والاستعاذة بالله من العبادات المأمور بها، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ . لذلك كان صرفها لغير الله شركا في العبادة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ، عن ابن عباس أنه قال: "كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثما".
وهنالك أمثلة أخرى متعددة على الشرك في العبادة، نبه عليها العلماء الأعلام، وشددوا النكير على مرتكبيها من الجهال، ومسوِّغيها من المنتسبين إلى العلم. ولشيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأقطاب دعوته، صولات وجولات في هذا الميدان، ﵏ ورضي عنهم أجمعين، فمن شاء التفصيل فليرجع إلى مؤلفاتهم الجامعة الماتعة، فإنه من اطلع عليها وكان بعيدا عن الجدال والمِرا، لم يسعه إلا أن يقول: كل الصيد في جوف الفرا.
والحمد لله على نعمه.
قلت في النظم:
والحكم في الأموال والفروج
وفي الدما بشرعة العلوج
تحليل ما حرمه المهيمن
والعكس، طغيان وكفر بين
فاعله مبدل مشرع
فالوقف فيه عندنا مستشنع
كذا اتباع شرعة الكفار
أو الرضا بها بلا إنكار
الشرح:
(و) كذلك يعد من الكفر الأكبر الناقض لتوحيد الألوهية (الحكم في الأموال) من بيوع وشركات وغير ذلك (والفروج) من أنكحة وما يتعلق بها (وفي الدما) ء، من حدود وقصاص وغيرها، - والدماءُ مقصور للوزن - (بشرعة العلوج) أي بقوانينهم ومواضعاتهم، والعلوجُ جمع عِلج وهو الرجل من كفار العجم، كما في القاموس.
стр. 177
وكذلك (تحليل ما حرمه المهيمن) ، (والعكس) وهو تحريم ما أحله الله ، هو (طغيان) أي مجاوزة للحد (وكفر بين) واضح، إذ (فاعله) أي: مرتكب التحليل والتحريم من دون الله (مبدل) لدين الله (مشرع) من دونه سبحانه، لذلك فـ (الوقف فيه) أي: في حكم هذا المبدل (عندنا) معاشرَ أهل السنة أمر (مستشنع) جدا، لأنه إما جهل فظيع، أو تجاهل مقيت، أو ورع كاذب.
(كذا) من الكفر الأكبر المخرج من الملة (اتباع شرعة الكفار) والمقصود بذلك التحاكم – من غير ضرورة شرعية – إلى القوانين الشرعية الطاغوتية ولو لم يفصح عن رضاه بتلك القوانين (أو الرضا بها) أي: قبوله لتلك القوانين (بلا إنكار) منه، ولو لم يتحاكم إليها، فتأمل.
والحق أن هذه المسألة التي قد يصطلح البعض على تسميتها بتوحيد الحاكمية، هي من المسائل العظيمة التي عمت بها البلوى في هذا الزمان، فتصدى لبيانها وتحقيق الحق فيها، جهابذة العلماء العاملين، فأقاموا الحجة الناصعة على الناس أجمعين، وبلغوا أمانة العلم كما أخذ الله عليهم بذلك العهد والميثاق.
والمسألة طويلة الذيول متشعبة المباحث، والتفصيل فيها يحتاج إلى بسط كثير لا يحتمله هذا الموضع، لذلك سوف أكتفي هنا ببعض الإشارات التي تغني عن التطويل، فأقول: الكلام على هذه المسألة في مقامات ثلاثة:
أولها: التشريع من دون الله
ثانيها: الحكم بغير ما أنزل الله
ثالثها: التحاكم إلى غير شرع الله
- أولا: التشريع من دون الله:
سبق أن ذكرت في الباب الأول من هذا الفصل أن حق التشريع هو من أخص خصائص الربوبية وأنه نوع من أنواع التدبير الذي يدبر به الله هذا الكون، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ . لذلك فإن من نازع الله في شيء منه كان مشركا لأدلة كثيرة منها:
- قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
стр. 178
قال ابن كثير ﵀: " ... أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة " (١) .
- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ . فبين الله أن شركاء العرب في الجاهلية من شياطين الانس والجن قد شرعوا لهم شرائع كثيرة لم يأذن بها الله تعالى، ومنها قتل الأولاد خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار وغير ذلك. والشاهد من الآية تسمية الله تعالى من شرع للناس ما لم يأذن به الله شريكا لله، وهذا إكفار صريح له.
- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ..
ومعنى الآية على ما ذكره المفسرون – أن أهل الجاهلية كانوا إذا أرادوا القتال في شهر من الأشهر الحرم – وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم – جعلوه حلالا وحرموا مكانه شهرا آخر من أشهر الحل ليوافقوا عدد الأشهر التي حرم الله تعالى. فجعل الله تعالى هذا التشريع الذي لم يأذن به الله تعالى زيادة في الكفر. قال ابن كثير ﵀: "هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله ... " (٢) .
стр. 179
أقول: فكيف بمن غير شرع الله جملة وتفصيلا، واستبدل به قوانين الفرنجة وشرائع الوثنيين؟!
- قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
جاء في تفسير هذه الآية أن عدي بن حاتم ﵁ دخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة، ورسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية. قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال ﷺ : بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" (١) .
فتأمل كيف أن الذي يحل الحرام ويحرم الحلال ويشرع ما لم يأذن به الله تعالى، يكون قد نصب نفسه ربا من دون الله، وأن الذي يتبعه ويرضى بما شرع له يكون عابدا له من دون الله.
وتدبر معي أخا السنة هذه الكلمات النورانية الجلية لبعض أئمة الإسلام في هذا الباب (٢) :
يقول ابن حزم ﵀: " فإن كان يعتقد أن لأحد بعد موت النبي ﷺ أن يحرم شيئا كان حلالا إلى حين موته ﵇، أو يحل شيئا كان حراما إلى حين موته ﵇، أو يوجب حدا لم يكن واجبا إلى حين موته ﵇، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته ﵇، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال حكمه حكم المرتد ولا فرق" (٣) .
стр. 180
ويقول ابن تيمية ﵀: "...الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله، فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر" (١) . ويقول أيضا: " ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى" (٢) . ويقول: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا باتفاق الفقهاء" (٣) .
ويقول ابن كثير ﵀: " فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا (٤) وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" (٥) .
ويقول محمد الأمين الشنقيطي ﵀: " ... وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم" (٦) .
نسأل الله أن ينور بصائرنا بأنوار الوحي، وأن يفتح قلوبنا لضياء الهدى، آمين.
- ثانيا الحكم بغير ما أنزل الله:
كثير من الأدلة المذكورة في المقام الأول، صالحة أيضا للبرهنة على كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، ولكنني أضيف إليها الدليلين التاليين:
стр. 181
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ . الآيات. فانظر كيف نفى الله الإيمان عن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، مع أنهم عالمون أنهم مكلفون بالكفر به، إذ التوحيد لا يصح إلا بركنين اثنين: ركن الإيمان بالله وركن الكفر بالطاغوت.
والطاغوت – كما قرره ابن القيم ﵀ – هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله ، ومن رؤوس الطواغيت الذين ذكرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، الحاكم بغير ما أنزل الله.
وإذا كان التحاكم إلى الطاغوت – عن رضا واختيار – كفرا، فما حال نفس الحاكم بغير ما أنزل الله؟!
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ .، وهي آية صريحة في كفر الذي لا يحكم بما أنزل الله. ولولا بعض الشبهات الإرجائية المثارة حولها، لما احتيج إلى إطالة الكلام في تفسيرها، فإنها نص لا يحتمل التأويل. وقد أشبع الكلام عليها بما لا يحتاج إلى مزيد، الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في المجلد الثاني من "الجامع في طلب العلم الشريف" (١) على أن له في ثنايا كلامه اختيارات لا يتابع عليها، وليس هذا محل بسط ذلك. (٢)
- ثالثا: التحاكم إلى غير شرع الله:
مناط التكفير بالتحاكم إلى غير شرع الله أحد أمرين اثنين:
قبول الشرع الطاغوتي والرضا به، فهذا يكفر صاحبه إجماعا، لأن الرضا بالكفر كفر كما قد تقرر.
стр. 182
التحاكم إلى الطاغوت مجردا عن التصريح بالرضا، فهذا لا يكفر صاحبه إلا إذا ثبت أنه كان له مندوحة عن هذا التحاكم، وأنه لم يكن مضطرا ولا محتاجا إليه. والحق أن من يتحاكم إلى الطاغوت في غير ضرورة شرعية، لا يمكن إلا أن يكون راضيا عن هذا الشرع الطاغوتي. فرجع الأمر الثاني – عند التحقيق -إلى الأول، وتبين أن المناط الحقيقي هو الرضا والقبول.
ودليل كفر المتحاكم إلى الطاغوت قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ الآيات، وهي صريحة في أن إرادة التحاكم إلى الطاغوت إيمان بهذا الطاغوت، وكفر بالله .
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، فبينت الآية أن متابعة الذين يشرعون من دون الله شرك مناقض لمعنى كلمة: لا إله إلا الله.
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ، فإذا كان هذا حال من يقعد – من غير إنكار – في مجلس يكفر فيه بآيات الله فكيف بمن يتحاكم – طائعا مختارا- إلى القوانين التي هي من أعظم المحادة لله ورسوله؟!
стр. 183
قال رشيد رضا في تفسير هذه الآية: " ... ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر ... " (١) .
قلت: وهذا أمر مجمع على صحته. وتطبيقه على ما نحن فيه شديد الوضوح. والله أعلم.
قلت في النظم:
والصد عن شريعة الإسلام
وما احتوت عليه من أحكام
ليس بشِرعة الحكيم عاملا
وليس عالما بها بل جاهلا
الشرح:
(و) من نواقض الإيمان (الصد) وهو الإعراض (عن شريعة الإسلام) الغراء (و) من ذلك الإعراض عن تعلم والعمل بـ (ما احتوت عليه) هذه الشريعة (من أحكام) علمية وعملية. فحال ذلك المعرض أنه (ليس بشرعة الحكيم) (عاملا وليس عالما بها بل جاهلا) أي ليس يتعلم دين الله ولا يعمل به.
يعتبر الإعراض عن دين الله من ضمن نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقال: " الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ (٢) .
وهو ناقض للإيمان باعتبار أن لب الدين إنما هو تمام الطاعة والانقياد والاستجابة، والإعراض التام عن دين الله تعالى هو امتناع عن الاتباع وتول عن الطاعة واستنكاف عن الاستجابة، ومثل هذا لا يمكن أن يثبت معه عقد الإيمان. وقد سبق في الفصل الأول أن بينت أن جنس العمل من أصل الإيمان وأن تركه كفر أكبر مخرج من الملة، بما يغني عن الإعادة هنا.
والحق أن القرآن الكريم مملوء بذكر الآيات الدالة على كفر المعرض عن دين الله، الصادِّ عن اتباع شريعته.
стр. 184
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ . وقال جل ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ . قال ابن القيم ﵀: " فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه، والتسليم لما حكم به رضى واختيارا ومحبة، فهذا حقيقة الإيمان، وذلك الإعراض حقيقة النفاق" (١) .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ . يقول ابن كثير ﵀: " قوله (ومن أعرض عن ذكري) أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرضَ عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه، ... " (٢) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ . قال ابن كثير ﵀: " فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين" (٣) .
стр. 185
ويقول ابن تيمية ﵀ في كلامه على آية سورة النساء السابقة الذكر: " فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول، وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت، ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالنقص والسب ونحوه؟ " (١) .
وهذا الكلام في غاية النفاسة، فليعض عليه بالنواجذ!
ويقول ابن القيم ﵀ عند ذكره لبعض أنواع الكفر: "وكفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول، ولا يحبه ولا يبغضه، ولا يواليه ولا يعاديه، بل هو معرض عن متابعته ومعاداته" (٢) .
قلت في النظم:
كذا موالاة أولي الكفران
بنصرة على ذوي الإيمان
أو حبهم في الدين والأخلاق
تشبه بهم على الإطلاق
أو طاعة لهم بلا نكران
أو دعوة لوحدة الأديان
الشرح:
(كذا) من نواقض الإيمان (موالاة أولي الكفران) وذلك بأحد أمور، إما (بنصرة) لهم (على ذوي الإيمان أو) بـ (حبهم) مقيدا بكونه في ما هو من خصوصيات دينهم مثل حبهم (في الدين والأخلاق) أو بـ (تشبه بهم على الإطلاق) أي: التشبه بهم فيما يوجب الكفر الأكبر المخرج من الملة، أو بـ (طاعة لهم بلا نكران) أي: طاعتهم في أمور التشريع والحكم وما شاكلها دونما إنكار عليهم، وقد سبق الكلام على هذه المسألة، فلتنظر هناك، أو بـ (دعوة لوحدة الأديان) وإزالة الفوارق بين الملل والديانات.
стр. 186
يعتبر الولاء والبراء أساس عقيدة التوحيد وجوهرها، كما قال رسول الله ﷺ : " أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله " (١) . قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: " فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعادة في الله والموالاة في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقان بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان" (٢) .
ويقول الشيخ حمد بن عتيق ﵀: " فأما معادة الكفار والمشركين فاعلم أنه الله قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده" (٣)
وبالجملة فإن هذا الأصل الأصيل قد دل على اعتباره في أصل الإيمان الكتابُ والسنة وإجماع سلف الأمة (٤) .
стр. 187
وأصل الولاء الحبُّ وهو عمل قلبي، ينشأ عنه عدد من أعمال القلوب والجوارح كالنصرة والنصح والإعانة وما إلى ذلك، وكذلك الشأن في نقيض الولاء وهو البراء. فمن أصل الإيمان موالاة المؤمنين والبراءة من الكفار، بل إن الولاء والبراء هو الذي يدل على حياة القلوب، وشدة تعلقها بالإسلام كما نقل ابن مفلح عن ابن عقيل أنه قال: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتِهم أعداءَ الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون، هذا يقول حديث خرافة، والمعري يقول:
تلوا باطلا، وجلوا صارما ... ... وقالوا صدقنا، فقلنا نعم
يعني بالباطل: كتاب الله ، وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب." (١) وسوف أذكر – تبعا لما في النظم – بعض أنواع موالاة الكفار التي تعد من نواقض الايمان:
نصرة الكفار ضد المسلمين:
وهذا من أشنع ما يقع فيه بعض المنتسبين إلى الإسلام في أعصارنا هذه، وهو أمر ينم عن جهل فظيع بمعنى كلمة " لا إله إلا الله "، والله المستعان.
قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ . يقول الطبري في تفسيرها: " ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهورا وأنصارا. توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر" (٢) .
стр. 188
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . قال ابن حزم ﵀: " صح أن قوله تعالى:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم" إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين" (١) . وقال الطبري ﵀: " ...من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمُه حكمَه " (٢) .
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ، والآية صريحة في انتفاء الإيمان عن الذي يواد من يحاد الله ورسوله، ولو كان من أقاربه وعشيرته، فكيف بمن يواد كفرة الأوروبيين والأمريكان، وليس بينه وبينهم قرابة ولا نسب؟ .
وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ . قال ابن تيمية ﵀: " فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف "لو" التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: "ولو كانوا يؤمنون ... أولياء"، فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياءفي القلب، ... " (٣) .
стр. 189
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذه المسألة ضمن نواقض الإسلام العشرة فقال: " الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ " (١) .
محبة الكفار وموادتهم:
وذلك لأن أساس الولاء والبراء هو الحب والبغض، وذلك أوثق عرى الإيمان كما سبق في الحديث، فلا يجتمع إيمان بالله ورسوله مع موادة أعداء الله وحبهم والتقرب إليهم، خاصة إن كان ذلك فيما هو من خصوصيات دينهم، كما يقع فيه كثير من أهل القبلة في هذا الزمان، لمَّا تجدهم يحبون عادات الفرنجة وتقاليدَهم وأعرافهم، بل وبعض شعائر دينهم من أعياد وغيرها!! ويكفي في هذا الباب قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ .
التشبه المطلق بالكفار:
لا يخفى على من تعلم دين الله من مظانه الأصلية – بعيدا عن فتاوى وتلبيسات أهل التفرنج المعاصرين – أن التشبه بالكفار من أعظم المحرمات وأخطرها (٢) ، إذ المشاكلة الظاهرة لا بد أن تثمر موادة باطنة؛ كيف لا ورسول الله ﷺ يقول: " من تشبه بقوم فهو منهم "؟! (٣)
стр. 190
قال ابن تيمية ﵀:"وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، (...) كما في قوله: " ومن يتولهم منكم " فقد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم، في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا، أو معصية أو شعارا لهم، كان حكمه كذلك" (١) .
فتبين إذن أن من التشبه بالكفار ما لا يكون كفرا، ومثاله أن يلبس مثل لباسهم (٢) ، وهو أمر عمت به البلوى في هذا العصر، ومنه ما هو كفر واضح مخرج من الملة كالسعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلها بزيهم، من شد الزنانير، وفحص الرؤوس، وكوضع قلنسوة المجوسي على رأسه لغير ضرورة دفع الحر أو البرد، وكتعليق الصليب في العنق، وغير ذلك. ومن ذلك أيضا مشاركة الكفار في أعيادهم، بإظهار الفرح والسرور، ورفع شعائر الكفر، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أنه قال: " من بنى ببلاد الأعاجم، فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة" (٣)
قال ابن تيمية ﵀: "وهذا يقتضي أنه جعله كافرا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهر لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية ... " (٤)
الدعوة إلى وحدة الأديان:
وهذه من شناعات العصر ومحدثاته، وهي إحدى نتائج الهزيمة النفسية التي يعاني منها المفكرون المنتسبون إلى الإسلام.
وقد وجدت هذه الدعوة قديما عند بعض أهل الزندقة من غلاة الصوفية وغيرهم، كابن عربي الذي يقول:
******************************* (٥)
стр. 191
ولكن كانت هذه الأفكار منبوذة لا ينطق بها إلا هؤلاء الذين يعيشون على هامش المجتمع وليس لهم فيه أدنى تأثير. أما الجديد في هذا العصر فهو أن أصحاب هذه الدعوة الكفرية يعقدون المؤتمرات، ويقيمون الندوات، وتفتح لهم وسائل الإعلام، وتنشر أفكارهم في كل مكان.
وهذه الدعوة - كما لا يخفى على كل مسلم - كفر بواح، إذ الإسلام جاء ناسخا للأديان السابقة كلها، وجاء القرآن مهيمنا على الكتب السماوية كلها، وأرسل النبي محمد ﷺ إلى الناس كافة، كما قال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) ، فلا يسع أحدا بعد بعثته ﵊ إلا أن يتبعه ويطيعه.
قال ابن تيمية ﵀: " ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين، وباتفاق جميع المسلمين أن من سَوَّغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب" (١) .
الفصل الأول: نواقض الإيمان في النبوات والمغيبات وأمور أخرى:
قلت في النظم:
سب النبي المصطفى محمد
ذي الفضل والتقى، الرسول الأمجد
أو غيره من السراة الأتقيا
أولي الهدى من رسل وأنبيا
كذا ادعا نبوة بالكذب
أو استهانة ببعض الكتب
واختلفوا في سب صحب المصطفى
والعلما والصالحين الشرفا
الشرح:
ومن نواقض الإيمان (سب النبي المصطفى محمد) ﷺ (ذي الفضل والتقى الرسول الأمجد أو) سب غيره (من السراة) بفتح السين، جمع سري، أو هو اسم جمع كما في القاموس، وهم أهل المروءة والشرف (الأتقيا) مقصور للوزن (أولي الهدى من) بيانية (رسل وأنبيا) مقصور للوزن كذلك.
(كذا ادعا نبوة بالكذب أو استهانة ببعض الكتب) المنزلة من قرآن وإنجيل وتوراة وغيرها، ويدخل في ذلك إنكار كون هذه الكتب منزلة من عند الله، وادعاء كونها من صنع البشر!
стр. 192
(واختلفوا في) حكم (سب صحب المصطفى) رضوان الله عليهم، هل هو كفر أم لا؟ (و) كذلك في حكم سب (العلماء) (والصالحين الشرفا) ء.
فهذه إذن مباحث شريفة ومسائل منيفة متعلقة بأبواب النبوات، والكتب المنزلة، وصحابة رسول الله ﷺ .
حكم سب النبي محمد ﷺ :
لا يختلف اثنان من أهل القبلة في أن الواجب نحو رسول الله ﷺ هو تمام التوقير والتعظيم والمحبة والاتباع والتسليم، والتحكيم في الصغير والكبير. وقد جاء في الحديث الصحيح: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (١) ومن الثلاث التي من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما (٢) .
وقد بلغ تعظيم الصحابة لرسول الله ﷺ مبلغا عظيما، حتى قال عمرو بن العاص ﵁: "ما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه" (٣) .
وقد قال رب العزة ﷻ : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . فتمام الأدب معه ﷺ باتباع سنته، والإذعان لها، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق.
стр. 193
وقد نقل القاضي عياض في كتابه العجاب الموسوم بالشفا عن أبي إبراهيم التجيبي أنه قال: "واجب على كل مؤمن متى ذكره، أوذُكر عنده، أن يخضع ويخشع ويتوقر، ويسكن في حركته، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا الله به "وعلق القاضي عياض بقوله: " وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين ﵃ " (١)
إذا علم هذا، فكيف يجتمع الإيمان مع سب النبي ﷺ أو التنقص منه أو الاستهزاء به أو بسنته؟. قال ابن تيمية ﵀: " إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (٢) .
ولا أحتاج إلى أن أنبه مرة أخرى على أن سب رسول الله ﷺ ، كفر أكبر مخرج من الملة، سواء أستحل ذلك أم لم يستحله، فقد سبق أن أشرت إلى ذلك آنفا. (٣) قال ابن راهويه: "قد أجمع العلماء أن من سب الله أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئا أنزله الله، أو قتل نبيا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر" (٤) .وقال محمد بن سحنون ﵀: " أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر" (٥) .
стр. 194
أقول: قد فشا هذا المنكر العظيم – أعني الاستهزاء بالنبي ﷺ أو بسيرته وسنته – في وسائل إعلامنا، ومنتديات ثقافتنا، بل وفي مدارسنا وشوارعنا. فأين القلوب الحية والأيدي المتوضئة من هذا الضلال والباطل؟!
حكم سب سائر الأنبياء ﵈:
وهذا الناقض مثل الذي قبله، إذا الواجب تجاه الأنبياء ﵈ جميعا هو تمام التعظيم والمحبة، وهذا لا يجتمع مع تنقصهم والاستهزاء بهم.
يقول القاضي عياض ﵀: " وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى ... واستخف بهم أو كذبهم فيما أتوا به، أوأنكرهم وجحدهم حكمُ نبينا ﷺ " (١) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من خصائص الأنبياء أن من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الائمة، وكان مرتدا، كما أن من كفر به وبما جاء به كان مرتدا، فإن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله" (٢) . وهذا أمر من الوضوح بمكان.
ادعاء النبوة:
لما كانت النبوة اصطفاء من الله واجتباء، لا دخل فيه لكسب العبد أو رياضته ومجاهدته، فإنه لا يدعيها بغير حق إلا من كان من أسوء أهل الكذب والبهتان، كما قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى: "إن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين! " (٣) .
стр. 195
ولا شك أن ادعاء النبوة بغير حق شرك عظيم، لأنه من أعظم الافتراء على الله ، ومن أشد الظلم والبهتان كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ؛ ولأنه أيضا تكذيب للقرآن الكريم الذي نص على أن محمدا ﷺ هو خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ . وادعاء النبوة تكذيب بالسنة الصحيحة – بل المتواترة – التي دلت على ختم النبوة بمحمد ﷺ ، كما في قوله ﵊:"إلا أنه لا نبي بعدي" (١) وغير ذلك من الأحاديث.
وادعاء النبوة مخالفة للإجماع القطعي اليقيني الذي نقله غير واحد، وكفى بذلك كفرا مبينا.
إنكار الكتب المنزلة أو الاستهانة بها:
стр. 196
يعد الإيمان بالكتب أحد الأركان الستة التي يقوم عليها الإيمان الشرعي، ومعناه التصديق بأنها جميعها منزلة من عند الله ، وأنها كلام الله، إجمالا فيما أجمل وتفصيلا فيما فُصِّل. لذلك فإن إنكارها أو التكذيب بها أو الطعن فيها أو الاستهزاء بها وانتقاصها كل ذلك كفر أكبر مخرج من الملة، لأن ذلك تكذيب للقرآن الكريم الذي أمر بالإيمان بالكتب المنزلة ونص على أنها من عند الله حقا، وما على وجه الأرض مسلم يشك في أن التكذيب بالقرآن كفر.
كما أن إنكار الكتب السماوية إنكار لصفة الكلام لله ، وهو كفر كما سبق بيانه. قال القاضي عياض ﵀: "اعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما أو جحده، أو حرفا منه أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو بشيء مما صرح به فيه من حكم، أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته، على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع" (١) وقال: " وكذلك إن جحد التوراة والإنجيل وكتب الله المنزلة، أو كفر بها، أو لعنها أو سبها، أو استخف بها فهو كافر ... " (٢) .
سب الصحابة رضوان الله عليهم:
هذا من المسائل التي لا بد فيها من التفصيل، فإن مِن سب الصحابة ما هو ناقض للإيمان على جهة القطع واليقين، وما ليس كذلك. فمن أمثلة الأول – أي ما هو كفر-:
- أن يكون مستحلا لسب الصحابة، وذلك لأن سبهم محرم بالإجماع، إذ هم عدول عند كافة أهل السنة والجماعة، وقد نبهت آنفا على أن استحلال المُحرَّم المجمع على تحريمه كفر.
стр. 197
- أن يسب جميع الصحابة أو جمهورهم بما يقدح في دينهم وعدالتهم، كأن ينسبهم إلى الكفر أو الفسق. قال ابن تيمية ﵀: "وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب في كفره، لأنه مكذب لما نصّه القرآن في غير موضع من الرضى والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين" (١) .
- أن يسب الصحابة لأجل صحبتهم. قال ابن حزم ﵀: "ومن أبغض الأنصار لأجل نصرتهم للنبي ﷺ فهو كافر" (٢) . وقال السبكي: "إن سب الجميع بلا شك أنه كفر، وهكذا إذا سب واحدا من الصحابة حيث هو صحابي، لأن ذلك استخفاف بحق الصحبة، ففيه تعرض إلى النبي ﷺ " (٣) .
- أن يقذف عائشة ﵂، أو إحدى أمهات المؤمنين رضوان الله عليهم، وهذا لشناعته لا يحتاج إلى دليل، ولا يفتقر إلى تفصيل. نسأل الله السلامة في الدين.
وهنالك أمثلة أخرى في بعضها خلاف (٤) ، والله أعلم.
سب العلماء والصالحين أو الاستهزاء بهم:
لما كان العلماء هم ورثة الأنبياء، وجب توقيرهم واحترامهم ومعرفة مكانتهم التي أحلهم الله فيها، لذلك فالاستهزاء بهم نوعان:
- الاستهزاء بأشخاصهم وصفاتهم الخلقية والخلقية، وهذا حرام.
- الاستهزاء بهم لكونهم علماء، ولما هم عليه من العلم الشرعي، فهذا كفر.
ومن هذا الباب أيضا الاستهزاء بأهل الصلاح والعبادة، أو بأهل البيت النبوي، والله أعلم.
قلت في النظم:
ومن أعاظم المكفرات
إنكار ثابت المغيبات
كالجن والملائك الكرام
والبعث بالأرواح والأجسام
جحد نصوص الوعد والوعيد
أو صرف معناها عن المقصود
إنكار معلوم بالاضطرار
من دين بارئ الدنى الجبار
الشرح:
стр. 198
(ومن أعاظم المكفرات) المخرجة عن ملة الإسلام (إنكار ثابت المغيبات) من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي: إنكار المغيبات الثابتة بالأدلة الشرعية القطعية (كَـ) إنكار (الجن والملائك الكرام و) إنكار (البعث بالأرواح والأجسام) معا.
ومن نواقض الإيمان (جحد) أي إنكار (نصوص الوعد والوعيد) الثابتة (أو صرف معناها عن) المعنى (المقصود) بها في الكتاب والسنة، إلى معان أخرى باطلة؛ وكذلك (إنكار معلوم بالاضطرار) أي: دون حاجة إلى نظر واجتهاد (من دين بارئ الدنى) جمع دنيا (الجبار) .
فهاهنا مجموعة من نواقض الإيمان، أتكلم عليها على وجه الإيجاز، فأقول:
إنكار المغيبات:
عرف الراغب الأصبهاني الغيب بأنه: "ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بدائه العقول، وإنما يعرف بخبر الأنبياء ﵈، وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد" (١) .
ولا شك أن الإيمان بالغيب أصل من أصول الإيمان، بل هو الفيصل الحقيقي بين المؤمن الحق الثابت الراسخ، وبين الآخر الذي تزعزعه أعاصير الشبهات، وتعصف به رياح الشهوات.
ويشمل الإيمان بالغيب أمورا متعددة ثبتت بالقرآن والسنة مثل الإيمان بالملائكة والجن واليوم الآخر بما فيه من بعث ونشور، وصراط وميزان، وجنة ونار، وغير ذلك.
- الإيمان بالملائكة:
هذا أحد أركان الإيمان الستة المذكورة في حديث جبريل وغيره، ومعناه الإقرار الجازم بوجودهم إجمالا، والإيمان بمن ذكر منهم في الكتاب والسنة تفصيلا وهم جبريل وميكائيل واسرافيل وملك الموت وخزنة الجنة والنار وغيرهم.
فمن أنكر وجود الملائكة كفر بلا تردد، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ ، ولأن إنكارها تكذيب بخبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ ، ومخالفة للإجماع القطعي اليقيني الذي يكفر مخالفه.
стр. 199
قال ابن حزم في "مراتب الإجماع": " واتفقوا أن الملائكة حق، وأن جبريل وميكائيل ملكان رسولان لله مقربان عظيمان عند الله تعالى، وأن الملائكة كلهم مؤمنون فضلا" (١) .
ثم لا بد من إجلال الملائكة وإكرامهم، وتنزيههم عما لا يليق بهم من الصفات، لذلك فإن من يسبهم أو يستهزأ بهم فهو كافر. قال ابن حزم ﵀: "وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى، أو بملك من الملائكة، أو نبي من الأنبياء ﵈، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى - بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر" (٢) .
وينقل القاضي عياض ﵀ في الشفا أقوال بعض أئمة المالكية في هذا الشأن فيقول: "وقال القاضي بقرطبة سعيد بن سليمان في بعض أجوبته: من سب الله وملائكته قتل. وقال سحنون:من شتم ملكا من الملائكة فعليه القتل" (٣) . وقال أبو الحسن القابسي في الذي قال لآخر: " كأنه وجه مالك الغضبان: " لو عرف أنه قصد ذم الملَك قتل"! (٤) .
وكلام أهل العلم في هذا الباب طويل ومشهور. فليتَّقِ الله أولئك الذين لا يتورعون عن تمثيل بعض الملائكة أو الأنبياء أو الصحابة في مسرحياتهم المتعفنة وأشرطتهم المنتنة، عاملهم الله تعالى بعدله!!
- الإيمان بالجن:
جاء إثبات وجود الجن ومعرفة كثير من أحوالهم وصفاتهم في الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ .
стр. 200
قال القرطبي ﵀: " وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم" (١) . وقال ابن حزم ﵀: "فمن أنكر الجن أو تأول فيهم تأويلا يخرجهم به عن هذا الظاهر، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال" (٢) .
وإنكار الجن من نواقض الإيمان العصرية التي ابتلي بها أهل "الحداثة والتغريب" والله حافظ دينه ولو كره المشركون.
– الإيمان بالبعث:
يدخل في ركن الإيمان باليوم الآخر – الذي هو أحد أركان الإيمان الستة – أشياء كثيرة مثل عذاب القبر ونعيمه، والبعث والنشور والعرض والحساب والصراط والميزان والجنة والنار وغير ذلك.
فنفي شيء من ذلك هو إنكار للقرآن ومتواتر السنة وإجماع الأمة، فهو إذن كفر بواح. وقد ذكرتُ في النظم مثالا واحدا يكفي للإشارة إلى ما سواه، وهو إنكار البعث بالأرواح والأجسام معا، وذلك متضمن لمكفرين اثنين هما: إنكار البعث مطلقا، وإنكار معاد الأجساد مع الإقرار بمعاد الأرواح. يقول ابن تيمية ﵀: "وأما طوائف من الكفار وغيرهم من الصابئة والفلاسفة ومن وافقهم فيقرون بحشر الأرواح فقط، وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط. وطوائف من الكفار والمشركين وغيرهم ينكرون المعاد بالكلية، فلا يقرون: لا بمعاد الأرواح، ولا الأجساد. ... وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة فإنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية ... ومثل المتفلسفة الصابئة ... وطائفة ممن ضاهوهم من كاتب أو متطبب أو متكلم أو متصوف كأصحاب رسائل إخوان الصفا وغيرهم، أو منافق، هؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل الإيمان ... " (٣)
جحد نصوص الوعد والوعيد:
стр. 201
يشتمل القرآن الكريم على عدد كبير من نصوص الوعد والوعيد، فالوعد بالجنة والمغفرة والثواب، والوعيد بالنار والغضب والعقاب. ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن الله لا يخلف وعده تكرما منه وتفضلا، فأهل التوحيد مآلهم إلى الجنة قطعا. قال تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ . أما الوعيد ففيه تفصيل، فالمشرك الذي يختم له بالشرك في النار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ، وأما المؤمن العاصي ففي مشيئة الله، فقد يقع الوعيد في حقه وقد يتخلف. (١)
وقد مضى سلف الأمة وعلماؤها وصالحوها على الإيمان بنصوص الوعد والوعيد وأنها حق، بما في ذلك الإيمان بالجنة والنار، إلى أن ظهر الفلاسفة فزعموا بأن الوعد والوعيد تخييل للحقائق موجه إلى عوام الناس، وظهر غلاة الصوفية فزعموا أن الجنة عبارة عن تنعم الأرواح، والنار عبارة عن تألمها. ووجد في هذا العصر من ينكر الوعد والوعيد مطلقا، أو يسخر بذلك ويظهر الاستهزاء به، أو من يسلك مسلك الباطنية في تأويل تلك النصوص وصرفها عن معانيها الظاهرة. وكل هذا كفر مناقض للإيمان بما جاء به الرسل، ونزلت به الكتب.
يقول القاضي عياض ﵀: " ... وكذلك من أنكر الجنة أو النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترا، وكذلك من اعترف بذلك، ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب معنى غير ظاهره وإنها لذات روحانية، ومعان باطنة" (٢) .
إنكار معلوم من الدين بالضرورة:
стр. 202
المقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة ما كان متواترا شائعا مستفيضا بين المسلمين، يعلمه الخاص والعام، ويجمع عليه علماء الأمة إجماعا قطعيا، بحيث لا يتصور وقوع الجهل به في دار الإسلام. وهذا شامل لأمور كثيرة سبق ذكرها في هذا الكتاب، مثل بعض أصول التوحيد، ولأمور أخرى لم تذكر آنفا مثل حرمة الخمر والزنا وغير ذلك.
يقول ابن تيمية ﵀: "إن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق" (١)
يقول القاضي عياض ﵀: " وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا مما حرم الله، بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة الصوفية. وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب، وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول، ووقع الإجماع المتصل عليه، ... " (٢) .
يقول صاحب الجوهرة:
مِن ديننا يُقتل كفرا ليس حَد
ومن لمعلوم ضرورة جحَد
أوِ استباح كالزنا فلتسمع
ومثلُ هذا من نفى لمُجمَع
قال الشارح: " ومن جحد أمرا معلوما من أدلة ديننا يشبه الضرورة بحيث يعرفه خواص المسلمين وعوامهم، وهو ما ثبت بالقرآن الكريم، وكان قطعي الدلالة، أو بالسنة المشهورة المتواترة كذلك، وليس فيه شبهة، أو بإجماع جميع الصحابة المتواتر إجماعا قطعيا، قوليا غير سكوتي كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنا، وشرب الخمر، يقتل لأجل كفره لأن جحده مستلزم لتكذيب النبي ﷺ ، وليس قتله حدا وكفارة لذنبه ... " (٣)
???
قلت في النظم:
بذا أتى النص بلا نكران
وفي المباني غيرها خلف جرى
وعن كفوره الكتاب يفصح
ترك الصلاة ناقض الإيمان
فهي عماد الدين من غير امترا
كذلك الساحر ليس يفلح
الشرح:
стр. 203
ذكرت في هذه الأبيات بعض الأمور التي اختلف أهل العلم في التكفير بها، فقلت: (ترك الصلاة ناقض الإيمان) على الصحيح، (بذا) أي: بهذا التكفير (أتى النص) في الكتاب والسنة (بلا نكران) ولا جحود. (فهْي) بتسكين الهاء (عماد الدين من غير امترا) أي دون شك أو ريب، والدليل قوله ﷺ : "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" (١) ، (وفي المباني غيرِها) أي مباني الإسلام الأخرى غير الشهادتين والصلاة، وهي الزكاة والحج والصيام، (خُلف جرى) أي وقع خلاف عند السلف في التكفير بتركها. (كذلك الساحر ليس يفلح) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ، (وعن كفوره الكتاب) أي القرآن (يفصح) في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ .
فهذه مباحث ثلاثة، اختم بها هذا الفصل:
ترك الصلاة: (٢)
لا شك أن الصلاة هي أعظم فرائض الإسلام العملية فقد مدحها الله ، وأثنى على مقيميها في غير ما آية، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ، فبدأ بها قبل غيرها من صفات المؤمنين المفلحين، ثم ختم بها فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ والأدلة على فضل الصلاة من الكتاب والسنة كثيرة جدا.
стр. 204
وقد جاءت النصوص المتظافرة الدالة على كفر تارك الصلاة، فمن ذلك:
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ .
قوله ﷺ : " إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (١) .
قوله ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (٢)
قوله ﷺ : "من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" (٣) .
قوله ﷺ لأبي الدرداء: " لا تشرك بالله شيئا، وإن قطعت أو حرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدا، فمن تركها عمدا فقد برئت منه الذمة" (٤) .
стр. 205
وهنالك أدلة أخرى كثيرة، تركتُها اختصارا، لذلك فالصحيح الذي لا ينبغي العدول عنه، أن من ترك الصلاة مطلقا، كسلا وتهاونا (١) ، فهو كافر أكبر مخرجا من الملة. وهذا قول أحمد وإسحاق وجماعة عظيمة من السلف وأهل الحديث. بل نقل إجماع الصحابة على ذلك، فقال التابعي الجليل عبد الله بن شقيق العقيلي: " كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (٢) .
قال الشوكاني معلقا على هذا الأثر: " والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة " (٣) .
ترك الزكاة أو الصوم أو الحج:
قال ابن رجب الحنبلي ﵀: " وذهب طائفة منهم (أي: من أهل الحديث) إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا أنه كافر بذلك، وروي ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم، وهو رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية " (٤) .
أقول: ذكروا لهذا المذهب – أعني تكفير تارك الزكاة أو الحج أو الصيام – أدلة من نصوص الكتاب والسنة، لكنها تدور بين الصحيح غير الصريح، والصريح غير الصحيح، وقولِ من ليس قوله حجة. لذلك فالصحيح – وهو مذهب الجمهور – أن ترك واحد من هذه المباني الثلاثة – من غير جحود ولا استحلال – ليس كفرا، وإن كان ذلك من أعظم الكبائر، والله أعلم.
السحر:
اختلف أهل العلم في تعريف السحر، نظرا لخفائه ودقه معناه، قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعا لها مانعا لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافا متباينا" (٥) .
стр. 206
أقول: ونظرا لهذا الاختلاف في التعريف، فقد وقع الاختلاف في كونه كفرا أولا، مع اتفاقهم على تحريمه، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى كفر من يتعلم السحر ويستعمله، فيما فصَّل الشافعي فقال: "إذا تعلم السحر قلنا له صِفْ سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر بمثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر" (١) .
قال الشنقيطي ﵀: "التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل ـ فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله، كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة فإنه كفر بلا نزاع، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ، (...) وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر" (٢) .
أقول: بهذا التفصيل تلتئم الأدلة، وتجتمع الأقوال، والله أعلم.
الخاتمة:
إلى هنا قد انتهى المقصود
والله ربنا هو المحمود
نشكره على جليل نعمه
ونستزيد من عظيم كرمه
ثم الصلاة والسلام سرمدا
على النبي والآل أنجم الهدى
وهذه المنظومة اللطيفة
قد شملت مباحثا منيفة
سميتها قلائد العقيان
لنظمها مسائل الإيمان
أعددتها ذخرا ليوم الازدحام
أرختها فافهم بنور في الختام.
وفي اختتام النظم بهذا الشطر ثلاث فوائد مقصودة بالذات:
أولها تأريخ النظم بحساب الجُمل - على واحدة من الطريقتين المعروفتين - إذ مجموع حروف " بنور في الختام" بهذا الحساب هو ١٤٢٠ وهي سنة نظم هذا المتن.
стр. 207
وثانيها ما نص عليه أهل البديع من أن خير الختم ما كان بلفظ يؤذن بالختام، وأبلغُه لفظ الختم والتمام والكمال. ونظمه السيوطي بقوله:
وإن يجئ في الانتهاء مؤذن ... ... ... بختمه فهو البليغ الأحسن.
وثالثتها التفاؤل بهذه الكلمات في أن تكون خاتمتنا تضيئها أنوار شهادة التوحيد، بعيدة عن ديجور أهل الشرك والباطل. نسأل الله أن يحسن خاتمتنا، آمين.
وبعدُ، فهذا الذي دبجه يراعي في هذه الأوراق هو مبلغ علمي، وغاية جهدي، وهو ما سمح به الوقت، وأسعفت به الهمة، في هذا الموضوع الشائك والخطير، جمَعتُ مادته من كتب متعددة، ومشافهات مع جماعة من أهل العلم من مشايخي وأهل الفضل علي.
وقد راعيت فيه الاختصار الشديد، مع الإحاطة بكل جوانب الموضوع، ولم شمله. أما الاختصار، فلأنني لو بسطت الكلام في هذه المباحث المعروضة لجاء الكتاب في عدة مجلدات، مع أن المقصود إنما هو تقديم متن مختصر مشروح ومُعَد للحفظ والتدريس. وأما الإحاطة فلأن هذه المنظومة تشتمل على كل المباحث النافعة في موضوع الإيمان، ولا تغفل شيئا مما يحتاج إليه المسلم في هذا الباب، بل إن فيها إشارات مفيدة في كافة أبواب العقيدة، بحيث يمكن أن تُدَرس العقيدة كلها من خلال هذه المنظومة، إذا راعى المدرِّس التفصيل اللازم في مواضع التفصيل، والإجمال في مواضع الإجمال.
على أنني كلما قلبت النظر في هذه الأوراق، رأيت فيها مواضع كثيرة تحتاج إلى تفصيل أكبر، وتمحيص أدق. فأقول مثلما قال القاضي الفاضل:
".. إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر، فأرجو مسامحة ناظريه فهم أهلوها، وأؤمل جميلهم فهم أحسن الناس وجوها..." (١) .
стр. 208
فاللهم يا ذا الغنى المطلق، والعدل المحقق، تدارك أمة نبيك محمد بألطافك السنية، وأفضالك العلية، وآلائك البهية. وأجعلنا من المخلصين المخبتين، المعترفين بالعجز والتقصير، المنيبين إلى رب العالمين.
فلا تخزه بالرد، إن الجفا مر
تؤملها النفس التي نالها الفقر
ثقلت بأوزاري، وحاق بي العسر
عسى أن يكون الترب من تحته التبر (١)
فيا رب، راجي العفو بالباب سائل
وأكرمه إن الجود منك عطية
وتب يا عظيم الجود والفضل إنني
ويا بارئي، لا تجزني بالذي مضى
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
أبو محمد المراكشي
الرباط في شهر صفر الخير من سنة ١٤٢١ للهجرة.
لائحة المراجع:
إتحاف السادة المتقين للزبيدي - دار الفكر.
أحكام أهل الذمة لابن القيم - ت: صبحي الصالح - دار العلم للملايين - ط:٣ - ١٤١٣هـ.
إرشاد الفحول للشوكاني - ت: أبي مصعب البدري - مؤسسة الكتب الثقافية - ط:٦ - ١٤١٥هـ.
أضواء البيان للشنقيطي - دار الفكر - ١٤١٥هـ.
اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم - دار الحديث - القاهرة.
اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية - ت: محمد حامد الفقي - دار الكتب العلمية - بيروت.
الإحكام لابن حزم - دار الحديث القاهرة - ط:١ - ١٤٠٤هـ.
الآداب الشرعية لابن مفلح المقدسي - ت: شعيب الأرناؤوط وعمر القيام - مؤسسة الرسالة - ١٤١٧هـ.
الأشباه والنظائر للسيوطي - ت: خالد عبد الفتاح شبل أبو سليمان - مؤسسة الكتب الثقافية - ط:١ - ١٤١٥هـ.
الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة - المؤسسة السعيدية - ارياض.
الإيمان لابن تيمية - ت: الألباني - المكتب الإسلامي - ط: ٤ - ١٤١٣هـ.
الاعتصام للشاطبي - بعناية: رشيد رضا - المكتبة التجارية - مصر.
البداية والنهاية لابن كثير - توثيق: عبد الرحمن اللاذقي ومحمد بيضون - دار المعرفة بيروت - ط:٤ - ١٤١٩هـ.
التبيان في أقسام القرآن لابن القيم - دار الفكر.
стр. 209
التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية لفالح بن مهدي آل مهدي – ت: عبد الرحمن بن صالح المحمود – دار الوطن – ط:١ – ١٤١٤هـ.
التمهيد للحافظ ابن عبد البر – نشر وزارة الأوقاف المغربية – ١٤٠٤هـ.
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي الشافعي – ت: زاهد الكوثري – مكتبة المثنى ببغداد ومكتبة المعارف ببيروت – ١٣٨٨هـ.
الجامع في طلب العلم الشريف لعبد القادر بن عبد العزيز – ط:٢ – ذو الحجة ١٤١٥هـ.
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية – مطبعة المدني – القاهرة.
الدرر السنية في الأجوبة النجدية – مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة السعودية – ط:٢ – ١٣٨٥هـ.
الروض الأنف للإمام أبي القاسم السهيلي – ت: مجدي بن منصور بن سيد الشورى – دار الكتب العلمية – ط١ – ١٤١٨هـ.
السنة لأبي بكر الخلال- ت: عطية الزهراني- دار الراية للنشر والتوزيع – ط:٢ – ١٤١٥هـ.
الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض
الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية – ت: محيي الدين عبد الحميد – عالم الكتب – ١٤٠٣ هـ.
الصحاح لأبي نصر إسماعيل الجوهري – ت: أحمد عبد الغفور.
الصلاة وحكم تاركها لابن القيم – ت: بسام الجابي – دار ابن حزم – ط:١ – ١٤١٦هـ.
الفتاوى الكبرى لابن تيمية – ت: عبد القادر عطا (محمد ومصطفى) – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤٠٨هـ.
الفروق للقرافي – عالم الكتب – بيروت.
الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤١٦ هـ.
القاموس المحيط للفيروزآبادي – ت: يوسف البقاعي – دار الفكر – ١٤١٥هـ.
القواعد الحسان للسعدي – مكتبة المعارف الرياض – ١٤٠٠هـ.
القول المفيد شرح كتاب التوحيد لمحمد بن صالح العثيمين – دار العاصمة – ط:١ – ١٤١٥هـ.
الكشاف لأبي القاسم جار الله الزمخشري – تصحيح: محمد عبد السلام شاهين – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤١٥هـ.
стр. 210
المحلى بالآثار لابن حزم – ت: عبد الغفار البنداري – دار الفكر.
المستصفى لأبي حامد الغزالي – ت: الأشقر.
المفردات في غريب القرآن للراغب الأصبهاني – ت: محمد خليل عيتاني – دار المعرفة بيروت – ط:١ – ١٤١٨هـ.
الملل والنحل للشهرستاني – ت: أحمد فهمي محمد – دار الكتب العلمية – ط:٢ – ١٤١٣هـ.
المنتخب من أدب العرب لجماعة من المؤلفين – المطبعة الأميرية بالقاهرة – ١٩٥٠م.
المواقف في علم الكلام للعضد الإيجي – مكتبة المتنبي – القاهرة.
بدائع الفوائد لابن القيم – دار الفكر.
تاج العروس
تعظيم قدر الصلاة للمروزي – ت: عبد الرحمن الفريوائي – مكتبة الدار المدينة المنورة - ط:١ – ١٤٠٦هـ.
تفسير ابن كثير – تصحيح: خليل الميس – دار القلم – ط:٢.
تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن) – دار الكتب العلمية – ط: ٢ – ١٤١٨هـ.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) – دار الكتب العلمية – ١٤١٣هـ.
تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر – ت: عبد القادر عطا – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤١٥هـ.
تهذيب السنن لابن القيم (مع عون المعبود للعظيم أبادي) – إشراف: صدقي جميل العطار – دار الفكر – ١٤١٥هـ
توضيح الكافية الشافية للسعدي – المطبعة السلفية – القاهرة – ١٣٦٨ هـ.
تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – المكتب الإسلامي – ط:٨ – ١٤٠٩هـ.
جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي – ت: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس – مؤسسة الرسالة – ط:٢ – ١٤١٢هـ.
جزء فيه عقيدة ابن عربي وحياته للشيخ تقي الدين الفاسي – ت: علي حسن عبد الحميد – دار ابن الجوزي – ط:٢ – ١٤١٣هـ.
جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد لمحمد بن سليمان الروداني – ت: سليمان بن دريع – مكتبة ابن كثير/دار ابن حزم – ١٤١٨هـ.
جواهر البلاغة للسيد أحمد الهاشمي – دار الفكر – ١٤١٤هـ.
حاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع – دار الفكر – ١٤١٥هـ.
стр. 211
حاشية الطالب بن حمدون بن الحاج على شرح ميارة على متن المرشد المعين – دار الرشاد الحديثة – ١٤١٢هـ.
حاشية العطار على شرح المحلي لجمع الجوامع – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤٢٠هـ.
حقيقة الخلاف بين السلفية الشرعية وأدعيائها في مسائل الإيمان لمحمد أبو رحيم – دار الجوهري – ط:٢ – ١٤١٩هـ.
حلية اللب المصون للدمنهوري على متن الجوهر المكنون للأخضري (مع حاشية مخلوف المنياوي) – دار الفكر.
درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية – ت: محمد رشاد سالم – دار الكنوز العربية الرياض – ١٣٩١هـ.
ديوان المتنبي (بشرح البرقوقي) – دار الكتاب العربي بيروت – ١٤٠٧هـ.
رسالة في الرد على القائلين بوحدة الوجود لعلي بن سلطان القاري – ت: علي رضا – دار المأمون للتراث – ط:١ – ١٤١٥هـ.
روح المعاني للألوسي – دار الفكر – ١٤٠٨هـ.
زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر – مكتبة دار القلم والكتاب – ط١ – ١٤١٦هـ.
سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ ناصر الدين الألباني – مكتبة المعارف الرياض – ١٤١٥هـ.
سنن أبي داود – ت: سعيد محمد اللحام – دار الفكر – ط:١ – ١٤١٠هـ.
سنن الترمذي – بإشراف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – دار الفيحاء/دار السلام – ط:١ – ١٤٢٠هـ.
سنن النسائي (المجتبى) – دار ابن حزم – ط:١ – ١٤٢٠هـ.
سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي – ت: جماعة بإشراف شعيب الأرناؤوط – مؤسسة الرسالة – ط١١- ١٤١٩هـ.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي – ت: الغامدي
شرح السنة للبغوي
شرح العقيدة الأصبهانية لابن تيمية – ت: حسنين محمد مخلوف – دار الكتب الحديثة – القاهرة.
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي – ت: الألباني – المكتب الإسلامي – ط: ٩ – ١٤٠٨هـ.
شرح العلامة حسن درويش القويسني على متن السلم في المنطق لعبد الرحمن الأخضري – دار النشر غير مذكورة.
стр. 212
شرح القصيدة النونية لابن القيم – شرح: محمد خليل هراس – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤٠٦هـ.
شرح المعلقات السبع للقاضي الزوزني – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤٠٥ هـ.
شرح جوهرة التوحيد للبيجوري – ت: أديب الكيلاني وعبد الكريم تتان – تقديم: عبد الكريم الرفاعي.
شرح صحيح مسلم للإمام النووي – دار الفكر – ١٤١٩هـ.
شرح عقود الجمان في البديع والمعاني والبيان للإمام السيوطي – دار الفكر.
شرح كشف الشبهات (ومعه شرح الأصول الستة) للعثيمين – إعداد: فهد بن ناصر السليمان – دار الثريا للنشر – ط:٣ – ١٤١٨هـ.
شروح التلخيص في البلاغة – دار السرور – لبنان.
شعب الإيمان للبيهقي – ت: محمد بن بسيوني زغلول – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤١٠ هـ.
صحيح البخاري – بيت الأفكار الدولية – ١٤١٩هـ.
صحيح الكلم الطيب لابن تيمية – للألباني – المكتب الإسلامي – ط:٢ – ١٣٩٤هـ.
صحيح مسلم – اعتنى به: أبو صهيب الكرمي - بيت الأفكار الدولية – ١٤١٩هـ.
ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة – لعبد الله بن محمد القرني – مؤسسة الرسالة – ط:١ – ١٤١٣هـ.
ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني – دار القلم دمشق – ط٤ – ١٤١٤هـ.
طرح التثريب شرح التقريب للعراقي – دار إحياء التراث العربي بيروت.
طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم – ت: عمر محمود أبو عمر – دار ابن القيم – ط:٢ – ١٤١٤هـ.
ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي للشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي – من مطبوعات جامعة أم القرى.
فتاوى السبكي – دار المعرفة بيروت.
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤١٠هـ.
قواعد في التكفير لعبد المنعم مصطفى حليمة – دار البشير – ط:١ – ١٤١٥هـ.
لسان العرب لابن منظور – دار صادر بيروت – ط: ٦ – ١٤١٧هـ.
стр. 213
لسان الميزان لابن حجر – ت: محمد عبد الرحمن المرعشلي – دار إحياء التراث العربي مؤسسة التاريخ العربي – ط:١ – ١٤١٦هـ.
مجموع الفتاوى لابن تيمية – جمع: هبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي.
مجموعة التوحيد – دار الكتاب الإسلامي – المدينة المنورة.
مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم – ت: رضوان جامع رضوان – دار الفكر – ١٤١٧هـ.
مدارج السالكين – ت: محمد حامد الفقي – دار الكتاب العربي – ط: ٢ – ١٣٩٣هـ.
مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية لادريس محمد إدريس – مكتبة الرشد (شركة الرياض) – ط:١ – ١٤١٩هـ.
معارج القبول شرح سلم الوصول لحافظ حكمي – ت: عمر محمود أبو عمر – دار ابن القيم – ط:٣ – ١٤١٥هـ.
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري – ت: محيي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية بيروت – ١٤١١هـ.
مفاتيح الغيب (تفسير الفخر الرازي) – دار الكتب العلمية – ط:١ – ١٤١١هـ.
منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى.
موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن بن صالح المحمود – مكتبة الرشد الرياض – ط:٢ – ١٤١٦هـ.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي – ت: علي محمد البجاوي – دار المعرفة – ط:١ – ١٣٨٢ هـ.
نشر البنود على مراقي السعود لعبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي – ط: اللجنة المشتركة بين المملكة المغربية ودولة الإمارات المتحدة.
نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف – دار الوطن – ط:٢ – ١٤١٥هـ.
نيل الأوطار للإمام الشوكاني – ت: عصام الدين الصبابطي – دار الحديث القاهرة – ط:١ – ١٤١٣هـ.