ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تفصيل طيب في هذه المسألة، وحاصله أنه ينبغي التفصيل بين الحالات التالية (١) :
الحالة الأولى: أن يكون اللازم حقا، فهذا يجب عليه التزامه، ولا مانع من إضافته إليه إذا علم من حاله أنه لايمتنع من التزامه.
الحالة الثانية: أن يكون اللازم باطلا ويلتزمه فهو يعد قولا له.
الحالة الثالثة: أن يكون باطلا، فإذا ذكر له منع التلازم بينه وبين قوله، فهذا لاتجوز إضافته إليه لأن ذلك يكون كذبا عليه.
الحالة الرابعة: أن يكون اللازم الباطل مسكوتا عنه، فحكمه أن لاينسب إلى القائل، لتطرق الاحتمال إلى إمكانية التزامه هذا القول. والله أعلم.
المسألة الثالثة: التكفير بالفعل المحتمل
الأفعال المحتملة هي الأفعال التي ليست صريحة في دلالتها على الكفر، ودخول الاحتمال فيها يسقطط الاستدلال بها على كفر صاحبها. ومن هذه الأفعال ما ذكره البخاري في صحيحه، وترجم له بقوله:" باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله" (٢) . فمن صلى إلى القبلة وأمامه شيء مما يعبد ويشرك به كالنار والصنم والقبر، لايكفر يمجرد ذلك، حتى ينظر في قصده، هل يقصد الصلاة لله جل ذكره، أم لذلك المخلوق؟
ولما كانت هذه الأفعال المحتملة غير ظاهرة في الكفر أو عدمه، احتيج إلى ترجيح أحد الطرفين بمرجح معتبر في الشرع، كأن يُسأل الفاعل عن قصده ونيته، وهذا أظهر المرجحات وأحوطها في هذه المسائل الخطيرة التي يترتب عليها آثار وخيمة في الواقع.
стр. 142
لهذا لما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن سب شريفا من أهل البيت، فقال:" لعنه الله، ولعن من شرفه"،أجاب ﵀:" وليس هذا الكلام بمجرده من باب السب الذي يقتل صاحبه، بل يستفسر عن قوله: من شرفه، فإن ثبت بتفسيره أو بقرائن حالية أو لفظية أنه أراد لعن النبي ﷺ وجب قتله، وإن لم يثبت ذلك ... لم يكن ذلك موجبا للقتل باتفاق العلماء" (١) .
وقد تبين من هذا النقل عن شيخ الإسلام ﵀، أن من المرجحات التي تعين المراد من العمل المحتمل - إلى جانب تبين القصد - النظر في القرائن الحالية أو اللفظية. فإن دلت القرائن مثلا على أن مرتكب الفعل مغموص عليه في النفاق، أو متهم بالابتداع والإلحاد، أو مشار إليه بالزندقة، كان هذا مرجحا قويا لكونه أراد بفعله الكفر، وبالمقابل من كان من أهل الصلاح والتقوى، وكان مشهورا عنه مجالسة الأخيار، والمحافظة على الشرائع، وتعظيم الرب والدين، ترجح عدم إرادته الكفر بفعله المحتمل.
وهذا باب طويل الذيل، عظيم النفع، مَن ضبط فروعه وتطبيقاته لم يخش على نفسه من الخطل والزلل. والله الموفق.
???
قلت في النظم:
ورغم ما قلت من التحذير
لاينبغي الوقوف في التكفير
إذا بدا الكفر جليا وظهر
من لم يكفر كافرا فقد كفر
الشرح:
(ورغم ما) أي الذي (قلت) آنفا (من التحذير) الشديد من التسرع في تكفير المعين، قبل التأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فإنه (لا ينبغي) أي لايجوز (الوقوف في التكفير) في حالة ما (إذا بدا الكفر جليا وظهر) معطوف على 'بدا'، وتعليل ذلك أنه (من لم يكفر كافرا فقد كفر) وهي إحدى قواعد التكفير المشهورة التي لا ينبغي استخدامها على إطلاقها، بل مع اعتبار مجموعة من القيود والتخصيصات.
وقبل ذكر هذه القيود، أشير أولا إلى أن هذه القاعدة قد وردت كثيرا في كلام أهل العلم، واستعملوها في ظروف مختلفة، بل نقلوا الإجماع على صحتها.
стр. 143
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:" ووسم تعالى أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات فلابد من تكفيرهم أيضا، هذا هو مقتضى "لاإله إلا الله"، كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها إلا بتكفير من جعل لله شريكا في عبادته، كما في الحديث الصحيح:" من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله" (١) . فقوله وكفر بما يعبد من دون الله تأكيد للنفي، فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلوشك أو تردد لم يعصم دمه وماله ... " (٢) .
ويقول حفيده الشيخ سليمان بن عبد الله صاحب كتاب "تيسير العزيز الحميد" ﵀: " إن كان شاكا في كفرهم أو جاهلا بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر ... " (٣) .
وقد وردت هذه القاعدة في كلام أهل العلم القدماء، بألفاظ متقاربة، عند بيانهم خطورة بعض الأقوال والأعمال المكفرة، فتجدهم يقولون مثلا: من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر، ومن شك في كفره أو لم يكفره فهو كافر.
فمن ذلك مثلا قول محمد بن سحنون المالكي ﵀:" أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر" (٤) .
ومنه أيضا قول ابن تيمية ﵀:" أما من اقترن بسبه- أي للصحابة- دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبريل ﵇ في الرسالة، فهذا لاشك في كفره، بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره" (٥) .
стр. 144
ومستند هذه القاعدة، أن من لم يكفر كافرا وهو يعلم أن الله تعالى كفره أو أن رسوله محمدا ﷺ كفره بما لايحتمل تأويلا ولا إجمالا، فإنه يكون رادا لخبر الله ورسوله، وجاحدا لحكم الله وحكم رسوله، وهذا كفر بواح لاخلاف فيه بين أهل العلم كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ .
ولكن هذه القاعدة لا تنطبق في حالات معينة، من بينها:
أن يكون الشخص جاهلا بحال الكافر، بأن لايعرف شيئا من حاله مطلقا، أو بأن يعرفه ولكن لا يعرف عنه وقوعه في أحد نواقض الإيمان. وهذا الفرض يتصور في الكافر المنعزل عن الناس، وغير المعلن بكفره، أما الكافر الذي يتعدى ضرر كفره إلى غيره، وتعم فتنته البلاد والعباد، فلا يتصور خفاء حاله على أحد.
أن يتوقف المجتهد عن تكفير شخص معين لاعتقاده انتفاء شرط في حقه أو قيام مانع من الموانع المعتبرة. فهذا يكون توقفه داخلا في حكم الخطأ في الإجتهاد، ويكون صاحبَ أجر واحد لأجل اجتهاده. ولايخفى أن هذا لايكون إلا لمن يستفرغ جهده في طلب الحق، ولايكون متبعا لهوى أو متعصبا لمذهب. ويدخل في هذا الباب العامي الذي ليست له أهلية الإجتهاد، إذا كان مقلدا لغيره من المجتهدين المخطئين.
أن يكون الفعل أو القول مختلفا فيه بين علماء الأمة. ومثاله الخلاف في حكم تارك الصلاة. فمن كان يرى كفره - وهو الصحيح كما سيأتي إن شاء الله- لايجوز له أن يكفر المخالف (١) بزعم أنه لم يكفر الكافر أو توقف في تكفيره. وبالعكس، فمن كان يرى عدم كفر تارك الصلاة- لأدلة شرعية معتبرة- لم يجز له تكفير المخالف بزعم أنه قد كفر مسلما.
فهاتان القاعدتان لم يصح تطبيقهما هنا، لعدم تحقق مناطهما وهو تكذيب الله ورسوله، وجحد حكمهما.
стр. 145
وكذلك فإن هذه القاعدة- أقصد قاعدة:" من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فهو كافر"- يمكن أن تؤدي عند -أصحاب البضاعة الضحلة في العلم- إلى الوقوع في تسلسل تكفيري خطير، بأن يكفروا من لم يكفر من كفروه، ثم يكفروا من لم يكفر من لم يكفر من كفروه، وهكذا إلى ما لا نهاية!!
وهذا التسلسل شبيه بما نقله أبو الحسين الملطي عن المعتزلة، قال:" فأما الذي يكفر فيه معتزلةُ بغداد معتزلةَ البصرة فالقول في الشاك، والشاك في الشاك، ومعنى ذلك أن معتزلة بغداد والبصرة وجميع أهل القبلة لااختلاف بينهم أن من شك في كافر فهو كافر (١) ، لأن الشاك في الكفر لا إيمان له، لأنه لايعرف كفرا من إيمان، فليس بين الأمة كلها - المعتزلة ومن دونهم - خلاف أن الشاك في الكافر كافر، ثم زاد معتزلة بغداد على معتزلة البصرة أن الشاك في الشاك، والشاك في الشاك إلى الأبد إلى مالا نهاية له كلهم كفار وسبيلهم سبيل الشاك الأول " (٢) .
وهذا آخر ما أذكره في قواعد التكفير وضوابطه، ثم أنتقل إلى الكلام على بعض أشهر نواقض الإيمان، ومن الله التوفيق.
الباب الرابع: نواقض الإيمان
قلت في النظم
نواقض الإيمان ليست تحصر
فلتحفظن منها الذي سأذكر
إذ علمنا بهذه النواقض
على الجميع أعظم الفرائض
الشرح:
(نواقض الإيمان) وهي الأمور المكفرة المخرجة لصاحبها من ملة الاسلام (ليست تحصر) بِعَد ولا إحصاء، ولا بجمع ولا استقصاء، ولما كان الأمر كذلك (فلتحفظن منها) يا أخا السنة (الذي سأذكر) هـ، لشدة أهميته وعموم الابتلاء به، (إذ علمنا) نحن معاشر المسلمين (بهذه النواقض) على سبيل الإجمال لجميعها، والتفصيل لبعضها، هو (على الجميع أعظم) خبر المبتدأ (الفرائض) والواجبات العينية، وذلك لأن العلم بهذه النواقض يعصم المسلم من الوقوع في خطرين شرعيين عظيمين:
стр. 146
أولهما: ارتكاب هذه النواقض أو شيء منها، ومعنى ذلك انتقاض عقد الإيمان، والوقوع في الردة الصريحة، نسأل الله السلامة والعافية. ولا شك أن معرفة التوحيد وضبط ما ينافيه ويناقضه، هو أعظم الواجبات العينية، وينبغي الاعتناء به قبل غيره من تفاصيل الشرائع ودقائق الفقه، خلافا لحال أكثر الناس في هذا العصر، إذ تجدهم يدققون في معرفة تفاصيل الطهارة والصلاة والصيام وما أشبه ذلك – هذا إن كانوا ملتزمين إجمالا بشرع الإسلام غير معرضين عنه ولا صادين – وهم لا يعرفون من مسائل التوحيد شيئا يذكر. وهذا انتكاس خطير في فقه الأولويات، وفهم مبتدع لدين الإسلام.
وثانيهما: عدم التفريق بين مرتكب بعض هذه النواقض وبين غيره ممن يحافظون على توحيدهم ولا يأتون شيئا من هذه الأمور المكفرة، وبعبارة أخرى الخلط بين المسلم والكافر، واللبس في أحكام التعامل مع كل منهما. وهذا أمر قد عم بين صفوف المنتسبين إلى "الحركة الاسلامية" نفسها، فضلا عن غيرهم!!
وغير خاف على من له أدنى إلمام بدين الاسلام، أن الشرع الحنيف قد فصل فصلا حقيقيا واضحا بين المسلم والكافر سواء في أحكام الدنيا أو أحكام الآخرة، وما زال الفقهاء يلهجون في مصنفاتهم بذكر هذه الأحكام الدنيوية المتباينة في النصرة والموالاة والمحبة والتناصح والتناكح والتوارث والدفن والصلاة والوَلاية وغير ذلك.
وكل هذه الأحكام وغيرها، لا تجد سبيلها إلى التطبيق، عند غياب العلم بنواقض الإيمان، وبقواعد التكفير وضوابطه التي سبق تفصيلها في الفصل الثالث.
وسوف أقوم في هذا الفصل بالكلام على أخطر نواقض الإيمان التي عمت بها البلوى في هذه الأعصار، وأرتبها حسب الترتيب التالي (١) :
стр. 147
نواقض الإيمان في الربوبية
نواقض الإيمان في الاسماء والصفات
نواقض الإيمان في الالوهية
نواقض الإيمان في النبوات والمغيبات والأمور أخرى.
وينبغي أن يتنبه القارئ إلى أن ما سأذكره في هذا الفصل هو كله من باب التكفير على العموم، أما تكفير الشخص المعين الواقع في أحد هذه النواقض فيخضع للقاعدة المذكورة في الفصل السابق. وهذا أوان الشروع في المقصود.
الفصل الأول: نواقض الإيمان في الربوبية:
قلت في النظم:
فجعل بعض أوجه التدبير
لمن سوى المهيمن الخبير
شرك، كإنكار وجود الصانع
أو ادعاء خالق مضارع
الشرح:
(فجعل بعض أوجه التدبير) والتصرف في الكون (لمن) هو (سوى المهيمن) على المخلوقات كلها (الخبير) بما يصلح الخلق، وهو الله ﷻ ، (شرك) خبر المبتدأ (كإنكار) التشبيه لإفادة الحكم (وجود الصانع) ، (أو ادعاء) وجود (خالق) غير الله (مضارع) أي مساو من كل وجه واعتبار للباري جل ثناؤه، وليس احترازا كما قد يتبادر، إذ كل من أثبت شيئا من الخلق على سبيل الإيجاد من العلم - ولو قليلا - لغير الله ، كان مشركا.
وأقسم الكلام على هذين البيتين إلى المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريف توحيد الربوبية
стр. 148
تنوعت عبارات العلماء في تعريف لفظ " الرب " وتعريف توحيد الربوبية. أما أهل اللغة فجعلوا لفظة "الرب" تدور على معان ثلاثة (١) : المالك ومنه قول النبي ﷺ : " فذرها حتى يلقاها ربها" (٢) ، والسيد المطاع ومنه ما جاء في الحديث: " أن تلد الأمة ربها " (٣) أي سيدها، والمصلح للشيء المدبر له، قال الراغب الاصبهاني: "الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام" (٤) .
وانطلاقا من هذه المعاني اللغوية، قال ابن جرير الطبري: " فربنا جل ثناؤه: السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر" (٥) . وهذا أجمع ما وقفت عليه في تعريف الرب، مع مراعاته الأصول اللغوية للكلمة. وقد يأتي بعض أهل العلم بتعريفات أخرى تركز على أحد المعاني الثلاثة المتقدمة دون غيرها، كما في قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها" (٦) ، وفيه إشارة إلى الترابط بين الربوبية والألوهية كما سيأتي.
стр. 149
أما توحيد الربوبية فيعرفه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء (١) ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر" (٢) .
وهذا التعريف على طوله، ليس جامعا لكل مسائل توحيد الربوبية. وأفضل منه أن يقال: " هو إفراد الله تعالى بالخلق والحكم الكوني والشرعي "، فيكون هذا التوحيد مشتملا على أركان ثلاثة:
إفراد الله بالخلق كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وغير ذلك من الآيات. وهذا الركن الأول يتضمن مراتب ثلاثة:
إثبات وجود الصانع، وهذا أمر لا يخالف فيه إلا عتاة الملاحدة المتعمقون في الكفر.
إثبات كون الله تعالى متصفا بالخلق الأول أي خلق السماوات والأرض ومن فيها، والخلق الثاني وهو البعث كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهذا المعنى كونه جل ذكره هو المبدئ المعيد والمحيي المميت.
نفي وجود خالق غير الله .
إفراد الله بالحكم الكوني ويشمل جميع أنواع القضاء والتدبير والملك والتصرف، فالله يحكم في خلقه بما يشاء، ويدبرهم بمقتضى حكمته، ويتصرف فيهم وفق مشيئته، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. وهذا باب واسع جدا، ومن ضمن ما يشتمل عليه الإيمان بقضاء الله وقدره، وخلقه لأفعال عباده.
стр. 150
إفراد الله بالحكم الشرعي ومعناه أنه لا يملك حق التشريع أي التحليل والتحريم إلا الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ، وكما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ، فجعل المشرعين من المخلوقين في منزلة الشركاء الذين ينازعون الله في ربوبيته.
وإذا تبين معنى توحيد الربوبية والأركان الداخلة في ماهيته، فإن انتفاء أي ركن من هذه الأركان يعد ناقضا من نواقض الإيمان في الربوبية. وهذا ما سوف أقوم بشرحه في المباحث التالية، على أنني سأؤجل الكلام على إنكار البعث إلى باب الغيبيات، والكلام على شرك التشريع إلى باب شرك التحاكم لوجود المناسبة بين هذه المسائل.
المبحث الثاني: شرك التعطيل:
وهذا هو المشار إليه في النظم بقولي: كإنكار وجود الصانع". واعلم أن هذا الشرك، قل من قد وقع فيه قديما وحديثا، لأن الإقرار بوجود رب صانع لهذا الكون، أمر مركوز في الفطر، لا يقدر أحد – كائنا من كان – أن يدفعه عن نفسه. لذلك لم ينسب أهل العقائد، والمصنفون في الملل والنحل، هذا الشرك إلى طائفة معينة من الناس.
وأما وقوع فرعون في هذا الشرك، كما في قوله – فيما حكاه الله عنه في كتابه -: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى﴾ وقوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ، فقد كان منه مكابرة، وغلوا في اللجاج والخصام كما دل على ذلك قوله تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ، وما حكاه الله جل ذكره عن موسى إذ يقول لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاء إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ .
стр. 151
وبالجملة، فإثبات وجود الخالق ، أمر أرشدت إليه الفطرة السليمة، ودلت عليه آيات الكون وأسرار الخلق؛ فلا يحتاج في البرهنة عليه إلى الأدلة العقلية المحضة، والأقيسة المنطقية التي لا يهتدي إلى غوامض دقائقها إلا دهاقنة علم الكلام، وجهابذة فنون العقليات. هذا مع كون هذه الأدلة منقوضة على أصحابها بأدلة عقلية مثلها أو أقوى منها!!
فهل من خسران أعظم، وخذلان أشد من أن يفني العالم عمره كله في إيراد الأدلة العقلية المثبتة لوجود الصانع ، ثم لا يخرج من ذلك كله بغير الشك والحيرة والضلال؟! نسأل الله الثبات على دين الإسلام.
المبحث الثالث: الشرك في الربوبية على سبيل التشريك
ومعناه إثبات وجود خالقين غير الله ، وهو المشار إليه بقولي في النظم: "أو ادعاء خالق مضارع". وهذا النوع الثاني أكثر من الأول، وأشهر أصحابه المجوس الثنوية، الذين يثبتون إلهين اثنين: إله النور وإله الظلمة، ويجعلون إله النور هو خالق الخير، وإله الظلمة هو خالق الشر. ومع إثباتهم لخالقين اثنين، فإنهما عندهم غير متساويين مطلقا، بل النور أفضل من الظلمة من اعتبارات متعددة.
وأما مجوس هذه الأمة – كما ورد بذلك الحديث (١) - فهم القدرية نفاة القدر، فإنهم يزعمون أن الله جل ثناؤه لم يخلق كفر الكافر ولا معصية العاصي، وإنما الكافر نفسه خلق كفره، والعاصي خلق معصيته. فأشبهوا المجوس في تشريكهم غير الله تعالى معه في الخلق، وزادوا عليهم في الضلال، إذ لم يكتفوا مثلهم بإثبات شريك واحد في الخلق، بل جعلوا كل المخلوقين خالقين!!.
стр. 152
أما أهل السنة فيجعلون أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، كما دل عليه قوله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، وقول النبي ﷺ : " إن الله خالق كل صانع وصنعته " (١) . وعلى هذا مضى إجماعهم، واستقر عقدهم. وليس هذا محل تفصيل هذه المسألة.
المبحث الرابع: الشرك في التدبير والتصرف
وهذا أساس الشرك في الربوبية، وأكثر أنواعه وقوعا في المنتسبين إلى هذه الأمة، خصوصا في الأعصار المتأخرة التي فشا فيها الجهل والابتداع. وإذا كان توحيد الربوبية يتضمن إفراد الله بالتدبير والملك والتصرف كما سبق بيانه، فإن اعتقاد امتلاك أحد المخلوقين لنوع من أنواع التدبير يعد ناقضا من نواقض الايمان الجلية.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقال أيضا: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ والآيات في هذا المعنى أكثر من أن تحصر.
وقد استشرى هذا النوع من الشرك في طائفتين من هذه الأمة: الصوفية والروافض.
стр. 153
أما الصوفية فقد جعلوا للأولياء مراتب، وابتدعوا لكل منها لقبا خاصا، فمنهم الأقطاب والأئمة والأوتاد والأبدال والنقباء والنجباء وغيرهم، ثم أسندوا لهؤلاء الأولياء أنواعا من التصرف في الكون مما لا ينبغي لغير الله .
يقول أحدهم: " ومنهم الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبيتي كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله ( ﷺ ) وهو يقول للإمام علي بن أبي طالب ﵁ ألبس عبد الوهاب الشعراني طاقيتي هذه وقل له يتصرف في الكون فمادونه مانع" (١) .
ويقول أيضا: " عبيد أحد أصحاب الشيخ حسين كان له خوارق مدهشة ومنها أنه كان يأمر السحاب أن يمطر فيمطر لوقته وكل من تعرض له بسوء قتله في الحال، دخل مرة الجعفرية فتبعه نحو خمسين طفلا يضحكون عليه، فقال: يا عزرائيل إن لم تقبض أرواحهم لأعزلنك من ديوان الملائكة، فأصبحوا موتى أجمعين، وقال له بعض القضاة: اسكت فقال له: اسكت أنت فخرس وعمي وصم ... " (٢) . والأحاجي والروايات من هذا النوع كثيرة جدا (٣) .
وأما الروافض فيسندون التصرف والتدبير لأئمتهم المعصومين، ويرفعونهم فوق مرتبة البشرية، وأكتفي للاستشهاد على هذا المعتقد الخبيث عندهم، بأن أنقل كلاما لواحد من أئمتهم – قد اغتر به كثير من الناس -: " إن للإمام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون ".
ويقول أيضا: " وإن من ضرورات مذهبنا أن لائمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل " (٤) .
стр. 154
وإلى جانب هذه الأنواع من شرك الربوبية التي ذكرت هنا، هنالك أمثلة أخرى سوف أتطرق لها في الصفحات التالية.
قلت في النظم:
أو اعتقاد وحدة الوجود
وذي مقالة أولي الجحود
كذاك قول معشر الإلحاد
من شيعة الحلول واتحاد
الشرح:
(أو اعتقاد) عطف على " إنكار" المذكور في البيت السابق (وحدة الوجود) وسيأتي معناها، (وذي مقالة أولي) أي ذوي (الجحود) إذ لا فرق - عند التحقيق - بين منكر وجود الخالق ، وبين من يزعم أن الخالق هو عين المخلوق! (كذاك) يعد ناقضا للإيمان (قول معشر) أي جماعة (الإلحاد من شيعة الحلول) والـ (اتحاد) وسيأتي تعريفها.
إعلم أن مذهب الحلول والاتحاد من أفسد المذاهب التي حدثت في هذه الأمة، والتبس أمر بعض القائلين به على بعض علماء المسلمين، قبل أن يتبينوا حقيقة هذا المذهب وشدة إغراقه في الكفر والزندقة. وأساس هذا المذهب - على كثرة تفريعاته - جعل الرب هو العبد حقيقة. ثم هم إما يقولون بحلوله فيه، أو اتحاده به، وعلى التقديرين فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق، أو عاما في كل الخلق، فالأقسام إذن أربعة: (١)
القسم الأول: الحلول الخاص، ومعناه حلول الرب - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - في مخلوق معين خاص، وهذا قول النسطورية من النصارى القائلين بحلول اللاهوت في الناسوت كحلول الماء في الإناء، وقد وافقهم في هذه الأمة غلاة الروافض الذين يقولون إنه حل في علي بن أبي طالب وأئمة آل البيت، وغلاة المتصوفة الذي يقولون بالحلول في الأولياء أو بعضهم كالحلاج وغيره.
القسم الثاني: الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى القائلين بأن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافقهم من الغلاة في هذه الأمة.
стр. 155
القسم الثالث: الحلول العام وهو قول الجهمية المتقدمين – ومن وافقهم من المتأخرين – الذين يقولون إن الله بذاته في كل مكان!! وهذا المذهب باطل من وجوه متعددة لا سبيل إلى بيانها في هذا الموضع، لئلا أخرج عن المقصود. ويمكن الرجوع في هذه المسألة بالذات – أعني مسألة إثبات علو الله والرد على الجهمية في بدعتهم الحلولية – إلى كتاب العلو للعلي الغفار للحافظ الذهبي (١) ، وكتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" للعلامة ابن القيم، وغيرها.
القسم الرابع: الاتحاد العام، وهو قول أهل وحدة الوجود، وهو مذهب خبيث يزعم أصحابه أن الخالق عين المخلوق، وهم - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – أكفر من اليهود والنصارى من وجهين (٢) :
إن الرب عند النصارى يتحد بعبده المخصوص المقرب والمصطفى بعد أن لم يكونا متحدين وأما أهل وحدة الوجود فيقولون إن الرب مازال متحدا بالعبد!!
ثم النصارى خصوا ذلك بالمسيح، وأما هؤلاء فجعلوه في الكون كله، حتى الأنتان والكلاب والخنازير والقاذورات وغير ذلك.
ويقول العلامة علي القاري ﵀: " ثم اعلم أن القول بالحلول والاتحاد الموجب لحصول الفساد والإلحاد شر من المجوس والثنوية والمانوية القائلين بالأصلين النور والظلمة" (٣) ، وبعد أن بين وجه ذلك قال: "وكذا شر من النصارى القائلين بالتثليت فإنهم متفقون على أن صانع العالم واحد ويقولون باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد فقولهم في التثليت مناقض في نفسه وقولهم في الحلول أفسد منه بحسب أصله" (٤) .
وحقيقة مذهبهم زعمهم بأنه ليس هناك موجود إلا الله فليس غيره في الكون، وما هذه الأشياء التي نراها في الكون إلا مظاهر لحقيقة واحد هي الحقيقة الإلهية.
стр. 156
يقول ابن سبعين - أحد رؤوس هذا المذهب -: " الله لا اسم له إلا الاسم المطلق أو المفروض فإن قلت نسميه بما سمى به نفسه أو نبيه يقال لك: من سمى نفسه "الله" قال لك: إن كل شيء وجميع من تنادي أنا" (١) .
وابن سبعين هذا، هو عبد الحق بن ابراهيم الاشبيلي المرسي الذي يقول عنه ابن دقيق العيد: " جلست مع ابن سبعين من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاما ما تعقل مفرداته ولا تعقل مركباته" (٢) .
وأشهر أرباب وحدة الوجود محيي الدين ابن عربي الحاتمي (٣) صاحب فصوص الحكم والفتوحات المكية، وكلامه في الإلحاد والزندقة أشهر من أن ينكر، وأظهر من أن يؤول. فمن ذلك قوله في فتوحاته: "سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها"، قال القاري معلقا: " وهذا كما ترى مخالف لجميع أرباب النحل والملل الإسلامية وموافق لما عليه الطبيعية والدهرية " (٤) .
ويقول ابن عربي أيضا في فصوصه: " ... فقل في الكون ما شئت، إن شئت قلت: هو الخلق وإن شئت قلت: هو الحق، وإن شئت قلت: هو الحق الخلق، وإن شئت قلت لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه وإن شئت قلت بالحيرة" (٥) .
فتأمل هذا الكفر والاضطراب الذي ينطق به من يسمى عند عامة المتصوفة بالإمام الأكبر والكبريت الأحمر!!
ويقول هذا الرجل في شعر له مسوغا عقيدة وحدة الأديان:
لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه فالدين ديني وإيماني (٦)
стр. 157
وبالجملة، فأقوال ابن عربي التي تصب في مسيل الإلحاد والزندقة كثيرة جدا. لذلك تواطات كلمة العلماء الذين خبروا مذهبه واطلعوا على حقيقة مقالاته، على التحذير من كتبه، والتنبيه على ضلالاته. فمن ذلك ما نقله الشيخ تقي الدين الفاسي عن الحافظ بن حجر ﵀ أنه قال: إنه ذكر لشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني شيئا من كلام ابن عربي المشكل، وسأله عن ابن عربي، فقال له البلقيني: هو كافر. (١) ولما سئل عنه الشيخ محمد بن عرفة الورغمي المالكي ﵀ قال ما معناه: من نسب إليه هذا الكلام، لا يشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته (٢) . وقال ابن دقيق العيد ﵀: سألت ابن عبد السلام عن ابن عربي، فقال: "شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجا" (٣) . وقال تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي ﵀: " ... ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين، كابن العربي وأتباعه، فهم ضلال جهال، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلا عن العلماء" (٤) .
أما كلام شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ عن ابن عربي وأمثاله، فكثير جدا، وشديد العمق والوضوح.
وإنما أطلت بعض الشيء في الكلام على ابن عربي - مع أن له في مذهبه أضرابا كثيرين من أمثال بن الفارض والجيلي وغيرهم - لأننا صرنا نسمع في الآونة الأخيرة بعض الدعوات الإلحادية يقودها علمانيون متسترون بدثار الصوفية، غايتها إعادة إحياء عقيدة ابن عربي وكتبه بعد أن كادت تندثر. وصرنا نرى المنتديات واللقاءات تعقد في ذكرى "شهداء الفكر الإسلامي الحر" و"حملة لواء التنوير في التاريخ الإسلامي" ويقصدون بذلك ابن عربي والحلاج وأضرابهما!!
стр. 158
وأما أهل العلم ففي غفلة لاهون، قد انشغلوا ببعضهم البعض عن أعداء الملة وخصوم الدين، حتى استأسد الضبع واستنسر البغاث، ونطق الرويبضة.
خلا لك الجو فبيضي واصفري ... ... ... ونقري ما شئت أن تنقري
والله المستعان.
قلت في النظم:
كذا ادعاء قدم الأكوان
أو سب رب العالم الديان
الشرح
(كذا) أي أن من نواقض الإيمان المتعلقة بالربوبية (ادعاء قدم الأكوان) جمع كون وهو العالَم، (أو سب) معطوف على "ادعاء" (رب العالم الديان) نعت لرب، وهو من أسماء الله الحسنى ومعناه
القول بقدم العالم:
هذه البدعة المنكرة التي أحدثها الفلاسفة المتأرجحون بين شريعة الرحمان وزندقة اليونان، تناقِض توحيد الربوبية بشكل واضح، إذ حقيقتها إنكار وجود الصانع، الخالق للكون، المتقدم عليه، كما جاء في الحديث: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء" (١) .
ومعناه عندهم أن العالم ما زال موجودا مع الله تعالى، ومعلولا له، ومساوقا له مساوقة المعلول للعلة، غير متأخر عنه في الزمان. ويتضمن هذا القول أن الله تعالى علة تامة مستلزمة للعالم، والعالم متولد عنه تولدا لازما بحيث لا يمكن أن ينفك عنه. (٢)
وهذا القول باطل عقلا وشرعا، لذلك أجمعت طوائف الملل كلها على بطلانه، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "القول بقدم العالم قول اتفق جماهيرالعقلاء على بطلانه، فليس أهل الملة وحدهم تبطله، بل أهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين: - مشركي العرب، ومشركي الهند وغيرهم من الأمم، وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء" (٣) .
стр. 159
والقول بقدم العالم نوع من أنواع التعطيل للرب الخالق . قال شيخ الإسلام رحمه اله: " وأما جعل المفعول المعيَّن مقارنا للخالق أزلا وأبدا فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله، فإن كون الفاعل مقارنا لمفعوله أزلا وأبدا مخالف لصريح المعقول" (١) . لذلك كان الجمع بين هذا القول وبين الانتساب إلى دين الإسلام أمرا في غاية التناقض.
يقول ابن تيمية ﵀: " ... فلهذا لا يوجد في عامة كتب الكلام المتقدمة القول بقدم العالم إلا عمن ينكر الصانع، فلما أظهر من أظهر من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله أن العالم قديم عن علة موجبة بالذات قديمة، صار هذا قولا آخر للقائلين بقدم العالم، أزالوا به ما كان يظهر من شناعة قولهم من إنكار صانع العالم، وصاروا يطلقون الفاظ المسلمين من أنه مصنوع ومحدث ونحو ذلك، ولكن مرادهم بذلك أنه معلول قديم أزلي، لا يريدون بذلك أن الله أحدث شيئا بعد أن لم يكن، وإذا قالوا إن الله خالق كل شيء فهذا معناه عندهم" (٢) .
وكذلك، فإن القول بصدور هذا العالم عن الخالق صدورَ المعلول عن العلة، والمعلول عندهم متولد عن علته، هو من التنقص القبيح لله جل ذكره، بل هو أشنع من قول مشركي العرب: إن الملائكة بنات الله.
стр. 160
وليعلم بأن هذا القول قد كثر أصحابه في هذا الزمان الذي انحسرت فيه المفاهيم الدينية أمام معاول الحضارة الغربية المادية. فكثر لغط الدهريين والطبيعيين الذين يزعمون أن الكون مازال موجودا وأنه لا خالق له ولا صانع!! والله المستعان (١) .
سب الله أو الاستهزاء به :
هذه المسألة في مجتمعاتنا هي الطامة العظمى والداهية الشؤمى، التي عمت وانتشرت في بلادنا التي تدعي الانتساب إلى الإسلام مع أن أساس هذا الدين هو تعظيم الله وتوقيره وإجلاله، وهذا لا يمكن أن يجتمع بحال مع سبه أو الاستهزاء به.
يقول ابن تيمية ﵀ عن السب: "فهو إهانة واستخفاف، والانقياد للأمر إكرام وإعزاز، ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم، أو يستخف به، فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة، امتنع أن يكون فيه انقياد واستسلام" (٢) .
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ . قال ابن تيمية ﵀: " وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وآياته وبرسوله كفر، فالسب المقصود بطريق الأولى" (٣) .
стр. 161
وقد أخبر الله في الآية بأنهم كفروا بعد إيمانهم، مع زعمهم أنهم إنما كانوا يخوضون ويلعبون، فبيَّن ذلك أنهم كفروا بسبب قولهم واستهزائهم وخوضهم، لذلك فإن نفس سب الله تعالى كفر لذاته، بغض النظر عن الاعتقاد والاستحلال.
ولخص شيخ الإسلام ﵀ هذا المعنى بقوله: " إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل (١) .
أقول: فمن خالف في هذا الأصل واشترط الاستحلال أو الاعتقاد القلبي للتكفير بسب الله أو سب رسوله أو الاستهزاء بالدين، فقد خرج من مذهب أهل السنة إلى مذهب المرجئة، وليس ينفعه انتسابه إلى السلف الصالح رضوان الله عليهم، إذ لا يعدو هذا الانتساب أن يكون دعوى ليس له عليها بينة:
والدعاوى ما لم تقيموا عليها ... ... ... بينات أبناؤها أدعياء.
ويقول الإمام اسحاق بن راهويه ﵀: " قد اجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله ﵊ ... أنه كافر بذلك، وإن كان مقرا بما أنزل الله" (٢) .
بل إن سب الله أعظم من مجرد الشرك به. يقول ابن تيمية معلقا على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ : "ألا ترى أن قريشا كانت تقاره ﵊ على ما كان يقوله من التوحيد وعبادة الله وحده، ولا يقارونه على عيب آلهتهم، والطعن في دينهم، وذم آبائهم، وقد نهى الله المسلمين أن يسبوا الأوثان، لئلا يسب المشركون الله، مع كونهم لم يزالوا على الشرك، فعلم أن محذور سب الله أغلظ من محذور الكفر به " (٣)
стр. 162
وقد أجمع أهل العلم على أن سب الله أو الاستهزاء به كفر جلي، وأن صاحبه مرتد شقي، خارج عن ملة الإسلام. وقد سبق أن نقلت قول ابن راهويه وابن تيمية في نقل هذا الإجماع، وأضيف هنا ما يلي من أقوال العلماء.
قال القاضي عياض ﵀: " لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم" (١) . وقال ابن حزم ﵀: " وأما سب الله تعالى، فما على ظهر الأرض مسلم يخالف انه كفر مجرد " (٢) . وسئل ابن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير عن رجل لعن رجلا ولعن الله، فقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني. فأجاب: يقتل بظاهر كفره ولا يقبل عذره، وأما فيما بينه وبين الله فمعذور" (٣) . وهذا الجواب - كما ترى - شديد، ولعل وجهَه الرغبةُ في سد هذه الذريعة التي يمكن أن يتذرع بها كل من وقع في هذا الكفر البواح. وفي هذا الجواب أيضا ما لا يخفى من تعظيم الله والتشديد في حقوقه على عباده، وتغليظ عقوبة من هونت عليه نفسه التجرأ على مقام الله الأعظم.
وأقول: كم في مجتمعاتنا من الذين حق عليهم القتل بمقتضى هذه الفتوى المالكية؟!
وبالجملة فأقوال أهل العلم وإجماعاتهم في هذا الباب كثيرة، وواضحة في المقصود (٤) .
الفصل الثاني: نواقض الإيمان في الأسماء والصفات
قلت في النظم:
هذا ومن أعاظم الأهواء
شركُ ذوي الإلحاد في الأسماء
ومثله الإنكار للصفات
مما أتى في واضح الآيات
تشبيهُ رب العرش بالخلائق
والعدل بالوصف عن الحقائق
الشرح:
стр. 163
(هذا ومن أعاظم) جمع أعظم (الأهواء) جمع هوى وهو ما تهواه النفس وتميل إليه، وهو أحد الطواغيت التي تعبد من دون الله، كما قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (شركُ ذوي الإلحاد في الأسماء) وسيأتي معناه (ومثله الإنكار للصفات) أي صفات الله (مما أتى في واضح الآيات) القرآنية أو في الأحاديث النبوية. ومن أنواع الكفر في هذا الباب أيضا (تشبيه رب العرش) (بالخلائق و) كذلك (العدلُ) وهو الميل والجنوح (بالوصف) أي صفة الله (عن الحقائق) إلى أنواع المجازات، وهذا العدل هو المسمى اصطلاحا بالتأويل، وليس كل تأويل كفرا، بل ينبغي التفصيل كما سيأتي.
يعتبر باب الأسماء والصفات من أعظم ما وقع فيه التنازع بين طوائف المنتسبين إلى القبلة طول تاريخ هذه الأمة من الوقت الذي نشأت فيه بذرة الخلاف في هذا الموضوع زمن اتباع التابعين إلى عصرنا الحاضر.
وإذا كانت المذاهب البدعية الأولى – مثل الجهمية والمعتزلة – قد كادت تنقرض ويندثر تأثيرها على الأمة، فإن مذهب الأشاعرة – ومثلهم الماتريدية – قد استطاع أن ينشر طيلسانه على الأمة الإسلامية كلها – حكاما ومحكومين، عامة وعلماء – منذ القرن الرابع الهجري إلى بدايات القرن الرابع عشر، قبل أن تبدأ الدعوات السنية في النشأة والنمو، نسأل الله لها التوفيق والسداد.
وقد أدى انتشار المذهب الأشعري – كما ذكرت – إلى جانب كونه ينتسب إلى السلف الصالح ولو بالجملة، وكونه يضم في صفوفه كثيرا من أهل العلم والفضل، إلى التباس كثير من المفاهيم العقدية إجمالا، وفي باب الأسماء والصفات على الخصوص، في عقول كثير من الناس، فأصبحوا يخلطون بين مذهب الأشاعرة ومذهب أهل السنة والجماعة، مع أن بينهما فرقا قد يدق في بعض المسائل حتى يتوحد المذهبان، وقد يتسع ويعظم في مسائل أخرى كثيرة.
стр. 164
لذلك كان أول ما ينبغي أن يعتني به المؤلفون في أبواب العقائد وعلى الخصوص منها الأسماء والصفات، إبراز حقيقة الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، قبل غيرهم من الفرق الأخرى التي لم تعد أباطيلها تنطلي إلا على مرضى القلوب وأهل العداء الدفين للإسلام.
أما أنا في هذا المبحث، فسوف أكتفي – نظرا لضيق المقام – بالإشارة على وجه الإجمال إلى أهم نواقض الإيمان في باب الأسماء والصفات، دون الخوض في التفاصيل التي محلها كتب العقائد الجامعة، وعلى الخصوص منها كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى (١) .
وقبل ذلك، فإني أشير إلى أن مذهب أهل السنة الجماعة في هذا الباب، انهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وما اثبته له رسوله ﷺ ، بلا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. فأهل السنة إذن وسط بين المعطلة والمشبهة، وكلامهم في الصفات مفرع عن كلامهم في الذات، لذلك فكما أن إثباتهم للذات هو إثبات وجود لا إثبات تكييف، فإن كلامهم عن الصفات إنما هو في الإثبات لا التكييف. فهم لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله.
وعليه فإن من نواقض الإيمان ما يلي:
الإلحاد في أسماء الله الحسنى:
стр. 165
قاعدة أهل السنة إثبات أسماء الله (١) على الوجه الأحسن، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . وأسماء الله الحسنى أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وهي بهذا الاعتبار مترادفة، وهي أوصاف باعتبار دلالتها على المعاني المتضمنة لها، فتكون بهذا الاعتبار متباينة لدلالة كل اسم على معنى خاص.
وقد حرم الله تعالى الإلحاد في أسماء الله الحسنى فقال جل ذكره: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وأصل الإلحاد هو الميل والعدول، وأما في الأسماء الحسنى فقد ذكر منه بن القيم ﵀ أنواعا منها:
الأول: إنكار الأسماء الحسنى أو بعضها أو ما دلت عليه من الصفات والمعاني. وهذا نوع من أنواع التعطيل الذي لا يثبت معه إيمان. وهنا مرتبتان: الأولى تعطيل الأسماء مطلقا وهو قول غلاة الجهمية، والثانية إثبات الأسماء على أنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معانيَ، فيقولون سميع وبصير وحي ولكن بلا سمع ولا بصر ولا حياة، وهذا قول جماعة من أهل الاعتزال. قال ابن القيم عن هذه المرتبة: " وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا وشرعا ولغة وفطرة" (٢) .
الثاني: تشبيه الصفات التي تتضمنها أسماء الله بصفات الخلق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذا الإلحاد – كما يقول ابن القيم – في مقابلة إلحاد المعطلة، والحق وسط بين البدعتين.
الثالث: تسمية الله بما لا يليق به من الأسماء، كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة بالطبع، وغير ذلك من الأسماء الباطلة.
стр. 166
الرابعة: تسمية الأصنام والآلهة الباطلة بشيء من أسماء الله الحسنى، أو بعض ما اشتق منها، مثل اشتقاقهم العزى من العزيز، واللات من الله وغير ذلك. قال ابن القيم: " وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتم الباطلة" (١) .
أقول:من تأمل النوعين الأخيرين، وجدهما ينطبقان على عبارات كثير من العصريين المتأثرين بحضارة الغرب شكلا ومضمونا. (٢) والله المستعان.
تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه:
قبل الكلام على التشبيه المكفر، لا بد من تقرير أمر في غاية الأهمية، يفترق به أهل السنة والجماعة عن الطوائف المخالفة في باب الأسماء والصفات، وهو أنه ليس في شيء من الصفات الثابتة في الكتاب أو السنة تشبيه، وما دخل الداخل على المعطلة والمؤولة إلا عندما توهموا أن ظواهر النصوص تستلزم التشبيه، ففزعوا إلى تحريفها وتأويلها.
يقول اسحاق بن راهويه: "إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ " (٣) .
وفي نفس المعنى يقول نعيم بن حماد الخزاعي: "من شبه الله بشيء من خلقه كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه" (٤) .
стр. 167
فتبين إذن بأن من تمسك بالثابت من الصفات في الكتاب والسنة، ولم يعدها إلى غيرها، ولا مَثَّلها بصفات المخلوقين، لا يمكن أن يكون مشبها، خلافا لما يزعمه الأشعرية ومن نحا نحوهم من المتكلمين حين ينبزون أهل السنة بأنهم حشوية ومجسمة ومشبهة، لا لشيء سوى لإثباتهم صفات العلو والاستواء والرضا والغضب والضحك والنزول وغير ذلك مما هو ثابت في الكتاب والسنة.
وهذه القاعدة مما ينبغي أن يعض عليه بالنواجذ، ويُتأمل فيه بالبصائر النوافذ.
إذا علم هذا فالتشبيه نوعان:
أولهما: تشبيه الخالق بالمخلوق في الذات أو الصفات أو هما معا. وهذا ينقله أرباب المقالات عن بعض المتقدمين مثل هشام بن الحكم الرافضي وداود الجواليقي وغيرهما. وهم ينقلون عن هؤلاء أقوالا شنيعة تقشعر منها الأبدان، وتكاد تزول لهولها الجبال!.
وثانيهما: رفع المخلوق إلى مقام الخالق، وهذا أكثر وأشنع، لذلك يقول ابن أبي العز الحنفي ﵀: "التشبيه نوعان: تشبيه الخالق بالمخلوق، وهذا الذي يتعب أهل الكلام في رده وإبطاله، وأهله في الناس أقل من النوع الثاني، الذين هم أهل تشبيه المخلوق بالخالق. كعُباد المشايخ، وعزير، والشمس، والقمر، والأصنام، والملائكة، والنار والماء والعجل والقبور والجن وغير ذلك" (١) .
أقول: ومنهم الذين يتبعون المشرعين من دون الله ، ويرضون باطلهم ويستسيغون إفكهم، وهذا كثير في هذه الأزمنة.
إنكار الصفات بالتعطيل أو التأويل:
من قواعد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، تنزيه الباري ﷻ عن كل صفات النقص والعيب، اتباعا للكتاب والسنة. فالتنزيه عند أهل السنة أصل أصيل، ومعناه عندهم: نفي ما لا يليق بالله تعالى من صفات النقص وإثبات كمال ضدها. أما النفي المحض الذي لا يتضمن إثبات كمال، فهو منهج المتكلمين وديدن المعطلة.
стр. 168
وقد ثبت بالاستقراء ان طريقة القرآن الإثبات المفصل والنفي المجمل، وأن طريقة المتكلمين بالعكس. أما المعطلة فقد فروا من التشبيه – بزعمهم – فوقعوا فيما هو أدهى وأمر، وهو تعطيل الصفات الثابتة، ثم هؤلاء المعطلة على دركات مختلفة: (١)
فأشدهم غلوا وهم الجهمية المحضة مثل القرامطة وأشباههم، يسلبون عن الله النقيضين معا فرارا من تشبيهه – بزعمهم – بالموجودات في الاثبات، أو المعدومات في النفي. فقالوا: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل. وهذا - إلى جانب كونه من أعظم الكفر والضلال – مناقض لبدائه العقول. بل إنهم فروا من تشبيهه بالموجودات والمعدومات، فوقعوا فيما هو شر وهو تشبيهه بالممتنعات، لأن سلب النقيضين ممتنع.
ويتلوهم الفلاسفة وباطنية الشيعة - مثل ابن سينا – وباطنية الصوفية – كابن عربي، فيصفون الله بأنواع السلوب كقولهم: "ليس بجوهر ولا عرض ولا متحيز، الخ"، والإضافات كقولهم: "هو علة الموجودات"، ويقولون إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق، مع أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج.
وبعدهم المعتزلة ومن معهم، الذين يثبتون الأسماء مع نفي الصفات التي تتضمنها، كما سبق بيانه.
ثم الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم، وهم يثبتون بعض الصفات، ويسلطون سيف التأويل الباطل على الباقي. فهم معطلة مثبتة، على تناقض شديد في مناهجهم وأدلتهم، وخلاف كبير بين أئمتهم.
وهذه الطوائف كلها – حاشا الأخيرة منها – هي طوائف كفر وإلحاد. أما الطائفة الرابعة، فأكثر أهلها يتبعون تأويلات مستساغة في الجملة ومقبولة في لسان العرب، هذا مع عظيم غَنائهم في الإسلام وما لأكثرهم من مشاركة طيبة في الدفاع عن الشرع وعلومه. ومع هذا، فمذهبهم محدث مبتدع، وهو ذريعة قوية إلى المذاهب التعطيلية الأخرى. والله أعلم.
стр. 169
الفصل الثالث: نواقض الايمان في الألوهية
قلت في النظم:
وأعظم الإشراك والكفران
لا سيما في هذه الأزمان
صرف العبادة لغير الخالق
باري البريات القدير الرزاق
كالشرك في السؤال والدعاء
لغير قادر على العطاء
والذبح والنذر كذا الطواف
ومثله السجود واعتكاف
والحب والخشية والرجاء
توكل تذلل حياء
وكل ما يدخل في التعبد
صارفه للخلق غير مهتدي
الشرح:
(وأعظم الإشراك والكفران لا سيما في هذه الأزمان) الأخيرة التي عمت فيها حنادس ظلمات الجهل، ودرست فيها آثار العلم (صرفُ العبادة لغير الخالق) (باري) أي خالق (البريات) كلها (القدير الرازق) وفي تخصيص هذه الأسماء المتضمِّنة لصفات الخلق والرزق والقدرة بالذكر، إشارة إلى أن الألوهية الحقة لا تنبغي إلا لمن له الكمال المطلق في ربوبيته وصفاته. ثم ذكرتُ أمثلة على الشرك في الألوهية في شقها النُّسكي، فقلت:
(كالشرك في السؤال والدعاء) الموجه (لِـ) واحد من المخلوقين (غيرِ قادر على العطاء) الحقيقي، إذ المخلوق لا يعدو أن يكون سببا في المنح والعطاء، والله هو المعطي حقا.
(و) كذلك من امثلة العبادات التي لا يحل صرفها لغير الله على وجه الإطلاق (الذبح والنذر - إلى قولي - حياء) . (و) بالجملة فَـ (كل ما يدخل في) صريح (التعبد، صارفه للخلق) من دون الله (غيرُ مهتدي) بل هو مشرك ضال.
تعريف توحيد الألوهية:
الألوهية مصدر ألِه يألَه، أي عبَد يعبُد، وقد سبق بيان ذلك في الفصل الأول. فالألوهية صفة لله تعالى معناها استحقاقه للعبادة بمالَه من كمال الربوبية والأسماء والصفات. وهذا التوحيد يسمى كذلك - باعتبار عمل العبد وكسبه - توحيدَ العبادة. وعليه فنحتاج هنا إلى تعريف العبادة لنستطيع أن نتصور حقيقة هذا التوحيد والأقسامَ الداخلة فيه.
فالعبادة يمكن تعريفها باعتبارين اثنين (١) :
стр. 170
- باعتبارها مصدرا يعني التعبد هي: "التذلل لله محبة وتعظيما بفعل أوامره واجتناب نواهيه وفق شريعته".
- وباعتبارها اسما يعني المتعبد به، هي كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" (١) .
فتبين من هذا التعريف أن العبادة لا تقوم إلا على أركان التذلل والمحبة والتعظيم، وأنها تجمع أقوالا وأعمالا كثيرة يمكن تقسيمها على المراتب الأربع التي سبق تفصيلها في حقيقة الإيمان، وأقصد بها قول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح.
فهذه الأقوال والأعمال كلها لا يجوز صرفها لغير الله ، لأنها حق خالص له : يقول ابن القيم ﵀: " فالسجود والعبادة والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والتحسب والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت، والدعاء، كل ذلك محض حق الله، لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب، ولا نبي مرسل" (٢) . ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "توحيد الألوهية هو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء والرجاء والخوف والخشية والاستعانة والاستعاذة والمحبة والإنابة والنذر والذبح والرغبة والرهبة والخشوع والتذلل والتعظيم" (٣) .
واعلم أن توحيد الألوهية هو أصل هذا الدين، وركنه الركين، وهو أساس دعوة المرسلين، ولب الكتب المنزلة على النبيئين.
стр. 171
يقول شيخ الإسلام ﵀: " أما التوحيد الذي ذكره الله في كتابه، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، واتفق عليه المسلمون من كل ملة، فهو كما قال الائمة شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما بين ذلك بقوله ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾ فأخبر أن الإله إله واحد، ولا يجوز أن يتخذ إله غيره، فلا يعبد إلا إياه" (١) .
ويقول الشيخ عبد الرحمان السعدي ﵀: "أعظم الأصول التي يقررها القرآن ويبرهن عليها توحيد الألوهية والعبادة، وهذا الأصل العظيم أعظم الأصول على الإطلاق، وأكملها وأفضلها، وأوجبها وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وخلق المخلوقات وشرع الشرائع لقيامه، وبوجوده يكون الصلاح وبفقده يكون الشر والفساد" (٢) .
وأفضل ما أختم به هذا المبحث هذه الكلمات النورانية لابن القيم ﵀ في بيان أهمية توحيد الألوهية وعظيم الحاجة إليه: "اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها" (٣) .
الشرك في الألوهية وخطورته:
стр. 172
إن أقبح المنهيات وأخطرها على الإطلاق هو الشرك بالله، كما في حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك (١) . والشرك غاية الضلال كما قال تعالى عن المشركين إذ يخاصمون طواغيتهم يوم القيامة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وهو كذلك أعظم الظلم وأشنعه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، وذلك لما فيه من تسوية المخلوق الفقير الناقص، بالرب الخالق الغني الكامل.
ونظرا لكون الشرك قبيحا وظلما عظيما، ومناقضا لأصول الإيمان من كل وجه، فقد جعله الله جل ذكره محبطا للأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وقضى الله بأن من مات على الشرك فإنه لا يغفر له، وهو مخلد في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وكما قال أيضا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ .
وحقيقة الشرك – كما يؤخذ من تعريف توحيد الألوهية السابق – صرف شيء من العبادة لغير الله ، قولا أو عملا، وسوف أذكر في المباحث المقبلة بعض الأمثلة الواضحة.
وأصل هذا الشرك أمران (٢) :
стр. 173
أولهما: الغلو في المخلوق، وذلك بتنزيله فوق منزلته البشرية، وصرف شيء من حقوق الله الخالصة له. وهذا هو الذي وقع فيه قوم نوح، كما قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ : "أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت" (١) .
وثانيهما: سوء الظن بالله، وذلك باعتقاد الحاجة إلى الوسائط والشفعاء بين العبد وخالقه. وهذا كما أن البدعة هي سوء ظن برسول الله ﷺ .
ولما كان الشرك بهذه الخطورة، فقد تكفل رسول الله ﷺ بسد جميع الذرائع المفضية إليه، وحماية جناب التوحيد. فنهى عن الغلو في مدحه وإطرائه، وعن البناء على القبور وعن اتخاذها مساجد وأعيادا، ونهى عن الألفاظ المجملة التي توهم تسوية بين الخالق والمخلوق، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تجدها في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من كتب العقائد.
من أمثلة الشرك في الألوهية: الشرك في الدعاء:
стр. 174
لما كان الدعاء هو أساس العبادة ولبها كما جاء في الحديث الصحيح (١) ، فإن صرفه لغير الله يعد شركا أكبر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .
لذلك فإن الاستغاثة بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، شرك واضح. وقد جاء في الحديث الصحيح: "من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار" (٢) .
قال ابن القيم ﵀: " ومن أنواعه – أي الشرك الأكبر – طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده" (٣) .
стр. 175
ويكفي أن نستحضر في هذا الباب أن مشركي العرب الذين قاتلهم رسول الله ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم، لم يكونوا يعتقدون في معبوداتهم التي كانوا يدعونها من دون الله خلقا ولا رزقا ولا تدبيرا وإنما كانوا يدعونها لتقربهم إلى الله زلفى، كما حكاه عنهم رب العزة ﷻ . فكيف بمن يزيد على الاستغاثة المجردة - من أهل الجهل والفجور في مجتمعاتنا المعاصرة - شركا صريحا في الربوبية؟! وقد قال ابن تيمية ﵀ في بيان هذا المعنى: " كان من أتباع هؤلاء أي: المشركين - من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها كما يدعو الله تعالى ويصوم لها، وينسك لها ـ ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا. ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك" (١) .
ومما يدخل في هذا الباب العياذ واللياذ بغير الله ، والاستعاذة في اللغة هي الالتجاء والاعتصام. فالعائذ بالله هو الذي يهرب مما يؤذيه، إلى ربه سبحانه، فيعتصم به ويستجير به. وذكر بعض أهل اللغة أن العياذ لدفع الشر واللياذ لطلب الخير، وأنشدوا قول المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أؤمله
ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره
ولا يهيضون عظما أنت جابره (٢)
стр. 176
والاستعاذة بالله من العبادات المأمور بها، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ . لذلك كان صرفها لغير الله شركا في العبادة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ، عن ابن عباس أنه قال: "كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثما".
وهنالك أمثلة أخرى متعددة على الشرك في العبادة، نبه عليها العلماء الأعلام، وشددوا النكير على مرتكبيها من الجهال، ومسوِّغيها من المنتسبين إلى العلم. ولشيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأقطاب دعوته، صولات وجولات في هذا الميدان، ﵏ ورضي عنهم أجمعين، فمن شاء التفصيل فليرجع إلى مؤلفاتهم الجامعة الماتعة، فإنه من اطلع عليها وكان بعيدا عن الجدال والمِرا، لم يسعه إلا أن يقول: كل الصيد في جوف الفرا.
والحمد لله على نعمه.
قلت في النظم:
والحكم في الأموال والفروج
وفي الدما بشرعة العلوج
تحليل ما حرمه المهيمن
والعكس، طغيان وكفر بين
فاعله مبدل مشرع
فالوقف فيه عندنا مستشنع
كذا اتباع شرعة الكفار
أو الرضا بها بلا إنكار
الشرح:
(و) كذلك يعد من الكفر الأكبر الناقض لتوحيد الألوهية (الحكم في الأموال) من بيوع وشركات وغير ذلك (والفروج) من أنكحة وما يتعلق بها (وفي الدما) ء، من حدود وقصاص وغيرها، - والدماءُ مقصور للوزن - (بشرعة العلوج) أي بقوانينهم ومواضعاتهم، والعلوجُ جمع عِلج وهو الرجل من كفار العجم، كما في القاموس.
стр. 177
وكذلك (تحليل ما حرمه المهيمن) ، (والعكس) وهو تحريم ما أحله الله ، هو (طغيان) أي مجاوزة للحد (وكفر بين) واضح، إذ (فاعله) أي: مرتكب التحليل والتحريم من دون الله (مبدل) لدين الله (مشرع) من دونه سبحانه، لذلك فـ (الوقف فيه) أي: في حكم هذا المبدل (عندنا) معاشرَ أهل السنة أمر (مستشنع) جدا، لأنه إما جهل فظيع، أو تجاهل مقيت، أو ورع كاذب.
(كذا) من الكفر الأكبر المخرج من الملة (اتباع شرعة الكفار) والمقصود بذلك التحاكم – من غير ضرورة شرعية – إلى القوانين الشرعية الطاغوتية ولو لم يفصح عن رضاه بتلك القوانين (أو الرضا بها) أي: قبوله لتلك القوانين (بلا إنكار) منه، ولو لم يتحاكم إليها، فتأمل.
والحق أن هذه المسألة التي قد يصطلح البعض على تسميتها بتوحيد الحاكمية، هي من المسائل العظيمة التي عمت بها البلوى في هذا الزمان، فتصدى لبيانها وتحقيق الحق فيها، جهابذة العلماء العاملين، فأقاموا الحجة الناصعة على الناس أجمعين، وبلغوا أمانة العلم كما أخذ الله عليهم بذلك العهد والميثاق.
والمسألة طويلة الذيول متشعبة المباحث، والتفصيل فيها يحتاج إلى بسط كثير لا يحتمله هذا الموضع، لذلك سوف أكتفي هنا ببعض الإشارات التي تغني عن التطويل، فأقول: الكلام على هذه المسألة في مقامات ثلاثة:
أولها: التشريع من دون الله
ثانيها: الحكم بغير ما أنزل الله
ثالثها: التحاكم إلى غير شرع الله
- أولا: التشريع من دون الله:
سبق أن ذكرت في الباب الأول من هذا الفصل أن حق التشريع هو من أخص خصائص الربوبية وأنه نوع من أنواع التدبير الذي يدبر به الله هذا الكون، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ . لذلك فإن من نازع الله في شيء منه كان مشركا لأدلة كثيرة منها:
- قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
стр. 178
قال ابن كثير ﵀: " ... أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة " (١) .
- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ . فبين الله أن شركاء العرب في الجاهلية من شياطين الانس والجن قد شرعوا لهم شرائع كثيرة لم يأذن بها الله تعالى، ومنها قتل الأولاد خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار وغير ذلك. والشاهد من الآية تسمية الله تعالى من شرع للناس ما لم يأذن به الله شريكا لله، وهذا إكفار صريح له.
- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ..
ومعنى الآية على ما ذكره المفسرون – أن أهل الجاهلية كانوا إذا أرادوا القتال في شهر من الأشهر الحرم – وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم – جعلوه حلالا وحرموا مكانه شهرا آخر من أشهر الحل ليوافقوا عدد الأشهر التي حرم الله تعالى. فجعل الله تعالى هذا التشريع الذي لم يأذن به الله تعالى زيادة في الكفر. قال ابن كثير ﵀: "هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله ... " (٢) .
стр. 179
أقول: فكيف بمن غير شرع الله جملة وتفصيلا، واستبدل به قوانين الفرنجة وشرائع الوثنيين؟!
- قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
جاء في تفسير هذه الآية أن عدي بن حاتم ﵁ دخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة، ورسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية. قال فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال ﷺ : بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" (١) .
فتأمل كيف أن الذي يحل الحرام ويحرم الحلال ويشرع ما لم يأذن به الله تعالى، يكون قد نصب نفسه ربا من دون الله، وأن الذي يتبعه ويرضى بما شرع له يكون عابدا له من دون الله.
وتدبر معي أخا السنة هذه الكلمات النورانية الجلية لبعض أئمة الإسلام في هذا الباب (٢) :
يقول ابن حزم ﵀: " فإن كان يعتقد أن لأحد بعد موت النبي ﷺ أن يحرم شيئا كان حلالا إلى حين موته ﵇، أو يحل شيئا كان حراما إلى حين موته ﵇، أو يوجب حدا لم يكن واجبا إلى حين موته ﵇، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته ﵇، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال حكمه حكم المرتد ولا فرق" (٣) .
стр. 180
ويقول ابن تيمية ﵀: "...الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله، فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر" (١) . ويقول أيضا: " ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى" (٢) . ويقول: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا باتفاق الفقهاء" (٣) .
ويقول ابن كثير ﵀: " فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا (٤) وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" (٥) .
ويقول محمد الأمين الشنقيطي ﵀: " ... وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم" (٦) .
نسأل الله أن ينور بصائرنا بأنوار الوحي، وأن يفتح قلوبنا لضياء الهدى، آمين.
- ثانيا الحكم بغير ما أنزل الله:
كثير من الأدلة المذكورة في المقام الأول، صالحة أيضا للبرهنة على كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، ولكنني أضيف إليها الدليلين التاليين: