← Акыда

Акыда · id 8586

التعليقات على متن لمعة الاعتقاد لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (170 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الصفة السادسة عشر: كلام الله بحرف وصوت مسموع: وقال تعالى ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ، وقال ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وغير جائز أن يقول هذا إلا الله. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، وروي ذلك عن النبي ﷺ ، وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الخلائق يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.

стр. 72

وفي بعض الآثار: أن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، ناداه ربه: يا موسى فأجاب سريعا استئناسا بالصوت: لبيك لبيك أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، ووراءك، وعن يمينك، وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال فكذلك أنت يا إلهي أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى.

стр. 73

والحاكم وأبي يعلى وغيرهم. وكذا الأثر في قصة موسى والشاهد منه قوله: ناداه ربه يا موسى إلخ. ولا شك أن النداء لا يكون إلا بكلام، فهذه النصوص من أدلة أهل السنة أن الله يتكلم إذا شاء، وينادي بصوت يسمع، وذكر هنا خصوصية ذلك الصوت، وهي أنه يسمعه من بَعُدَ، كما يسمعه من قَرُبَ، وغير جائز ما تزعمه النفاة من أن الصوت لغير الله، يخلقه في بعض ما يشاء، وأنه خلق في الشجرة كلاما سمعه موسى إلى غير ذلك من تمحلاتهم الباطلة، فإنه تعالى نادى موسى وقال له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ولا يقول هذا مخلوق لموسى ولا يصح أن تقول تلك الشجرة له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ إلخ، فتحقق أن النداء كلام الله. (ب) أما حديث ابن مسعود فهو مرفوع عنه إلى النبي ﷺ ، رواه أبو داود والبيهقي ولفظه: «إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة» إلخ، ومثله حديث النواس بن سمعان الذي رواه ابن خزيمة وابن جرير وابن أبي حاتم وأوله: «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة» إلخ. فالله تعالى يتكلم بالوحي حقيقة، ويكلم الملك، وتسمع صوته السماوات

стр. 74

وأهلها. (ج) أما قوله: "حفاة عراة بهما" فأراد أنهم يحشرون يوم القيامة قد تخلوا مما كانوا يغالون في الحرص عليه في الدنيا، من الأموال، والممتلكات، حتى الأكسية والأحذية، وأصل (البهم) السواد، ومنه الكلب البهيم، وهو خالص السواد. قيل: ليس في ألوانهم ما يغيرها. وقيل: سالمين من عاهات الدنيا، من عمى، أو عرج، ونحوهما؟ وقيل: أصحاء، وقيل: لا شيء معهم، ولعل ذلك لتقريب شبههم بالبهائم التي لا تملك شيئا، أو لا تنطق، حيث أنهم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن؟ قال تعالى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ . (د) فأما الأثر المذكور في قصة موسى فهو من الإسرائيليات، وهي لا تصدق ولا تكذب إلا بدليل. وقصة رؤيته النار مذكورة في القرآن، كقوله تعالى ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ وأما كونها هالته فلعل ذلك بعد ما قرب منها، ورآها توقد في شجرة خضراء، ودلالة الأثر في قوله: "أسمع صوتك". وقوله: أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي. فدل على أن كلام الله بصوت مسموع. أما قوله: "أنا فوقك ووراءك ... إلخ" فالمراد أنه تعالى محيط بالعبد في كل حالاته، ومن جميع جهاته، وهذا لا ينافي علوه وفوقيته تعالى كما سبق.

стр. 75

فصل في أن القرآن كلام الله حقيقة ومن كلام الله تعالى: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين؛ بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.

стр. 76

رواه أبو داود بمعناه. وليس لكلام الله نهاية، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ . (ب) (وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين) : هذه من أسماء هذا القرآن، كما سماه الله بالكتاب، والفرقان، والذكر الحكيم، وغيرها، ومعنى كونه: كتاب الله، أنه كتب بأمره، حيث جرى به القلم في اللوح المحفوظ، ثم كتب في المصاحف التي بين أيدينا، وسماه مبينا؛ لأنه بين ووضح فيه الأحكام وغيرها، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وروي في حديث عن الحارث الأعور عن علي ﵁ مرفوعا تسميته: بحبل الله، وهو تشبيه له بالحبل الذي يتعلق به من يريد الرقي من أسفل إلى أعلى، وكلما كان الحبل متينا قويا، كان أثبت له، وآمن أن ينقطع بمن تمسك به، وقد أمرنا بالتمسك بتعاليم هذا القرآن، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ أي: بدينه وشرعه المتلقى عن الكتاب والسنة.

стр. 77

(ج) وقد ذكر الله إنزال هذا القرآن منه، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وقال: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وكذا آية الشعراء المذكور معناها في المتن وهي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ أي: هو تنزيل من الله، نزل بواسطة الروح الأمين، وهو ملك الوحي جبريل ﵇، المأمون على وحي الله، أنزله على قلب سيد المرسلين، بأن قرأه وهو يسمع ويعقل حتى ثبت في قلبه. (د) وذهبت المعتزلة إلى أن القرآن مخلوق، خلقه الله في اللوح المحفوظ أو غيره، وأخذه جبريل نقلا من ذلك. وهذا يعتبر تكذيبا لله ورسوله كما في النصوص السابقة، وهو خلاف ما عليه الصحابة والسلف الصالح، وقد تشعبت مذاهب المبتدعة في القرآن، ولهم أقوال لا دليل عليها، ولا طائل تحتها. (هـ) أما قوله: (منه بدأ وإليه يعود) فالمعنى أنه الذي تكلم به ابتداء، وإليه يرجع في آخر الدنيا، حيث يسرى عليه فينسخ من الصدور، ويمحى من المصاحف، ورفعه من أشراط الساعة، عندما يعرض عن العمل به.

стр. 78

عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن الكريم وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ وهو: هذا الكتاب العربي، الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ وقال بعضهم: هو شعر، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ فلما نفى عنه أنه شعر، وأثبته قرآنا، لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي، الذي هو كلمات، وحروف، وآيات، لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر، وقال : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل.

стр. 79

(د) وما المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والأمر والنهي؟ (هـ) وما فائدة إثبات ذلك؟ (و) وما الباطل المنفي عنه؟ (ز) وبأي شيء تحدى الله المشركين؟ (أ) نتحقق أن القرآن المرسوم في المصاحف هو عين كلام الله، المنزل على محمد ﷺ ، وأنه بلغه لأمته، ولم يكتم شيئا، وأن أصحابه بلغوه لمن بعدهم، وتناقلته الأمة، حتى وصل إلينا كما هو، لأن الله تكفل بحفظه حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ بخلاف الكتب قبله، فإنه وكّل حفظها إلى حملتها، كما قال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ . وهذا القرآن الموجود يتكون من سور وآيات، وحروف وكلمات، كما هو مشاهد، وقد نقل إلينا هكذا نقلا متواترا، وتلقاه المسلمون وآمنوا به، واعتقدوا وجوب اتباعه والعمل بما فيه، أما السورة فأصلها القطعة من الشيء أو البقية ومنه سؤر الشارب والآكل أي: ما فضل من شرابه أو طعامه. والمراد هنا القطعة من القرآن التي لها علامة مبدأ ونهاية، ومجموع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، منها الطويل، والمتوسط، والقصير. (ب) وأما وصفه بأن "له أول وآخر.." إلخ. فللرد على القائلين

стр. 80

بالكلام النفسي، فإنا نشاهد للقران فاتحة هي: أم القرآن، وخاتمة هي: سورة الناس، فتحقق أن له أول وآخر، مع الاعتقاد بأن كلام الله من حيث هو لا يتناهى، ولو كتب بمياه البحار كما سبق. وهذا القرآن له أجزاء وأبعاض، والجزء: البعض والقطعة من الشيء، وقد جزئ القرآن ثلاثين جزءا، ويدل ذلك على أنه عين المشاهد المحسوس، خلافا للأشاعرة ونحوهم الزاعمين أنه معنوي، وأن الموجود عبارة أو حكاية عنه. (ج) قوله: (متلو بالألسنة ... ) إلخ. أي: لا يخرج بهذه الأفعال عن كونه كلام الله، وكذا لا يخرج بنقله من صحيفة أو كتابته في لوح أو نحو ذلك، وكل هذا رد على أهل الحكاية والعبارة. (د) أما المحكم والمتشابه فسبق أن المحكم هو: المثبت الظاهر المفهوم لكل ذي فهم سليم، وهو الذي يجب العمل به واتباعه، كآيات العبادات، والمعاملات، والعقود، والأمثال، والقصص ونحوها. وأن المتشابه: ما قد يشتبه ظاهره، أو يخفى المراد منه، وأن الواجب أن يقال: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ . وأما الناسخ والمنسوخ: فقد قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ، والنسخ هو: رفع حكم الآية السابقة، أو

стр. 81

حكمها ولفظها، أو لفظها دون حكمها، بآية متأخرة بعدها، وقد رفع بعض الآيات التي نزلت أولا، وأبدلت بمثلها أو خير منها، لحكمة تقتضي ذلك، ونسخ بعض ألفاظ آيات دون حكمها، كآية الرجم. فالناسخ هو: الآيات الثابتة، التي نزلت متأخرة بحكم جديد، رفع بها حكم آيات سبقتها بالنزول. والمنسوخ هو: الآيات التي رفع حكم العمل بها. وأما العام والخاص فهو: ما حكمه عام لكل المكلفين، أو خاص بالذكور دون الإناث، أو البالغين أو نحو ذلك. وأما الأمر والنهي: فالمراد: طلب الفعل أو الكف. وأمثلة هذه الأمور وأحكامها في أصول الفقه. (هـ) وفائدة ذكر هذه الأمور هنا ليتأكد أن كلام الله المنزل على محمد ﷺ هو الموجود المحفوظ، فإنه مشتمل على أحكام وتعاليم للأمة؛ وليعرف أيضا أننا مأمورون باتباعه، والعمل بما فيه. (و) أما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ففيه وصف هذا القرآن بهذه الأوصاف العظيمة: أولا: كونه عزيزا: أي رفيع القدر والمنزلة، فإن فضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.

стр. 82

ثانيا: كونه مصونا محفوظا: أن يتطرق إليه مبطل أو ملحد بتغيير أو تبديل، فالباطل في الآية اللغو واللهو، وما لا فائدة فيه، أي: هو منزه عن ذلك، وعن تحريف أهل الباطل. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي: من كل جهاته، لا يقدر مبطل أن يظهر فيه طعنا، أو يجد فيه عيبا أو مغمزا، وقد قيض الله من فحول الأئمة من يرد أقوال الطاعنين فيه، ويبين بطلانها. (ز) وأما التحدي: فقد قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ، وقال ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ وقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ فتحداهم إذ كانوا في شك من صحته وكونه كلام الله أن يعارضوه بمثله، ثم تنزل إلى عشر سور، ثم إلى سورة ولو من أقصر سوره فعجزوا عن ذلك، وظهر صدق القرآن حيث أخبر عن عجزهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ، ففي هذا معجزة عظيمة، حيث أخبر عن عجزهم فوقع كما أخبر.

стр. 83

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ، بعد أن أقسم على ذلك، وقال تعالى: ﴿كهيعص﴾ ، ﴿حم عسق﴾ ، وافتتح تسعا وعشرين سورة بالحروف المقطعة. وقال النبي ﷺ : «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة» حديث صحيح. وقال ﵇: «اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» .

стр. 84

وقال أبو بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. وقال علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله. واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته، وكلماته، وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفا متفقا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف.

стр. 85

فالإشارة في: ﴿بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ تعود إلى الآيات البينات التي تتلى عليهم، فدل على تسمية القرآن آيات، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ والضمير في (هو) يعود على القرآن المذكور في الآيات قبلها، ثم قال بعدها: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ فأثبت أن هذا الكتاب هو الآيات التي طلبوا، أي: يقوم مقامها في الدلالة والحجة. (ج) والآية: مركبة من كلمات، والكلمة: مركبة من حروف، فهذا القرآن كلمات وحروف، والكلمة: القول المفرد، وقد تطلق على الجملة، وأصل الحرف: طرف شيء كحرف الوادي، سمي به الواحد من حروف التهجي، وقد تكاثرت الأدلة على أن القرآن كلمات وحروف، وقد حكى الله عن الوحيد المذكور في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أنه قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ فقال الله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ وهو يشير بقوله ﴿إِنْ هَذَا﴾ إلى القرآن الذي بين أيدينا الذي هو حروف، وكذا أشار إليه الذين كفروا بقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ .

стр. 86

وأشار إليه تعالى بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ . ولما قال بعضهم: هو شعر قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ فالضمائر كلها تعود إلى هذا المقروء الموجود في المصاحف، وهو بلا شك متكون من سور وآيات، وكلمات وحروف ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ لأن الذي ليس كذلك لا يقال إنه شعر ولا مفترى. وقد افتتح الله منه تسعا وعشرين سورة بالحروف المقطعة، وهى: (الم) ست سور، و (المص) و (المر) و (الر) خمس سور، و (كهيعص) و (طه) و (طسم) سورتين، و (طس) و (يس) و (حم) ست سور، و (حم عسق) و (ق) و (ص) و (ن) . وهذا دليل على أنه حروف مركبة من جنس هذه الحروف، ويدل على ذلك قوله ﷺ : «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة» . وفي المسند وسنن أبي داود وغيرهما عن جابر أن النبي ﷺ قال:

стр. 87

«اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» أي: أنهم يقرؤونه بألسنتهم، ويجودونه ويفخمون ألفاظه، ولكنه لا يصل إلى قلوبهم، ولا يتأثرون بزواجره ومواعظه، وإنما يخرج من الفم ولا يصل إلى الجوف، وهو معنى مجاوزة التراقي. ثم ذكر أنهم إنما يقرؤونه لتحصيل أجرة دنيوية عاجلة، ولا يؤجلون الأجر إلى الآخرة، وفي هذه الأحاديث التصريح بأن القرآن مركب من حروف، وكذا في قول أبي بكر وعمر ﵄: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه، وكذا في قول علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله. فسماه هؤلاء الخلفاء حروفا، وقد ورد في الحديث ذكر عدد الآيات لبعض السور، واتفق المسلمون على جواز عد كلماته وحروفه، وأن من جحد منه سورة، أو آية، أو كلمة أو حرفا متواترا فهو كافر، وهذا من جملة الأدلة على أن القرآن الذي هو كلام الله مركب من كلمات وحروف. (د) ويستفاد من ذلك إثبات أنه عين كلام الله، والرد على من زعم أن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأنه شيء واحد، إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالسريانية فهو توراة.. إلخ، وقد عرفت الدليل على إثبات كون كلام الله تعالى قديم النوع، متجدد الآحاد.

стр. 88

(هـ) وأما إعراب القرآن الوارد في الحديث وكلام أبي بكر وعمر فالمراد به التأكد في قراءته عن الخطأ والغلط، والنقص والزيادة، وهذا حث على حفظه وتحقيقه، والتأكد من كلماته وحروفه عند النطق بها، وهذا هو السر في تعظيم ثوابه حيث أعطي بكل حرف عشر حسنات، لأن إعرابه كذلك دليل على شدة اعتنائه واهتمامه بالقرآن، ولهذا قابله بمن لحن فيه، أي غلط بتغيير بعض الكلمات أو الحروف، زيادة أو نقصا، أو تحريفا عن خطأ أو نسيان، فخطؤه مغفور، وله بكل حرف حسنة، فضلا من الله، لأجل حسن قصده. وهذا الحديث رواه الطبراني في الأوسط وفي إسناده ضعف.

стр. 89

فصل في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة والمؤمنون يرون الله تعالى في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فلما حجب أولئك في حال السخط، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق. وقال النبي ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته» حديث صحيح متفق عليه. وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.

стр. 90

(أ) اتفق السلف وأهل السنة من الخلف على إثبات رؤية الله تعالى، رؤية حقيقية عيانا بالأبصار، مع تنزيه الرب تعالى عن مشابهة الخلق في شيء من خصائصهم وصفاتهم. (ب) وهذه الرؤية تكون في يوم القيامة، وفي الجنة كما يشاء الرب سبحانه. (ج) وتكون في الموقف للمؤمنين ومن معهم ممن يظهر الإيمان، ففي حديث أبي سعيد المتفق عليه يقول ﵇: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، قالوا: لا. قال: هل تضارون في رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كذلك» ثم ذكر أنه يتبع كل أحد ما يعبده، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فيقول: أنا ربكم فإذا رأوه خروا سجدا، ثم ذكر أن المنافق -الذي كان يسجد رياء- لا يستطيع السجود، وقد ذكر هذا في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ . وتكون الرؤية في الجنة خاصة بالمؤمنين، فمنهم من ينظر إلى الله تعالى بكرة وعشيا، ومنهم من يزوره ويراه في مثل يوم الجمعة، ويسمى يوم المزيد، فالرؤية من أعلى نعيم أهل الجنة، فلهذا عوقب الكفار بالحجاب عن ربهم.

стр. 91

(د) ثم هي رؤية بالأبصار حقيقة، كما نطقت بذلك السنة، وأوضحه القرآن. (هـ) وقد ذكر المؤلف عليها أدلة كافية: ففي الآية الأولى: وصف الوجوه السعيدة بالنضارة، وهي البهاء والجمال، ثم صرح بأنها تنظر إلى ربها، وأضاف النظر إلى الوجوه لأنها محل الأعين. وفي الآية الثانية: ذكر أن الكفار محجوبون عن ربهم، فلما حجب هؤلاء في الغضب، أفاد أن الأبرار ينظرون إلى الله في الرضا، فلو كان المؤمنون لا يرونه لكانوا محجوبين أيضا عن ربهم. وأما الأحاديث في إثبات الرؤية فكثيرة جدا، استوفاها ابن القيم -رحمه الله تعالى- في حادي الأرواح وغيره، وأشهرها حديث جرير المذكور «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، أي أنها حقيقة لا التباس فيها ولا توهم، كما أنهم لا يشكّون في رؤية القمر. (و) لا تضامون، أي: لا يلحقكم ضيم، وهو الضرر والمشقة، وروي بفتح التاء وتشديد الميم، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض حالة الرؤية، والأول أشهر. (ز) والمنكرون للرؤية هم الجهمية، ومن قلدهم كالمعتزلة، وبعض المرجئة، قالوا: إن إثباتها يستلزم التشبيه، وإثبات الجهة، وذلك من شأن

стр. 92

المحدثات والمركبات، ثم تكلفوا في رد دلالة النصوص بما يشهد العقل ببطلانه، فأهل السنة يثبتون جهة العلو لله كما سبق، ولا يلزم منها الحدوث والتجدد لشيء من صفات الله تعالى أما أدلتهم النقلية فأقواها قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يجاب عنها بأن الرؤية أخص من الإدراك فالمعنى لا تحيط به، إذا رأته لعجزها عن إدراك كنهه، فتكون الآية دليلا على الإثبات، واستدلوا بقوله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ، فيقال: إنه لا يظن بموسى ﵇ أن يسأل ما لا يجوز على الله، فهو لما سأل الرؤية منعه، لضعف البشر في الدنيا عن الثبوت لذلك، ولهذا لما تجلى الله تعالى للجبل اندك، وروي أنه غار في الأرض، ففي الآخرة يمد الله عباده بقوة يقدرون معها على رؤية ربهم.

стр. 93

فصل في الإيمان بالقدر ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور.

стр. 94

(ب) وهذا أحد الأركان الستة للإيمان، فمن لم يؤمن به ومات على ذلك فهو متوعد بالنار، كما في سنن أبي داود وغيره عن عبادة بن الصامت أنه أوصى ابنه عند الاحتضار بالإيمان بالقدر، ثم قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، يا بني إنك إن مت على غير ذلك دخلت النار. (ج) قوله: (الفعال لما يريد) . بيان لكمال تصرفه، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يخرج عن إرادته شيء، ولا يستعصي على تدبيره أمر. (د) والمشيئة والإرادة هنا بمعنى واحد، أي: لا يحدث في الوجود حركة ولا سكون إلا بعد أن يريده الله إرادة خلق وتقدير، فلا أحد من الخلق يقدر على أن يتغلب على الله، ويخرج عن مشيئته. (هـ) وهكذا معنى تقديره وتدبيره، أي: لا يستطيع أحد الخروج عما قدره الله عليه، وكل ما حدث أو سيحدث من قول أو فعل فقد علمه الله، وقدر حدوثه، فلم يصدر إلا بعد تدبيره وتكوينه. (و) (ولا محيد) أي: لا مفر ولا محيص لأحد عن المقدَّر، المكتوب عليه قبل أن يخلق الله السماوات والأرض فلا يتعدى ما جرى به القلم في أم الكتاب.

стр. 95

(ز) والمراد (باللوح المسطور) : اللوح المحفوظ المذكور في القرآن، وقد روي في بعض الآثار أنه من درة بيضاء، وأنه واسع وكبير، وقد كتب الله فيه مقادير الخلق، قبل أن يخلق السماوات والأرض. (ح) ظهر في آخر عهد الصحابة قوم أنكروا القدر السابق، ويعرفون بغلاة القدرية، كمعبد الجهني وغيلان القدري فأنكروا العلم الأزلي، ونفوا كتابة الحوادث قبل حدوثها، وقالوا: إن الأمر أنف. أي: مستأنف. وقد كفرهم السلف، وحذروا منهم، كما روى مسلم عن ابن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. وقال الإمام الشافعي: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا. وقال الإمام أحمد القدر قدرة الله.

стр. 96

ثم حدث بعدهم المعتزلة، كعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وأنكروا قدرة الله على أفعال العباد، وزعموا أن الله لا يهدي من يشاء، ولا يضل من يشاء، وأن قدرة المخلوق على أفعاله تغلب قدرة الله تعالى، وقد أنكر عليهم السلف، وبينوا ضلالهم، وقد روي في السنن عن جابر مرفوعا تسميتهم بمجوس هذه الأمة؛ لأن فعلهم هذا شرك، بل هو أول شرك حدث في الإسلام.

стр. 97

(ط) وأما الإرادة فهي في كتاب الله قسمان: ١ - إرادة كونية قدرية: يدخل فيها كل الموجودات، من طاعات ومعاص. ٢ - إرادة دينية شرعية: تتعلق بالطاعات المأمور بها، سواء وجدت أو لم توجد. فالأولى: بمعنى المشيئة، وهي عامة لكل ما وجد فيقال في الطاعات: إن الله أرادها وقدر وجودها، وأحبها فوجدت. وفي المعاصي: إن الله أرادها كونا وقدرا وخلقها فوجدت، مع أنه نهى عنها ولم يحبها. وأما الثانية: فهي بمعنى محبة المراد، والرضا به، ولا يلزم منها وجود المراد، فإيمان المؤمنين، وأعمالهم التي قد عملوها، تعلقت بها الإرادتان، حيث إن الله شاءها وخلقها فوجدت، وأحبها ورضيها فمدح أهلها؛ وإيمان الكافر لم يوجد مع أن الله قد أحب منه الإيمان، وأمره به شرعا، ولكنه ما أراده قدرا، ولا خلقه فيه، ولا أعانه، فلم يتعلق به إلا الإرادة الدينية الشرعية. فالكونية: يلزم منها وجود المراد، وقد يكون محبوبا، كإيمان المؤمن، أو مكروها ككفر الكافر. والشرعية: يلزم منها محبة المراد، والمدح على فعله، ولا يلزم وجوده، فهو تعالى أحب إيمان المؤمن، وأراده شرعا وقدرا فوجد، وأحب إيمان الكافر، وأراده شرعا، ولم يرده قدرا فلم يوجد.

стр. 98

ودليل الشرعية قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ . ودليل القدرية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ .

стр. 99

عقيدة أهل السنة والجماعة في أفعال العباد: أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه، خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ . وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ . وروى ابن عمر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : «ما الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فقال جبريل صدقت.» انفرد مسلم بإخراجه. وقال النبي ﷺ : «آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره» .

стр. 100

ومن دعاء القنوت الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: «وقني شر ما قضيت» .

стр. 101

غناه، ونحو ذلك، وكل ذلك في قديم الأزل، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، فلا يموت أحد إلا بأجله، ولا يصيبه إلا ما قدر له. وقد بين الله الحكمة بقوله: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ . فإذا علم العبد أن ما أصابه مكتوب عليه رضي وسلم، فلا يجوز الندم والتسخط، وذم الحظ، ولوم النفس أو الغير على أمر قد فات، كما لا يجوز الفرح أشرا وبطرا بما يؤتاه الإنسان، وإضافة ذلك إلى القوة والمعرفة والحظ. وقد كثرت الأدلة على معنى ما تقدم، كقوله ﷺ لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك» إلخ. وهذا كله لا ينافي فعل الأسباب، لقوله ﷺ : «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له» فترك الأسباب عجز، والاعتماد على الأسباب كفر. (ج) أما كونه تعالى أضل بعض خلقه، فليس ذلك ظلما منه لهم، بل إنه سبحانه علم فيهم عدم صلاحيتهم للولاية، فخلى بينهم وبين أنفسهم، وسلط عليهم أعداءهم، فضلوا، فجعلهم عبرة للآخرين، وفتنة وابتلاء

стр. 102

للمؤمنين، في جهادهم والصبر على أذاهم، وليكون هؤلاء الأشقياء نصيب دار الجزاء الثاني، وهي النار التي أعدها لمن خرج عن الهدى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ أي: لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، بخلاف المخلوقين، فهم يسألون، وعليهم من يحصي أعمالهم إلى يوم الحساب. (د) والأدلة المذكورة تفيد سبق علم الله وكتابته للأشياء قبل وقوعها، وتحديد أوقات حدوثها، فقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فيها أن ما وجد أو سيوجد فالله الذي خلقه، وقدر زمن وجوده، وهكذا قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ فيدخل في كل شيء العامل وعمله، أي: قدره تقديرا كاملا، لا يتغير ولا يتبدل. أما قوله ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ففيها حث المؤمن على الرضا والتسليم بما يجري عليه في الدنيا من خير أو شر، إذا علم أن كل مصيبة تحدث في الأرض، من قحط أو وباء ونحوهما، أو تحدث في الأنفس أو في الأموال والأولاد، فهي مدونة عند الله في أم الكتاب قبل أن يبرأ الخلق ويوجدهم، وعلم أن الخلق والأمر لله، يتصرف في ملكه بما شاء، وعلم أن ربه حكيم عليم، لا يظلم أحدا، وأن هذه المصيبة، إما عقوبة على ذنب اقترفه، وإما ابتلاء وامتحان للعبد،

стр. 103

ليظهر صبره أو جزعه، وإما لرفع منزلته، وإعظام مثوبته، فإنه تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فهذا ونحوه مما يحمل المؤمن على القناعة، والرضا بما حصل، وعدم الأسى والأسف على الفائت، ولكن عليه قبل حدوث الفوت أن يطلبه، ويبذل المستطاع من جهده، فيما يمكنه من أعمال الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ أي: من كان أهلا لولاية الله وقربه، قذف الله في قلبه نورا يعرف به سبل الخير، ويتقبل كل ما جاءه عن ربه، ويجد لذلك لذة في نفسه، وانبساطا وطمأنينة، وهو أثر شرح صدره للإسلام. فأما من لا يستحق ذلك، وكان طبعه وميله إلى الكفر والعناد، فإن الله يخذله، ويجعل صدره ضيقا، مما يؤثر فيه مللا وإعراضا عن الإسلام، وحبا وإيثارا للفسوق والعصيان، وهذا هو الحرج الذي يدل على شدة الضيق، وهذه الإرادة كونية قدرية، يلزم منها وقوع المراد. أما حديث ابن عمر في أركان الإيمان، فهو: حديث جبريل المشهور، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ورواه مسلم عن ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب وهو المذكور هنا أنه من أفراد مسلم يعني عن البخاري ورواه الإمام أحمد عن ابن عمر وفي حديث عمر في أول صحيح مسلم أن ابن عمر قال لمن أخبره عن منكري القدر: «إذا لقيت»

стр. 104

«أولئك، فأخبرهم أني براء منهم، وهم برءاء مني، والذي يحلف به عبد الله لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.» إلخ. والشاهد منه أن النبي ﷺ جعل من أركان الإيمان قوله: «وتؤمن بالقدر خيره وشره» . فأما حديث: (آمنت بالقدر ... ) إلخ، فلم أجده بهذا اللفظ فيما لدي قريبا من كتب الحديث، وقد روى الطبراني في المعجم الكبير، بسند رجاله موثقون، عن ابن عمر مرفوعا: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والجنة، والنار، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله» وكل هذا أمر بالرضا والتسليم لما يجري من الحوادث خيرها وشرها كما سبق. فأما حديث القنوت المذكور: فقد رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن. وأوله: «اللهم اهدني فيمن هديت..» فأفاد أن الله هو الذي يقضي على العبد ما حصل، ويخص بعض خلقه بالهداية فضلا منه، وبعضهم بالإضلال عدلا منه.

стр. 105

جمع أهل السنة والجماعة بين الشرع والقدر: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره، واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب، وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحدا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ فدل على أن للعبد فعلا وكسبا، يُجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره.

стр. 106

احتجوا بمثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقد جعلوا للكفرة عذرا، حيث زعموا أن تعذيبهم ظلم وجور من الرب تعالى، حيث عاقبهم على أفعال خلقها فيهم. ولا شك أن هذا إبطال للشرع، وإنكار للحكمة والمصلحة. ثم هم لا يحتجون بذلك في الأحوال كلها؛ بل يلومون من أساء إليهم، ويؤدبون خدامهم على المخالفة، وإنما يعتذرون بالقدر عند ارتكاب الذنوب، بأن الله لم يهدهم، وأنه الذي أوقعهم في ذلك بخلقه فيهم، ونحو ذلك، وفيهم قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وعند مراد الله تفنى كميت ... وعند مراد النفس تسدي وتلحم وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ... ظهيرا على الرحمن للجبر تزعم (ب) وعند أهل السنة أن الله تعالى لا يظلم أحدا: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ وأنه أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لتقوم الحجة، وتنقطع المعذرة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . (ج) وللعباد قدرة واستطاعة على الأفعال، بموجبها كلفهم الله بالشرائع، وأمر ونهى، وبحسبها يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وبها

стр. 107

يتمكنون من الفعل والترك، وتنسب إليهم تلك الأفعال، مع أن الله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم. (د) ولا يخرج شيء عن خلق الله، فالعبد يوصف بأنه مطيع أو عاص، أو بر أو فاجر، بسبب ما يصدر عنه من الأفعال، وليس العبد هو المستقل بفعله واختياره، خلافا للقدرية النفاة، ولا مجبرا على أفعاله، خلافا للجبرية، بل الله أعطاه قدرة واختيارا بحسبه، تنسب إليه أفعاله. (هـ) قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: لم يكلف أحدا من الخلق إلا بما في وسعه، وبحسب استطاعته، والوسع: الطاقة. قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ صريح بأن للعباد استطاعة، قد أمروا بتقوى الله على مقتضاها وبقدرها. قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يخبر تعالى عن يوم القيامة، وأن كل نفس تجازى ذلك اليوم بما كسبت، أي: عملت وحصلت من خير وشر، وأنه لا ظلم على أحد، فأثبت للعباد كسبا وفعلا، ورتب عليه الثواب والعقاب. ولكن كل ذلك بعد خلق الله ومشيئته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ .

стр. 108

فصل في الإيمان والدين والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ فجعل عبادة الله، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين. وقال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ وقال رسول الله ﷺ : «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من الإيمان» فجعله متفاضلا.

стр. 109

(أ) الإيمان لغة: التصديق الجازم بالشيء، ودليله قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدق. وشرعا: ما ذكر في المتن من كونه قولا باللسان، وعملا بالأركان، واعتقادا بالجنان، والأدلة عليه كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى الشام قبل صرف القبلة. وتكرر في السنة جعل الأقوال والأعمال من الإيمان، ففي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله» ثم فسره بالشهادتين، وثبت أن النبي ﷺ جعل خصال الخير من الإيمان كصيام رمضان، وقيامه، وقيام ليلة القدر، والجهاد، والحج، واتباع الجنائز، وأداء الأمانات، ونحوها. وكذا الحديث المذكور، وهو حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» رواه البخاري ومسلم فالشهادة قول باللسان، والإماطة: عمل جوارح، والحياء: عمل قلب، وقد جعل ذلك كله من شعب الإيمان.

стр. 110

(ب) ومعنى كون الأعمال من الإيمان: أن المؤمن الموقن بكل ما جاء عن الله، يحمله يقينه على المبادرة إلى العمل، فتكون تلك الأعمال من الإيمان والدين الذي يدين به، لأن الباعث عليها ما في القلب من اليقين. وقول اللسان: يراد به الكلام كالشهادتين، والذكر، والدعاء، والتلاوة، وسائر الأقوال الخيرية. والعمل بالأركان: وهي الجوارح، وهو: كالصلاة، والصوم، والحج، والجهاد، وتغيير المنكر باليد، ونحوها. والعقد بالجنان: أي: بالقلب يراد به التصديق، والإخلاص، والتوكل، والمحبة، ونحوها، وكل هذه الأعمال من مسمى الإيمان، لأنها من آثاره. وذهب بعض (المعتزلة) أن الإيمان مجرد التصديق فقط، فكل من صدق الرسول ﵊، وإن لم يتبعه، كاليهود، فهو مؤمن عندهم. وعند (الجهمية) الإيمان هو: المعرفة بالله فقط، فإبليس، وفرعون والمشركون، واليهود، والنصارى، ونحوهم، مؤمنون كاملو الإيمان عند الجهمية، لأنهم يقرون بوجود الله، ويؤمنون به ربا وخالقا، وإن جحده بعضهم كفرعون عنادا. وقالت (المرجئة) : الإيمان هو الإقرار باللسان، دون عقد القلب، فالمنافقون عندهم مؤمنون لأنهم مقرون بألسنتهم، وهناك أقوال أخر ظاهرة البطلان.
следующие страницы →