناح الرجاء أساء العبدُ الظنَّ بربه، فشدد على نفسه وعلى إخوانه، وتنطع في دين الله (والتوكل) على الله جل ذكره: - وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ -. ولا يقدر السالك على الوصول إلى مبتغاه إلا بتخليص التوكل على بارئه ومولاهُ .

стр. 15

(وأعظم) مبتدأ خبره الجار والمجرور في عَجُز البيت (الصلاة والتسليم) وأزكاهما وأشرفهما (على الحبيب) الذي محبته من الإيمان، كما في الحديث الصحيح:» لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين « (١) (المصطفى) المجتبى المختارِ لأداء الرسالة العظيمة، وتحمل الأمانة الجسيمة (الرحيم) بأمته، الذي وصفه ربه بقوله: - بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ -. ثم الكلام على الصلاة والسلام على خير الأنام، أطول من أن أحيط به في هذه العجالة، فلينظر في الكتب المخصصة له، مثل "جلاء الأفهام" لابن القيم و"القول البديع" للسخاوي وغيرهما. (مَن) أي: الذي (أشرقَت) أي بزغت وطلعت (مِن) سَنَا (نورِه) الهادي إلى الحق بإذن الله تعالى (الأنوارُ) فاعل أشرقت، فكل نور من أنوار الهداية مستمد من نوره، وكل داعية إلى الخير لا بد مقتبسٌ من الخير الذي أُرسل به، بأبي هو وأمي ﷺ . (فانفتحت) الفاء سببية، بفعل تلك الأنوار الهادية إلى الحق (على الهدى) والتقوى والصلاح (الأبصار) أي البصائر، وهي أعينُ الأفئدة والأرواحِ. (وانبجست) معطوف على انفتحت، أي نبعت من بجس الماء والجرح يبجسه ويبجسه إذا شقه، وبجَّسه بالتشديد تبجيسا: فجَّره فانبجس، (عينُ الصلاح) والهدى (من يده) الشريفة، أي من جهاده ودعوته، وهذا انبجاس معنوي مشبهٌ بالانبجاس الحسي الثابت في معجزاته الحسية ﷺ .

стр. 16

(وأخمد) معطوف على انفتحت، أي أطفأ (الكفرَ) أي: نارَه الخبيثةَ (سنا) وهو الضوء كما في المصباح، أو ضوء البرق، أو الضوء الساطع، أقوالٌ، (مهنده) أي سيفِه البتار، من هند السيف إذا شحذه. وقد ثبت في الحديث:» نصرت بالرعب مسيرة شهر (١) «، وثبت عنه ﷺ أنه قال لمشركي قريش:» أما إني قد جئتكم بالذبح « (٢) وقال ﵊:» أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله « (٣) وهذا الأمر مما علم بالاضطرار من سيرة المصطفى المختار ﷺ . (وبعد) مبني على الضم لقطعه عن الإضافة، والمعنى: مهما يكن من شيء بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله محمد ﷺ ، فـ (هذا) الذي بين يديك أيها القارئ (رجز) أي نظمٌ موضوعٌ على بحر الرجَزِ، وهو مستفعلن ستَّ مرات، من صفته أنه (مفيد) ونافع (لقارئٍ) ودارس ومعلم ومتعلم مِن نعته وصفته أنه (نورَ) مفعول به مقدم وهو مضاف (الهدى) مضاف إليه (يريد) أي يطلب ويقصد. وهذا النظم ميسر للحفظ، مهيء للتدريس، جامع للمقصود، والحمد لله . (موضوعه) أي: هذا الرجز (مسائل الإيمان) أي أهمها وأنفعها، (أرجو) أي أؤمل (بـ) نظمـ (ـه إحسان) وتفضل ومنة الله (ذي الإحسان) والجود والكرم.

стр. 17

(وأسأل الرحمان واسع الكرم) ﷻ أن يمن علي وعلى والديَّ وعلى أهل بيتي ومشايخي وإخواني من أهل السنة والجماعة وعلى كافة المؤمنين الموحدين، بشيء (من الثواب) الجزيل (والهبات) الوافرة (والنعم) المستديمة، إنه أكرم مسؤول، وأرجى مأمول، لا تغيض بحارَ خزائنِه نفقتُه، ولا تضيقُ بالسائل المضطرِّ مغفرتُه. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الباب الأول: حقيقة الإيمان الفصل الأول: تعريفُ الإيمان لغةً قلت في النظم: في اللغةِ الإيمانُ كالإقرارِ وكونُه التصديقَ بالأخبارِ عندَ المُحققينَ لا يُسَلمُ لأوجهٍ من الفُروقِ تُعلمُ (في اللغة) متعلقٌ بالإيمان (الإيمانُ) مبتدأ خبره (كالإقرار) الكاف للتشبيه، وهذا يفيد التغايُرَ بينَ مُسمَّيَيِ الإيمانِ والإقرارِ، إذ الأصل أن المشبَّهَ ليس في قوةِ المشبهِ به: وقد يُعكس في التشبيهِ المقلوبِ، وفي الحالتين معا فهما مختلفان إجمالا، وإن اتفقا في بعض الأمورِ، فأنت لا تشبِّهُ الشيءَ بما هو مرادف له. وسيأتي كلام شيخ الإسلامِ ابن تيميةَ ﵀ في هذه المسألة، بحول الله تعالى.

стр. 18

(وكونُه) مبتدأ، والضمير عائد على الإيمان اسم الكون و (التصديق) خبره منصوب، وهو مصدر صدَّق يصدِّق إذا نسبه إلى الصدق و (بالأخبار) متعلق بالتصديق، وهو جمع خبر، والخبرُ – وهو قَسيم الإنشاء – هو ما احتمل الصدقَ والكذبَ لذاته، أي لغير قرينة خارجية، فبعض كلام الله تعالى خبر مع أنه لا يحتملُ غيرَ الصدق، ولكن ذلك لقرينة خارجية وهي الجزمُ بصدقِ المتكلِّم به (عند المحققين) أي العلماء المدققين في الفهم والتمحيص، الغائصين وراء دُرَرِ المعاني (لا يسلم) به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ: "كونه" (لأوجه) متعلق بلا يسلم (من الفروق) اللفظية والمعنوية بين الإيمان والتصديق (تعلم) لمن تأمل هذه القضية بعيدا عن التعصب لما دَرَج عليه المتأخرون من اللغويين والمتكلمين من الترادف بين اللفظتين، حتى كاد أن يكون إجماعا لديهم. وحاصل هذا المبحث أن الإيمانَ في اللغة مصدرُ آمن يُؤمِنُ إيمانا فهو مؤمن، قال الجوهري: أصل آمن أأمن بهمزتين لُيِّنت الثانية. واشتقاقه من الأمن، كما في القاموس (١) وغيره، وأصل الأمن كما ذكر الراغب: طمأنينة النفس وزوال الخوف (٢) . قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول:» فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة. وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديقُ والانقياد « (٣) . قال الزمخشري في الكشاف:» الإيمان إفعال من الأمن، ثم يقال آمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة « (٤) .

стр. 19

هذا عن الاشتقاق اللغوي للفظة الإيمان، أما معناه في اللغة، فاختلفوا فيه على أقوال، منها ما ذكره الفيروزأبادي:» هو الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة « (١) ، ولعله لاحظ المعنى الاصطلاحي أيضا. ومنها الطمأنينة والإقرار. لكن أشهرها هو التصديق، قال الألوسي:» والإيمان في اللغة التصديق أي الإذعان لِحُكمِ المُخبِر وقَبولُه وجعله صادقا « (٢) . ولعل الأصح أن يقول» ونسبته إلى الصدق «بدل» وجعله صادقا «إذ المخبر إما صادق وإما كاذب في نفس الأمر، لا بجعل جاعل، والله أعلم. وتأمل في هذا التعريف الذي ذكره الألوسي، كيف أنه جعل التصديق شاملا للإذعان والقبول! بل نقل الزَّبيدي الاتفاقَ على أنه التصديق فقال:» الإيمان هو التصديق وهو الذي جزم به الزمخشري في الأساس واتفق عليه أهلُ العلم من اللغويين وغيرهم، وقال السعد رحمه الله تعالى: إنه حقيقة « (٣) ، أي ليس مجازا. ورغم شهرة تعريف الإيمان لغة بالتصديق، فإن لشيخ الإسلام ابن تيمية نظرا في هذه المسألة، ذكره في كتاب الإيمان. وحاصله أن هناك فرقا بين الإيمان والتصديق لأوجه (٤) : الوجه الأول: أن بينَهما فرقا من جهة التعدي، وهو فرق في اللفظ. وذلك أنه يقال للمخبر: صدَّقَه، ولا يُقال آمَنَه بل آمن به أو آمَن له. كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ وقال: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ وقال فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إلى غيرها من الآيات. فالصدق يتعدى بنفسه بخلاف الإيمان، فلا يقال آمنته، إلا من الأمان الذي هو ضدُّ الإخافة.

стр. 20

فإن قيل: فقد يقال: ما أنت بمصدق لنا. فالجواب أن اللام تدخل على ما يتعدى بنفسه إذا ضعُف عملُه، إمَّا بتأخيره أو بكونه اسمَ فاعلٍ أو مَصدرا، أو باجتماعهما، فيقال فلان يعبد الله ويخافه ويتقيه، ثم إذا ذكر باسم الفاعل قيل، هو عابد لربه، متق لربه، خائف لربه، كما أنه إذا ذكرتَ الفعل وأخرتَه، تُقوِّيه باللام كقوله: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وقوله ﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ مع أنك تقول: يرْهَب ربه ويعبر رُؤياه. الوجه الثاني: أن لفظَ الإيمانِ ليس مُرادفا للفظ التصديق في المعنى، فإن كلَّ مُخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، وأما لفظ الإيمان فلا يُستعملُ إلا في الخبر عن غائبٍ، وذلك أنه مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبرٍ يُؤتمن عليه المخبر، كالأمر الغائب، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في هذا النوع. الوجه الثالث: أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابَلْ بالتكذيب كلفظ التصديق، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادقٌ لكن لا أتبعك، بل أعاديكَ وأُبْغِضُك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفرُه أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، عُلم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط. الوجه الرابع: أن الإيمانَ في اللغة مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف، فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمالُ والاشتقاق، أما التصديق فلا يتضمن شيئا من ذلك.

стр. 21

فهذه الأوجُهُ الأربعة تبطل دعوى الترادفِ بين لفظي الإيمان والتصديق. وعلى فرض أنه مرادف للتصديق فإنه تصديقٌ وأمنٌ أو تصديق وطمأنينة، وهو متضمن للالتزام بالمؤمن به سواء كان خبرا أو إنشاء، بخلاف لفظ التصديق المجرَّد، الذي هو عبارة عن حكمٍ ذهني بإيقاعِ النسبةِ أو انتزاعها، كما يزعُمه المتكلمون (١) .

стр. 22

وعلى تعريفِ المتكلمين للتصديق فإنه لا يمكن أن يكونَ إلا بالقلب أو اللسان، وهذا معترض بما ثبت في السنةِ وأقوالِ السلفِ من تسمية الأفعال تصديقا، كما جاء في الحديث:» إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينِ النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كلَّه أو يكذبه « (١) . وقال الحسن البصري:» ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وَقَر في القلب وصدَّقَتْه الأعمال « (٢) . وروى محمد بن نصر المروزي أن عبدَ الملكِ بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل، فأجابه:» سألتَ عن الإيمان، فالإيمانُ هو التصديق، أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل الله من كتاب وما أرسل من رسول، وباليوم الآخر. وسألتَ عن التصديق، والتصديق أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شيء منه وفرَّط فيه عرف أنه أذنب واستغفر الله وتاب منه ولم يصر عليه، فذلك هو التصديق... « (٣) . قال شيخ الإسلام ﵀:» وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف، أنهم يجعلون العمل مصدقا للقول « (٤) .

стр. 23

ونتيجة هذا المبحث، أن الإيمان في اللغة - عند المحققين من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ليس مرادفا للتصديق، وأنه على فرض الترادف بينهما فليس المقصودُ بالتصديق مجردَ الحكمِ الذهني بنسبةِ المحمولِ للموضوع، كما هو الأمر في اصطلاح أهل المنطق والكلام (١) ، ولكنه التصديقُ في عُرف السلف، الشاملُ للالتزام العملي الذي يقتضيه تمامُ الإذعان. وعليه، فإن أصلحَ تعريف للإيمان من جهة اللغة هو الإقرارُ لا التصديق، والإقرار يتضمن أمرين اثنين هما: قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد، أي تصديق الرسول فيما أخبر، والانقياد له فيما أمر (٢) . قال شيخ الإسلام عليه رحمة الله:» ... فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقربَ من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقا « (٣) الفصل الثاني: تعريف الإيمان شرعا عند أهل السنة والجماعة: قلت في النظم: في الاصطلاح عند من قد سلفا بالقول والفعل لديهم عُرفا والبعضُ بالسنة زاد اعتصما وزاد الاعتقادَ بعضُ العلما وبعضُهم بنية قد عَبروا وأول المُعرفات أظهر الشرح: (في الاصطلاح) أي في الشرع، متعلقٌ بعُرف (عند مَن قد سلفا) أي عند السلف الصالح، رضوان الله عليهم، والألفُ لإطلاق القافية (بالقول) أي: قولِ القلب وقول اللسان (والفعل) أي: عمل القلب وعمل الجوارح (لديهم) أي لدى السلفِ (عرِّفا) بتشديد الراء والبناء للمجهول، والألفُ للإطلاق. والمعنى أن السلف عَرَّفوا الإيمان في الشرع بأنه قول وعمل، وستأتي النقول بذلك عنهم.

стр. 24

(وزاد) في تعريف الإيمان (الاعتقادَ) القلبيَّ (بعضُ العلما) ء من أهل السنة، وهو مقصور للوزن، (والبعض) من أهل الحق (بالسنة زاد اعتصما) الألفُ مُبدلةٌ من نونِ التوكيد المُخَففة، والمعنى أن بعض السلفِ زاد في تعريف الإيمان ركنَ الاعتصامِ بالسنة. (وبعضهم بنية قد عبروا) أي أن بعضَ السلفِ زاد النية في تعريف الإيمان، وهذه الأقوالُ حقٌّ كلُّها، ولا تعارضَ بينها عند التمحيص، وسيأتي توجيهُها من كلام شيخ الإسلام (و) لكن (أول المعرفات) المذكورة وهو أن الإيمان قول وعمل (أظهرُ) من غيره من حيثُ موافقةُ الدليل، وأشهرُ عند سلف الأمة رضوان الله عليهم. وبيان ذلك أن أئمةَ السلف قد نقلوا فيما جمعوه وألَّفوه إجماعات الصحابة والتابعينَ ومَن بعدهم على أن الإيمان قول وعمل. وهذه الإجماعاتُ خير دليل على أنَّ هذا المعنى الشرعي للفظ الإيمان قد تواتر واشتهر في خطاب الشرع عند سلف هذه الأمة الذين هم نَقَلةُ الكتاب والسنة إلى مَن بعدهم، وأعرفُ الناس بمراد الشرع. يقول الإمام البخاريُّ كما نقله عنه اللالكائي في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة":» كتبتُ عن ألفِ نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول وعمل « (١) . وعزا اللالكائي هذا القول أيضا إلى سبعة من الصحابة، وثمانية من التابعين، وعدد كبير من الفقهاء يبلغ الثلاثين (٢) . ثم أورد جملة صالحة من ذلك بأسانيده، كما هو دَيْدَنُه في كتابه الحافل هذا.

стр. 25

لذلك قال الحافظ في الفتح:» وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكلِّ من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين. وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة « (١) . وقال أيضا:» وما نقل عن السلف – أي من أن الإيمان قول وعمل – صرح به عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعيُّ وابنُ جريج ومعمر وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم « (٢) . ويقول الإمام المزني في عقيدته التي ذَكر في آخرها أن ما فيها "اجتمع عليه الماضون الأولون من أئمة الهدى":» والإيمان قول وعمل، وهما شيئان ونِظامان وقرينان لا يُفرَّق بينهما « (٣) . ويقول إماما أهل الحديث أبو زرعةَ وأبوحاتمٍ رحمهما الله تعالى:» أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص « (٤) . كما نقل ابنُ عبد البر في التمهيد الإجماعَ على أن الإيمان قول وعمل (٥) . والحق أن تتبُّعَ مثلَ هذه النقولِ عن السلف أمر طويل ليس المقصودُ استقصاءَه، وإنما المرادُ الإشارة إلى شهرة هذا التعريف، بل تواترِه، كما هو واضح. هذا وقد نقل عن السلف أقوالٌ أخرى في تعريف الإيمان أشرتُ إليها في النظم، من ذلك قولُ البعض إنه قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦) . ومنهم من قال إنه قول وعمل ونية كما نقله اللالكائي عن الإمام الشافعي، قال:» وكان الإجماع من الصحابة والتابعين مِن بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر « (٧) .

стр. 26

ومنهم من زاد في تعريف الإيمان الاعتصامَ بالسنة. قال الأوزاعي:» لا يستقيم الإيمان إلا بالقول ولا القول إلا بالعمل ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة « (١) . وأصرحُ منه قولُ سهل التستري لما سئل عن الإيمان ما هو، فقال:» قول وعمل ونية وسنة « (٢) . والحقُّ أن هذه الأقوالَ كلَّها صحيحة ولا تعارض بينها عند التحقيق (٣) . فمن قال منهم إنه قول وعمل - وهذا هو المشهور عندهم كما سلف بيانُه - أراد أنه قول باللسان وبالقلب وعمل بالقلب وبالجوارح، وذلك لأن قول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ، وكذلك فإن عمل الجوارح بدون أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين التي لا يقبلُها الله. ومَن زاد الاعتقاد في التعريف خاف أن لا يُفهم من لفظ القول إلا القولُ الظاهر، فزاد الاعتقاد بالقلب. ومن زاد النية قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك. ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة، والأولون حين لم يذكروا اتباع السنة فلأنهم أرادوا من الأقوال والأعمال ما كان مشروعا أي موافقا للسنة. ثم هاهنا مسألة يمكن إثارتها في هذا الموضع وهي: كيف يكون المعنى الاصطلاحي للفظةِ الإيمان مخالفا لمعناه اللغويِّ؟ فلْيُعلمْ بأنه اختُلف في إطلاق الألفاظ الشرعية كالصلاة والإيمان وغيرها على معانيها، على أقوال ثلاثة مشهورة: أن الشارع نَقَلَها عن مسماها في اللغة إلى مسمى آخر. أن الشارع تصرَّف فيها تصرُّف أهلِ العرف، فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة.

стр. 27

أن الشارع لم ينقلها ولم يغيِّرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة (١) . وهذا القول الثالث هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واستدل عليه بأدلة متعددة وطويلة (٢) . والمسألة تبحث في علم أصول الفقه، فلتنظر تفاصيلها هناك (٣) . وإذا علم هذا، فإن الألفاظ الموجودة في الكتاب أو السنة يُنظر في بيان المراد بها إلى مقصود الشارع لا إلى اللغة أو العُرف الحادث. ألا ترى أننا إذا قرأنا في الكتاب أو السنة أمرا بإقامة الصلاة فإن أذهاننا تنصرف إلى وجوب إقامة تلك العبادة المخصوصة التي تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم؟ ونفس الشيء يقال بالنسبة لألفاظ أخرى كالزكاة والصوم والحج وغيرها. ولفظ الإيمان - ومثله ألفاظ الإسلام والنفاق والكفر والفسق وغيرها - من هذا النوع، فلا ينبغي أن يؤخذ تعريفُها إلا من بيان رسول الله ﷺ . يقول شيخ الإسلام ﵀:» فالنبي ﷺ قد بيَّنَ المراد بهذه الألفاظ بيانا لا يُحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كاف « (٤) . وسأذكر- بحول الله أدلةَ كون الإيمان قولا وعملا من الكتاب والسنة وأقوال السلف، عند تفصيل الكلام على أركان الإيمان فيما سيأتي والله أعلم. الكلام على قول القلب: قلت في النظم: فالقول قول القلب أي تصديقُه بما عن الرسول جا توثيقه والجزم فيه أعظم المطلوب فنقضُه بالشك والتكذيب الشرح:

стр. 28

(فالقول) الذي هو ركن في الإيمان الشرعي - كما سبق بيانه – نوعان، الأول منهما هو (قول القلب أي تصديقه) وإيقانه الجازم (بـ) كل (ما عن الرسول) محمد ﷺ (جا) ءَ، مقصور للوزن (توثيقه) بنصوص الكتاب الجلية، والأحاديث النبوية السَّنِيَّة. (والجزم) أي: القطعُ والتيقن بأي طريق حصل (فيه أعظم المطلوب) أي أول ما يطلب. لذلك (فنقضه) يكون (بالشك) وهو التردد بين أمرين دون ترجيح أحدهما (والتكذيب) وهو نقيض التصديق. واعلم بأن هذا الركن العظيم – أعني تصديقَ القلب – قد تظافرت أدلة الكتاب والسنة على اعتباره وبيان خطورته، كما أجمع الناس – باستثناء الكرامية – على كونه ركنا في الإيمان. قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ . قال مجاهد: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أصحابُ القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة فيقولون هذا ما أعطيتمونا فعمِلنا فيه بما أمرتمونا. قال ابنُ كثير في تفسيره:» وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين، فإن المؤمنين يقولون الحق ويعملون به والرسولُ ﷺ أَوْلى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير فإنه جاء بالصدق وصدق المرسلين وآمن بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله « (١) .

стр. 29

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ، أي: لم يشُكُّوا، مِن رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة. قال العلامة الألوسي::» وجعل عدمَ الارتيابِ متراخيا عن الإيمان (أي: باستعمال حرف "ثم") مع أنه لا ينفك عنه لإفادة نفيِ الشك فيما بعد عند اعتراء شبهة كأنه قيل: آمنوا ثم لم يَعْترِهم ما يعتري الضعفاءَ بعد حين، وهذا لا يدل على أنَّهم كانوا مرتابين أوَّلًا بل يدل على أنهم كما لم يرتابوا أوَّلًا لم يحدُث لهم ارتياب ثانيا « (١) . وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ﴾ قال الألوسي:» أي: من زمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى « (٢) . وجاء في حديث الدرجات العلى قوله ﵊:» بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين « (٣) . والشاهد منه واضح. ومن حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ :» ...أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاك فيهما إلا دخل الجنة «وفي رواية:» ...لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة «. وعنه ﵁ أن النبي ﷺ بعثه بنَعليه فقال:» ...من لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة «الحديث (٤) .

стр. 30

ويجدر التنبيه إلى أن الشك المذكور في هذه الأحاديث، والذي هو ناقض لركن التصديق القلبي إنما هو التردد المستقر في القلب، وهذا من سيما المنافقين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ . أما بعض الوساوس التي يلقيها الشيطان لابن آدم ليزعزعه عن إيقانه، ويشككه في مسلمات دينه، فليست – إن شاء الله تعالى – مما يضر بالإيمان إذا تصدى لها المرء بالعلاج النبوي الناجع، وهو ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال:» يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته «وفي رواية:» فليقل: آمنت بالله « (١) . قال أبو زميل: قلت لابن عباس ﵄: ما شيءٌ أجدُه في نفسي – يعني شيئا من شك – فقال لي:» إذا وجدت في نفسك شيئا فقل: هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم « (٢) . ثم إن المقصود بالشك في هذا المقام هو معناه اللغوي وهو خلاف اليقين (٣) ، لا معناه الاصطلاحي وهو قسيم الوهم والظن، كما يذكره الأصوليون، وقد عقده صاحب مراقي السعود بقوله: والوهم والظن وشك ما احتملْ ... ... لراجحٍ أو ضدِّه أو ما اعتدل (٤) .

стр. 31

واعلم أن أرباب المقالات نقلوا ما يفيد التفريق بين التصديق والمعرفة. فنقل ابن أبي العز الحنفي عن الجهم بن صفوان: أن الإيمان عنده هو المعرفة، وعن أبي منصور الماتريدي أنه عنده هو التصديق (١) . وكذلك الإيجي قال بعد أن ذكر أن الإيمان عنده هو التصديق:» وقيل هو المعرفة. فقوم: بالله، وقوم: بالله وبما جاءت به الرسل « (٢) . وقد بحث شيخ الإسلام ﵀ هذه المسألة في كتاب الإيمان، فلتنظر هناك (٣) . وحاصله عُسْرُ التفريق بين معرفة القلب وبين التصديق القلبي المجرد عن الانقياد، كما يزعمه ابن كُلاب والأشعري وغيرهما. والله أعلم. ب- الكلام على قول اللسان: قلت في النظم: قول اللسان نطق غير الأبكم بكِلْمة الشهادتين فافهم وهل يقوم غيرها مقامها؟ أم لا يساوي غيرها أحكامها؟ الشرح: (قول اللسان) الذي هو الركن الثاني من أركان الإيمان كما سبق بيانه، هو (نطق غيرِ) العاجز عن الكلام مثل (الأبكم) وهو الأخرس (بكِلْمة) بتسكين اللام، لغة في الكَلِمة بكسرها (الشهادتين) والمقصود كلمة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله (فافهم) تكملة للبيت. (وهل) وفائدةُ الاستفهام الإشارة إلى الخلاف الوارد في هذه المسألة (يقوم غيرها) من الأقوال والأعمال (مقامها) في ثبوت حكم الإسلام وعصمة الدم والمال، وغير ذلك، (أم لا يساوي غيرها أحكامها) التي جعلها لها الله ورسوله ﷺ ؟

стр. 32

والحق أن الكلام على هذه الكلمة العظيمة – أعني كلمةَ لا إله إلا الله – أطولُ وأعظم من أن أحيط به في هذه الأسطر، وإلا خرجتُ عن لب الموضوع، وجوهر المقصود. فإن كلمة لا إله إلا الله هي أساس دين الإسلام، وركيزة دعوة المرسلين، وبها كُلِّف الخلائق أولا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِي﴾ ، أي لآمرهم بإفرادي بالعبادة، وهذا هو مدلول كلمة لا إله إلا الله. وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، فتأملْ كيفَ اجتمعتْ شهادة رب الأرباب جل ذكره، وشهادة الملائكة وهم العباد المكرمون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وشهادة أولي العلم وهم ورثة الأنبياء والموقعون عن رب العالمين، على أجَلِّ مشهودٍ عليه وأعظمِه وهو: لا إله إلا الله. وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾ ، فانظر كيف أكد الله جل ذكره الكلمةَ الأولى التي تثبت وحدانية الإله، بالكلمة الثانية – أي كلمة الإخلاص – المتضمنة من المعاني ما ليس في الأولى (١) . وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله تعالى « (٢) . وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:» بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان « (٣) .

стр. 33

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ::» لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحبُّ إلي مما طلعت عليه الشمس « (١) . وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال:» من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مِرار، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيلَ « (٢) . فانظر كيف جعل النبي ﷺ كلمةَ الإخلاص أول الدعائم التي يقوم عليها الإسلام، والأمرَ الذي يعصِمُ دم ومالَ صاحبِه، وأحب أنواع الذكر وأعظمها (٣) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا. بقي أن أتكلم على كلمة "لا إله إلا الله" من أوجُه لغوية ثلاثة ضرورية، لفهم هذه الكلمة ومقتضياتها فهْمًا شاملا، فأقول على وجه الاختصار: الوجه الأول: معنى كلمة "إله": قال الجوهري في الصحاح:» ألِهَ – بالفتح – إلاهة، أي عبد عبادة، ومنه قرأ ابن عباس ﵄: ﴿وَيَذَرَكَ وَإلَهَتَكَ﴾ بكسر الهمزة، قال وعبادتك، وكان يقول: إن فرعون كان يعبد في الأرض، ومنه قولُنا "الله" وأصله: "إله" على فعال بمعنى مفعول أي معبود، كقولنا: إمام، فعال: لأنه مفعول أي مؤتم به « (٤) . الوجه الثاني: تقدير الخبر: اعلم بأن أداة "لا" نافية للجنس تعمل عمل إن، وتدخُل على النكرات. قال ابنُ مالك في فصل "لا التي لنفي الجنس" من الألفية: عملَ إنَّ اجْعلْ لِلا في نكرة ...

стр. 34

فنحتاج إذن إلى تقديرِ خبرِها لأنه غيرُ مذكور في هذه الكلمة. وقد قدره البعض: "موجود" أو "كائن" وهو خطأ محض، لأن الكتاب والسنة ومشاهدة الواقع تمنع أن ينصَبَّ النفيُ على وجود المعبودات غير الله . فهذه المعبودات موجودة، كما قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا﴾ ، وغيرها من الآيات. وإنما النفي في كلمة الإخلاص مُنصبٌّ على استحقاق المعبودات غير الله تعالى أن تقصد بالعبادة. فوجب تقدير الخبر: "حق". ويكون معنى كلمة "لا إله إلا الله" هو "لا معبودَ حقٌّ إلا الله"، أي: أن الله هو المعبود الحق وأن ما سواه من المعبودات باطل. الوجه الثالث: دلالة النفي والإثبات: اتفق البلاغيون على أن "النفي والاستثناء" في مثلِ "لا عالمَ إلا زيد" أو "ما قام إلا عمرو" يفيد معنى الحصر (١) ، أي: حصر العلم في زيد في المثال الأول، وحصر القيام في عمرو في المثال الثاني. وهذه الصيغة تدل – عند جماهير الأصوليين – بالمنطوق على نفي العلم عن غير زيد والقيام عن غير عمرو، وبالمفهوم على إثبات العلم لزيد والقيام لعمرو. وفي هذا نقاش عند الأصوليين (٢) . فيكون معنى كلمة "لا إله إلا الله" هو حصر استحقاق العبادة في الله . فلا يكون المرء مُوحِّدا إلا عندما يفرد الله جل ثناؤه بالعبادة حبا وتذللا وتعظيما. والكلام في هذا الموضوع طويل الذيل وعظيم النفع، فلينظر في مظانه من كتب التوحيد (٣) . والله أعلم.

стр. 35

أما مسألة ما يمكن أن ينوب عن الشهادتين في إثبات الإسلام الحكمي، فهي قضية خلافية. يقول ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: "وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما هل يصير مسلما أم لا؟ والصحيح أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام" (١) . وعليه فيكفي لإثبات حكم الإسلام مثلا قول "إني مسلم" أو الصلاة أو الأذان، أو شهادة رجل مسلم له، أو التبعية للوالدين المسلمين أو أحدهما. ولكل واحد من هذه الأمور دليله، لكنني أتركه اختصارا. ج- الكلام على عمل القلب: قلت في النظم: والقلب فعله في الانقياد للمنتمى لسيد العباد فجوهر الإسلام في التسليم للمصطفى وشرعة الحكيم وتدخل التوبة والإنابة والحب والرجاء والمهابة حب الرسول فعله مطلوبه ليس المحب عاصيا محبوبه ومثل ذي الأعمال ما أكثرها! وفي حساب الدين ما أخطرها! الشرح:

стр. 36

(والقلب فعله) أو عمله يَكْمُن (في الانقياد) أي: الإذعان والخضوع (للمنتمى) اسم مفعول من انتمى يَنْتمِي أي انتسب (لسيد العباد) وأشرف المخلوقين محمدٍ ﷺ . والمقصودُ هو الانقياد لما جاء به هذا النبي الكريم من العقائد الواضحة الجَلية، والشرائع المُنيفة السنية. (فجوهر) ولبُّ (الإسلام في التسليم) ظاهرا وباطنا مع تحقق الرضا وانتفاء الحرج (لـ) سنة (المصطفى) محمد ﷺ ، ولـ (شرعة) أي شريعة (الحكيم) الخبير . (وتدخل) في أعمال القلوب (التوبة) بشرائطها المعروفة عند العلماء، وهي الإقلاع والعزم والندم، (والإنابة) وهي الرجوع إلى الحق والفرار إليه لا منه (والحب) أي حب الله وحب رسوله ﷺ وحب الإسلام وأهله (والرجاء) في الله وفي عظيم ثوابه وواسع رحمته، مع تحقق العمل الصالح وإلا كان أمنيات كاذبة (والمهابة) وهي الخوف من الله ومن شديد عقابه وأليم عذابه. ولما كانت المحبةُ من أعظم أعمال القلوب وأهمها، مع ما دخل معناها وحقيقتها من المفاهيم الباطلة، خصصتُ لها بيتا بينت فيه لازمها ومقتضاها، فقلت: (حب الرسول) ﷺ من طرف العبد المؤمن هو (فعله مطلوبه) أي ما طلبه منه الرسول الأكرم ﷺ من أوامرَ ونواهٍ، إذ (ليس المحب عاصيا محبوبه) أي لا يمكن أن يجتمعَ حب الشخص الآخر مع عصيانه أوامرَه، وذلك على حد قول القائل: تعصى الإلهَ وأنت تزعم حبه ... ... هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبُّك صادقا لأطعته ... ... إن المحب لمن يحب مطيع

стр. 37

وفي هذه الإشارة اللطيفة تورُّكٌ على الصوفية الذين يدعون محبة رسول الله ﷺ ، وهم من أشد الناس بعدا عن سنته، وإعراضا عن شريعته. (ومثل ذي الأعمال) الإشارة إلى التوبة والإنابة والخوف والرجاء والمحبة (ما أكثرها) وما أقلَّ من يعمل بها ويتفطن لأهميتها. ومن أراد تفصيلها فليرجع إلى كتاب "مدارج السالكين" (١) للعلامة ابن القيم ﵀، وكتاب "التحفة العراقية" (٢) لشيخه ابن تيمية ﵀. (وفي حساب الدين ما أخطرَها) وما أعظم أهميتها، فهي الفيصل الحقيقي بين المؤمن والكافر، وهي اللازم الطبيعي للتصديق القلبي، والباعثُ الأكبر نحو أعمال الجوارح. كما أن مَن أدخلها في مسمى الإيمان لزِمه أن يُدخل أعمال الجوارح أيضا، كما سيأتي بيانه فيما يلي. وقد دلت نصوص كثيرة من القرآن والسنة على أهمية أعمال القلوب، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . قال ابن القيم ﵀: " أقسَم سُبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبلَه على عدم إيمان الخلق حتى يُحَكموا رسولَه في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد، ولم يُثبت لهم الإيمانَ بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفيَ عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يُثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضا والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض" (٣) .

стр. 38

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ . هذا في التسليم والانقياد، وأما المحبة فقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وهذه تسمى عند أهل العلم آيةَ المحنة، لأنها امتحان شديد نصبه الله لكل من يدعي محبته سبحانه، فمن اتبع رسوله ﷺ ، نجح في الامتحان وكان من المحبين لله تعالى حقا لا ادعاء، بل جوزي بتحقق محبة الله تعالى له على قاعدة "الجزاء من جنس للعمل" وهي قاعدة مطردة في القرآن (١) ، بل وفي الشرع كله (٢) ، وزاده الله من فضله مغفرة الذنوب، وأعظِمْ به فضلا وجزاء. فتدبر أيها الأخ السني عظيم ثواب الاتباع، ولا تكن من الغافلين! على أنني أود أن أنبه إلى أن أصل المحبة في القلب، وأن الاتباعَ إنما هو ثمرة لها، فلا ينبغي التسوية بينهما كما قد يفهمه البعض. فاشدد يدك على هذه الفائدة، واسْعَ إلى ترسيخ جذور المحبة في قلبك، كما تسعى إلى ظهور ثمار الاتباع على جوارحك. وقال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما"الحديث (٣) . وقال ﵊: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (٤) .

стр. 39

وأما الخوف فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وأما الرجاء فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وأما النية والإخلاص فقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال رسول الله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"الحديث (١) . والحق أن النصوص المبينة لأعمال القلوب، ولاندراجها في مسمى الإيمان الشرعي لا تكاد تُحصى كثرةً. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عَسُر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من أعمال القلب" (٢) .

стр. 40

وليُعْلم بأن إخراج أعمال القلوب من مسمى الإيمان قول شنيع (١) ، لما يلزم عنه من اللوازم الفاسدة المخالفة لما علم من الدين بالضرورة. فإنه يلزم عنه مثلا أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين كاملي الإيمان، لأنهم عرفوا صدق موسى وهارون ﵉، ولم يتبعوهما ولا انقادوا للشرع الذي جاءا به، ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاء إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ ، وقال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ . وكذلك فإن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كافرون به معادون له. وأبو طالب عم النبي ﷺ كان يقول: ولقد علمتُ بأن دين محمد ... ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامةُ أو حِذارُ مسبة ... ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا ويلزم عن هذا القول أيضا أن إبليس مؤمن كامل الإيمان، فإنه لم يجهل ربه، بل هو عارف به، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . فهذه اللوازم المستبشعة تبين لكل مُنصف أن قَصْر الجزءِ القلبي من الإيمان على التصديق المجرد عن الانقياد مصادِمٌ أشدَّ المصادمة لنصوص الشرع ومقاصد الرسالة. وإذا علم بأن أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان، فإن هذا يستلزم أن تكون أعمال الجوارح كذلك. وبيان هذا الاستلزام من وجهين:
следующие страницы →