«بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وقال ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» فكان آخرها خلافة علي رضى الله عنه.
стр. 142
ومواساتهم، وعملهم الصالح، وعلمهم النافع، وفضلهم السابغ على الأمة.
(ج) وأفضلهم الخلفاء الأربعة، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة عند أهل السنة، والدليل عليه قول ابن عمر: «كنا نخير بين الناس في زمن رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان» رواه البخاري وزاد الطبراني في الكبير: " فيعلم بذلك النبي ﷺ ولا ينكره".
ولابن عساكر: كنا نفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا.
وأخرج ابن عساكر: عن أبي هريرة قال: "كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ -ونحن متوافرون- نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان.
وأما الرواية المذكورة عن علي في المتن، فرواها أحمد وغيره، عن علي ﵁ قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر» قال الذهبي: هذا متواتر عن علي فلعن الله الرافضة ما أجهلهم.
وأخرج البخاري: عن «محمد بن علي بن أبي طالب قال قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ، قال أبو بكر قال: ثم أي؟»
стр. 143
«قال: عمر قال: وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت. قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.» .
وأما حديث أبي الدرداء فرواه عبد بن حميد وأبو نعيم وغيرهما، من طرق عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبيا» وفي لفظ: «على أحد من المسلمين بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر» .
(د) وأما فصائلهم ﵃ فكثيرة جدا:
فأما أبو بكر فهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ المراد بصاحبه: أبو بكر عندما كان معه في الغار، وهو رفيقه ﵊ في الهجرة، وصهره، وقرينه في الحياة، وبعد الممات، وهو أول من آمن من الرجال، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فلهذا لُقِّب بالصديق، لصدقه في الإيمان، ومبادرته بالتصديق.
وروى البخاري عن أبي هريرة -وذكر قصة- إلى أن قال: فقال النبي
стр. 144
صلى الله عليه وسلم: «إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي» .
وأدلة خلافته كثيرة، منها تقديمه في الصلاة، حيث قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» لذلك قال الصحابة: رضيناه لدنيانا، كما رضيه النبي ﷺ لديننا.
وفي الصحيحين: عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال في خطبته في آخر حياته: «إن من أَمَنِّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر» ويكفي إجماع الصحابة على مبايعته، وما كان الله ليجمعهم على ضلالة.
وأما عمر فهو: (فاروق) هذه الأمة، لأن الله فرق بإسلامه بين الحق والباطل، كما روى ابن عساكر وأبو نعيم عن ابن عباس أنه سأل عمر عن سبب تسميته بالفاروق، فأخبره بقصة إسلامه طويلة، أنه لما أسلم وهم مختفون قال: «يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى قال: ففيم»
стр. 145
«الاختفاء، قال فخرجنا صفين، حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إلي وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة، فسماني رسول الله ﷺ الفاروق يومئذ» لأنه ظهر الإسلام، وفرق بين الحق والباطل.
وقد تكاثرت الأحاديث في فضله وأخبر النبي ﷺ أنه من المحدثين أي: الملهمين، وأن الشيطان إذا رآه في فج سلك فجا غير فجه، وأخبر بكثرة علمه، وقوة دينه، وبشره بالجنة، وأدلة ذلك كلها في الصحيح وما يقرب منه.
وأما خلافته فقد أشير إليها في الأحاديث، كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أرَ عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن» .
стр. 146
وروى الترمذي: عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر» .
وقد تمت البيعة له بعد أن عهد إليه أبو بكر لما رأى من أهليته، فقبله المسلمون، ورضوا بإمامته، وأعز الله به الدين، وفتحت في عهده كنوز كسرى وقيصر واتسعت رقعة الإسلام.
ثم بعده عثمان بن عفان وهو "ذو النورين" سمي بذلك لأنه تزوج بنتي النبي ﷺ واحدة بعد واحدة أولا: (رقية) وماتت سنة ثنتين من الهجرة، ثم (أم كلثوم) ولما ماتت قال النبي ﷺ : «لو كان لنا بنت ثالثة لزوجناها عثمان» ولم يتفق هذا لغير عثمان أسلم قديما وهاجر الهجرتين، وجاهد مع النبي ﷺ ، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، ولما دخل مرة على النبي ﷺ جلس وسوى ثيابه، وقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» وهو الذي اشترى بئر رومة وجعلها سقاية
стр. 147
للمسلمين، وجهز جيش العسرة فدعا له النبي ﷺ بالمغفرة، وقال: «ما على عثمان ما عمل بعد اليوم.» .
وأما خلافته فكانت في أول شهر محرم عام أربع وعشرين، وكان عمر قد جعل الأمر شورى بين ستة وهم بقية العشرة ما عدا أبي عبيدة فقد مات قبل عمر وسعيد بن زيد فاتفق أهل الشورى على عثمان ﵁، وبايعه المسلمون.
ثم بعده علي بن أبي طالب ﵁، فهو: أفضل من بقي، وقد اتفقوا على خلافته، وصحة إمامته، لكن أهل الشام امتنعوا عن مبايعته حتى يسلّم لهم قتلة عثمان
وأما فضائله فكثيرة جدا فقد أسلم وله ثمان سنين، وهو أول من أسلم من الصبيان، وهو زوج فاطمة البتول، ووالد السبطين الحسن والحسين وهو ابن عم النبي ﷺ ، وقد كفله وهو صغير.
فهؤلاء هم الخلفاء الراشدون الذين أمر النبي ﷺ بالتمسك بسنته وسنتهم، والعض عليها بالنواجذ وهذا الحديث قد تقدم تخريجه أول الكتاب.
وأما حديث: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» فقد رواه أحمد
стр. 148
وأبو داود وغيرهما عن سفينة أبي عبد الرحمن مولى رسول الله ﷺ بلفظ: «الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون بعد ذلك ملكا» ، قال سفينة: فخذ، سنتي أبي بكر وعشر عمر واثنتي عشرة عثمان وست علي هكذا قال سفينة ولكن مجموع خلافتهم لا تكمل الثلاثين، حتى تضم إليها خلافة الحسن بن علي ستة أشهر.
стр. 149
الكلام في العشرة المبشرين بالجنة:
ونشهد للعشرة بالجنة، كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة ابن الجراح في الجنة» .
وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها كقوله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» ، وقوله لثابت بن قيس: «إنه من أهل الجنة» .
ولا ننزل أحدا من أهل القبلة جنة ولا نارا إلا من نزله رسول الله ﷺ ، لكنا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.
стр. 150
(أ) العشرة المشهود لهم بالجنة تقدم منهم الخلفاء الأربعة، والباقون هم: الزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل والحديث المذكور في الشهادة لهم مروي في السنن عن عبد الرحمن بن الأخنس عن سعيد بن زيد ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف
(ب) وخُصُّوا بهذه البشارة لسبقهم إلى الإسلام، وجهادهم، وبذلهم الأموال والأنفس في سبيل الله ونحو ذلك.
(ج) ونشهد بالجنة لكل من شهد له رسول الله ﷺ . كالحسن والحسين والحديث المذكور أخرجه الترمذي وصححه: عن أبي سعيد عن النبي ﷺ . والشهادة لثابت بن قيس بن شماس ﵁ رواها مسلم وأحمد عن أنس.
وقد ثبت لكثير من الصحابة الشهادة بالجنة، كعكاشة بن محصن وعبد الله بن سلام وعمار بن ياسر وغيرهم.
أما الجزم بالجنة أو النار فلا يجوز لغير من جزم له الرسول بوحي من ربه، لأنا لا نعلم ما يختم له به ولا علم لنا بما في القلوب.
(د) قوله: (لكنا نرجو للمحسن) أي: إذا رأينا من ظاهر عمله الخير رجونا له الجنة، من غير جزم، استئناسا بالنصوص الدالة على البشارة، والوعد من الله لأهل الخير، وصلاح القول والعمل.
(ونخاف على المسيء) أي: من العذاب والنار. والمسيء هو: من
стр. 151
وجوب الحج والجهاد مع كل إمام برا كان أو فاجرا
ونرى الحج والجهاد ماضيا مع كل إمام، برا كان أو فاجرا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، قال أنس: قال النبي ﷺ : «ثلاث من أصل الإيمان، الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله ، حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» رواه أبو داود.
стр. 152
(أ) ما حكم الجهاد والحج مع أئمة الجور؟
(ب) وما معنى: ماضيان؟
(ج) وما حكم الصلاة خلف الظلمة؟
(د) وما درجة الحديث المذكور؟
(هـ) وما معنى: ثلاث من أصل الإيمان؟
(و) وما دلالة الحديث؟
(أ) يلزم الرعية طاعة ولاة الأمور، ولو ظهر منهم شيء من الظلم والجور، وقد روي في الحديث: «من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية» ، وقد قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
وقد كان الصحابة والسلف يصلون خلف بعض الفسقة، ويقيمون الحج
стр. 153
والجهاد تحت إمرة بعض الولاة الظلمة، كالحجاج والمختار بن أبي عبيد والوليد بن عقبة بن أبي معيط وكل هذا رد على الرافضة القائلين: إنه لا جهاد إلا مع إمام معصوم.
(ب) وقوله: (ماضيان) أي: واقعان موقعهما في الإجزاء، وأداء الواجب، وخص الحج والجهاد لاحتياجهما إلى أمير يقاوم قطاع الطريق، ويسوس الجيش، ونحو ذلك مما يحصل بالبر والفاجر.
(ج) وأما صلاة الجمع والأعياد والجماعات خلفهم فجائزة، لأن صلاتهم في نفسها كاملة الشروط والواجبات، ولم يزل السلف يصلون خلف أمراء الجور ولا يعيدون، وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم» .
(د) وحديث أنس هذا رواه أيضا البيهقي والضياء المقدسي وفي سنده رجل مجهول، ولكن له شواهد.
(هـ) ومعنى قوله: "ثلاث من أصل الإيمان" أن هذه الثلاث من خصال الإيمان، ومما يلزم كل مؤمن اعتقادها والعمل بها، فمن أخل ببعضها نقص إيمانه.
(و) ودلالة الحديث في الخصلة الثانية، حيث أخبر أن الجهاد ماض أي: مستمر في هذه الأمة، لا يجوز تركه لجور جائر أو عدل عادل، وأنه مستقر في الشريعة، من حين فرض على النبي ﷺ ، إلى أن يقاتل الدجال في آخر الدنيا.
стр. 154
عقيدة السلف في الصحابة وما حدث بينهم
ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ .
وقال النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .
стр. 155
الغلو والإفراط في علي وأهل بيته، حتى عبدوهم من دون الله، فلأجل الرد عليهم، وإظهار بهتانهم أظهر أهل السنة فضل الصحابة وسبقهم، وجعلوه في معتقداتهم، فنحن نحب جميع الصحابة، ونترضى عنهم، ونعترف بفضلهم، ونشهد لهم بالصلاح، وندعو لهم مع أنفسنا، فنقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ .
وما ذاك إلا أنهم آمنوا وصدقوا الرسول ﷺ في وقت القلة والذلة، ثم هاجروا وتركوا البلاد والأهل والمال، ثم بذلوا نفوسهم وما يملكون رخيصة في سبيل الله، وإعلاء كلمته ونصرة رسوله، هذا مع العبادة والتهجد، والمسابقة إلى الخيرات، كما تشهد بذلك الآثار المستفيضة.
(ب) والمراد بتوليهم: محبتهم وموالاتهم كلهم، وعدم بغض أحد منهم، والحرص على الاقتداء بهم، ومعاداة من عاداهم.
(ج) و (مساوئهم) هي: ما ينقل عن بعضهم من الأعمال المرجوحة أو المكروهة، فإننا نكف عنها، ولا نعيبهم بها، بل نعتذر عنهم بأن تلك المعائب المنقولة أكثرها مكذوب عليهم، من توليد أعدائهم من الخوارج، والروافض، والنواصب، وما صح منها فهم فعلوه باجتهاد، ولهم أجر على الاجتهاد وخطؤهم مغفور.
(ج) و (ما شجر بينهم) أي: وقع بينهم من الاختلاف الذي أدى إلى القتال، كما في وقعة الجمل وصفين، نكف عن ذلك ولا نعيبهم به، بل نعتقد أن الكل مجتهد، والمخطئ منهم معذور لاجتهاده.
стр. 156
(د) قول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هذا مدح لمن جاء بعد السابقين الأولين من هذه الأمة، مقتديا بهم، داعيا لهم، مع نفسه بالمغفرة ونزع الغل، وهو: الحقد في القلب، في الآية الاعتراف بفضل الصحابة، بأنهم إخواننا أي: في الدين، وبسبقهم الذي فاقوا به من بعدهم، وبالشهادة لهم بالإيمان.
قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ هذا مدح للنبي ﷺ وصحابته، ووصف لهم بالشدة والقوة على الكفار، وبالرقة والشفقة فيما بينهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
والحديث المذكور في الصحيحين عن أبي سعيد وفي ابن ماجه عن أبي هريرة بإسناد صحيح، وسببه أنه كان بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد شيء، فنال منه خالد فقال ﷺ «لا تسبوا أصحابي ... » أي: السابقين، فإن عبد الرحمن أسلم قديما قبل الهجرة، وخالدا إنما أسلم سنة ثمان.
فكيف بسب من هو أفضل من عبد الرحمن كالشيخين؟
وكيف بما صدر ممن هو بعد خالد ﵁؟
ومعنى الحديث: أن الواحد من غير الصحابة لو أنفق في سبيل الله مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ من الثواب ثواب من أنفق من الصحابة مدا أو نصيفه، والمد: مكيال معروف، والنصيف: النصف أي: نصف المد، أو نصف أحد الصحابة.
стр. 157
عقيدة السلف في أزواج الرسول ﷺ
ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم، ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃.
стр. 158
(ب) وسمين أمهات المؤمنين لقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، أي: بمنزلة الأمهات في التوقير والاحترام، وعدم حلهن لأحد بعد الرسول ﵊، لا في الخلوة والنظر والمحرمية، لأن الله أمرهن بالحجاب، وإدناء الجلابيب، ونهاهن عن تبرج الجاهلية كغيرهن.
(ج) ومعنى المطهرات: طاهرات النفوس والقلوب، البعيدات عن رذائل الأمور، وكذا المبرآت أي: من الأدناس والفواحش والميل إليها، وذلك كرامة لنبيه، أن اصطفى له خيرة نساء أهل زمانه.
(د) أما أفضلهن فلا شك أن خديجة وعائشة هما أفضل نسائه ﵊، فخديجة أفضل بالسبق والمؤازرة والمواساة، وكونه لم يتزوج عليها، ورزق منها أولادا ونحو ذلك، وعائشة ظهر فضلها بكونه تزوجها بكرا ولم يتزوج بكرا غيرها، وكون الوحي ينزل إليه في بيتها، وكذا بما حفظت عنه من العلم والفقه الذي انتفع به من بعدها.
(هـ) ومن فضل عائشة نزول براءتها في القرآن لما رماها أهل الإفك، فأنزل الله فيها وحيا يتلى، وعلى هذا فمن رماها بما برأها الله منه فهو كافر، مكذب للقرآن، مستحق للإثم والعذاب العظيم، وذلك أنها كغيرها من نسائه قد جعلهن الله زوجات له في الدنيا والآخرة، فلا بد أن تكون كل منهن طاهرة، مبرأة من الفاحشة ونحوها، حماية لفراش نبيه ﷺ .
стр. 159
(و) وأما معاوية فهو: ابن أبي سفيان وهو من أفاضل الصحابة، أسلم مع أبيه، وصار كاتبا للوحي عند النبي ﷺ ثم صار من قوادالجيوش في الشام فجاهد وفتح بلادا كثيرة، ولما قتل عثمان طالب بدمه، وقاتل لأجل ذلك، حتى قتل علي ثم بايعه أهل الشام، وبايعه الحسن بن علي واجتمع عليه الأمر، وبقي خليفة للمسلمين، وفيهم بقية الصحابة، ولم يطعن أحد في خلافته ولا في دينه، وله فضل الصحبة، والأمانة لكتابة الوحي، والجهاد، وسائر أعمال الخير مما يمدح به.
(ز) ومعنى كونه خال المؤمنين: أنه أخو أم حبيبة أم المؤمنين إحدى زوجات النبي ﷺ .
стр. 160
حق ولاة الأمر على رعاياهم
ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين.
стр. 161
صلى الله عليه وسلم: «عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد حبشي، مجدع الأطراف، كأن رأسه زبيبة، يقودكم بكتاب الله» .
والمراد بالسمع والطاعة: سماع ما يأمرون به، وامتثاله إن لم يكن معصية بقطع النظر عن صلاحهم أو عدمه.
وقد خالف في ذلك المعتزلة والخوارج، وأجازوا الخروج على الولاة، ونبذ طاعتهم، متى أظهروا شيئا من المعاصي، ولا شك أن الخروج عليهم يسبب مفاسد عظيمة، من القتل والسلب، وتفرق الكلمة، واختلال الأمن ونحو ذلك.
(ب) وتحرم طاعتهم إن أمروا بمعصية، كفعل محرم، أو ترك واجب، لقوله ﷺ : «على المرء السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» وقوله ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» متفق عليهما.
стр. 162
(ج) والذي تجب طاعته هو من يرتضيه جمهور المسلمين، فيبايعونه ويتسلم أزمة القيادة، أو يتغلب عليهم قهرا حتى يتولى أمرهم، وليس من شرط ذلك تسميته بأمير المؤمنين، بل لو سمي خليفة أو سلطانا أو ملكا أو إماما صدق عليه أنه من الولاة المأمور بطاعتهم.
(د) والمراد بالخروج عليهم نبذ طاعتهم، ونصب العداوة لهم، ونقض العهد والبيعة معهم، وشبه قوة المسلمين واجتماع كلمتهم بالعصا القوية، فإذا تفرقوا ضعفت قوتهم، وانكسرت حدتهم، فكانوا كالعصا إذا شقت قربت من الانكسار.
(أ) بماذا تعامل المبتدعة؟
(ب) وما المراد بالجدل في الدين؟
(ج) وما الموجب للبعد عن كتب أهل البدع؟
(د) وما البدعة والمبتدعة؟
(هـ) واذكر شيئا من عقائد الرافضة، والجهمية، ومن ذكر معهم؟
(أ) يجب هجر أهل البدع وبغضهم، ومباينتهم أي: فراقهم، كما يجب مقتهم، والتحقير من شأنهم، والتحذير من شرهم، وكل ما فيه إذلالهم، وإهانتهم، مما يسبب رجوعهم إلى السنة، أو التحذير منهم، وعدم الانخداع بزخرفهم.
(ب) وأما الجدال المنهي عنه فهو: الخوض بلا علم ولا برهان، والتقعر في علم الكلام الذي لا فائدة فيه أو فيه مضرة. فأما المجادلة بالتي هي أحسن، فقد أمر الله بها لإظهار الحق، أو قمع المبطلين، ودحض المبتدعين.
(ج) والنهي عن قراءة كتب البدع وأهل الإلحاد والشرك، وكذا الإصغاء إلى كلامهم، لئلا يعلق بالذهن شيء من شبههم مما يسبب الميل
стр. 163
المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم
ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة بدعة، وكل متسم بغير الإسلام مبتدع، كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والسالمة ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها.
стр. 164
إليهم، أو تحسين مذهبهم، أو تفضيله على مذهب أهل السنة ومعتقدهم، ولكن يجوز للعالم المتمكن قراءة كتبهم للرد عليها، وإظهار تناقضها، وقلب أدلتهم عليهم، لأنه لا يخاف عليه الانخداع بتلك الشبه.
(د) وأما البدع فهي المحدثات في الدين، وقد تقدم قوله ﷺ : «فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» .
وأنواع البدع كثيرة:
فمنها: ما يكفر به كبدعة الجهمية، والقدرية، والمجسمة.
ومنها: ما لا يكفر به كالبدع التي أحدثها بنو أمية، مثل الخطبة جالسا، وتقديم خطبة العيد على الصلاة، ويلحق بها تعبد جهلة الصوفية بالرقص، والتصفيق، وأنواع المعازف، وكشف الرؤوس في الصلاة على وجه التعبد، وأمثال ذلك.
والمبتدع: كل متسم بغير الإسلام أي: من جعل له سمة وميزة ظاهرة غير ميزة المسلمين وشعارهم، أو تسمى باسم يخالف في معناه ما عليه الصحابة والتابعون.
(هـ) وأما المبتدعة المذكورون، فخصهم بالذكر لاشتهار مذاهبهم، مع
стр. 165
قبحها وبعدها عن الصواب، وقد تكفل أئمة أهل السنة بكشف عوارهم، وهتك أستارهم، ونقض أصولهم من أسِّها.
١ - (الرافضة) : هم المتسمون بالشيعة، يزعمون أنهم شايعوا أهل البيت ونصروهم، وهذه الفرقة قد عمت وطمت، وانتشر مذهبها الباطل، وتمكن في العراق وإيران والشام والهند والسند وقد انتشر
стр. 166
بكثرة في جهات من المملكة أذلهم الله، ومع كثرتهم فهم أخبث الطوائف معتقدا، وأعظمها حقدا على أهل السنة، ومن عقيدتهم سب الصحابة، وتكفير أبي بكر وعمر وعائشة وأكابر السابقين، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) فكفى وشفى، وإنما سموا رافضة لأنهم جاءوا إلى زيد بن علي بن الحسين فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نكون معك، فقال: هما صاحبا جدي، بل أتولاهما. قالوا: إذا نرفضك. فسموا رافضة وسمي من بايعه ووافقه زيدية.
٢ - (الجهمية) : نسبة إلى رئيس البدع الاعتقادية الجهم بن صفوان اشتهروا بإنكار الصفات والرؤية، وقالوا بخلق القرآن، فالسلف يطلقون اسم الجهمي على كل من نفى الصفات الثابتة بالكتاب والسنة، وقد تفرق مذهب الجهمية، في المعتزلة، والأشاعرة، والجبرية، والقدرية وغيرهم.
٣ - (الخوارج) : وهم كل من خرج عن الطاعة، وكفر بالذنوب، واستباح بذلك الدماء والأموال، وأول ما خرجوا في وقت علي ﵁، فقتلهم بالنهروان وقد ورد بشأنهم أحاديث كثيرة، تتضمن وصفهم بكثرة العبادة، حتى أن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمْرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقال: «لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد» وأكثرها في الصحيحين.
٤ - (القدرية) : وهم المنكرون للقدر، وهو تقدير الموجودات سابقا أو المنكرون لقدرة الله
стр. 167
على أفعال العباد، وتقدم تفصيل مذهبهم، وإبطاله في فصل القدر، وقد روى ابن ماجه عن جابر «أن النبي ﷺ سماهم مجوس هذه الأمة، وقال: إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تتبعوهم» .
٥ - (المرجئة) : وهم الذين غلبوا جانب الرجاء، فقالوا: لا يضر مع التوحيد ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل؛ فأباحوا المعاصي، وخففوا على الناس ارتكابها؛ وقيل: هم القائلون بأن الأعمال ليست من الإيمان، أي: أنهم أرجئوا الأعمال أي: أخروها عن الإيمان.
٦ - (المعتزلة) : أتباع عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وهم كثير لا كثرهم الله، وقد بنوا مذهبهم على خمسة أصول:
أ- العدل: وأرادوا به نفي تقدير الله المعاصي على العبد ونفي قدرته على أفعال العباد.
ب- التوحيد: وأرادوا به نفي الصفات، لأن إثباتها عندهم يلزم منه التعدد.
ج- إنفاذ الوعيد: وأرادوا به تخليد أهل الكبائر في النار تنفيذا لنصوص الوعيد.
د- المنزلة بين المنزلتين: أي: أن العاصي ليس مؤمنا ولا كافرا في الدنيا، بل في منزلة بين الكفر والإيمان.
هـ- الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: وقصدهم به الخروج على الولاة إذا أظهروا المعاصي أو الظلم. وقد أكثر العلماء من الرد عليهم، وإبطال قواعدهم وأصولهم.
٧ - (الكرَّامية) : أتباع أبي عبد الله محمد بن كرَّام بتشديد الراء، وهو ممن يثبت الصفات، إلا أنه يغالي في الإثبات، حتى انتهى به إلى التجسيم والتشبيه.
٨ - (الكلَّابية) : أتباع عبد الله بن سعيد بن كلَّاب بتشديد اللام، البصري عالم شهير، إلا أن له مخالفات في بعض الأصول كمسألة الكلام، والصفات، ونحوها.
٩ - (السالمة) : نسبة إلى رجل يقال له: ابن سالم ذكر عنه أنه كان يشبه الله تعالى بإنسان له جوارح وحواس.. إلخ.
стр. 168
١٠ - ويلحق بهذه الفرق فرقة (الأشاعرة) ينتسبون إلى أبي حسن الأشعري وقد كان في أول عمره مبتدعا، ينفي أكثر الصفات ويقول بالكلام النفسي. ولكنه رجع إلى مذهب أهل السنة، وألف في ذلك كتابه الإبانة، وكتابه مقالات الإسلاميين- وقد انتسب إليه خلق كثير، سموا أنفسهم أشعرية، وقد انتشروا في أكئر البلاد الإسلامية، وزعموا أنهم أهل السنة، وتقلدوا مذهب الأشعري القديم، وأنكروا رجوعه، وكذبوا بنسبة تلك الكتب إليه.
وهذا التفرق في الأمة مصداق الحديث في تفرق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة.
стр. 169
الكلام على الاختلاف في الفروع
وأما النسبة إلى إمام في الفروع كالطوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.
стр. 170
(جـ) والطوائف الأربع هي: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
(د) وسبب الاختلاف سعة الأدلة، وقصور الأفهام عن بعضها، فمنهم من لا يبلغه الدليل، أولا يصح عنده، أو يفهم منه غير المراد فيفتى باجتهاده، أو يلحق بعض المسائل بما يقاربها حيث لم يبلغه الدليل.
(هـ) ومعنى كون الاختلاف رحمة ومحمودا: ما فيه من التوسعة، ونفي الحرج، حيث لم يكلف كل فرد بالعمل بما هو الصواب في نفس الأمر، وليس كثرة الاختلاف رحمة في نفسه، لما يقع بسببه من التعصب والمنافسة، ولكن وقوعه من باب العذر للعباد.
(و) وأما اتفاق الأئمة على حكم أو مسألة فهو حجة قاطعة، فإن الأمة معصومة أن تجتمع على خطأ؛ والإجماع هو الدليل الثالث من أصول الأدلة، يحتج به كما يحتج بالآيات والأحاديث، والغالب أن الإجماع لا بد له من دليل قطعي من الكتاب والسنة.
نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات، برحمته وفضله آمين. وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
هذا آخر ما يتعلق بهذه الأسئلة على لمعة الاعتقاد،
والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.