← Акыда

Акыда · id 8586

التعليقات على متن لمعة الاعتقاد لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (170 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

احتجوا بمثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقد جعلوا للكفرة عذرا، حيث زعموا أن تعذيبهم ظلم وجور من الرب تعالى، حيث عاقبهم على أفعال خلقها فيهم. ولا شك أن هذا إبطال للشرع، وإنكار للحكمة والمصلحة. ثم هم لا يحتجون بذلك في الأحوال كلها؛ بل يلومون من أساء إليهم، ويؤدبون خدامهم على المخالفة، وإنما يعتذرون بالقدر عند ارتكاب الذنوب، بأن الله لم يهدهم، وأنه الذي أوقعهم في ذلك بخلقه فيهم، ونحو ذلك، وفيهم قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وعند مراد الله تفنى كميت ... وعند مراد النفس تسدي وتلحم وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ... ظهيرا على الرحمن للجبر تزعم (ب) وعند أهل السنة أن الله تعالى لا يظلم أحدا: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ وأنه أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لتقوم الحجة، وتنقطع المعذرة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . (ج) وللعباد قدرة واستطاعة على الأفعال، بموجبها كلفهم الله بالشرائع، وأمر ونهى، وبحسبها يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وبها

стр. 107

يتمكنون من الفعل والترك، وتنسب إليهم تلك الأفعال، مع أن الله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم. (د) ولا يخرج شيء عن خلق الله، فالعبد يوصف بأنه مطيع أو عاص، أو بر أو فاجر، بسبب ما يصدر عنه من الأفعال، وليس العبد هو المستقل بفعله واختياره، خلافا للقدرية النفاة، ولا مجبرا على أفعاله، خلافا للجبرية، بل الله أعطاه قدرة واختيارا بحسبه، تنسب إليه أفعاله. (هـ) قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: لم يكلف أحدا من الخلق إلا بما في وسعه، وبحسب استطاعته، والوسع: الطاقة. قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ صريح بأن للعباد استطاعة، قد أمروا بتقوى الله على مقتضاها وبقدرها. قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يخبر تعالى عن يوم القيامة، وأن كل نفس تجازى ذلك اليوم بما كسبت، أي: عملت وحصلت من خير وشر، وأنه لا ظلم على أحد، فأثبت للعباد كسبا وفعلا، ورتب عليه الثواب والعقاب. ولكن كل ذلك بعد خلق الله ومشيئته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ .

стр. 108

فصل في الإيمان والدين والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ فجعل عبادة الله، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين. وقال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ وقال رسول الله ﷺ : «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من الإيمان» فجعله متفاضلا.

стр. 109

(أ) الإيمان لغة: التصديق الجازم بالشيء، ودليله قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدق. وشرعا: ما ذكر في المتن من كونه قولا باللسان، وعملا بالأركان، واعتقادا بالجنان، والأدلة عليه كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى الشام قبل صرف القبلة. وتكرر في السنة جعل الأقوال والأعمال من الإيمان، ففي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله» ثم فسره بالشهادتين، وثبت أن النبي ﷺ جعل خصال الخير من الإيمان كصيام رمضان، وقيامه، وقيام ليلة القدر، والجهاد، والحج، واتباع الجنائز، وأداء الأمانات، ونحوها. وكذا الحديث المذكور، وهو حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» رواه البخاري ومسلم فالشهادة قول باللسان، والإماطة: عمل جوارح، والحياء: عمل قلب، وقد جعل ذلك كله من شعب الإيمان.

стр. 110

(ب) ومعنى كون الأعمال من الإيمان: أن المؤمن الموقن بكل ما جاء عن الله، يحمله يقينه على المبادرة إلى العمل، فتكون تلك الأعمال من الإيمان والدين الذي يدين به، لأن الباعث عليها ما في القلب من اليقين. وقول اللسان: يراد به الكلام كالشهادتين، والذكر، والدعاء، والتلاوة، وسائر الأقوال الخيرية. والعمل بالأركان: وهي الجوارح، وهو: كالصلاة، والصوم، والحج، والجهاد، وتغيير المنكر باليد، ونحوها. والعقد بالجنان: أي: بالقلب يراد به التصديق، والإخلاص، والتوكل، والمحبة، ونحوها، وكل هذه الأعمال من مسمى الإيمان، لأنها من آثاره. وذهب بعض (المعتزلة) أن الإيمان مجرد التصديق فقط، فكل من صدق الرسول ﵊، وإن لم يتبعه، كاليهود، فهو مؤمن عندهم. وعند (الجهمية) الإيمان هو: المعرفة بالله فقط، فإبليس، وفرعون والمشركون، واليهود، والنصارى، ونحوهم، مؤمنون كاملو الإيمان عند الجهمية، لأنهم يقرون بوجود الله، ويؤمنون به ربا وخالقا، وإن جحده بعضهم كفرعون عنادا. وقالت (المرجئة) : الإيمان هو الإقرار باللسان، دون عقد القلب، فالمنافقون عندهم مؤمنون لأنهم مقرون بألسنتهم، وهناك أقوال أخر ظاهرة البطلان.

стр. 111

ودلالة آية البينة ظاهرة، حيث ذكر العبادة، والإخلاص، والصلاة، والزكاة، ثم قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ والدين هو: الإيمان، وهذا كقوله ﷺ في حديث جبريل المشهور «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» فجعل أركان الإسلام الظاهرة، وأركان الإيمان، وركن الإحسان، كل ذلك من الدين. (ج) وأما أدلة زيادة الإيمان ونقصانه فكثيرة جدا، كقوله تعالى ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وكل ما قبل الزيادة، قبل النقص. وفي الصحيحين قول النبي ﷺ في خطبة العيد: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين» إلخ.

стр. 112

(د) والمراد بالزيادة والنقص: تفاضل الناس في الدين، بحسب كثرة العمل، وما يقوم بالقلب؛ فإذا عمل خيرا كذكر وصدقة وجهاد، زاد إيمانه، فإن عمل معصية كَسَبٍّ ونهب وكِبر وحسد، نقص إيمانه، فهذا سبب التفاضل في الأعمال والأديان. قوله ﷺ : «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان» رواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ كثيرة، وهو ظاهر في تفاضل أهل الإيمان، بحسب ما يقوم بالقلب، من قوة اليقين، أو ضعفه. و (البرة) : الحبة من البر أي: الحنطة المعروفة. و (الخردلة) : حبة الخردل أي: الشجر المعروف وحبه ضرب من الحرف يشبه حب الرشاد إلا أنه أصغر منه. و (الذرة) : واحدة الذر، هو صغار النمل المعروف.

стр. 113

فصل في الإيمان بالغيب ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ ، وصح به النقل عنه، فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه.

стр. 114

(ج) ولا يجوز رد شيء من أمور الغيب، الثابتة في الكتاب أو السنة، لمجرد استبعاد العقل، فإن العقول تضعف عن إدراك أمور الغيب. ومن الأمور الغيبية ما شاهدناه، أي: ظهر كما روي في الخبر، مثل الفتن والملاحم التي وقعت طبق ما ورد في الأحاديث ومنها ما غاب عنا، ولكنه لا بد أن يقع، كأشراط الساعة، وأحوال القيامة ونحوها.

стр. 115

أمثلة لبعض أمور الغيب التي يجب الإيمان بها المثال الأول: حادثة الإسراء والمعراج: مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا مناما، فإن قريشا أنكرته وأكبرته، ولم تكن تنكر المنامات.

стр. 116

الإسراء والمعراج، أنه ﷺ ركب البراق ونزل منه وربطه بالصخرة، وصلى وصعد، ومعه الملك واستفتح، ثم سلم على من في السماوات من الأنبياء، ثم هبط، ونحو ذلك مما يؤكد أن الإسراء والمعراج كان يقظة لا مناما، وأنه بالجسد والروح. (ج) وقد استبعد ذلك بعض من حرموا كمال الإيمان بالغيب، وأنكروا الإسراء بجسده، وزعموا أن ذلك مجرد رؤيا منامية ولو كان كذلك لما أنكره كفار قريش، فإنهم استبعدوا ذلك، وقالوا: كنا نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس شهرا ذهابا، وشهرا إيابا، ومحمد يزعم أنه أسري به إليه، فأصبح فينا. ثم لو كان الإسراء مناما لم يكن فيه معجزة ولم يكذبه أحد، فإن كل أحد قد يرى في منامه ما هو أبعد من بيت المقدس ولا يكذبه أحد، وقد بادر أبو بكر ﵁ إلى تصديقه في الإسراء، وقال: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، في خبر السماء يأتيه بكرة وعشيا.

стр. 117

المثال الثاني: حادثة موسى مع ملك الموت: ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه، لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه.

стр. 118

المثال الثالث: أشراط الساعة: ومن ذلك أشراط الساعة، مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل.

стр. 119

عنبة طافية، وأنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤها كل مسلم، وأن معه جنة ونارا، وأنه يقتل رجلا ثم يحييه، وأن القرية التي تطيعه ترزق الريف والخصب، والتي تخالفه يصيبها الجهد والقحط، وكل ذلك فتنة وابتلاء. (ج) وأما نزول عيسى بن مريم: فقد ذكر في أحاديث كثيرة توجب القطع، استوفاها ابن كثير في التفسير، في آخر سورة النساء، على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ . وفسرت الآية: بأن أهل الكتاب سوف يصدقون به عند نزوله في آخر الزمان قبل موته، وهذا هو الأشهر، وقد تضمنت الأحاديث نزول عيسى ﵇، على المنارة البيضاء بمسجد دمشق وأنه يقتل الدجال بباب لُدٍّ ووصف بأنه حكم مقسط، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتخرج الأرض بركتها، ويمكث في الأرض سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، وقد ذكر الله أنه رفعه في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ فيكون نزوله من السماء. (د) وأما خروج يأجوج ومأجوج: فقد ذكر في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ وذكر الله أن ذا القرنين جعل دونهم ردما، لما قيل له: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾

стр. 120

وذكر في الأحاديث كثرتهم وشربهم مياه الأنهار، وأن الناس يتحصنون منهم بالحصون، وأن الله يرسل عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون موتى، ثم يرسل ريحا فتلقيهم في البحار، وينزل مطر فيغسل الأرض بعدهم كما في آخر صحيح مسلم وغيره. (هـ) وأما الدابة: فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ، وقد ذكر في السنة خروج هذه الدابة، ووصفت بأنها ذات وبر، وأربع قوائم، وأنها تخرج من مكة وأنها تخاطب الناس، وأن معها عصى موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن، وتختم أنف الكافر، إلى آخر ما ذكر بشأنها. (و) وأما طلوع الشمس من المغرب: فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ، وفسرت هذه الآية في السنّة بإتيان الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا، وذلك وقت انقطاع التوبة، فهذه الأشراط ونحوها نصدق بها، ولو استبعدها أهل العقول الفاسدة، وقالوا إنها تخالف بدائه العقول، فإن الله لا يخرج شيء عن قدرته.

стр. 121

المثال الرابع: عذاب القبر ونعيمه وعذاب القبر ونعيمه حق وقد استعاذ النبي ﷺ منه، وأمر به في كل صلاة، وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق.

стр. 122

وقوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ . (ج) وقد أورد ابن كثير عند هذه الآية كثيرا من أحاديث عذاب القبر ونعيمه، ذكر في مجموعها أن الميت يجلس، ويسأل عن ربه ودينه ونبيه، وأن المؤمن يوسع عليه قبره، ويكون روضة من رياض الجنة، وأن الكافر يضيق عليه، حتى تختلف أضلاعه، ويكون حفرة من حفر النار، ونحو ذلك وقد حجب عن أبصار بني آدم للابتلاء، وليؤمنوا بالغيب، وقد كان النبي ﷺ يستعيذ في التشهد الأخير من عذاب القبر، ويأمر به، روى ذلك أبو هريرة وعائشة وغيرهما. (د) وقد وردت أحاديث في ذكر فتاني القبر، وهما الملكان الموكلان بفتنة القبر، وأنهما منكر ونكير، وذكر أن صوتهما كالرعد القاصف، وبصرهما كالبرق الخاطف، إلى آخر ما ذكر.

стр. 123

المثال الخامس: البعث بعد الموت: والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور، ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، فيقفون في موقف القيامة، حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ .

стр. 124

(أ) نؤمن بأن الله يبعث الخلق فيحييهم بعد فنائهم، وتفرق أجزائهم، ويعيدهم خلقا جديدا، ويجمعهم في موقف القيامة، والأدلة على البعث في القرآن كثيرة، ولما كان المشركون يستبعدون ذلك، احتج لذلك ببدء خلقهم، فإن الإعادة أهون، والكل هين على الله، وبإحياء الأرض بعد موتها، وبخلق السماوات والأرض مع عظمتهما، وبقدرته تعالى وعدم خروج شيء عن إرادته الكونية، وأنه إنما يقول للشيء كن فيكون، وأدلة ذلك كثيرة في القرآن، وكذلك ذكر اليوم الآخر وهول المطلع، مستوفى في الكتاب والسنة. (ب) وقد ذكر تعالى أنه يبعث الخلق؛ ليجازيهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا: خيرها وشرها، وليقتص من الظالم للمظلوم. (ج) وبين يدي ذلك النفخ في الصور وهو قرن عظيم، روي أن عظم دارة فيه كعرض السماوات والأرض. (د) وأما صفة النفخ: فهي غير معروفة للبشر، لكن ذكر في الحديث أن الأولى تكون طويلة ممدودة، وذكر أن النفخات ثلاث: الأولى: نفخة الفزع قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ والفزع: الخوف الشديد الذي يسبب الهرب ونحوه، بحيث يموج بعضهم في بعض: و ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ .

стр. 125

الثانية: نفخة الصعق قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ماتوا. الثالثة: نفخة البعث قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ فتخرج الأرواح إلى أجسادها. (هـ) والملك الذي يتولى النفخ فيه هو إسرافيل ﵇، فهو الموكل بالنفخ في الصور. (و) وصفة البعث غير معلومة لنا، لعدم المشاهدة، والله تعالى لا يعجزه شيء، وقد روي في بعض الأحاديث أن الله ينزل مطرا غزيرا تنبت منه الأجساد، وتتجمع أشلاؤها، ثم ترسل إليها الأرواح بعد النفخة الثالثة، ثم تشق عنهم الأرض فيخرجون: ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أي: يسرعون. (ز) والأجداث: القبور والأماكن التي جمع فيها خلقهم. (ح) وأما صفة الحشر ففي الصحيحين: عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ وإن أول من يكسى إبراهيم» ، وفيهما عن «عائشة قالت:»

стр. 126

«يا رسول الله ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ » ، وقد قال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ . (ط) (الغرل) : غير المختونين، فالغرلة القلفة، وتقدم معنى (البهم) . (ي) والحكمة في كونهم غرلا ليكمل خلقهم، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ . (ك) وأما وقوفهم، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وذكر في القرآن طول ذلك اليوم، وأن مقداره كألف سنة، وفي آية أخرى خمسين ألف سنة، وورد في بعض الآثار أن المؤمنين لا يحسون بطوله، وكثرت الأدلة على شدة الهول، وفظاعة ذلك اليوم، نسأل الله العافية.

стр. 127

المثال السادس: الحساب: ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ .

стр. 128

«الحساب إلا عذب» وأما قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقد قال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك العرض» أي عرض الأعمال من غير مناقشة. (ب) وظاهر أكثر الأدلة أن الحساب عام لكل فرد، وفي بعض الآثار أن الكفار يساقون إلى النار بلا حساب، لأنهم لا حسنات لهم، ولكن لا بد أن الله يسألهم: ﴿مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ و ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ وقد ذكر الله أنه يخرج للعبد كتابه، ويقول: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وأن الكافر يقول: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ . (ج) والدواوين هي: صحف الأعمال، التي دونت فيها الحسنات والسيئات، فكل يجد ما قدمت يداه في كتاب: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ .

стр. 129

(د) وهذه الكتب هي التي يعطونها بالأيمان والشمائل، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وقيل: إن الكتاب الذي يعطاه أحدهم بطاقة فيها علامة السعادة أو الشقاوة، والأول أظهر. (هـ) وأما أخذ الكافر كتابه بشماله ووراء ظهره، فقيل: تلوى الشمال خلف الظهر، وقيل: تنزع من صدره وتركب خلف ظهره، ثم يسلم كتابه بها: ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .

стр. 130

المثال السابع: الميزان: والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ .

стр. 131

ثالثا: يوزن العامل نفسه، كما في الحديث: «أنه يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ » . (ج) وأما خفته وثقله، فإنما هو بحسب صالح الأعمال أو سيئها، وبحسب الإخلاص وعدمه.

стр. 132

المثال الثامن: الحوض والصراط: ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. والصراط حق، يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار.

стр. 133

المثال التاسع: الشفاعة: ويشفع نبينا محمد ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعد ما احترقوا، وصاروا فحما وحمما، فيدخلون الجنة بشفاعته، ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.

стр. 134

المقام المحمود. (ب) وقد أحصيت شفاعاته ﷺ من الأحاديث المتواترة فبلغت ست شفاعات. (ج) والخاص به ﵊ خمس: الأولى: الشفاعة العظمى لفصل القضاء والإراحة من الموقف يطلبها الناس من أولي العزم حتى تنتهي إليه. الثانية: شفاعته في فتح أبواب الجنة لدخول أهلها. الثالثة: شفاعته لبعض أهل الجنة في رفع درجاتهم. الرابعة: شفاعته في أناس استحقوا النار أن لا يدخلوها. الخامسة: شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب. وأما العامة فهي: شفاعته وشفاعة الأنبياء والصالحين والملائكة في أناس دخلوا النار من الموحدين أن يخرجوا منها، فيخرجون بعد احتراقهم وصيرورتهم (فحما وحمما) أي: سودا فيلقون في نهر الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل. (د) ولا تكون الشفاعة للمشركين، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وقد أنكرت المعتزلة والخوارج إخراج أهل الكبائر من النار، وردوا أحاديث الشفاعة، بناء على مذهبهم في تغليب جانب الوعيد.

стр. 135

المثال العاشر: الجنة والنار والموت: والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون، والمجرمون ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: «يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت» .

стр. 136

وقال في حق آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وأخبر النبي ﷺ أنه رآهما وهو في صلاة الكسوف وغيرها، ورأى من فيهما، ووصفهما بما يوجب القطع بوجودهما الآن. (ج) وتكاثرت الأدلة على أبدية الجنة والنار، وأنهما لا تفنيان، ولا ينقطع ما فيهما أبدا وسرمدا، قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وقال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ . (د) وأما ذبح الموت، فليس المراد به الملك الموكل به وهو عزرائيل وإنما المراد حقيقة الموت الذي هو الفناء، ولا يستبعد على قدرة الله قلبه في صورة كبش، وهو الذكر من الضأن، وإيضاحه لهم حتى يعرفوه. (هـ) والحكمة في ذبحه كي يتحققوا دوام ما هم فيه، وعدم الزوال والانقطاع، وهو معنى قوله: " خلود ولا موت ". أي: لا يتصور بعد هذا موتكم وفناؤكم، لزوال سببه، فيفرح أهل الجنة، ويحزن أهل النار.

стр. 137

فصل في حق الرسول ﷺ وأصحابه ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود والحوض المورود وهو إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم.

стр. 138

الذي ليس بعده نبي. وفي حديث ثوبان الطويل قال: «وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» . (ج) وأما سيادته المرسلين، فظهرت ليلة الإسراء والمعراج بتقدمه إماما عليهم، وعلوه فوق جميعهم مقاما، إلى سدرة المنتهى، وإلى حيث شاء الله. وتظهر سيادته أيضا يوم القيامة، عندما يتأخر أكابر الرسل عن الشفاعة، حتى تنتهي إليه ﷺ فيقول: «أنا لها أنا لها» . (د) وأما فضائله ﷺ ، فأكثر من أن يحاط بها، فهو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول شافع وأول مشفع، وأول من يستفتح باب الجنة، وله المقام المحمود، والحوض المورود، وهو أكثر الأنبياء واردا، وقد شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وهو وأمته أول من يجوز

стр. 139

الصراط، وله الوسيلة وهي درجة في الجنة، إلى غير ذلك من مقاماته العلية. (هـ) وأما لواء الحمد، فهو: اللواء المعقود له يوم القيامة. وقد روى الترمذي وحسنه عن أنس أن النبي ﷺ قال: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم على ربي ولا فخر.» . وروي أيضا: عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غير فخر» . وروى الترمذي أيضا وحسنه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» الحديث. وأما المقام المحمود: فقد قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وفسر هذا المقام بأنه الشفاعة العظمى التي يحمده بها الأولون والآخرون.

стр. 140

الكلام في أمة محمد ﷺ وأصحابه: أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وأفضل أمته أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃، لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كنا نقول- والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره» . وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث» وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر» وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي ﷺ ، لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة. ثم من بعده عمر ﵁ لفضله، وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁، لتقديم أهل الشورى له. ثم علي رضى الله عنه لفضله، وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، الذين قال النبي ﷺ فيهم: «عليكم»

стр. 141

«بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وقال ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» فكان آخرها خلافة علي رضى الله عنه.

стр. 142

ومواساتهم، وعملهم الصالح، وعلمهم النافع، وفضلهم السابغ على الأمة. (ج) وأفضلهم الخلفاء الأربعة، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة عند أهل السنة، والدليل عليه قول ابن عمر: «كنا نخير بين الناس في زمن رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان» رواه البخاري وزاد الطبراني في الكبير: " فيعلم بذلك النبي ﷺ ولا ينكره". ولابن عساكر: كنا نفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا. وأخرج ابن عساكر: عن أبي هريرة قال: "كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ -ونحن متوافرون- نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وأما الرواية المذكورة عن علي في المتن، فرواها أحمد وغيره، عن علي ﵁ قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر» قال الذهبي: هذا متواتر عن علي فلعن الله الرافضة ما أجهلهم. وأخرج البخاري: عن «محمد بن علي بن أبي طالب قال قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ، قال أبو بكر قال: ثم أي؟»

стр. 143

«قال: عمر قال: وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت. قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.» . وأما حديث أبي الدرداء فرواه عبد بن حميد وأبو نعيم وغيرهما، من طرق عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبيا» وفي لفظ: «على أحد من المسلمين بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر» . (د) وأما فصائلهم ﵃ فكثيرة جدا: فأما أبو بكر فهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ المراد بصاحبه: أبو بكر عندما كان معه في الغار، وهو رفيقه ﵊ في الهجرة، وصهره، وقرينه في الحياة، وبعد الممات، وهو أول من آمن من الرجال، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فلهذا لُقِّب بالصديق، لصدقه في الإيمان، ومبادرته بالتصديق. وروى البخاري عن أبي هريرة -وذكر قصة- إلى أن قال: فقال النبي

стр. 144

صلى الله عليه وسلم: «إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي» . وأدلة خلافته كثيرة، منها تقديمه في الصلاة، حيث قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» لذلك قال الصحابة: رضيناه لدنيانا، كما رضيه النبي ﷺ لديننا. وفي الصحيحين: عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال في خطبته في آخر حياته: «إن من أَمَنِّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر» ويكفي إجماع الصحابة على مبايعته، وما كان الله ليجمعهم على ضلالة. وأما عمر فهو: (فاروق) هذه الأمة، لأن الله فرق بإسلامه بين الحق والباطل، كما روى ابن عساكر وأبو نعيم عن ابن عباس أنه سأل عمر عن سبب تسميته بالفاروق، فأخبره بقصة إسلامه طويلة، أنه لما أسلم وهم مختفون قال: «يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى قال: ففيم»

стр. 145

«الاختفاء، قال فخرجنا صفين، حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إلي وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة، فسماني رسول الله ﷺ الفاروق يومئذ» لأنه ظهر الإسلام، وفرق بين الحق والباطل. وقد تكاثرت الأحاديث في فضله وأخبر النبي ﷺ أنه من المحدثين أي: الملهمين، وأن الشيطان إذا رآه في فج سلك فجا غير فجه، وأخبر بكثرة علمه، وقوة دينه، وبشره بالجنة، وأدلة ذلك كلها في الصحيح وما يقرب منه. وأما خلافته فقد أشير إليها في الأحاديث، كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أرَ عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن» .
следующие страницы →