Полный текст (146 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
التحفة المدنية
في العقيدة السلفية
تأليف
الشيخ العالم العلامة حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر
(١١٦٠ هـ - ١٢٢٥ هـ)
تحقيق
عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما قولكم أدام الله النفع بعلوكم في آيات الصفات، والأحاديث الواردة في ذلك: مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، ومثل قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ، وقول النبي ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» ،
стр. 3
وقوله ﷺ : «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» ، إلى غير ذلك مما ظاهره يوهم التشبيه؟!
فأفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذلك؟ وكيف مذهبه، ومذهبكم من بعده؟ هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره مع التنزيه؟ أم تئولون؟ وابسطوا الكلام على ذلك، وأجيبوا جوابا شافيا، تغنموا أجرا وافيا.
[وصلى الله على سيدنا محمد، وآله، وصحبه وسلم] .
стр. 4
الجواب
الحمد لله رب العالمين.
[مجمل الاعتقاد في الأسماء والصفات]
قولنا في آيات الصفات، والأحاديث الواردة في ذلك:
- ما قاله الله ورسوله.
- وما قاله سلف الأمة، وأئمتها، من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم من علماء المسلمين.
فنصف الله تعالى:
- بما وصف به نفسه في كتابه.
- وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ .
من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
стр. 5
بل نؤمن بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فهو -سبحانه- ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. بل يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله: من غير تكييف ولا تمثيل، خلافا للمشبهة، ومن غير تحريف ولا تعطيل، خلافا للمعطلة.
فمذهبنا مذهب السلف: إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع
стр. 6
في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁، فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة:
قال الإمام أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث.
وهكذا مذهب سائرهم كما سننقل عباراتهم بألفاظها إن شاء الله تعالى. ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون، فإنه يصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، ولا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا، وهم أشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله.
فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يقال: هي ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، بل هي آيات بينات، دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان
стр. 7
إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك؛ فكان الباب عندهم بابا واحدا، قد اطمأنت به قلوبهم، وسكنت إليه نفوسهم، فأنسوا من صفات كماله، ونعوت جلاله، بما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار، لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته.
قال الإمام أحمد لما سئل عن التشبيه: هو أن يقول: يد كيدي، ووجه كوجهي، فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليسا كالأسماع والأبصار.
وهو -سبحانه- موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، وهو -سبحانه- في صفات الكمال لا يماثله شيء، فهو حي، قيوم، سميع، بصير، عليم، خبير، رءوف، رحيم.
стр. 8
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[الفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤] .
وكلم موسى تكليما، وتجلى للجبل فجعله دكا. لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته.
فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة أحد، ولا كاستوائه استواء أحد، ولا كسمعه وبصره سمع أحد ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحد، ولا كتجليه تجلي أحد.
بل نعتقد أن الله -جل اسمه- في عظمته وكبريائه، وحسن أسمائه، وعلو صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته، وأن ما جاء من الصفات مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، وليس بين صفاته وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ، والله -سبحانه- قد أخبر أن في الجنة لحما، ولبنا، وعسلا، وماء، وحريرا، وذهبا. وقد قال ابن عباس: ((ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء)) .
فإذا كانت المخلوقات الغائبة ليست مثل هذه الموجودة، مع
стр. 9
اتفاقهما في الأسماء فالخالق -جل وعلا- أعظم علوا ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق، وإن اتفقت الأسماء.
وأيضا فإن الله سبحانه قد سمى نفسه حيا، عليما، سميعا، بصيرا، ملكا، رءوفا، رحيما، وقد سمى بعض مخلوقاته حيا وبعضها عليما، وبعضها سميعا بصيرا، وبعضها رءوفا رحيما، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، ولا الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.
قال الله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧] .
وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] .
وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] .
стр. 10
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] .
وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
وليس بين صفة الخالق والمخلوق مشابهة إلا في اتفاق الاسم.
[إثبات صفة العلو من كتاب الله]
وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الله سبحانه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، والعرش وما سواه فقير إليه، وهو غني عن كل شيء، لا يحتاج إلى العرش ولا غيره، ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
стр. 11
فمن قال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام، ولا يرضى ولا يغضب ولا استوى على العرش فهو معطل ملعون.
ومن قال: علمه كعلمي، أو قدرته كقدرتي، أو كلامه مثل كلامي، أو استواؤه كاستوائي، أو نزوله كنزولي فإنه ممثل ملعون.
ومن قال هذا فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة الدين، فالممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والكتاب والسنة فيهما الهدى والسداد وطريق الرشاد، فمن اعتصم بهما هُديَ، ومن تركهما ضل.
وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله ﷺ ، وهذا كلام الصحابة والتابعين وسائر الأئمة - قد دل ذلك بما هو نص أو ظاهر في أن الله سبحانه فوق العرش فوق السماوات مستو على عرشه.
ونحن نذكر من ذلك بعضه:
- قال الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
стр. 12
- وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[الفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤] .
وقد أخبر سبحانه باستوائه على عرشه في ستة مواضع من كتابه، فذكر في سورة الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، و (الم تنزيل) السجدة، والحديد.
- وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] .
- وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] .
- وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] .
- وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ و١٧] .
стр. 13
وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ و٣٧] .
ففرعون كذب موسى في قوله (إن الله في السماء) .
وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر والجاثية والأحقاف] .
وقال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] .
وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وتأمل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[الحديد: ٤] .
فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾
стр. 14
يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم وأنه لم يزل وأنه لم يخلقه بقدرته ومشيئته، ومن أثبت منهم وجود الرب جعله لازما لذاته أزلا وأبدا غير مخلوق؛ كما هو قول ابن سينا وأتباعه الملاحدة.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة الذين يقولون: ليس على العرش سوى العدم، وإن الله ليس مستويا على عرشه ولا ترفع إليه الأيدي، ولا تجوز الإشارة إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار النبي ﷺ في أعظم مجامعه في حجة الوداع، وجعل يرفع إصبعه إلى السماء، وينكبها إلى الناس، ويقول: " اللهم اشهد". وسيأتي الحديث إن شاء الله تعالى؛ فأخبر في هذه الآية الكريمة أنه على عرشه، وأنه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
стр. 15
فأخبر أنه مع علوه على خلقه وارتفاعه ومباينته لهم معهم بعلمه أينما كانوا.
قال الإمام مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
وقال نعيم بن حماد لما سئل عن معنى هذه الآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ : معناه: أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه.
وسيأتي هذا مع ما يشابهه من كلام الإمام أحمد وأبي زرعة وغيرهما.
وليس معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ : أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمه وأئمتها، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته هو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته.
وأخبر تعالى أنه ذو المعارج، تعرج الملائكه والروح إليه، وأنه
стр. 16
القاهرفوق عباده، وأن ملائكته يخافون ربهم من فوقهم، فكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق عباده على عرشه وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة.
وهو سبحانه قد أخبر أنه قريب من خلقه كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وقال النبي ﷺ : «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» .
стр. 17
وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] .
وكل ما في الكتاب والسنة من الأدلة الدالة على قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه علي في دنوه، قريب في علوه.
وقد أجمع سلف الأمة على أن الله فوق سماواته على عرشه، وهو مع خلقه بعلمه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون.
قال حنبل بن إسحاق: قيل لأبي عبد الله: ما معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة.
وسيأتي هذا الكلام مع زيادة عليه من كلام الإمام أحمد وغيره إن شاء الله تعالى.
стр. 18
إثبات صفة العلو من السنة
وأما الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في هذا الباب فكثيرة جدا:
منها: ما رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وغيرهم «عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: لطمت جارية لي، فأخبرت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: ((بلى، ائتني بها)) ، قال: فجئت بها إلى رسول الله ﷺ ، فقال لها: ((أين الله؟)) قالت: في السماء، فقال: ((فمن أنا؟)) قالت: أنت رسول الله، قال: ((اعتقها، فإنها مؤمنة)) .»
وفي هذا الحديث مسألتان:
إحداهما: قول الرجل لغيره: أين الله؟
وثانيهما: قول المسئول: في السماء.
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على الرسول ﷺ .
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت
стр. 19
زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» ، وفي لفظ آخر: كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: «إن رحمتي تغلب غضبي» ، وفي لفظ: «فهو مكتوب عنده فوق العرش» .
وهذه الألفاظ كلها صحاح في صحيح البخاري ومسلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى، قال: «قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار»
стр. 20
«وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الرب، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهو يصلون» .
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ» أخرجه أبو داود.
стр. 21
وفي الصحيحين في قصة المعراج، وهي متوترة: " «وتجاوز النبي ﷺ السماوات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى، فقربه وأدناه، وفرض عليه خمسين صلاة، فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربه، ينزل من عند ربه إلى موسى، فيسأله: كم فرض عليك؟ فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك فسله التخفيف» ".
وذكر البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه حديث أنس حديث الإسراء، وقال فيه: " «ثم علا به - يعني جبريل - فوق ذلك بما لا يعلم إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه»
стр. 22
«جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار ﵎ فقال وهو في مكانه: يا رب خفف عنا» . وذكر الحديث.
ولما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وتغنم أموالهم، قال النبي ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة» . وفي لفظ: «من فوق سبع سماوات» . وأصل القصة في الصحيحين، وهذا السياق لمحمد بن إسحاق في المغازي.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: «بعث علي بن أبي طالب إلى النبي ﷺ بذهيبة في أديم مقروض»
стр. 23
«لم تحصل من ترابها، قال: "فقسها بين أربعة: بين عيينة بن حصن بن بدر، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل "، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء» .
وفي سنن أبي داود من حديث جبير بن مطعم، قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله، سبحان الله"، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، فقال: "ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأنه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه، إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» . وقد ساق الذهبي
стр. 24
هذا الحديث في كتاب العلو من رواية محمد بن إسحاق، ثم قال: (هذا حديث غريب جدا، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم قال النبي ﷺ هذا أم لا؟ والله ليس كمثله شيء ﷻ وتقدست أسماؤه ولا إله غيره.
والأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل، فذاك صفة للرحل وللعرش، ومعاذ الله أن نعده صفة لله ، ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت.
وقولنا في هذه الأحاديث: أنا نؤمن بما صح منها وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال أو اختلف العلماء في قبوله وتأويله، فإنا لا نتعرض له بتقرير، بل نرويه في الجملة ونبين حاله، وهذا الحديث إنما سقناه لما فيه مما تواتر من علو الله على عرشه مما يوافق آيات الكتاب) .
وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد من «حديث العباس بن عبد المطلب، قال: كنت جالسا بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ ، فمرت سحابة، فنظر إليها، فقال: "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب، قال: "والمزن"، قالوا: والمزن، قال: "والعنان"، قالوا: والعنان، قال: "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري، قال: "إن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون»
стр. 25
«سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء وسماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش، أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك» ، زاد أحمد: «وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم» .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة «أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ " فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: "من أنا؟ " فأشارت بأصبعها إلى»
стр. 26
«رسول الله ﷺ وإلى السماء، أي: أنت رسول الله، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة» .
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي جامع الترمذي أيضا «عن عمران بن حصين، قال: قال النبي ﷺ لأبيه حصين: "كم تعبد اليوم إلها؟ "، قال: سبعة: ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: "فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ "، قال: الذي في السماء، قال: "يا حصين، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك"، قال: فلما أسلم حصين، قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: "قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي» .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته»
стр. 27
«إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» .
وفي حديث الشفاعة الطويل عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فأدخل على ربي ﵎ وهو على عرشه» وذكر الحديث، وفي بعض ألفاظ البخاري في صحيحه: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه» .
وصح عن أبي هريرة بإسناد مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة سيارة يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم، فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم» . وأصل الحديث في صحيح مسلم، ولفظه: «فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء، فيسألهم الله ، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟» الحديث.
стр. 28
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا لا يتسع هذا الجواب لبسطها، وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله وألهمه رشده، وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه، بل لا تزيده كثرة الأدلة إلا حيرة وضلالا؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤ و٦٨] .
وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾
[الإسراء:٨٢] .
وقال جل ذكره: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] .
وقال ﵎: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥] .
وقال : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .
стр. 29
[الكلام في الكيفية]
والمقصود أن نصوص الكتاب والسنه قد نطقت، بل قد تواترت بإثبات علو الله على خلقه، وأنه فوق سماواته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هو.
فإن قال السائل: كيف استوى على عرشه؟
قيل له؛ كما قال ربيعة ومالك وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا؟
قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته. قيل: ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، فكيف تطالبني بكيفية استوائه على عرشة وتكليمه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تقر بأن له ذاتا حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فاستواؤه ونزوله وكلامه ثابت في نفس الأمر، ولا يشابهه فيها استواء المخلوقين وكلامهم ونزولهم، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل
стр. 30
الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل، صفات سائر الذوات، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات. فإذا كانت ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين فصفات الخالق لا تشبه صفات المخلوقين.
وكثير من الناس يتوهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في محاذير.
ومنها: أنه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته.
ومنها: أن يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل صفات الكمال التي يستحقها
стр. 31
الرب، ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدا في أسمائه وآياته.
[الاستواء ومعناه]
ومثال ذلك أن النصوص كلها قد دلت على وصف الإله ﵎ بالفوقية وعلوه على المخلوقات واستوائه على عرشه، وليس في كتاب الله والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجا عنه ولا مباينه ولا مداخله، فيظن المتوهم أنه إذا وصف الله تعالى بالاستواء على العرش كان الاستواء كاستواء الإنسان على ظهر الفلك والأنعام؛ كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣] . فيخيل لهذا الجاهل بالله وصفاته أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
بل هو غني عن العرش وغيره، وكل ما سواه مفتقر إليه، فكيف يتوهم أنه إذ كان مستويا على العرش كان محتاجا إليه؟! تعالى الله عن ذلك وتقدس.
стр. 32
وأيضا فقد علم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقرا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله الأرض، والسحاب أيضا فوق الأرض وليس مفتقرا إلى أن تحمله، والسماوات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها، فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجا إلى عرشه أو خلقه، أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار، وهو ليس يستلزم في المخلوقات، وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] .
وقول النبي ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» ، وقوله في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» .
فمن توهم من هذه النصوص أن الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال باتفاق العلماء.
فلو قال القائل: العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل: في السماء، ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء،
стр. 33
ولم يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السماوات، بل ولا الجنة، فإن السماء يراد به العلو سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها.
قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] .
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] .
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى كان المفهوم من قوله "إنه في السماء" أنه في العلو وأنه كان فوق كل شيء، وكذا الجارية لما قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء، وإنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها.
وإذا قيل: العلو - فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم إلا الله، كما لو قيل العرش في السماء كان المراد أنه عليها.
стр. 34
كما قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧، والنحل: ٣٦] .
وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] .
وقال عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] .
وبالجملة فمن قال: إن الله في السماء، وأراد أنه في جوف السماء، بحيث تحصره وتحيط به - فقد أخطأ وضل ضلالا بعيدا. وإن أراد بذلك أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب.
[إجماع أهل العلم على إثبات العلو]
وهذا اعتقاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، ومن لم يعتقد ذلك كان مكذبا الرسل، متبعا غير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلا لربه، نافيا له، ولا يكون له في الحقيقة إله يعبده، ولا رب يسأله ويقصده، وهذا قول الجهمية.
والله تعالى قد فطر العباد عربهم وعجمهم على أنهم إذا دعوا
стр. 35
الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط بالله: يالله، إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة. بل قد فطر الله على ذلك جميع الأمم في الجاهلية والإسلام؛ إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته.
قال ابن قتيبة: ما زالت الأمم عربها وعجمها في جاهليتها وإسلامها، معترفة بأن الله في السماء، أي على السماء، فهو سبحانه قد أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بأنه استوى على عرشه استواء يليق بجلاله، ويناسب كبرياءه، وهو غني عن العرش وعن حملة العرش، والاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ كما قالته أم سلمة، وربيعة، ومالك. وهذا مذهب أئمة المسلمين، وهو الظاهر من لفظ "استوى" عند عامة المسلمين الباقين على الفطرة السليمة، التي لم تنحرف إلى تعطيل ولا إلى تمثيل.
وهذا هو الذي أراده يزيد بن هارون الواسطي المتفق على إمامته وجلالته وفضله، وهو من أتباع التابعين، حيث قال: من زعم أن
стр. 36
"الرحمن على العرش استوى" خلاف ما يقر في نفوس العامة، فهو جهمي.
فإذا الذي أقره الله في فطر عباده وجبلهم عليه أن ربهم فوق سماواته.
وقد جمع العلماء في هذا الباب مصنفات كبارا وصغارا، وسنذكر بعض ألفاظهم في آخر هذه الفتوى إن شاء الله تعالى.
وليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله، ولا عن أحد من سلف الأمة، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا عن أئمة الدين - حرف واحد يخالف ذلك.
ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه في كل مكان، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها.
بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم، ويقول: اللهم اشهد» ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث.
стр. 37
[معنى: ظاهرها غير مراد]
واعلم أن كثيرا من المتأخرين يقولون: هذا مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها: إقرارها على ما جاءت مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهذا لفظ مجمل، فإن قول القائل: ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين. فلا شك أن هذا غير مراد. ومن قال هذا فقد أصاب، لكن أخطأ في إطلاق القول: إن هذا ظاهر النصوص، فإن هذا ليس هو الظاهر، فإن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري وننزه ذاته المقدسة عن الأشياء من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نشبهها، أو نكيفها، أو نمثلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى الاستواء الاستيلاء، ولا معنى نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا نزول رحمته ونحو ذلك، بل نؤمن بأنها صفات حقيقة، والكلام فيها كالكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، فإذا كانت الذات تثبت إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.
ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها ولا يدري ما أراد الله
стр. 38
ورسوله منها، ولكن يقرؤها ألفاظا لا معاني لها، ويعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وأنها بمنزلة ﴿كهيعص﴾ ، ﴿حم عسق﴾ ، ﴿المص﴾ ، وظن أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يعلمون حقيقة قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، ونحو ذلك - فهذا الظان من أجهل الناس بعقيدة السلف.
وهذا الظن يتضمن استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات، ويروون حديث النزول وأمثاله ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أريد به، ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعرف معناه، فمن ظن أن هذه عقيدة السلف فقد أخطأ في ذلك خطأ بينا.
بل السلف ﵃ أثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى
стр. 39
بين ضلالين، خرج من مذهب المعطلين والمشبهين كما خرج اللبن: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] .
[ما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ ]
وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات فلا نعطل ولا نمثل، ولا نؤول، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر؛ ولا نقول: له أيد كأيدي المخلوقين، ولا أن له وجها كوجوههم، ولا سمعا وبصرا كأسماعهم وأبصارهم. بل نقول: له ذات حقيقة ليست كالذوات، وله صفات حقيقة لا مجازا، ليست كصفات المخلوقين، فكذلك قولنا في وجهه ويديه وكلامه واستوائه.
وهو سبحانه قد وصف نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، فسمى نفسه: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] ، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
стр. 40
إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسنى، ووصف نفسه بما ذكره من الصفات كسورة (الإخلاص) وأول (الحديد) وأول (طه) وغير ذلك، ووصف نفسه بأنه يحب ويكره، ويمقت ويرضى ويغضب، ويأسف ويسخط، ويجيء ويأتي، وأنه استوى على عرشه، وأن له علما وحياة، وقدرة وإرادة، وسمعا وبصرا، ووجها ويدا، وأن له يدين، وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه، وتنزل بالأمر من عنده، وأنه قريب، وأنه مع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المتقين، وأن السماوات مطويات بيمينه.
ووصفه رسوله ﷺ بأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه. وغير ذلك مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ .
وكل هذه الصفات تساق مساقا واحدا، وقولنا فيها كقولنا في صفة العلو والاستواء، فيجب علينا الإيمان بكل ما نطق به الكتاب والسنة من صفات الرب جل وعلا، ونعلم أنها صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فلا نمثل ولا نعطل. وكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله يجب الإيمان به، سواء
следующие страницы →