← Акыда

Акыда · id 8585

التحفة المدنية في العقيدة السلفية

حمد بن ناصر آل معمر

Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

"الرحمن على العرش استوى" خلاف ما يقر في نفوس العامة، فهو جهمي. فإذا الذي أقره الله في فطر عباده وجبلهم عليه أن ربهم فوق سماواته. وقد جمع العلماء في هذا الباب مصنفات كبارا وصغارا، وسنذكر بعض ألفاظهم في آخر هذه الفتوى إن شاء الله تعالى. وليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله، ولا عن أحد من سلف الأمة، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا عن أئمة الدين - حرف واحد يخالف ذلك. ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه في كل مكان، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها. بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم، ويقول: اللهم اشهد» ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث.

стр. 37

[معنى: ظاهرها غير مراد] واعلم أن كثيرا من المتأخرين يقولون: هذا مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها: إقرارها على ما جاءت مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهذا لفظ مجمل، فإن قول القائل: ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين. فلا شك أن هذا غير مراد. ومن قال هذا فقد أصاب، لكن أخطأ في إطلاق القول: إن هذا ظاهر النصوص، فإن هذا ليس هو الظاهر، فإن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري وننزه ذاته المقدسة عن الأشياء من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نشبهها، أو نكيفها، أو نمثلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى الاستواء الاستيلاء، ولا معنى نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا نزول رحمته ونحو ذلك، بل نؤمن بأنها صفات حقيقة، والكلام فيها كالكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، فإذا كانت الذات تثبت إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية. ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها ولا يدري ما أراد الله

стр. 38

ورسوله منها، ولكن يقرؤها ألفاظا لا معاني لها، ويعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله وأنها بمنزلة ﴿كهيعص﴾ ، ﴿حم عسق﴾ ، ﴿المص﴾ ، وظن أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يعلمون حقيقة قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، ونحو ذلك - فهذا الظان من أجهل الناس بعقيدة السلف. وهذا الظن يتضمن استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات، ويروون حديث النزول وأمثاله ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أريد به، ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعرف معناه، فمن ظن أن هذه عقيدة السلف فقد أخطأ في ذلك خطأ بينا. بل السلف ﵃ أثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهدى

стр. 39

بين ضلالين، خرج من مذهب المعطلين والمشبهين كما خرج اللبن: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] . [ما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ ] وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات فلا نعطل ولا نمثل، ولا نؤول، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر؛ ولا نقول: له أيد كأيدي المخلوقين، ولا أن له وجها كوجوههم، ولا سمعا وبصرا كأسماعهم وأبصارهم. بل نقول: له ذات حقيقة ليست كالذوات، وله صفات حقيقة لا مجازا، ليست كصفات المخلوقين، فكذلك قولنا في وجهه ويديه وكلامه واستوائه. وهو سبحانه قد وصف نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، فسمى نفسه: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] ، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] .

стр. 40

إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسنى، ووصف نفسه بما ذكره من الصفات كسورة (الإخلاص) وأول (الحديد) وأول (طه) وغير ذلك، ووصف نفسه بأنه يحب ويكره، ويمقت ويرضى ويغضب، ويأسف ويسخط، ويجيء ويأتي، وأنه استوى على عرشه، وأن له علما وحياة، وقدرة وإرادة، وسمعا وبصرا، ووجها ويدا، وأن له يدين، وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه، وتنزل بالأمر من عنده، وأنه قريب، وأنه مع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المتقين، وأن السماوات مطويات بيمينه. ووصفه رسوله ﷺ بأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه. وغير ذلك مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ . وكل هذه الصفات تساق مساقا واحدا، وقولنا فيها كقولنا في صفة العلو والاستواء، فيجب علينا الإيمان بكل ما نطق به الكتاب والسنة من صفات الرب جل وعلا، ونعلم أنها صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فلا نمثل ولا نعطل. وكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله يجب الإيمان به، سواء

стр. 41

عرفنا معناه أو لم نعرفه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن عامته منصوص عليه في الكتاب والسنة. [ما تنازع فيه المتأخرون من ألفاظ] وأما ما تنازع فيه المتأخرون نفيا وإثباتا فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقا قبل منه، وإن أراد باطلا رد عليه، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى. كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك، فيقول بعض الناس: ليس في جهة، ويقول آخر: بل هو في جهة. فإن هذه الألفاظ مبتدعة في النفي والإثبات، وليس على أحدهما دليل من الكتاب ولا من السنة، ولا من كلام الصحابة والتابعين، ولا أئمة الإسلام، فإن هؤلاء لم يقل أحد منهم: إن الله في جهة؛ ولا قال: إن الله ليس في جهة، ولا قال: هو متحيز، ولا قال: ليس بمتحيز. والناطقون بهذه الألفاظ قد يريدون معنى صحيحا، وقد يريدون معنى فاسدا، فإذا قال: إن الله في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد أن الله سبحانه في جهة تحصره وتحيط به؟ أم تريد أمرا عدميا، وهو

стр. 42

ما فوق العالم، فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الجهة الوجودية وجعلت الله محصورا في المخلوقات، فهذا باطل. وإن أردت أن الله تعالى فوق المخلوقات بائن عنها فهذا حق، وليس في ذلك أن شيئا من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل هو العالي عليها المحيط بها، وقد قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «إن الله يقبض الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» فمن تكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى في هذا الصغر والحقار، كيف تحيط به وتحصره. ومن قال: إن الله ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على العرش إله يصلى له ويسجد، ومحمد لم يعرج بذاته إليه، فهذا معطل. وإن قال: مرادي ينفي الجهة أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب، ونحن نقول به.

стр. 43

وكذلك من قال: إن الله متحيز، إن أراد أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ، وإن أراد أنه محتاز عن مخلوقات بائن عنها عال عليها فقد أصاب. ومن قال: إنه ليس بمتحيز؛ إن أراد أن المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب، وإن أراد بذلك أنه ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل العالم ولا خارجه فقد أخطأ، فإن الأدلة كلها متفقة على أن الله فوق مخلوقاته عالٍ عليها، قد فطر الله على ذلك الأعراب والصبيان؛ كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "عليك بدين الأعراب والصبيان"، أي: عليك بما فطرهم الله عليه، فإن الله فطر عباده على الحق؛ كما في الصحيح عن النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» الحديث.

стр. 44

فصل [في إثبات اليد] وأما قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فاعلم أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردا كهذه، وكقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] . وجاء مثنى كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ، وكقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . وجاء مجموعا كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] .

стр. 45

فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعل بالباء إليها، فقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها، ولم يعد الفعل بالباء، فلا يحتمل ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المجاز ما يحتمله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ، فإن كل أحد يفهم من قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا؛ كما يفهم ذلك من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . وأما قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت الباء، فالفعل قد يضاف إلى يد

стр. 46

ذي اليد، والمراد الإضافة إليه؛ كقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ . وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى "يده" مفردة أو مثناة، فهو ما باشرته يده. ولهذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده؛ وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده. فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة. وقد صح عن النبي ﷺ : «إن أهل الموقف يأتون آدم، فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء» فذكروا أربعة أشياء كلها خصائصه.

стр. 47

وكذلك «قال آدم لموسى ﵉ في محاجته له: (اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده» ) . وفي لفظ آخر: ( «كتب الله لك التوراة بيده» ) وهو من أصح الأحاديث. وكذلك في الحديث المشهور: ( «إن الملائكة قالوا: يا رب، خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان» ) . وأيضا فإن لو كان قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ - مثل قوله ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ؛ لكان آدم والأنعام سواء، وأهل الموقف قالوا: «أنت أبو البشر خلقك الله بيده» ، فعلموا أن لآدم تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين.

стр. 48

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : «يقبض الله سماواته بيده اليمنى والأرض بيده الأخرى» . وقال ﷺ : «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة» الحديث. وفي صحيح مسلم في أعلى أهل الجنة منزلة: «أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها» . وقال عبد الله بن الحارث: قال النبي ﷺ : «خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، قال: وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث» . وفي الصحيح عنه صلى الله عليها وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفأها الجبار كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر؛ نزلا لأهل الجنة» .

стр. 49

وفي الصحيح مرفوعا: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» . وفي الصحيح أيضا مرفوعا: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» . وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، ثم استخرج ذريته منه، قال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون» الحديث. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا أخذها الرحمن بيمينه، فتربو في كف الرحمن حتى تكون»

стр. 50

«أعظم من الجبل» متفق على صحته. وقال نافع بن عمر: سألت ابن أبي مليكة عن "يد الله": أواحدة أو اثنتان؟ فقال: بل اثنتان. وقال عبد الله بن عباس: ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم. وقال ابن عمر وابن عباس: أول شيء خلق الله القلم، فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، فكانت الدنيا وما فيها من عمل معمول في بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده. وقال ابن وهب، عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]

стр. 51

قال: «مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة» . وهذه النصوص التي ذكرنا هي غيض من فيض، وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .

стр. 52

فصل في ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في مسألة علو الرب ﵎ على خلقه، وأنه على عرشه المجيد فوق سماواته روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: لما قبض رسول الله ﷺ قال أبو بكر ﵁: يا أيها الناس، إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت. ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، [آل عمران: ١٤٤] . وروى البخاري في تاريخه عن ابن عمر أن أبا بكر، قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت. وروى ابن أبي شيبة عن قيس، قال: لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو ركبت برذونا يلقاك

стр. 53

عظماء الناس ووجوهم، فقال عمر ﵁: ألا أراكم هاهنا؟ إنما الأمر من هاهنا. وأشار بيده إلى السماء. وروى عثمان بن سعيد الدارمي أن امرأة لقيت عمر بن الخطاب وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها ودنا منها، وأصغى لها حتى انصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالا من قريش على هذه العجوز! قال: ويلك، أتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة. والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضرني صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها. وقال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب: روينا من وجوه صحيحة أن عبد الله بن رواحة -رضي الله تعالى عنه- مشى إلى أمة له فنالها، فرأته امرأته، فجحدها. فقالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن، فإن الجنب لا يقرأ القرآن. فقال: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا

стр. 54

وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا فقالت: آمنت بالله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن. وروى الدارمي بإسناده عن ابن مسعود، قال: "العرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم". قال الحافظ الذهبي: رواه عبد الله ابن الإمام أحمد، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، واللالكائي، والبيقهي، وابن عبد البر، وإسناده صحيح. وروى الأعمش عن خيثمة عن عبد الله: "إن العبد ليهم بالأمر من التجارة حتى إذا تيسر له - نظر الله إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملك: اصرفه عنه، فيصرفه عنه". وقال عبد الله بن عباس: "تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله، فإن بين السماوات السبع إلى كرسيه سبعة أنوار، والله فوق ذلك". ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد. وروى الدارمي أن ابن عباس قال لعائشة حين استأذن عليها، وهي تموت: "وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات". وروى الدارمي عن نافع، قال: قالت عائشة: وأيم الله لو كنت أحب قتله لقتلته -يعني عثمان - وقد علم الله فوق عرشه أني لا أحب قتله.

стр. 55

وفي الصحيحين: أن زينب كانت تفتخر على أزواج رسول الله ﷺ ، تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وقد تقدم ذلك، وفي لفظ لغيرهما: كانت تقول: زوجني الرحمن من فوق عرشه، كان جبرائيل السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك. وقال علي بن الأقمر: كان مسروق إذا حدث عن عائشة، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سماوات. وقال قتادة: "قالت بنو إسرائيل: يارب أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك؟ قال: إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت استعملت عليكم أشراركم". رواه الدارمي. وقال سليمان التيمي: لو سئلت: أين الله؟ لقلت: في السماء. وقال كعب الأحبار: قال الله في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، لا يخفى علي شيء من أعمالهم. وقال مقاتل في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] .

стр. 56

قال: بعلمه يعلم نجواهم ويسمع كلامهم، وهو فوق عرشه وعلمه معهم. وقال الضحاك في الآية: هو الله على العرش وعلمه معهم. وقال عبيد بن عمير: "ينزل الرب شطر الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى إذا كان الفجر صعد الرب ". أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد. وقال الحسن: "ليس شيء عند ربك من الخلق أقرب من إسرافيل وبينه وبينه سبعة حجب، كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام، وإسرافيل دون هؤلاء، ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم السابعة". وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى الأوزاعي، قال: كنا، والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى جل ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]

стр. 57

هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمروها كما جاءت. وروى أيضا عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فقولهم ﵃ "أمروها كما جاءت" رد على المعطلة. وقولهم "بلا كيف" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم. والأربعة الباقون هم أئمة الدين في عصر تابعي التابعين: فمالك إمام الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، وسفيان الثوري إمام أهل العراق. وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول. وقال سفيان الثوري في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، قال: علمه.

стр. 58

وروى الخلال بإسناد، كل رجاله أئمة، عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] : كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق". وهذا الكلام مروي عن مالك تلميذ ربيعة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال عبد الرحمن بن مهدي: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلم موسى، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. وابن مهدي هذا هو الذي قال فيه علي بن المديني: لو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت أعلم منه لحلفت. وروى ابن حاتم عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذكر عنده الجهمية، فقال: هم أشر قولا من اليهود والنصارى، وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء. وقال عباد بن العوام أحد أئمة الحديث بواسط: كلمت بشرا المريسي وأصحابه، فرأيت آخر كلامهم: ليس على العرش شيء، أرى والله ألا يناكحوا ولا يوارثوا.

стр. 59

وقال علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد: احذروا من المريسي وأصحابه، فإن كلامهم الزندقة، وأنا كلمت أستاذهم، فلم يثبت أن في السماء إلها. وقال حماد بن زيد: الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وكان من أشد الناس على الجهمية. وقال وهب بن جرير: إياكم ورأي جهم وأصحابه، فإنهم يحالون أن ليس في السماء شيء، وما هو إلا من وحي إبليس، وما هو إلا الكفر. وقال عبد العزيز بن يحيي الكناني صاحب الشافعي، له كتاب في الرد على الجهمية، قال فيه: باب قول الجهمي في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . (زعمت الجهمية أن معنى استوى استولى) . قال: (فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال: لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر أنه خلق العرش قبل السماوات والأرض، ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستول عليه فيها) . ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير العلو والاحتجاج عليه.

стр. 60

وقال عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري: وما نطق به القرآن والحديث مثل قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ، ومثل قوله ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ، وما أشبه هذا من القرآن والحديث - لا نزيد فيه ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ومن زعم غير هذا فهو مبطل جهمي. وروى ابن أبي حاتم، قال: جاء بشر بن الوليد إلى أبي يوسف، فقال: تنهاني عن الكلام، وبشر المريسي وعلي الأحول وفلان يتكلمون؟ فقال: وما يقولون؟ قال: يقولون: إن الله في كل مكان، فبعث أبو يوسف، وقال: علي بهم، فانتهوا إليه، وقد قام بشر، فجيء بعلي الأحول والشيخ الآخر، فنظر أبو يوسف إلى الشيخ، فقال: لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك؟ وأمر به إلى الحبس، وضرب عليا الأحول وطوف به، وقد استتاب أبو يوسف بشرا المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه، وهي قصة مشهورة ذكرها ابن أبي حاتم وغيره. وأصحاب أبي حنيفة المتقدمون على هذا.

стр. 61

وقال محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ ، وفارق الجماعة كلهم، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة "لا شيء". وقال محمد أيضا في الأحاديث التي جاءت «إن الله يهبط إلى السماء الدنيا» ، ونحو هذه الأحاديث: قد رواها الثقات، فنحن نؤمن بها ولا نفسرها. ذكر ذلك عنه أبو القاسم اللالكائي. وقال سفيان بن عيينة، وقد سئل عن حديث «إن الله يحمل السماوات على أصبع» ، وحديث «القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن» ، فقال سفيان: هي كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف. وذكر ابن أبي حاتم بإسناده، عن الأصمعي، قال: قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود،

стр. 62

فقال الأصمعي: هذه كافرة بهذه المقالة، أما هذا الرجل وامرأته فما أولاهما بأن ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٣-٤] . وقال إسحاق بن راهويه إمام أهل الشام، نظير أحمد، وقيل له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ، قال: (حيثما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه) . ثم قال: (وأعلى شيء في ذلك وأثبته قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ) . وروى الخلال في كتاب السنة، قال: قال إسحاق بن راهويه: قال الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء أسفل الأرض السابعة في قعور البحار وفي كل موضع؛ كما يعلم ما في السماوات السبع وما دون العرش، أحاط بكل شيء علما. وقال قتيبة بن سعيد: هذا قول أئمة الإسلام والسنة والجماعة:

стр. 63

نعرف ربنا بأنه في السماء السابعة على عرشه؛ كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . وقتيبة هذا أحد أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث. وقال عبد الوهاب الوراق: من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش، وعلمه محيط بالدنيا والآخرة. صح ذلك عنه، وهو الذي قال فيه الإمام أحمد، وقد قيل له: من نسأل بعدك؟ فقال: عبد الوهاب. وقال خارجة بن مصعب: الجهمية كفار، أبلغ نساءهم أنهن طوالق، لا يحللن لهم، ثم تلا ﴿طه﴾ إلى قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدون من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا، فكان مذهبهم أن الله ﵎ على عرشه؛ بائن من خلقه؛ كما وصف نفسه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، وأحاط بكل شيء علما.

стр. 64

وقال أبو زرعة أيضا: هو على العرش استوى، وعلمه في كل مكان، من قال غير هذا فعليه لعنة الله. وقال علي بن المديني، الذي سماه البخاري سيد المسلمين، وقيل: ما تقول الجماعة في الاعتقاد، فقال: يثبتون الكلام والرؤية؛ ويقولون: إن الله على العرش استوى. فقيل له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، فقال: اقرأ أول الآية، يعني بالعلم؛ لأن أول الآية ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ . وقال عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه، لا نقول كما قالت الجهمية. رواه عنه الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد. وصح عن ابن المبارك أيضا أنه قال: إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وقال نعيم بن حماد الخزاعي الحافظ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] : معناه أنه لا يخفي عليه خافية بعلمه، ثم تلى قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧] .

стр. 65

وقال محمد بن إسماعيل البخاري: سمعت نعيم بن حماد، يقول: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها.

стр. 66

فصل في ذكر أقوال الأئمة الأربعة ﵃ ذكر قول الإمام أبي حنيفة ﵁ روى البيهقي في كتاب الصفات عن نعيم بن حماد، قال: سمعت نوح بن أبي مريم، يقول: كنت عند أبي حنيفة أول ما ظهر؛ إذ جاءته امرأة من ترمذ، وكانت تجالس جهما، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف نفس، فقيل لها: إن هاهنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة، فأتته، فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبد؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا، وقد وضع كتابا: أن الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] . قال: هو كما تكتب إلى الرجل إني معك، وأنت غائب عنه. ثم قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الله

стр. 67

عز وجل من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، واتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء. وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور المروي بالأسانيد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو الأرض؟ قال: قد كفر، إن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وعرشه فوق سماواته. فقلت: إنه يقول: أقول إنه على العرش، ولكنه قال: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر؛ لأن الله تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وعرشه فوق سبع سماواته. روى هذا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب (الفاروق) .

стр. 68

وقال الإمام أبو محمد موفق الدين بن قدامة: بلغني عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: من أنكر أن الله في السماء فقد كفر. فتأمل هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، فكيف يكون حكم الجاحد النافي الذي يقول: ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج أبو حنيفة على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . بين أن الله فوق السماوات فوق العرش، فقال: وعرشه فوق سماواته، وبين بهذا أن قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فوق العرش، ثم أردف ذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض، قال: لأنه أنكر أن يكون الله في السماء، وأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وكذلك أصحاب أبي حنيفة من بعده كأبي يوسف ومحمد؛ كما قدمنا ما روي عنهم، وكذلك هشام بن عبيد الله؛ كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بإسنادهما أن هشام بن عبيد الله صاحب

стр. 69

محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلا في التجهم، فتاب، فجيء به ليمتحنه، فقال: الحمد الله على التوبة، فامتحنه هشام فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري "ما بائن من خلقه"، فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب. وسيأتي كلام الطحاوي إن شاء الله تعالى. وفي الفقه الأكبر أيضا عن أبي حنيفة: لا يوصف الله بصفات المخلوقين، ولا يقال: إن يده قدرته ولا نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف. وقال في الفقه الأكبر: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ليست كأيدي خلقه، وهو خالق الأيدي جل وعلا، ووجهه ليس كوجوه خلقه، وهو خالق كل الوجوه، ونفسه ليست كنفوس خلقه، وهو خالق النفوس، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وقال في الفقه الأكبر أيضا: وله تعالى يد ووجه ونفس، بلا كيف ذكر الله تعالى في القرآن، وغضبه ورضاه وقضاه وقدرته من صفاته تعالى بلا كيف، ولا يقال غضبه عقابه، ولا رضاه ثوابه. انتهي.

стр. 70

ذكر قول الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵁ قال عبد الله بن نافع: قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد. وروى أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى، قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك إلا مبتدعا". فأمر به أن يخرج. وتقدم عن شيخه ربيعة مثل هذا الكلام. فقول ربيعة ومالك "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" - موافق لقول الباقين "أمروها كما جاءت بلا كيف". فإنما نفوا الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمروها بلا كيف"، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا؛ بمنزلة حروف المعجم. وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا فإن من ينفي الصفات

стр. 71

لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر؛ لما قالوا: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف. وأيضا فقولهم "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظا دالة على معان، فلو كانت دلالتها منفية لكان الواجب أن يقال أمروا لفظها؛ مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو يقال أمروا لفظها؛ مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت - لغو من القول. قال الذهبي بعدما ذكر كلام مالك وربيعة الذي قدمناه: وهذا قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر به في كتابه، وأنه كما يليق به، ولا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما قد وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إليه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقد تقدم ما رواه الوليد بن مسلم عن مالك بما أغنى عن إعادته. وقال أبو حاتم الرازي: حدثني ميمون بن يحيى البكري، قال: قال مالك: من قال القرآن مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.

стр. 72

ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ روى شيخ الإسلام أبو الحسن الهكاري عن أبي شعيب وأبي ثور، وكلاهما عن محمد بن إدريس ﵀، قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما - الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء. وذكر سائر الاعتقاد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي، يقول وقد سئل عن الصفات وما يؤمن به، فقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف أحد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، وأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها؛ ونثبت هذه الصفات، وننفي عنها التشبيه؛ كما نفى سبحانه التشبيه عن نفسه، فقال:

стр. 73

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق ﵁ حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب عباده، انتهى. ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله سبحانه للتضمن لمشيئته وقدرته. وقال في خطبة رسالته: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه. ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل ﵁ قال الخلال في كتاب السنة: حدثنا يوسف بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: ربنا ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، لا يخلو شيء من علمه. قال الخلال: وأخبرني الميموني، قال: سألت أبا عبد الله عمن قال: إن الله ليس على العرش، فقال: كلامهم كله يدور على الكفر. وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ما معنى قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ،

стр. 74

وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] ؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقال أبو طالب: سألت أحمد عن رجل، قال: إن الله معنا، وتلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ؟ قال: يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها، هلا قرأت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بالعلم معهم، وقال في سورة (ق) : ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] . وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا يقول: أقول كما قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، أقول هذا، ولا أجاوزه إلى غيره. فقال أبو عبد الله: هذا كلام الجهمية. قلت: فكيف تقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ؟ قال: علمه في كل مكان، وعلمه معهم، وقال: أول الآية يدل على أنه علمه.

стр. 75

وقال في موضع آخر: وإن الله على عرشه فوق السماء السابعة، يعلم ما تحت الأرض السفلى، وإنه غير مختلط بشيء من خلقه، هو ﵎ بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه. وقال في كتاب الرد على الجهمية الذي رواه الخلال، وقال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله ابن الإمام أحمد، وكتبه عبد الله من خط أبيه، قال فيه: (باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش) ، وقد قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ؟ قلنا لهم: ما أنكرتم أن يكون الله على العرش، فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو تحت العرش، وفي السماوات، وفي الأرض. قال أحمد: فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء؛ أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها شيء من عظمته، وقد أخبرنا الله أنه في السماء، فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ الآيتين [الملك: ١٦ و ١٧] .
следующие страницы →