← Акыда

Акыда · id 858

شرح منظومة الإيمان

عصام البشير المراكشي

Полный текст (213 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(والقلب فعله) أو عمله يَكْمُن (في الانقياد) أي: الإذعان والخضوع (للمنتمى) اسم مفعول من انتمى يَنْتمِي أي انتسب (لسيد العباد) وأشرف المخلوقين محمدٍ ﷺ . والمقصودُ هو الانقياد لما جاء به هذا النبي الكريم من العقائد الواضحة الجَلية، والشرائع المُنيفة السنية. (فجوهر) ولبُّ (الإسلام في التسليم) ظاهرا وباطنا مع تحقق الرضا وانتفاء الحرج (لـ) سنة (المصطفى) محمد ﷺ ، ولـ (شرعة) أي شريعة (الحكيم) الخبير . (وتدخل) في أعمال القلوب (التوبة) بشرائطها المعروفة عند العلماء، وهي الإقلاع والعزم والندم، (والإنابة) وهي الرجوع إلى الحق والفرار إليه لا منه (والحب) أي حب الله وحب رسوله ﷺ وحب الإسلام وأهله (والرجاء) في الله وفي عظيم ثوابه وواسع رحمته، مع تحقق العمل الصالح وإلا كان أمنيات كاذبة (والمهابة) وهي الخوف من الله ومن شديد عقابه وأليم عذابه. ولما كانت المحبةُ من أعظم أعمال القلوب وأهمها، مع ما دخل معناها وحقيقتها من المفاهيم الباطلة، خصصتُ لها بيتا بينت فيه لازمها ومقتضاها، فقلت: (حب الرسول) ﷺ من طرف العبد المؤمن هو (فعله مطلوبه) أي ما طلبه منه الرسول الأكرم ﷺ من أوامرَ ونواهٍ، إذ (ليس المحب عاصيا محبوبه) أي لا يمكن أن يجتمعَ حب الشخص الآخر مع عصيانه أوامرَه، وذلك على حد قول القائل: تعصى الإلهَ وأنت تزعم حبه ... ... هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبُّك صادقا لأطعته ... ... إن المحب لمن يحب مطيع

стр. 37

وفي هذه الإشارة اللطيفة تورُّكٌ على الصوفية الذين يدعون محبة رسول الله ﷺ ، وهم من أشد الناس بعدا عن سنته، وإعراضا عن شريعته. (ومثل ذي الأعمال) الإشارة إلى التوبة والإنابة والخوف والرجاء والمحبة (ما أكثرها) وما أقلَّ من يعمل بها ويتفطن لأهميتها. ومن أراد تفصيلها فليرجع إلى كتاب "مدارج السالكين" (١) للعلامة ابن القيم ﵀، وكتاب "التحفة العراقية" (٢) لشيخه ابن تيمية ﵀. (وفي حساب الدين ما أخطرَها) وما أعظم أهميتها، فهي الفيصل الحقيقي بين المؤمن والكافر، وهي اللازم الطبيعي للتصديق القلبي، والباعثُ الأكبر نحو أعمال الجوارح. كما أن مَن أدخلها في مسمى الإيمان لزِمه أن يُدخل أعمال الجوارح أيضا، كما سيأتي بيانه فيما يلي. وقد دلت نصوص كثيرة من القرآن والسنة على أهمية أعمال القلوب، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . قال ابن القيم ﵀: " أقسَم سُبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبلَه على عدم إيمان الخلق حتى يُحَكموا رسولَه في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد، ولم يُثبت لهم الإيمانَ بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفيَ عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يُثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضا والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض" (٣) .

стр. 38

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ . هذا في التسليم والانقياد، وأما المحبة فقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وهذه تسمى عند أهل العلم آيةَ المحنة، لأنها امتحان شديد نصبه الله لكل من يدعي محبته سبحانه، فمن اتبع رسوله ﷺ ، نجح في الامتحان وكان من المحبين لله تعالى حقا لا ادعاء، بل جوزي بتحقق محبة الله تعالى له على قاعدة "الجزاء من جنس للعمل" وهي قاعدة مطردة في القرآن (١) ، بل وفي الشرع كله (٢) ، وزاده الله من فضله مغفرة الذنوب، وأعظِمْ به فضلا وجزاء. فتدبر أيها الأخ السني عظيم ثواب الاتباع، ولا تكن من الغافلين! على أنني أود أن أنبه إلى أن أصل المحبة في القلب، وأن الاتباعَ إنما هو ثمرة لها، فلا ينبغي التسوية بينهما كما قد يفهمه البعض. فاشدد يدك على هذه الفائدة، واسْعَ إلى ترسيخ جذور المحبة في قلبك، كما تسعى إلى ظهور ثمار الاتباع على جوارحك. وقال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما"الحديث (٣) . وقال ﵊: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (٤) .

стр. 39

وأما الخوف فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وأما الرجاء فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وأما النية والإخلاص فقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال رسول الله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"الحديث (١) . والحق أن النصوص المبينة لأعمال القلوب، ولاندراجها في مسمى الإيمان الشرعي لا تكاد تُحصى كثرةً. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عَسُر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من أعمال القلب" (٢) .

стр. 40

وليُعْلم بأن إخراج أعمال القلوب من مسمى الإيمان قول شنيع (١) ، لما يلزم عنه من اللوازم الفاسدة المخالفة لما علم من الدين بالضرورة. فإنه يلزم عنه مثلا أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين كاملي الإيمان، لأنهم عرفوا صدق موسى وهارون ﵉، ولم يتبعوهما ولا انقادوا للشرع الذي جاءا به، ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاء إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ ، وقال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ . وكذلك فإن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كافرون به معادون له. وأبو طالب عم النبي ﷺ كان يقول: ولقد علمتُ بأن دين محمد ... ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامةُ أو حِذارُ مسبة ... ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا ويلزم عن هذا القول أيضا أن إبليس مؤمن كامل الإيمان، فإنه لم يجهل ربه، بل هو عارف به، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . فهذه اللوازم المستبشعة تبين لكل مُنصف أن قَصْر الجزءِ القلبي من الإيمان على التصديق المجرد عن الانقياد مصادِمٌ أشدَّ المصادمة لنصوص الشرع ومقاصد الرسالة. وإذا علم بأن أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان، فإن هذا يستلزم أن تكون أعمال الجوارح كذلك. وبيان هذا الاستلزام من وجهين:

стр. 41

الأول: أن انقيادَ القلب يستلزم انقياد الجوارح ولا بد، إذ يمتنع أن يكون القلب عامرا بالطاعة والمحبة والإذعان والرضا ولا يظهر لذلك أثر على الجوارح. يقول ابن أبي العز الحنفي: " ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد، لأطاعت الجوارح وانقادت، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا، بخلاف العكس" (١) . الثاني: أن من يقر بأن أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان، يكون قد أقر بالحقيقة المركبة للإيمان، وأنه ليس شيئا واحدا لا يتركب ولا يتعدد، كما يزعمه المرجئة والخوارج. فيلزمه حينئذ أن يُدخل أعمال الجوارح أيضا. يقول ابن تيمية ﵀: " ... لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا" (٢) . د- أعمال الجوارح الظاهرة: قلت في النظم: ثم الذي تظهره الجوارح مثل الذي تضمره الجوانح يدخل في حقيقة الإيمان في المذهب الجلي ذي الرجحان كالذكر والصلاة والقتال وترك ما يشين بامتثال الشرح: (ثم الذي تُظهره الجوارح) وهي الأعضاءُ كما سبق ذكره، والمقصود أعمال الجوارح الظاهرة وهي الركن الرابع من أركان الإيمان (مثل الذي تضمره) وتخفيه (الجوانح) جمع جانحة، وهي الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر، قاله في القاموس (٣) ، والمقصودُ أعمال القلوب الباطنة التي سبق شرحها (يدخل في حقيقة الإيمان) الشرعي وذلك (في المذهب الجَليِّ) الواضح (ذي الرجحان) على غيره من المذاهب والأقوال، بل هو المذهب الذي لا ينبغي القول بغيره، ولا العدول عنه لأنه الحق الذي لا محيص عنه، وكيف لا يكون كذلك وهو مذهب أهل السنة، وقول سلف الأمة، وأدلَّتُه أظهرُ من أشعة الجَوْناء في كبد السماء!!

стр. 42

ثم ذكرتُ أمثلة لأعمال الجوارح الظاهرة فقلت: (كالذكر) وهو من أعمال اللسان، ويشمل تلاوةَ القرآن، والتحدث بالعلم النافع، والثناء على الله وحمده والتسبيح والتهليل وغير ذلك، (والصلاة) وهي عمود الإسلام، وأعظم أركانه العملية على الإطلاق (والقتال) في سبيل الله، وهو ذروة سنام الإسلام، والفيصل بين العز والهوان. وهذه الثلاثةُ أفعالٌ، ولما كان التركُ فعلًا على الصحيح (١) ذكرتُه بقولي (وترك ما يشين) أي المحرمات العملية (بامتثال) أي مع الإخلاص لله ، لأن الثواب في التُّروكِ مَنُوطٌ بالامتثال، خلافا للأفعال المحضة. وقد أجمعَ السلفُ رضوان الله عليهم على دخول أعمال الجوارح الظاهرة في مسمى الإيمان، وبَدَّعوا من خالف في ذلك، وشددوا عليه النكير. وكيف لا، والكتاب والسنة ناطقان بذلك أفصحَ النطق وأبينه؟! فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ . قال الإمام البخاري في كتاب الإيمان من الجامع الصحيح:" باب الصلاة من الإيمان، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني صلاتكم عند البيت" (٢) . ثم نقل بسنده حديث تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام بمكة، ثم قال: " قال زهير (٣) : حدثنا أبو إسحق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ " (٤) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " في هذا الحديث من الفوائد الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا" (٥) .

стр. 43

ومنه حديث شعب الإيمان (١) ، وهو – في لفظ مسلم – قوله ﵊:" الإيمانُ بضع وسبعون – أو بضع وستون شعبة – فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". قال البغوي: " واتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، فجعل الأعمال كلها إيمانا، وكما نطق به حديث أبي هريرة (يعني حديث الشعب) " (٢) . ومنه حديث وفد عبد القيس، وفيه أن النبي ﷺ قال لهم: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم" (٣) . ووجه الدلالة منه ظاهر بحمد الله تعالى. ومن أراد المزيد من النصوص، فليرجع إلى أبواب الإيمان من كتب السنة خصوصا منها صحيح البخاري وكتاب السنة لللالكائي.

стр. 44

كما أن السلف أنكروا إنكارا شديدا على من أخرج الأعمال من الإيمان (١) . وممن أنكر ذلك من السلف وعدَّهُ قولا مُحدَثا: سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني وإبراهيم النخعي والزهري ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وقال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. وقال الأوزاعي: كان مَن مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل. قلت في النظم: وترك جنس عمل مكفر وعند ترك بعضه فينظر فقد يكون مخرجا من ملة أو يجعل الفاعل في المشيئة الشرح: (وتركُ جنس عمل) أي: ترك العمل مطلقا (مكفر) لصاحبه كفرا أكبر مخرجا من الملة، (وعند ترك بعضه) أي بعض الأعمال أو فعلِه (فينظر) في العمل المتروك أو المفعول ما هو؟ وهنا حالتان، (فقد يكون) هذا الفعل أو الترك مكفِّرا كفرا أكبر (مخرجا من ملة) الإسلام، كما في الاستهانة بالمصحف إجماعا، أو ترك الصلاة على الصحيح. هذه الحالة الأولى. (أو يُجعل الفاعل) أو التارك (في المشيئة) الإلهية، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وهو في الجنة حتما إما ابتداء وإما مآلا، كما في عقوق الوالدين أو شرب الخمر أو غير ذلك من الكبائر مما هو دون الشرك. ومفهوم جعل صاحب الحالة الثانية في المشيئة أن صاحب الحالة الأولى ليس كذلك، وهو مفهوم صحيح، لأن الله قضى أنَّ مَن مات على الشرك فهو خالد في النار، وحرام عليه الجنة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . فتبين أن في هذين البيتين الكلام على مسألتين: مسألة جنس العمل. مسألة آحاد العمل وأفراده. مسألة جنس العمل:

стр. 45

سبق أن ذكرنا أن تعريفَ الإيمان الذي أطبق عليه السلف هو أنه قول وعمل. فالقول والعمل ركنان في مسمى الإيمان، أي أنهما جزءان من ماهِيته، مع كونهما يلزم من عدمِ أي واحد منهما عدمُ الإيمان الذي هما ركنان فيه. لذلك كان التعبير بركنية العمل في الإيمان أولى من التعبير بشرطيته (١) . ثم إن العمل لفظ كلي، وهو كلُّ لفظ أفْهَمَ الاشتراك بين أفرادِه بمُجرد تعقله. قال الأخضري في السلم: ... ... فمفهم اشتراك الكلي ... ... كأسد وعكسه الجزئي (٢) فتصورُ مفهومِ العمل لا يمنع من صِدقه على كثيرين، فالصلاة عمل وشرب الخمر عمل، وهكذا. وهذا اللفظ الكلي إذن جنس (٣) بالنسبة لأفراده، وهي آحادُ الأعمال. فإذا انتفى جنسُ العمل انتفى أحد ركني الإيمان، فذهب الإيمان كله، لأن الشيء ينتفي بانتفاء ركنه. أمَّا لو انتفت بعض أفراد العمل فقد ينتفي الإيمان وقد لا ينتفي بحسب التفصيل الذي سيأتي في المسألة الثانية (٤) .

стр. 46

روى الخلال عن الحميدي (١) قال: أُخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموتَ، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت (أي الحميدي) : ذلك الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به" (٢) . وقال محمد بن نصر المروزي ﵀: " فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل من الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد" (٣) . وقال الإمام الشافعي ﵀: " كان الإجماع من الصحابة والتابعين مِن بعدهم ومَن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر" (٤) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ففي القرآن والسنة مِن نَفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضعُ كثيرة كما نفى فيها الإيمان عن المنافق" (٥) . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: " لا خلافَ أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختلَّ شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما" (٦) .

стр. 47

فانظر يا أخا السنة إلى هذه النقول الواضحة الجلية، والبراهين الدامغة القوية، والإجماعات القاطعة السَّنِيَّة، ثم اعجب من كثرة الجاهلين والمتجاهلين، واسلُك سبيلَ الحق الأبلجِ ولا يضرَّنك قلةُ السالكين. واعلم أن هذه المسألة فيصل بين أهل السنة وبين طوائف المرجئة القائلين بأن تارك جنس العمل ناقص الإيمان لا كافر. وقولهم هذا "من أشد ثمرات ابتداعهم خطورة بين المجتمع المسلم، بل هو مِعولُ هدم للأحكام الشرعية، والمبادئ الخلقية التي بني عليها الجيل الأول" (١) . فإن قال قائل من المنافحين عن عقيدة الإرجاء – وما أكثرهم في هذه الأعصار -: سلَّمْنا أن تارك جنس العمل كافر، ولكن العمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح كما هو معلوم، فلنا أن نفترض شخصا قد أتى بعمل القلب كاملا، ولم يأت من أعمال الجوارح بشيء، فليس كافرا لأنه ليس تاركا لجنس العمل، مع كونه تاركا للأعمال الظاهرة مطلقا؟ والجواب أن هذا الفرض ممتنع، بل هو من أمحل المحال. قال ابن تيمية ﵀: " وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا، ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات.." (٢) . وقال أيضا: " وإنما قال الأئمة بكُفر هذا لأن هذا فرضُ ما لا يقع، فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئا مما أمر به من الصلاة والزكاة والحج، ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات، مثل الصلاة بلا وضوء إلى غير القبلة ونكاح الأمهات، وهو مع ذلك مؤمن في الباطن، بل لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان الذي في قلبه" (٣) . وقال ابن القيم ﵀: " من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية" (٤) .

стр. 48

فعاد التكفير بجنس العمل راجعا إلى التكفير بترك أعمال الجوارح الظاهرة، المستلزمِ لانتفاء أعمال القلوب الباطنة. فتأمل هذا فإنه مهم جدا. ٢- ... مسألة آحاد العمل وأفراده: من الأعمال الظاهرة ما يكون تركُه كفرا أكبر مخرجا من الملة، ومنها ما ينقص الإيمان بسببه ولكن لا يُذهب أصلَه. وسنرجئ الكلام عن القسم الأول إلى محله من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. أما القسم الثاني فأدلته من الكتاب والسنة كثيرة جدا. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، فميز الله سبحانه بين الشرك وغيره، وأخبر أن الشرك غير مغفور، وأما ما كان دونه فهو معلق بالمشيئة. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ . فانظر كيف لم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وأثبت أخوته لولي القصاص، والمراد أخوة الدين قطعا. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ . ثم إن نصوص الكتاب والسنة دلت على أن الزاني والسارق ونحوهما لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد، إذ المرتدُّ يقتل إجماعا.

стр. 49

وفي حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله عليه فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" (١) . وفي حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : " قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ولم يدخل النار. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق" (٢) . وفي حديث ابن مسعود مرفوعا: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (٣) . والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وبالجملة، فإن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكبَ الكبيرة (٤) لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية، بل هو في الجنة إما ابتداء وإما مآلا. أي: أن الله قد يعفو عنه فيدخلُه الجنة بغير عقاب، أو يدخله النار بما سبق له من العمل السيء ولكن لا يخلد فيها، بل يخرج بإذن الله ويكون مآله الجنة، جعلنا الله من أهلها، وجنبنا عذابَه بمنِّه ولُطفه آمين.

стр. 50

وقد خالف في هذا الأصل العظيم طائفتان من المبتدعة هم الخوارج والمعتزلة. وسأذكرهما في البيتين التاليين، بحول الله . الفصل الثالث: أقوال أهل البدع في حقيقة الإيمان: قلت في النظم: ليس كما زعمت الخوارج فقولهم عن الصواب خارج وما لمذنب من المآل وافقهم فيه ذوو اعتزال الشرح: (ليس) ما سبق ذكره في البيتين السابقين من كون مرتكب الكبيرة دون الشرك في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، وهو قول أهل السنة والجماعة (كما) أي كالذي (زعمت الخوارج) وهم فرقة بدعية معروفة. (فقولهم) هذا (عن الصواب) أي الحقِّ المؤيد بالأدلة النقلية والعقلية (خارج) أي بعيد ومجانب. وفيه جناس غير تام. (وما) أي الذي (لمذنب) أي مرتكبِ كبيرةٍ ليست بشرك (من المآل) أي المصير في الآخرة (وافقهم) أي الخوارجَ (فيه) أي في مآل مرتكب الكبيرة (ذوو اعتزال) وهم الفرقة البدعية المشهورة باسم المعتزلة. وقد ذكرتُ في هذين البيتين مذهب كل من الخوارج والمعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة. وحاصله ما يلي: مذهب الخوارج:

стр. 51

تعتبر بدعة الخوارج (١) من أقدم البدع العقدية في الأمة، إن لم تكن أقدمَها مطلقا، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: بينا النبي ﷺ يقسم، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدِلْ يا رسول الله. فقال: ويلك ومَن يعدل إذا لم أعدل؟ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: دعه، فإن له أصحابا يحقرُ أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ... آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت من النبي ﷺ وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ " (٢) . ومن حديث علي مرفوعا: " سيخرُج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة" (٣) . وعن ابن أبي أوفى مرفوعا: " الخوارج كلاب النار" (٤) . وقد صحت الأحاديث النبوية في الخوارج من أوجه متعددة وطرق كثيرة جدا (٥) .

стр. 52

وقد ابتدأ أمر الخوارج فِعليًّا يوم صفين، حين أنكروا على علي ﵁ قبوله بالتحكيم، ثم خرجوا عليه بالسيف، فقاتلهم بالحجة والسنان، حتى رجع منهم الكثير، وقتل منهم الكثير دون أن يستطيع استئصالهم. وبلغ الأمر بأحدهم وهو الشقيُّ عبدُ الرحمن بن ملجم أن اغتال عليا ﵁ وأرضاه، وهو آنذاك أفضلُ مَن على وجه الأرض. ثم استمرت المغامرة السياسية للخوارج في ظل حكم بني أمية وبني العباس وغيرهم من دول الإسلام (١) . وبموازاة مع خروجهم المتواصل على الحكام المسلمين، كانت أفكارهم وعقائدهم تتطور وتزداد رسوخا، حتى أصبحت لهم عقائد معروفة يتميزون بها عن غيرهم من الفرق، خصوصا في مسائل الإيمان والكفر. والذي يهمنا منها هنا أنهم جعلوا الإيمان شاملا للإقرار اللساني والتصديق القلبي وجميع أنواع الطاعات صغيرة أو كبيرة. فالإيمان هو مجموع هذه الأشياء وترك أي خصلة من هذه الخصال كفر (٢) . فمرتكب الكبيرة عندهم خارج من الدين بالكلية. وهذا من أشنع أقوالهم، وليس لهم فيه مستند إلا التمسك ببعض الشبهات التي هي أوهى من نسْج العنكبوت. مذهب المعتزلة: أشهرُ ما جاء في سبب تسمية هذه الفرقة بالمعتزلة (٣) ، أنَّ واصلَ بنَ عطاءٍ – وهو مؤسس هذه الفرقة – اعتزل حلقة الحسن البصري لما ورد عليه سؤال عن مرتكب الكبيرة، وشرع يُقَرر مذهبه في حلقة خاصة به. ثم كبرت الفرقة واشتهرت، وبدأت أصولها ترسخ وتتقرر. وعلى كثرة اختلافهم فيما بينهم، فإنهم متفقون على أصولٍ خمسةٍ يجادلون عنها، ويتبرءون ممن خالفهم فيها، وهي: العدل ويتوصلون به إلى نفي القدر. التوحيد ومعناه عندهم نفي الصفات. الوعد والوعيد وثمَرتُه عندهم إنكار الشفاعة وإنكار كون عصاة الموحدين في المشيئة. المنزلة بين المنزلتين وهي حكم مرتكب الكبيرة عندهم.

стр. 53

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتوصلون به إلى الخروج على الحكام المسلمين بالقتال إذا جاروا. فتأمل يا أخا السنة في هذه البدعِ المتراكمة، والضلالات المتزاحمة. حتى قال أبو الحسين الملطي: "واعلم أن للمعتزلة من الكلام ما لا أَسْتجيزُ ذِكرَه لأنهم قد خرجوا عن أصول الإسلام إلى فروع الكفر" (١) . والذي يهمنا من عقائدهم قولُهم إن العاصيَ ليس مؤمنا ولا كافرا، ولكن نسميه فاسقا. فالخوارج قالوا: يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر، وهم قالوا: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، وهذه المنزلة بين المنزلتين! ولكنهم قضوا بتخليد في النار أبدا كالخوارج: " فوافَقوهُم مآلا، وخالفوهم مَقالا، وكان الكلُّ مخطئين ضُلَّالا" (٢) . قلت في النظم: هذا وقال البعض في الإيمان بأنه التصديق بالجنان والبعض زاد النطق باللسان كما اكتفى به أولو الخذلان وهذه الأقوال في التدقيق بعيدة عن منهج التحقيق قد فرقوا شرائع الإيمان فخالفوا طريقة الرحمن تجمعهم عقيدة الإرجاء ومنهج الفتون والأهواء الشرح: بعد أن ذكرتُ تعريفَ أهل السنة والجماعة للإيمان، وشرحتُ أركانَه بشيءٍ من التفصيل، ثم ميَّزتُ مذهبَ أهل السنة عن مذهبِ مَن وافقهم في التعريف وخالفهم في فَهْمِه وتطبيقه، انتقلتُ في هذه الأبيات إلى الكلام على من خالف أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان وهُم طوائف المرجئة، فقلت:

стр. 54

(هذا وقال البعض) مِن أهل القبلة (في الإيمان) أي في تعريفه (بأنه التصديق بالجنان) فجعلوا مُسَمَّى الإيمانِ هو التصديق القلبي المجرد، وهذا القول الأول. (والبعض زاد) في تعريف الإيمان (النطق باللسان) ، فالإيمان عندهم هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وهذا القول الثاني. (كما) أنه قد (اكتفى) في تعريف الإيمان (به) الضمير راجع للنطق باللسان (أُولُو) فاعلُ اكتفى مرفوع، وعلامة رفعه الواوُ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم (الخذلان) أعاذنا الله منه. وهؤلاء هم الكَرَّاميَّة الذين جمعوا صنوفا من البدع والضلالات ومن بينها جعلهم الإيمان هو الإقرار باللسان فقط!! وهذا هو القول الثالث. (وهذه الأقوال) الثلاثة (في) أي عند (التدقيق) والتمحيص، كلُّها (بعيدة عن منهج التحقيق) وهو كمال الفهم والغوص وراء المعاني. (قد فرقوا شرائع الإيمان) لما أدخلوا البعض في مسمى الإيمان وأخرجوا البعض الآخر، تحكما وتعسفا، ومستندهم في ذلك شَقشقاتٌ لفظية، وخيالات عقلية، وأنواع من السَّفسطةِ والمكابرة، (فخالفوا طريقة) أي نهج وسبيل (الرحمن) ، الذي أرشدنا إلى أَقوَم السُّبل وأهداها، ولكن مَنْ يضلل الله فلا هادي له. (تجمعهم عقيدة الإرجاء) سيأتي التعريف بها، (ومنهج الفتون) جمع فتنة (والأهواء) أعاذنا الله منها بمنه ولطفه آمين. أصول بدعة الإرجاء: سُئل ابن عيينة عن الإرجاء، فقال: " الإرجاء على وجهين: قوم أَرْجَوا أمر علي وعثمان، فقد مضى أولئك. فأما المرجئة اليوم فهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل. فلا تجالِسوهم ولا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم" (١) . فهذا الإمام الجليل يفرق بين الإرجاء الأول المرتبط بالفتنة التي وقعت زمن الخليفتين عثمان وعلي ﵄، والإرجاء – في الاصطلاح المشهور – عند استقرار المذاهب وتبين عقائدها.

стр. 55

وعلى هذا المعنى الأول ينبغي أن يفهم ما ينقله أهل المقالات من أن أوَّلَ مَن تكلم في الإرجاء هو الحسن ابن محمد بن علي بن أبي طالب. فقد قال عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة إنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عَمرو، لَوَدِدتُ أني كنت مت ولم أكتبه" (١) . يقول الحافظ ابن حجر ﵀: " ... قلت المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه، غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان". ثم نقل شيئا من كلام محمد بن الحسن في كتابه المذكور آنفا، ثم قال: " فمعنى الذي تكلم فيه الحسن، أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئا أو مصيبا، وكان يُرجئ الأمر فيهما. وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان فلم يعرج عليه، فلا يلحقه بذلك عابٌ، والله أعلم" (٢) . أما الإرجاء الثاني فهو إرجاءٌ عَقَدي يرتكز على كون الإيمان هو الإقرار والتصديق، ولا يضر معهما شيء من المعاصي العملية. فحقيقة الإيمان عند أهل الإرجاء منفصلةٌ عن العمل الظاهر. بل وُجد منهم من غلا وأفرط وتجاوز الحد في الاستهانة بالعمل، حتى زعم أن من عرف الله بقلبه أنه لا شيء كمثله، فهو مؤمن وإن صلى نحو المشرق أو المغرب وربط في وسطه زنارا (٣) !! ولا يخفى على المتأمل أن هذا الغلو في الإرجاء لا يعدو أن يكون نتيجة حتمية لفكرة إخراج العمل من مسمى الإيمان، وهي الفكرةُ التي تتساوى فيها جميع طوائف المرجئة. لذلك كان إنكارُ السلف على أهل الإرجاء – بجميع صوره وأشكاله – شديدا، سدًّا للذريعة وحَسْمًا لهذه المادة. وكمْ من الأمور لا تظهر شناعتها وخطورتها إلا عند التأمل في لوازمها ومقتضياتها.

стр. 56

واعلمْ أنَّ طوائفَ المرجئة كثيرة جدا، ولكن أصولها ترجع إلى أقوال ثلاثة (١) في تعريف الإيمان، وهي المذكورة في النظم: القول الأول: الإيمان يكون بالقلب واللسان معا دون غيرهما من الجوارح. وأشهرُ من ينتسب إلى هذا القول أبو حنيفة وأصحابه وهم المُلقَّبون عند أئمة السلف بمرجئة الفقهاء. وعامة كلام السلف في الإنكار على المرجئة وتبديعِ أهل الإرجاء إنما يُقصد به هؤلاء المنتسبون إلى مدرسة الكوفة الإرجائية. وهذا القول مذكور في كتب المقالات عن الشمرية أتباع أبي شمر، والنجارية أتباع الحسين بن محمد النجار (٢) . واختلفوا في الذي يقوم بالقلب هل هو المعرفة أم التصديق، على قولين اثنين. وهل يكفي في المعرفة القلبية الاعتقاد الجازم أم لا بد من العلم الصادر عن الاستدلال؟ قولان أشهرهما الأولُ الذي يَحكُم أصحابه بإيمان المقلد (٣) . واختلفوا أيضا في متعلَّق هذهِ المعرفة، ومحقِّقوهُم على أن المعتبرَ فيها هو العلمُ بكل ما عُلم بالضرورة كونُه من دين محمد ﷺ .

стр. 57

القول الثاني: الإيمانُ محصورٌ في القلب. وأصحاب هذا القول نوعان: أحدهما يقول إن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب، حتى أن من عَرفَ الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يُقرَّ به فهو مؤمن كامل الإيمان. وهذا قول الجهم بن صفوان وأبي الحسن الصالحي أحد رؤساء القدرية. وثانيهما يقول بأن الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب. وهذا مذهبُ أبي منصور الماتريدي، وروي عن أبي حنيفة، ونقله الفخر الرازي في التفسير عن الحسين بن الفضل البجلي، واختارَه. وهذا الذي استقر عليه عامةُ متكلمي الأشاعرة المتأخرين، كما في المواقف وشروحه. القول الثالث: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، ومنهم من جعل حصولَ المعرفة في القلب شرطا في كون الإقرار اللساني إيمانا، وهذا قول غيلان الدمشقي والفضل الرقاشي، ومنهم من لم يشترطه وهم الكَرَّامية. فالمنافقون عندَهم مؤمنون كامِلو الإيمان، ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم الله به! وهذا قول ظاهرُ الفساد كما يقول ابن أبي العز في شرح الطحاوية. وقد استدل الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان ويحصرون هذا الأخير في التصديق ببعض الأدلة (١) ، سأذكرها وأجيب عنها بحول الله تعالى على وجه الاختصار:

стр. 58

الدليل الأول: أن الإيمان في أصل اللغة للتصديق، فوجب أن يكون كذلك في عرف الشرع، لئلا ينافيَ وصفَ القرآن بكونه عربيا. وقد سبق الجواب عنه عند الكلام على معنى الإيمان في اللغة. وأزيد هنا قول شيخ الإسلام ﵀: " وأهلُ البدع إنما دخل عليهم الداخل لأنهم أعرضوا عن هذه الطريق (١) ، وصاروا يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله ورسوله، وكلُّ مقدماتٍ تخالف بيان الله ورسوله، فإنها تكون ضلالا" (٢) . الدليل الثاني: أن الإيمان أكثرُ الألفاظ دَوَرانا على ألسنة المسلمين، فلو صار منقولا إلى غير مسماه الأصلي، لاشتهر وبلغ حد التواتر. والجواب عن هذا القياس الاستثنائي من الشرطية المتصلة (٣) ، أننا نلتزم المقدمةَ الكُبرى، ولكننا نمنع الصغرى التي هي في حالتنا هذه رفعٌ للتَّالي من الكبرى. وبعبارة أخرى أكثرَ وضوحا لسنا نقر عدم تواتر المعنى الشرعي للفظ الإيمان، عَلِمَ ذلك مَنْ عَلِمه وجهله مَن جهله. فقد سبق أن نقلتُ من النقول عن السلف الصالح رضوان الله عليهم ما يكفي – إن شاء الله تعالى – في إثبات كون هذا المعنى الشرعي متواترا لديهم، ومُجمعا عليه عندهم. لذلك قال ابن تيمية ﵀ في معرِضِ ردِّه على القاضي أبي بكر الباقلاني: " قوله: لو فُعِل لتَواتَر، قيل: نعم، وقد تواتر أنه أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج معانيها المعروفة، وأراد بالإيمان ما بيَّنهُ بكتابه وسنة رسوله من أن العبد لا يكون مؤمنا إلا به ... فقد تواتر عنه من معاني اسم الإيمان وأحكامه ما لم يتواتر عنه في غيره، فأيُّ تواتُرٍ أبلغُ من هذا؟ " (٤) .

стр. 59

أما إنكار المتكلمين وقوع هذا التواتر، فلقلة بضاعتهم من صناعة الأحاديث والآثار، بخلاف أهل الحديث فإنهم فرسان هذا الميدان وجهابذته، وأهل التقدم فيه على غيرهم. الدليل الثالث: أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ﴾ وقوله ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ، وغيرها من الآيات. والتحقيق في هذه المسألة أن هذه النصوص لا تنفي كون الأعمال جزءا من مسمى الإيمان، بل " غايةُ ما فيها بيانُ أن إيمان القلب هو الأصل والأساس لإيمان الجوارح" (١) ، وهذا المعنى صحيح، وتوجد نصوص كثيرة تشهد له، ولا تَعارُضَ بين هذا المعنى وبينَ قولِ أهل السنة إن الإيمانَ قول وعمل. فالقلبُ هو الباعث والمُحرِّكُ الذي مِنه ينطلق التوجيه إلى الجوارح بالعمل خيرا أو شرا، والإرادةُ القلبية هي الحاكمة على أعمال الجوارح طاعةً وإيمانًا إن كانت الإرادةُ إيمانيةً، ومعصية وكفرا إن كانت الإرادة كفرية، كما في الحديث المعروف: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (٢) . فالنصوصُ المذكورة في تقرير هذا الدليل الثالث، إنما تدل على أهمية الجزء الباطن من الإيمان، دونما نفيٍ للجزء الظاهر منه الذي دلت عليه نصوص أخرى كثيرة وصريحة. على أننا نضيف أن الذي يقوم بالقلب من الإيمان ليس هو مجرد التصديق، بل هو أمرٌ زائد وهو عمل القلب الذي سبق توضيحه وبيان ركنيته في الإيمان. وكنت قد أسلفت الكلام على استلزام دخولِ أعمال القلوب في مسمى الإيمان، دخولَ أعمال الجوارح فيه أيضا، فليُتأمَّل.

стр. 60

الدليل الرابع: جاء الإيمان مقرونا بالعمل الصالح في غير موضع من الكتاب نحو: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، فدل على التغايُر بين مفهومَيْهما. والجوابُ منعُ استلزامِ التغاير، فإن مِن أنواع العطف – كما ذكر ابن هشام الأنصاري في المغني (١) : عطف العام على الخاص وبالعكس نحو ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ونحو ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ وغيرها. بل إن منها عطف الشيء على مرادفه نحو ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ و ﴿عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ وغيرها (٢) . وذلك إنما يكون لنُكتٍ بلاغيةٍ معروفة عند أهل الفن، كما يقول العلامة بهاء الدين السبكي في شرحه لمتن التلخيص: " من أسباب الإطنابِ إيرادُ الخاصِّ بعدَ العام ويؤتى به للتنبيه على فضل الخاص حتى كأنَّه ليسَ مِن جِنْس العامِّ تنزيلا للتغاير في الوصف - فيما حصل به للخاص التمييزُ عن غيره - بمنزلةِ التغاير في الذاتِ على الأسلوبِ الذي سَلَكهُ المُتنبي في قوله: فإن تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم ... ... ... فإن المسك بعض دم الغزال" (٣) . فعطفُ العمل الصالح على الإيمان هو – إذن – من عطف الخاص على العام، ويمكن أن يقال بأن علةَ ذلك هي شدةُ الاعتناءِ بالأعمال، وتنبيه المخاطب إلى خطورتها، وتحذيره من إغفالها.

стр. 61

وهنالك جوابٌ آخر ذكره صاحب " ظاهرة الإرجاء " (١) - نفع الله به -، وهو أن أعمالَ الجوارح في الأصل ليست من الإيمان، بل الإيمانُ أصلُه ما في قلبه، والأعمال لازمة له، لا تنفك عنه. ثم أدخلها الشارع فيه، فأصبح اسمُ الإيمان شاملا لها على الحقيقة شَرْعًا فكثُر في كلامه عطفُها عليه توكيدا لذلك، لكيلا يظنَّ ظان أن الإيمانَ المطلوب هو ما في القلب فقط، بل يعلم أن لازمَه - وهو العملُ - ضروريٌّ كضرورَتِه. الدليل الخامس: أن نصوصَ الكتاب وأصولَ الشرعِ قد دلَّت على أن الإيمان لا ينتفي عن الذي يترك بعضَ الأعمال، وهذا يدُلُّ - بزعمهم - على أن الأعمال ليست جزءا من مسمى الإيمان أو ركنا فيه، إذ الشيءُ يرتفعُ بارتفاعِ رُكنه، كما هو معلوم. والحقُّ أن هذا الدليل إنما يجاب به عن بدعة الخوارج والمعتزلة، لا على مذهب أهل السنة القائلين بأن جنس العمل ركن في الإيمان، بخلاف آحاده فإن فيها التفصيلَ السابقَ ذكره. فتأمَّلْه هداك الله تعالى للحق بإذنه. الباب الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه الفصل الأول: أدلة الزيادة والنقصان قلت في النظم: وعند أهل السنة الإيمان يدخله المزيد والنقصان دل على الزيد الكتاب والسنن والنقص لازم لذاك فأفهمن الشرح:

стр. 62

(وعند أهل السنة) والجماعة، أهلِ الحق وحُماتِه، فـ (الإيمان) أي مسماه الشرعي (يدخله المزيد) وهو الزيادة، قال في القاموس (١) : الزيد، بالفتح والكسر والتحريك، والزيادة والمزيد والزيدان: بمعنىً، والأخيرُ شاذ. اهـ (والنقصان) مصدر نقَص ينقُص، نَقْصا ونُقْصانا. ولما ذكرتُ الحقَّ في هذه المسألة، أردفتُه ببيان دليله فقلت: (دل على الزيد) وهو مصدر زاد يزيد كما سبق نقله من القاموس (الكتاب) أي بعض آياته التي سيأتي ذكرها (والسنن) النبوية الواضحة، وسأذكرُ بعضا منها إن شاء الله تعالى. (و) أما (النقص) في الإيمان فهو (لازم لذاك) أي للزيادة، والمعنى أن قبول الإيمان للزيادة يستلزم قبوله للنقصان. (فافهَمنْ) تكملة للبيت. تعتبر مسألة زيادة الإيمان ونقصانه من أهم وأكبر مباحث الإيمان، وذلك لكثرة ما وقع من التنازع بين المنتسبين للقبلة حولها، ولشدة تعلقها بقضايا الإيمان الأخرى مثل حقيقة الإيمان الشرعي، وحقيقة الكفر وضوابط التكفير، وحكم الاستثناء في الإيمان، وغير ذلك. ولا يخفى على المتأمل الفطن أن هذه المواضيعَ المتشابكةَ من أهم مواضيع العقيدة ومباحث الدين، لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية في الدنيا والآخرة، تتعلق سعادةُ العبد وشقاوتُه في الدارين بها، ويتوقف عزُّ الأمة أو هوانها على طبيعة الفهم السائد لها. فإذا وُجد الفهم الصحيح، الذي ينتج عنه الاعتقاد النافع والعمل الصالح، كان ذلك عنوانَ نهضة الأمة ورفعتها، وأما إذا سادت الفُهومُ الفاسدة، والآراء الكاسدة - كما هو الحال الغالب على الأمة مند فترة - فإن النتيجةَ الحتمية تكون اعتقادا باطلا، وعملا عشوائيا عقيما.

стр. 63

وقبل الشروع في إبراز أدلة زيادة الإيمان ونقصانه، نُقرِّر التلازمَ المذكور في البيت الثاني، فنقول: إنَّ كلَّ دليلٍ دل على زيادة الإيمان فإنه يدل أيضا على نقصانه، وكذلك العكس، وذلك لأن الزيادةَ تستلزم النقصَ. قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لباب زيادة الإيمان ونقصانه من صحيح البخاري:» ثم شرع المصنف - يقصد الإمام البخاري - يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحةٍ بالزيادة، وبثبوتِها يَثبُتُ المُقابل، فإنَّ كل قابل للزيادة قابلٌ للنقصان ضرورةً « (١) . ولما أورد البخاري قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ، قال:» فإذا تَرك شيئا من الكمال فهو ناقص « (٢) . قال الحافظ في الشرح:» ... وأما الكمال فليس نصا في الزيادة، بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله للزيادة « (٣) . وقال الإمام أحمد:» إنْ كان قبلَ زيادته - أي الإيمان - تاما فكيف يزيد التام فكما يزيد كذا ينقص « (٤) . وقال ابن حزم:» فإذ قد وضح وجودُ الزيادة في الإيمان (..) فبالضرورة ندري أن الزيادة تقتضي النقص ضرورةً ولابُدَّ، لأن معنى الزيادة إنما هي عدد مضاف إلى عدد، وإذا كان ذلك فذلك العدد المضاف إليه هو بيقين ناقصٌ عند عدم الزيادة فيه.. « (٥) . وقال البيهقي:» فثبت بهذه الآيات - يقصد الآيات المصرحة بزيادة الإيمان - أن الإيمانَ قابلٌ للزيادة، وإذا كان قابلا للزيادة فعُدِمت الزيادة كان عدمُها نُقصانا « (٦) . إذا تقرَّر هذا التلازُمُ، فاعلم بأن الأدلة على زيادة الإيمان كثيرة جدا، سوف أكتفي فيما يلي بذكر أشهرها وأصرحها. من القرآن:

стр. 64

ورد في القرآن الكريم آيات ستة صريحة الدلالة على زيادة الإيمان، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ .

стр. 65

وقد أورد البخاري ﵀ هذه الآيات في الباب الذي عقده في صحيحه، وخصصه لزيادة الإيمان ونقصانه. ومازال علماء الإسلام يستدلون بها، كما نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره لآية سورة الأنعام السابقة، فقال:» .. وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضُله في القلوب كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمدَ بن حنبل وأبي عبيد «. وقال أيضا عند آية سورة التوبة:» وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء «. وقال شيخ الإسلام:» والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَاَ﴾ (١) «. ثم فصل ﵀ أوجه هذه الزيادة من خلال الآيات القرآنية المذكورة. وقد عقد اللالكائي بابا في سياق ما جاء في القرآن والسنة من أدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، أورد فيه هذه الآيات إلى جانب أدلة أخرى (٢) . وقال العلامة الألوسي عند قوله تعالى ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًَاَ﴾ :» وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وبه أقول (٣) ، لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة، من غير مُعارِضٍ لها عقلا.. « (٤) .

стр. 66

ومن أظهر الآيات الدالة على زيادة الإيمان، الآيات المصرحة بزيادة الهدى مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ أو زيادة الخشوع مثل قوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ إذ الهدى والخشوع من الإيمان. ومنها الآيات الدالة على تفاضل المؤمنين، وذلك لا يكون إلا بسبب تفاضلِهم في الإيمان، وهذا يستلزمُ الزيادة والنقصان، إذ التفاضل بينهم ما حصل إلا لكون إيمانهم يزيد وينقص. ومنها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ، وقد سبق أن نقلت استدلال الإمام البخاري بها، وكلام الحافظ في شرحه. ومنها قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ . وهي من أدلة البخاري في صحيحه. قال الحافظ:» أشار - أي البخاري - إلى تفسير سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما لهذه الآية، فروى ابن جرير بسنده الصحيح إلى سعيد قال: قوله ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: يزيد يقيني، وقال مجاهد لأزداد إيمانا إلى إيماني، وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم ﵇ مع أن نبينا ﷺ قد أمر باتباع ملته، كأنه ثبت عن نبينا كذلك «. من السنة: ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة تدل على زيادة الإيمان ونقصانه، سوف أجتزئ بذكر بعضها مع بيان وجه الدلالة فيها.

стр. 67

- منها حديث أبي هريرة مرفوعا:» لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن « (١) . دل هذا الحديث على أن مرتكب المعاصي لا يفعلها وهو كامل الإيمان، أي أن مرتكبي الكبائر – غير الشرك- لا يكفرون بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان. وهذا ظاهر في الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، ولهذا بوب عليه أبو داود في سننه:» باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه «. - ومنها حديثُ شعب الإيمان، وهو في الصحيح، وقد أخرجه الترمذي في باب» ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه «من السنن. ووجه الدلالة فيه أن الناس متفاوتون في أداء هذه الشعب التي يتكون منها الإيمان تفاوتا كبيرا، يؤدي إلى تفاضل أهل الإيمان. وهذا يدل على الزيادة والنقصان. - ومنها حديث أنس بن مالك مرفوعا:» يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعير من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير « (٢) . وقد احتج البخاري بهذا الحديث في باب زيادة الإيمان ونقصانه من كتاب الإيمان (٣) ، وذلك لدلالته على أن أهل» لا إله إلا الله «- أي من معهم أصل الإيمان- متفاوتون في إيمانهم، حتى وجد منهم من لا يزيد إيمانه على أصل التوحيد إلا بمقدار قليل جدا.

стр. 68

- ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا:» أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا « (١) وهو صريح في أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بحسن الخلق وينقص بنقصه. لذلك قال ابن عبد البر:» ومعلوم أنه لا يكون هذا أكمل، حتى يكون غيرُه أنقص « (٢) . - وهنالك أحاديث أخرى متعددة في هذا المعنى، مثل حديث أبي أمامة الباهلي مرفوعا:» من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان « (٣) ، ومثل حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا:» من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان « (٤) ، وغيرها. من الإجماع وأقوال السلف: سبق أن نقلتُ في الفصل الأول قولَ الإمام البخاري:» لقيت أكثر من ألف رجل من علماء الأمصار فما رأيت أحدا يختلف في أن الإيمانَ قول وعمل، ويزيد وينقص « (٥) . وقال الإمام عبد الرزاق الصنعاني:» لقيتُ اثنين وستين شيخا () كلهم يقولون: " الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" « (٦) . وقال يحيى بن سعيد القطان:» كل من أدركت من الأئمة كانوا يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.. « (٧) . وقال ابن عبد البر:» أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية « (٨) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:» وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص « (٩) .

стр. 69

وبالجملة، فإن المُتتبِّعَ للآثار عن السلف رضوان الله عليهم، يجزِم بأن هذه العقيدة كانتْ مستقرةً عندهم، لا يدور حولها خلاف. فمن أراد السلامة في دينه ودنياه، فلينهَجْ سبيلَهم، ولينسُجْ على مِنْوالهم، وأما من تَنكَّبَ عن طريقهم، وربأَ بفهمه عن فهومهم فلا يلومَنَّ إلا نفسه والله تعالى أعلم. الفصل الثاني: أوجه الزيادة والنقصان. قلت في النظم: تفاضل الإيمان ذو أسباب قد ظهرت لدى أولي الألباب من بينها تفاضل التصديق وذاك ظاهر لدى التحقيق ومنه ما يكون بالأعمال بين مقصر وذي كمال الشرح: (تفاضل الإيمان) زيادة ونقصا (ذو أسباب) كثيرةٍ سيأتي ذكرُ بعضِها (قد ظهرت لدى أولي الألباب) من أهل العلم، (مِن بينِها) أي مِن بينِ أوجُه تفاضلِ الإيمان (تفاضل التصديق) أي حصول الزيادة والنقص في نفس قول القلب، وهذا أمر ممكن وحاصل خلافا لمن أنكره، لذلك قلت: (وذلك) التفاضل (ظاهر) لكثرة أدلته العقلية والنقلية (لدى التحقيق) في هذه المسألة بعيدا عن التعصب والجُمود. (ومنه) أي: أن من التفاضل (ما يكون بـ) سببِ (الأعمال) الظاهرة، ما (بين مُقَصِّرٍ) في الإتيان بهذه الأعمال، فإيمانه ناقص تبعا لتقصيره، وبين آخرَ (ذي كمال) في التزامِه العملي بالشريعة، أي في إتيانه بالطاعات واجتنابه للمعاصي، فإيمانه زائد تبعا لأعماله الصالحة. واعلم بأن هذه الوجه الثاني، هو أشهر أوجه زيادة الإيمان ونقصانه، حتى إن بعض أهل العلم قد يقتصر عليه فلا يُعَرِّج على غيره. كما أن الوجه الأول فيه من الخفاء ما جعل العلماء يختلفون حوله فينكره بعضهم. ولأجل هذا ذكرت هذين الوجهين في النظم ولم أذكر غيرهما، مع أن أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أكثر من ذلك، فقد حصرها شيخ الإسلام ابن تيمية في تسعة أوجه (١) : الوجه الأول:

стр. 70

الإجمال والتفصيل فيما أُمر به عبادُ الله المؤمنون، فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، فإنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، كما أن مَن عرف القرآن والسنن ومعانيَها، لزمه من الإيمان المفَصل بذلك ما لا يلزم غيره، ولو آمن رجل بالله وبالرسول ظاهرا وباطنا، ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين، مات مؤمنا بما وجب عليه من الإيمان وليس ما وجب عليه ولا ما وقع منه مثل إيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها، بل إيمان هذا الأخير أكمل وجوبا ووقوعا. الوجه الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، رغم تساويهم فيما وجب عليهم من الإيمان. فها هنا مراتب ثلاث، كلٌّ منها أكملُ من التي بعدها: مَن طلب علم ما وجب عليه فتعلمه وعمل به. من عرف ما يجب عليه والتزمه وأقر به لكنه لم يعمل به وهو مع ذلك خائف من عقوبة ربه، معترفٌ بذنبه. من لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ﷺ ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب بل هو في غفلة مع إقراره بالنبوة باطنا وظاهرا. فهذه مراتب ثلاثة اشترك أصحابها في الوجوب، وتفاوتوا في الوقوع. الوجه الثالث: أن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبتُ وأبعدُ من الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، فيجد أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يقع التفاضلُ في أمور الحواس الظاهرة، فإن رؤية الناس للهلال مثلا، وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتمَّ من بعض، ونفس الشيء في السماع والشم والذوق فكذلك علم القلب وتصديقه يتفاضل، بسبب التفاضل في المعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه.

стр. 71

وهذا التفاضل في التصديق هو الذي استقرَّ عليه قولُ عامة المحققين من أهل العلم. يقول الإمام النووي- كما نقله عنه الحافظ ابن حجر-:» والناس يتفاضلون في تصديق القلب على قدر علمهم ومعاينتهم، فمن زيادته بالعلم قوله تعالى ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًَاَ﴾ ومن المعاينة قوله تعالى: ﴿لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ . فجعل له مزية على علم اليقين «. ثم قال الحافظ:» ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها « (١) . وقال ابن رجب الحنبلي:» وهذا مبنيٌّ على أن التصديق القائم بالقلوب متفاضل، وهذا هو الصحيح (..) فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شُكِّكَ لدَخَلَه الشكُّ « (٢) . وقال شيخ الإسلام:» إن التصديق نفسه يتفاضل كُنهه، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ درجات الإيقان، كتصديقٍ زعزعته الشبهات وصدفته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشُبَهِ المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد « (٣) . ويذكر الإمام الرازي أن زيادة التصديق تكون على وجوه ثلاثة (٤) :

стр. 72

الأول: بحسَبِ كثرة الدلائل وقوَّتها، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين قال الرازي:» وهو الذي عليه عامَّة أهل العلم على ما حكاه الواحدي ﵀ «. ثم أورد على هذا الوجه اعتراضا عقليا ورده، ولكنْ على عادته المعروفة من تفصيل الإيرادات والشبه، والتقصير في الجواب عنها. ولا يخفى على المتأمل في الإيراد العقلي الذي ذكره، ضعفُ تركيبه وهلهلة نسجه، ولكن ليس هذا محل بسط ذلك. الثاني: بتوالي التكاليف، فكلما حدث تكليف جديد ازداد التصديق والإقرار، لأن من صدق إنسانا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد. الثالث: بالاطلاع المتعاقب على آثار حكمة الله في مخلوقاته، وهذا بحرٌ لا ساحل له. الوجه الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكملُ من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فمَن آمن وصدق بأن الله حق ورسولَه حق، والجنة حق والنار حق، وأوجب له هذا التصديق محبة الله وخشيته كان إيمانه أكمل من الذي لم يوجب له إيمانه ذلك. الوجه الخامس: أن أعمال القلوب كالمحبة والخشية والخشوع والتوكل والخوف والرجاء كلها من الإيمان كما سبق بيانه، وهذه الأعمال يتفاضل فيها الناس تفاضلا عظيما كما هو ظاهر بدلالة الشرع والعقل. ويكفي هنا ذكر التفاضل في المحبة الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ، لذلك قال شيخ الإسلام:» فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق والنصح لهم (..) وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة « (١) . الوجه السادس:

стр. 73

أن الأعمال الظاهرة أيضا من الإيمان، ويتفاضل الناس فيها وتزيد وتنقص، وهذا شامل لأعمال اللسان والجوارح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع. والذي عليه أهل السنة والحديث أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص « (١) . الوجه السابع: أن ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك، وثباته عليه أكمل ممن صدق بالمأمور به ولكنه غفل عنه. لذلك قال عمير بن حبيب الخطمي الصحابي:» إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه « (٢) . وقد قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وكلما تذكر الإنسان ما عرفه قبل ذلك، وعمل به، حصل له معرفة شيء آخر لم يكن عرفه قبل ذلك. وفي الحديث الصحيح:» مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت « (٣) . الوجه الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذبا أو منكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر. فإذا ظهر له بوجه من الوجوه أن هذه الأمور من الإيمان، فإنه يصدق بما كان مكذبا به، ويعرف ما كان منكرا له فهذه زيادة في الإيمان. ومن هذا الباب من ابتدع في دين الله قولا خطأ وهو مؤمن بالرسول وقاصد للاتباع لا الابتداع، ثم تبين له خطؤه فترك ما كان عليه ورجع إلى الصواب. الوجه التاسع:

стр. 74

أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلةً توجب اليقين وتبين فساد الشبه العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك. فإنه من الظاهر أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لذلك وبطلانها ليس كالعلم المستند على دليل واحد من غير معرفة بالشبه المعارضة له وفسادها. فهذا مجمل الوجوه التي يحصل بها زيادة الإيمان ونقصانه، كما ذكرها شيخ الإسلام مفصلة. والله أعلم. الفصل الثالث: أقوال المخالفين. قلت في النظم: وخالف الأحناف في التفاضل وقولهم عار عن الدلائل ومثلهم أتباع جهم ذي البدع كذا الخوارج ومن لهم تبع الشرح: (وخالف الأحناف) أتباع الإمام الجليلِ أبي حنيفةَ النعمانِ بنِ ثابت ﵀، أهل السنة والجماعة (في) مسألة (التفاضل) الحاصل في الإيمان بالزيادة والنقصان، فنفوا ذلك كما سيأتي بحول الله تعالى، (و) لكن لا عبرة بخلافهم، إذ (قولهم) هذا (عارٍ عن الدلائل) الشرعية الصحيحة والصريحة. (ومثلهم) في هذا القول (أتباعُ جهم) وهو الجهم بن صفوان رأس البدعة وإمام أهل الزندقة والإلحاد، (ذي البدع) صفة للجهم، فإن له في كل باب من أبواب العقائد قولا مبتدعا تفرد به وتبعه عليه أهل الإلحاد، فهو في الإيمان مرجئي وفي القدر جبري وفي الأسماء والصفات مُعطِّل. نسأل الله السلامة في الدين والثبات على اليقين. لذلك قال الحافظ الذهبي في ترجمته:» ما أعلمه روى شيئا ولكنه زرع شرا عظيما « (١) . (كذا الخوارجُ) قائلون بعدم قبول الإيمان الزيادة ولا النقص، (و) مثلهم (من لهم تبع) والمقصود بهم المعتزلة، وبعض علماء الأشاعرة والماتريدية.

стр. 75

وسوف أكتفي عند ذكر المخالفين، بالكلام على من يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن هذا هو أشهر الأقوال المخالفة لمذهب أهل السنة في هذه المسألة، على أنه تجدر الإشارة إلى أن هنالك قولين آخرين (١) : أولهما أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان لعدم ورود النص المصرح به. وهذه إحدى الروايتين عن الإمام مالك. وثانيهما أنه يزيد ولا ينقص، وهو مأثور عن بعض الأشاعرة ورواية عن أبي حنيفة، وهو قول الغسانية والنجارية والإباضية. أما القول المشهور بعدم الزيادة ولا النقصان، فأشهر من قال به هو الإمام أبو حنيفة، ومن تبعه من أعيان مذهبه. وهذا القول مستفيض عنه ﵀ بحيث لا مجال لإنكاره أو دفعه، فقد اتفقت كتب الفرق والمقالات على نسبته إليه، كما أن هذا القول مذكور في عامة كتب الأحناف وفي كتب العقيدة المنسوبة إلى أبي حنيفة. وقد بلغ التعصب لهذا القول ببعض الأحناف مبلغا شنيعا فقد عد بعضهم من الأمور المكفرة التي يكفر صاحبها القول بأن الإيمان يزيد وينقص (٢) !! وعده آخرون منهم قولا مبتدعا، مع أن القائلين به هم الصحابة والتابعون، ومن تبعهم بإحسان من جماهير علماء هذه الأمة (٣) ! والله المستعان. وممن يقول بعدم زيادة الإيمان ولا نقصانه فرقة الجهمية أتباع الجهم بن صفوان، التي اتفقت كلمة السلف على تبديعها وتضليلها بل وتكفيرِها، يقول ابن القيم في نونيته حاكيا هذه العقيدة عنهم: قالوا وإقرارُ العباد بأنه ... ... ... خَلاقُهم هو مُنتهى الإيمان والناس في الإيمان شيءٌ واحد ... ... ... كالمشطِ عند تماثُل الأسنان (٤)
следующие страницы →