← Акыда

Акыда · id 8586

التعليقات على متن لمعة الاعتقاد لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (170 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أي: هم أقدر وأقوى على إظهارها، وكشف معانيها، وأحرى بذلك، وأحق بالحصول عليه لو كان فيه فضل، فلما كفوا عنها مع قدرتهم دل على أن لا خير في بحثها، فالوقوف حيث وقفوا أولى بمن أراد نجاة نفسه. (و) فإن قيل: إنها تجددت بعدهم، وأنهم لم يتوسعوا في العلم، ولو بحثت في وقتهم وظهرت لتكلموا فيها!! فالجواب: إن الذين أحدثوها لا يقاسون بالصحابة، ولا يدانونهم في العلم ولا في الفضل، وإحداثهم لهذه البدع دليل على أنهم قد زاغوا عن السبيل، وخالفوا هدي الصحابة، رغبة عن سنتهم، ورضوا لأنفسهم أن يسلكوا غير سبيلهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . (ز) (وقد وصفوا منه ما يشفي وتكلموا منه بما يكفي) أي: لم يخف عليهم هذا الأمر الذي قيل إنه متجدد بعدهم، بل قد علموه، ولكنهم سكتوا عما لا يعنيهم، واشتغلوا بما لهم فيه فائدة، فوضحوه وتكلموا بما فيه الكفاية لمن أراد الله هدايته، وتكلموا أيضا في تلك الأمور المبتدعة، فنهوا عن الخوض في القدر، وحذروا من القدرية، والخوارج، والمعطلة ونحوهم. (ح) (فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر) أي: من تجاوزهم وتكلم

стр. 37

بما سكتوا عنه حسر وعجز، وانتهى إلى الحيرة والشك، كما حدث لبعض كبار المتكلمين، ومن تجاهل علمهم وترك ما بحثوا فيه فهو مقصر أي: ناقص المعرفة. والجفاء: هو التنقص والاحتقار للدين، وذلك فيمن ترك شيئا من علومه الواجبة. والغلو هو مجاوزة الحد، كالتدخل فيما لا يعني الإنسان، وخير الأمور أوساطها، وهو الصراط المستقيم.

стр. 38

٣ - قول الإمام الأوزاعي في هذا الباب: وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول.

стр. 39

ويرمونهم بالرجعية والتقهقر والتزمت ... إلخ. مما هم بريئون منه. (د) وآراء الرجال: تخرصاتهم، واستحساناتهم التي قالوها بمجرد النظر والظن، مع مخالفتها للدليل، أي: اتركها وابتعد عنها. (هـ) والزخرفة: الزينة والصبغة الجميلة ظاهرا، وأصل الزخرف: الذهب، ثم شبه به كل مموه ومزور، أي: لا تقبل أفكارهم وآراءهم، ولو بالغوا في تحسينها وتحليتها إلى المسامع، وأكثروا لها من تعليل، مادامت مخالفة للحق، ودلالة الأثر في أمر الأوزاعي ﵀ باتباع آثار السلف الصالح، في العقائد والأعمال، ونهيه عن بدع المبتدعين.

стр. 40

٤ - قول الإمام الأدرمي في هذا الباب: وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة، ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها. قال: أفوسعهم أن لا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم. قال: فشيء وسع رسول الله ﷺ وخلفاءه لا يسعك أنت، فانقطع الرجل، فقال الخليفة -وكان حاضرا: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم. وهكذا من لم يسعه ما وسع أصحاب رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه.

стр. 41

والصواب ما هنا. (ب) وتلك البدعة هي القول بخلق القرآن. (ج) والمبتدع هو: أحمد بن أبي دؤاد فهو الذي زين للخلفاء امتحان أهل السنة، وإلزامهم بهذا القول، فامتحن الإمام أحمد وغيره، وضربوا، وحبسوا، حتى نصرهم الله. وأول من هم بالمحنة الخليفة المأمون فمات قبل التمكن منها، ونفذها بعده أخوه المعتصم ثم بعده الواثق. (د) والمراد بالخليفة هنا هو: الواثق. ودلالة هذا الأثر واضحة هنا في وجوب السير على آثار السلف، وترك البدع التي أحدثت بعدهم، فإنهم لو جهلوها لكان الدين ناقصا في وقتهم، وذلك ينافي قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ . وفي بعض ألفاظ هذه المناظرة أنه قال لابن أبي دؤاد: فيا لكع بن لكع، يجهل رسول الله ﷺ وخلفاؤه شيئا، وتعلمه أنت؟ فإنه من المستقر في عقائد المسلمين تفضيل الرسول ﵊، وخلفائه الراشدين على من بعدهم، في العلم، والدين، وسائر صفات الفضل؛ وحيث أن الرسول ﵊ قد بين وبلغ ما أوحي إليه، ولم يكتم منه شيئا، ولم ينزل بعده وحي، وحيث أن أصحابه قد ورثوا سنته، وقاموا بتبليغها بعده؛ فمن المحال أن يكون من بعدهم خيرا منهم في هذه الأمور

стр. 42

وعلى فرض أنهم علموا هذه العلوم التي يخوض فيها من بعدهم، واعتقدوها حسب اعتقاد هؤلاء المبتدعة، فإنهم لم يلزموا الناس باعتقادها، ولم يدعوهم إليها، فلا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم، وحينئذ فقد وسع الرسول ﷺ ، والصحابة، والتابعين لهم بإحسان قراءة آيات الصفات، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت بلا كيف فمن لم يسعه ذلك فلا وسع الله عليه.

стр. 43

أمثلة لبعض الآيات والأحاديث التي أثبتت بعض الصفات أولا: الآيات: الصفة الأولى: الوجه: فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ .

стр. 44

وقوله: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» . وفي الحديث أيضا: «حجابة النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» . فأهل السنة يثبتون الوجه صفة لله، على ما يليق بجلاله، زائدة على الذات، ولا يشبهونه بما يختص بالمخلوق.

стр. 45

الصفة الثانية: اليدان: وقوله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ .

стр. 46

«وكتب التوراة بيده» ونحو هذه الأدلة كثيرة، فيثبتها أهل السنة، مع نفي التشبيه كسائر الصفات. (ب) وأنكر المعتزلة ونحوهم هذه الصفة، وفسروها بالنعمة أو القدرة، وهذا حمل لكلام الله وكلام رسول الله على مجاز بعيد عن المتبادر إلى الأفهام، ولا يناسب ذلك جميع النصوص، ولا يقال: الله خلق آدم بقدرتين أو نعمتين، وعليه أيضا لا يكون لأدم مزية على سائر الخلق التي خلقت بقدرة الله.

стр. 47

الصفة الثالثة: النفس: وقوله تعالى إخبارا عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ .

стр. 48

الصفة الرابعة: المجيء والإتيان: وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ .

стр. 49

مجيئا حقيقيا كما هو المفهوم من النصوص، إلا أنهم يتوقفون عن الكيفية، ويعتقدون أنه تعالى لا يشبه بشيء من خصائص الخلق. (ج) وأنكر ذلك الجهمية، والأشعرية ونحوهم، لأنه بزعمهم من خصائص المحدثات والمركبات؛ وتأولوا الآيات ونحوها بأن المراد: يجيء أمره. ونحو ذلك، وهو تأويل بعيد، يفتح لكل ملحد باب التقديرات في القرآن، ليصرفه عن المفهوم المتبادر إلى العقل من معناه، والقرآن ظاهر المعنى لكل مؤمن سليم الفطرة، وأيضا فإن أمره سبحانه ينزل كل حين، لا يختص بيوم القيامة، ولو كان المراد أمره لصح نفي حكم الله بين العباد، والقول بأن الحكم من غيره، وهو باطل.

стр. 50

الصفة الخامسة: الرضا: الصفة السادسة: المحبة: الصفة السابعة: الغضب: الصفة الثامنة: السخط: الصفة التاسعة: الكراهية: وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ، وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقوله في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ .

стр. 51

كصفة الرضى، والغضب، والمحبة، والكراهة، والسخط، فنثبت ذلك لله كما أثبته لنفسه ونفوض إليه العلم بكيفيتها. (ج) وأنكر ذلك النفاة من المعتزلة والأشاعرة ونحوهم، قالوا: لأن المحبة رقة في القلب، تستدعي الميل إلى المحبوب، ولأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذه الأحوال إنما تناسب المخلوق. وتأولوا الرضا والمحبة: بالإكرام، والنصر، والثواب، وتأولوا الغضب والكراهة والسخط: بأنه العقاب، ونحو ذلك مما هو صرف للقرآن والسنة عما هو المتبادر منهما إلى أفهام المخاطبين.

стр. 52

ثانيا: الأحاديث: الصفة العاشرة: النزول: ومن السنة قوله ﷺ :

стр. 53

«ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» .

стр. 54

الصفة الحادية عشر: العجب: الصفة الثانية عشر: الضحك: وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة» وقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة» ، فهذا وما أشبهه، مما صح سنده، وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وكل ما تخيل في الذهن، أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه.

стр. 55

(هـ) وما معنى قوله: تخيل في الذهن، أو خطر بالبال؟ (أ) في الحديث الأول: إثبات صفة العجب لله تعالى على ما يليق به، وسبب العجب استحسان المتعجب منه واستغرابه، وهو هنا كون الشاب ليست له صبوة، أي: ميل إلى اللهو والهوى، فإن عادة الشباب الإكباب على ملذات النفس من اللهو والبطالة، فإذا وجد شاب عَزُوفٌ عن الشهوات، مُعْرِضٌ عن أنواع المشتهيات الملهية، مقبل على الآخرة وما يقرِّب إليها، كان مما يثير العجب، وهو من أسباب مضاعفة الثواب. وفي الحديث الثاني إثبات صفة الضحك لله تعالى، على ما يليق بجلاله. والعجب والضحك من الصفات الفعلية الاختيارية، يفعلها تعالى متى شاء، وسبب الضحك في الحديث التعجب من اجتماع القاتل والمقتول في الجنة، وذلك أن القاتل كان كافرا، فأسلم وقاتل في سبيل الله فاستشهد، وهذا الحديث متفق على صحته، وأما الأول فهو حسن، رواه أحمد وأبو يعلى والبيهقي وغيرهم. (ب) وتقبل الأحاديث في العقائد، كما تقبل في الأعمال، بشرط صحتها، وعدالة نقلتها وثقتهم، خلافا لأهل البدع القائلين: إن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن، فلا تقبل في العقائد، والمراد بالآحاد ما عدا المتواتر، والصحيح قبولها، وإفادتها اليقين. (ج) (ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره) : كتأويل النفاة بقولهم: إن

стр. 56

الضحك والعجب يراد بهما الثواب، ونحو ذلك، ففيه دليل على أن الواجب القول بما دل عليه الظاهر، مع اعتقاد نفي مشابهة المخلوقين، على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . (د) و (صفات المخلوقين) : ميزاتهم وخصائصهم، (والسمات) : الهيئات والأشكال، و (المحدثون) : الخلق الذين أحدثهم الله. (هـ) (وكلما تخيل في الذهن ... إلخ) هذا كقوله في الخطبة: لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير؛ لأن المخلوق قاصر عن أن يحيط بكنه الباري، أو يصل بفكره إلى كيفية شيء من صفاته: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ .

стр. 57

الصفة الثالثة عشر: الاستواء: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .

стр. 58

«بأرض فلاة» مع قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ . (ج) وقد فسر السلف الاستواء بأربعة تفاسير، ذكرها ابن القيم ﵀ بقوله في الكافية الشافية: ولهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ار ... تفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيره ... أدرى من الجهمي بالقرآن وقد كدّرت نصوص الاستواء وتفاسير السلف لها صفو مشارب الجهمية، حتى تمنى الجهم بن صفوان أن يحك آية الاستواء من المصاحف، وقد ذهبوا في تأويلها كل مذهب، وطعنوا في تفاسير السلف بشبه وهمية زعموها عقلية، وإنما هي خيالات باطلة، وأغلب كتب النفاة تعتمد تفسير استوى: باستولى، أو تفسير العرش: بالملك، ويستدلون ببيت شعر وهو: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق وهذا التفسير غير معروف عند العرب، ولم ينقله أحد من أئمة اللغة

стр. 59

والبيت لا يعرف في دواوين العلم الصحيحة، وفيه تصحيف، وعلى تقدير ثبوته فالاستواء فيه هو الاستقرار، أي: استقر على عرشها، واطمأن بها. ولو كان الاستواء في الآيات هو الاستيلاء لم يكن لتخصيص العرش فائدة، فإن الله تعالى مستول على جميع المخلوقات.

стр. 60

الصفة الرابعة عشر: العلو والفوقية: وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ، وقول النبي ﷺ : «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» وقال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة» رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة. وقال النبي ﷺ : «لحصين كم إلها تعبد؟ قال: سبعة. ستة في الأرض وواحدا في السماء. قال: ومن لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي» ، وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء.

стр. 61

(هـ) وبين دلالة الأثر عن الكتب المتقدمة. (و) وما معنى حرف الجر في قوله: (في السماء) ؟ (أ) تفيد الآية والحديث أن الله تعالى في السماء، والمعنى: كيف تأمنون الله الذي في السماء فوقكم ومطلع عليكم، وفي الحديث: توسل إلى الله بكونه الرب، أي: المالك المربي لنا بالنعم، وبكونه في السماء حيث أن صفة العلو تفيد الغلبة والتمكن، ثم مجده تعالى بقوله: "تقدس اسمك"، أي: تنزه، وعظم جلالك، وكبرياؤك، والحديث رواه أبو داود والحاكم والبيهقي والطبراني عن أبي الدرداء في رقية المريض. (ب) أما حديث الجارية فرواه مسلم وأبو داود والنسائي والإمام مالك وغيرهم، ودلالته واضحة على إثبات صفة العلو لله تعالى فإنه لما قال: "أين الله" فقالت: في السماء، كان اعترافا منها بالله مألوها، وأنه العلي الأعلى، ولما أقرها على ذلك، وشهد لها بالإيمان، دل على أن اعتقاد كون الله في السماء مما يتم به الإيمان. (ج) أما حديث حصين -وهو والد عمران - فرواه الترمذي والبيهقي وغيرهما، سأله عن عدد الآلهة التي يعبدها وكانوا يسمون كل معبود إلها، لأنهم يألهونه، أي: تألهه قلوبهم، محبة، وخوفا، ورجاء، وكانوا يعترفون بالله ربا وخالقا، فلذلك ذكر حصين أنه يعبد سبعة آلهة، وأن واحدا منها في السماء وهو: الله. (د) وقوله: "من لرغبتك ورهبتك؟ " الرغبة: قوة الرجاء، والرهبة: شدة الخوف، أي: أيهم الذي تقصده وتهرع إليه عند شدة الخوف من

стр. 62

ضرر، أو عند الحاجة إلى شيء مفقود، فاعترف بأن ذلك لله وحده، وكانوا في الشدة ينسون ما يشركون، ويدعون الله مخلصين له الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . ودلالة الحديث في إقراره على أن المعبود للرغبة والرهبة هو الذي في السماء، وفي قوله: اترك الستة واعبد الذي في السماء، أي: اعبد الله وحده، فلما أسلم علمه هذا الدعاء المختصر النافع. (هـ) وأما الأثر المنقول عن الكتب المتقدمة ففيه: وصف هذه الأمة بأنهم وإن كانوا في الأرض فإنهم يعبدون الله الذي هو فوقهم في السماء، فدلالته كدلالة ما قبله. (و) أما قوله في هذه النصوص (في السماء) ، فليس معناه أن السماء تحويه أو تحصره، تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا، وقد فسرت بتفسيرين: أحدهما: أن حرف الجر بمعنى: "على"، كما في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فإن "في" بمعنى: "على" فالمراد كونه على السماء، أي: فوقها. الثاني: أن المراد بالسماء العلو، أي: هو في العلو وفوق العباد.

стр. 63

حديث الأوعال وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: «إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا - وذكر الخبر إلى قوله- وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك» فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله.

стр. 64

وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فالله تعالى فوق خلقه بجميع أنواع الفوقية أي بقهره، وبقدره، وبذاته. (ب) وهذا الحديث يسمى: (حديث الأوعال) حيث ذكر في بعض ألفاظه ما نصه: «ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش» . (ج) وتأوله النفاة بأن المراد: فوقية القدر، كما يقال: الذهب فوق الفضة، ونحوه. وهذا التأويل خلاف المفهوم، وهو غير مطرد في جميع النصوص، وقد صرح هنا بأن العرش فوق الماء، وأن الله فوق العرش، ثم لا مناسبة لأنْ يقال: إن الله أرفع قدرا من العرش فإنه مما لا يحتاج إليه عند كل عاقل، حيث لا مساواة ولا مقاربة.

стр. 65

قول الإمام مالك في الاستواء: سئل مالك بن أنس الإمام ﵁ فقيل: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم أمر بالرجل فأُخرج.

стр. 66

وأما الكيفية: فمجهولة للبشر، لقصور علمهم عن الإحاطة بالله وصفاته. وقوله: (والإيمان به واجب) أي: يلزم التصديق به، واعتقاده حقا، حيث ثبت بالدليل، وتواردت عليه الآيات. (ج) وأما السؤال عن الكيفية: فبدعة، لم يُؤْثر عن السلف وعلماء الأمة، وإنما كانوا يقرؤون الآيات، ويقرونها على ما هي عليه، ولا يتقعرون وراء ذلك. (د) وهذا الجواب عظيم القدر، وقد روي قريب منه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك وروي أيضا عن أم سلمة ﵂ موقوفا عليها، وروي عنها مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وفيه الإقرار بأن الاستواء مفهوم، وأن له كيفية، وتلك الكيفية مجهولة، ولو كان الإمام مالك ﵀ ينكر الاستواء لما قال: إنه معلوم، ولما كان له كيفية يحتاج إلى السؤال عنها.

стр. 67

فصل في إثبات صفة الكلام الصفة الخامسة عشر: الكلام: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه. سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، قال الله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وقال سبحانه: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ .

стр. 68

وأثبتوا أن الله تعالى متكلم ويتكلم إذا شاء بكلام يسمعه منه من شاء، وبينوا أن صفة الكلام صفة مدح، وأن سلبها نقص وعيب وهو الخرس، وقد عاب الله عِجل بني إسرائيل بقوله ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ . (ب) وعند أهل السنة أن كلام الله قديم النوع، متجدد الآحاد، ومعنى كونه قديم النوع: أن جنسه قديم، فالله تعالى متصف في الأزل بكونه متكلما، فإن الله بجميع صفاته ليس بحادث، ولكنه لا يزال يتجدد ويحدث له كلام إذا شاء، وصفة الكلام من الصفات الفعلية الملازمة للذات متى شاء. (ج) وقد ذكر الله أنه كلم موسى تكليما، ولهذا يسمى موسى: كليم الرحمن، ولا يشك أهل السنة أن موسى ﵇ سمع كلام الله حقيقة، لا بواسطة ملك، ولا مترجم، بل منه إليه، لأن الله قال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ ولا يصح أن يقول هذا مخلوق، فتحقق أنه عين كلام الله الذي سمعه موسى وقال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي﴾ أي: اخترتك وخصصتك بإرسالي لك إلى فرعون وإلى قومك من بني إسرائيل، وبتكليمي لك كلاما مني إليك، ثم إن قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يراد به موسى.

стр. 69

وقد حاول بعض الجهمية من بعض القراء أن يقرأها بنصب الجلالة، حتى يكون موسى هو الفاعل لينفي عن الله أنه هو المتكلم، ولكن أورد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فهي صريحة في أن الرب هو الفاعل. وقد تكلف الجهمية وغيرهم من نفاة الكلام تأويل هذه الآيات، حتى فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بقوله: المراد جرحه بأظافير الحكمة؛ لأن الكلم: الجرح في اللغة. وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، يرده توارد المعنى بألفاظ كثيرة يفهم منها صريح الكلام. ويرده قوله تعالى: ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ولم يقل: (بكلمي) بإسكان اللام حتى يفسر بالجرح، ويرده آيات النداء كما يأتي بعضها قريبا إن شاء الله وكذا آيات القول والحديث ونحوها، والله تعالى يكلم من أراد من خلقه، فيكلم جبريل من وحيه بما أراد، وكلم محمدا ﷺ ليلة الإسراء، كما يأتي في الأحاديث. (د) وأما تكليمه للناس في الآخرة فدليله قوله ﵊ «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان» وكذا

стр. 70

الأحاديث الكثيرة في نعيم أهل الجنة، وأن منه: زيارتهم لربهم، وكلامه لهم، وسؤالهم منه الرضا ... إلخ، وهي أحاديث متداولة بين الأمة، مروية في أمهات الكتب، وفيها التصريح بأنهم يسمعون كلام الله حقيقة كما شاء. (هـ) أما قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ ففيها أنه تعالى لا يكلم في الدنيا أحدا من البشر مقابلة، ولا يتمكن أحد منهم من رؤيته، لاتصافه تعالى بالعلو، والكبرياء والعظمة، ولضعف تركيب البشر عن الاستقرار والثبوت لذلك ثم أخبر أنه ينزل الوحي والشرع على من اختاره لذلك، بواسطة الملك، أو يلهمه ويلقيه في روعه، وقد يكلم البعض من وراء حجاب كما كلم موسى، وقد يرسل رسولا من الملائكة فيكلم الرسول البشري بما أرسله الله به.

стр. 71

الصفة السادسة عشر: كلام الله بحرف وصوت مسموع: وقال تعالى ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ، وقال ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وغير جائز أن يقول هذا إلا الله. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، وروي ذلك عن النبي ﷺ ، وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الخلائق يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.

стр. 72

وفي بعض الآثار: أن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، ناداه ربه: يا موسى فأجاب سريعا استئناسا بالصوت: لبيك لبيك أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، ووراءك، وعن يمينك، وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال فكذلك أنت يا إلهي أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى.

стр. 73

والحاكم وأبي يعلى وغيرهم. وكذا الأثر في قصة موسى والشاهد منه قوله: ناداه ربه يا موسى إلخ. ولا شك أن النداء لا يكون إلا بكلام، فهذه النصوص من أدلة أهل السنة أن الله يتكلم إذا شاء، وينادي بصوت يسمع، وذكر هنا خصوصية ذلك الصوت، وهي أنه يسمعه من بَعُدَ، كما يسمعه من قَرُبَ، وغير جائز ما تزعمه النفاة من أن الصوت لغير الله، يخلقه في بعض ما يشاء، وأنه خلق في الشجرة كلاما سمعه موسى إلى غير ذلك من تمحلاتهم الباطلة، فإنه تعالى نادى موسى وقال له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ولا يقول هذا مخلوق لموسى ولا يصح أن تقول تلك الشجرة له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ إلخ، فتحقق أن النداء كلام الله. (ب) أما حديث ابن مسعود فهو مرفوع عنه إلى النبي ﷺ ، رواه أبو داود والبيهقي ولفظه: «إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة» إلخ، ومثله حديث النواس بن سمعان الذي رواه ابن خزيمة وابن جرير وابن أبي حاتم وأوله: «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة» إلخ. فالله تعالى يتكلم بالوحي حقيقة، ويكلم الملك، وتسمع صوته السماوات

стр. 74

وأهلها. (ج) أما قوله: "حفاة عراة بهما" فأراد أنهم يحشرون يوم القيامة قد تخلوا مما كانوا يغالون في الحرص عليه في الدنيا، من الأموال، والممتلكات، حتى الأكسية والأحذية، وأصل (البهم) السواد، ومنه الكلب البهيم، وهو خالص السواد. قيل: ليس في ألوانهم ما يغيرها. وقيل: سالمين من عاهات الدنيا، من عمى، أو عرج، ونحوهما؟ وقيل: أصحاء، وقيل: لا شيء معهم، ولعل ذلك لتقريب شبههم بالبهائم التي لا تملك شيئا، أو لا تنطق، حيث أنهم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن؟ قال تعالى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ . (د) فأما الأثر المذكور في قصة موسى فهو من الإسرائيليات، وهي لا تصدق ولا تكذب إلا بدليل. وقصة رؤيته النار مذكورة في القرآن، كقوله تعالى ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ وأما كونها هالته فلعل ذلك بعد ما قرب منها، ورآها توقد في شجرة خضراء، ودلالة الأثر في قوله: "أسمع صوتك". وقوله: أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي. فدل على أن كلام الله بصوت مسموع. أما قوله: "أنا فوقك ووراءك ... إلخ" فالمراد أنه تعالى محيط بالعبد في كل حالاته، ومن جميع جهاته، وهذا لا ينافي علوه وفوقيته تعالى كما سبق.

стр. 75

فصل في أن القرآن كلام الله حقيقة ومن كلام الله تعالى: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين؛ بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
следующие страницы →