← Акыда

Акыда · id 858

شرح منظومة الإيمان

عصام البشير المراكشي

Полный текст (213 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهذا التفاضل في التصديق هو الذي استقرَّ عليه قولُ عامة المحققين من أهل العلم. يقول الإمام النووي- كما نقله عنه الحافظ ابن حجر-:» والناس يتفاضلون في تصديق القلب على قدر علمهم ومعاينتهم، فمن زيادته بالعلم قوله تعالى ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًَاَ﴾ ومن المعاينة قوله تعالى: ﴿لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ . فجعل له مزية على علم اليقين «. ثم قال الحافظ:» ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها « (١) . وقال ابن رجب الحنبلي:» وهذا مبنيٌّ على أن التصديق القائم بالقلوب متفاضل، وهذا هو الصحيح (..) فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شُكِّكَ لدَخَلَه الشكُّ « (٢) . وقال شيخ الإسلام:» إن التصديق نفسه يتفاضل كُنهه، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ درجات الإيقان، كتصديقٍ زعزعته الشبهات وصدفته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشُبَهِ المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد « (٣) . ويذكر الإمام الرازي أن زيادة التصديق تكون على وجوه ثلاثة (٤) :

стр. 72

الأول: بحسَبِ كثرة الدلائل وقوَّتها، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين قال الرازي:» وهو الذي عليه عامَّة أهل العلم على ما حكاه الواحدي ﵀ «. ثم أورد على هذا الوجه اعتراضا عقليا ورده، ولكنْ على عادته المعروفة من تفصيل الإيرادات والشبه، والتقصير في الجواب عنها. ولا يخفى على المتأمل في الإيراد العقلي الذي ذكره، ضعفُ تركيبه وهلهلة نسجه، ولكن ليس هذا محل بسط ذلك. الثاني: بتوالي التكاليف، فكلما حدث تكليف جديد ازداد التصديق والإقرار، لأن من صدق إنسانا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد. الثالث: بالاطلاع المتعاقب على آثار حكمة الله في مخلوقاته، وهذا بحرٌ لا ساحل له. الوجه الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكملُ من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فمَن آمن وصدق بأن الله حق ورسولَه حق، والجنة حق والنار حق، وأوجب له هذا التصديق محبة الله وخشيته كان إيمانه أكمل من الذي لم يوجب له إيمانه ذلك. الوجه الخامس: أن أعمال القلوب كالمحبة والخشية والخشوع والتوكل والخوف والرجاء كلها من الإيمان كما سبق بيانه، وهذه الأعمال يتفاضل فيها الناس تفاضلا عظيما كما هو ظاهر بدلالة الشرع والعقل. ويكفي هنا ذكر التفاضل في المحبة الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ، لذلك قال شيخ الإسلام:» فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق والنصح لهم (..) وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة « (١) . الوجه السادس:

стр. 73

أن الأعمال الظاهرة أيضا من الإيمان، ويتفاضل الناس فيها وتزيد وتنقص، وهذا شامل لأعمال اللسان والجوارح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع. والذي عليه أهل السنة والحديث أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص « (١) . الوجه السابع: أن ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك، وثباته عليه أكمل ممن صدق بالمأمور به ولكنه غفل عنه. لذلك قال عمير بن حبيب الخطمي الصحابي:» إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه « (٢) . وقد قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وكلما تذكر الإنسان ما عرفه قبل ذلك، وعمل به، حصل له معرفة شيء آخر لم يكن عرفه قبل ذلك. وفي الحديث الصحيح:» مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت « (٣) . الوجه الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذبا أو منكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر. فإذا ظهر له بوجه من الوجوه أن هذه الأمور من الإيمان، فإنه يصدق بما كان مكذبا به، ويعرف ما كان منكرا له فهذه زيادة في الإيمان. ومن هذا الباب من ابتدع في دين الله قولا خطأ وهو مؤمن بالرسول وقاصد للاتباع لا الابتداع، ثم تبين له خطؤه فترك ما كان عليه ورجع إلى الصواب. الوجه التاسع:

стр. 74

أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلةً توجب اليقين وتبين فساد الشبه العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك. فإنه من الظاهر أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لذلك وبطلانها ليس كالعلم المستند على دليل واحد من غير معرفة بالشبه المعارضة له وفسادها. فهذا مجمل الوجوه التي يحصل بها زيادة الإيمان ونقصانه، كما ذكرها شيخ الإسلام مفصلة. والله أعلم. الفصل الثالث: أقوال المخالفين. قلت في النظم: وخالف الأحناف في التفاضل وقولهم عار عن الدلائل ومثلهم أتباع جهم ذي البدع كذا الخوارج ومن لهم تبع الشرح: (وخالف الأحناف) أتباع الإمام الجليلِ أبي حنيفةَ النعمانِ بنِ ثابت ﵀، أهل السنة والجماعة (في) مسألة (التفاضل) الحاصل في الإيمان بالزيادة والنقصان، فنفوا ذلك كما سيأتي بحول الله تعالى، (و) لكن لا عبرة بخلافهم، إذ (قولهم) هذا (عارٍ عن الدلائل) الشرعية الصحيحة والصريحة. (ومثلهم) في هذا القول (أتباعُ جهم) وهو الجهم بن صفوان رأس البدعة وإمام أهل الزندقة والإلحاد، (ذي البدع) صفة للجهم، فإن له في كل باب من أبواب العقائد قولا مبتدعا تفرد به وتبعه عليه أهل الإلحاد، فهو في الإيمان مرجئي وفي القدر جبري وفي الأسماء والصفات مُعطِّل. نسأل الله السلامة في الدين والثبات على اليقين. لذلك قال الحافظ الذهبي في ترجمته:» ما أعلمه روى شيئا ولكنه زرع شرا عظيما « (١) . (كذا الخوارجُ) قائلون بعدم قبول الإيمان الزيادة ولا النقص، (و) مثلهم (من لهم تبع) والمقصود بهم المعتزلة، وبعض علماء الأشاعرة والماتريدية.

стр. 75

وسوف أكتفي عند ذكر المخالفين، بالكلام على من يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن هذا هو أشهر الأقوال المخالفة لمذهب أهل السنة في هذه المسألة، على أنه تجدر الإشارة إلى أن هنالك قولين آخرين (١) : أولهما أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان لعدم ورود النص المصرح به. وهذه إحدى الروايتين عن الإمام مالك. وثانيهما أنه يزيد ولا ينقص، وهو مأثور عن بعض الأشاعرة ورواية عن أبي حنيفة، وهو قول الغسانية والنجارية والإباضية. أما القول المشهور بعدم الزيادة ولا النقصان، فأشهر من قال به هو الإمام أبو حنيفة، ومن تبعه من أعيان مذهبه. وهذا القول مستفيض عنه ﵀ بحيث لا مجال لإنكاره أو دفعه، فقد اتفقت كتب الفرق والمقالات على نسبته إليه، كما أن هذا القول مذكور في عامة كتب الأحناف وفي كتب العقيدة المنسوبة إلى أبي حنيفة. وقد بلغ التعصب لهذا القول ببعض الأحناف مبلغا شنيعا فقد عد بعضهم من الأمور المكفرة التي يكفر صاحبها القول بأن الإيمان يزيد وينقص (٢) !! وعده آخرون منهم قولا مبتدعا، مع أن القائلين به هم الصحابة والتابعون، ومن تبعهم بإحسان من جماهير علماء هذه الأمة (٣) ! والله المستعان. وممن يقول بعدم زيادة الإيمان ولا نقصانه فرقة الجهمية أتباع الجهم بن صفوان، التي اتفقت كلمة السلف على تبديعها وتضليلها بل وتكفيرِها، يقول ابن القيم في نونيته حاكيا هذه العقيدة عنهم: قالوا وإقرارُ العباد بأنه ... ... ... خَلاقُهم هو مُنتهى الإيمان والناس في الإيمان شيءٌ واحد ... ... ... كالمشطِ عند تماثُل الأسنان (٤)

стр. 76

فالجهمية يسوون بين الإيمان والتصديق، والتصديق عندهم يتساوى فيه العباد، ولا يقبل الزيادة والنقصان، فإيمان الملائكة والأنبياء والصديقين مساوٍ لإيمان الفُسَّاق وأهل الفجور! ومن القائلين بهذا القول الخوارج والمعتزلة، إذ الإيمان عندهم كلٌّ واحدٌ لا يتجزأ، إذا ذهب بعضه ذهب كله. يقول ابن تيمية ﵀:» وإنما أوقع هؤلاء كلَّهم - أي المرجئة - ما أوقع الخوارجَ والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض، بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه « (١) . ومنهم عدد من أئمة الأشاعرة والماتريدية. قال مُرتضى الزَّبيدي:» وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص، واختاره أبو منصور الماتريدي ومن الأشاعرة إمامُ الحرمين وجمعٌ كثير « (٢) . الباب الثالث: الكفر وضوابط التكفير الفصل الأول: تعريف الكفر لغة واصطلاحا. قلت في النظم: في اللغة الكفر لستر راجع فالليل كافر كذاك الزارع وفي اصطلاح ناقض الإيمان في القلب والأعضاء واللسان الشرح: (في اللغة) جار ومجرور متعلق بـ''الكفر''، و (الكفر) مبتدأ خبره ''راجع'' و (لستر) جار ومجرور متعلق بـ''راجع'' (راجع) أي أن أصل الكفر في اللغة هو الستر والتغطية ومن أمثلته في اللغة ما ذكرته في الشطر الثاني، (فالليل) لغة (كافر) لأنه يستر الناس ويغطي كل شيء (كذاك الزارع) وهو الفلاح، وفي جواز تسميته زارعا خلاف، والصحيح الجواز كما ذكره السهيلي في الروض الأنف (٣) . (و) أما (في اصطلاح) فهو (ناقض الإيمان) ، ويكون هذا النقض (في القلب) بانتفاء التصديق أو العمل القلبي (والأعضاء) بالأعمال أو التروك المكفرة (واللسان) بالأقوال المكفرة أو بترك الأقوال التي هي ركن في الإيمان.

стр. 77

وحاصل ما ذكرت في هذين البيتين أن أصل الكفر في اللغة هو الستر والتغطية، ومنه تسمية الليل كافرا كما قال لبيد بن ربيعة في معلقته: حتى ألقت يدا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها (١) . ومن محاسن التورية (٢) قول البهاء زهير المتوفى سنة ٦٥٦هـ من قصيدة غزلية أكثر فيها من استعمال المحسنات البديعية: يا ليل طل، يا شوق دم ... ... إني على الحالين صابر لي فيك أجر مجاهد ... ... إن صح أن الليل كافر (٣) . ومنه تسمية الفلاح كافرا لستره الحب وتغطيته إياه بالتراب، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ ، قال ابن كثير:» أي يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها « (٤) . وتحتمل الآية أن يقصد بالكفار المعنى الاصطلاحي، كما ذكره العلامة الألوسي في تفسيره (٥) . وأما في الاصطلاح فالكفر هو نقيض الإيمان. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:» الكفر عدم الإيمان، باتفاق المسلمين، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئا ولم يتكلم « (٦) .

стр. 78

وإذا كان الكفر هو نقيض الإيمان، فإن تعريفه يؤخذ من تعريف الإيمان، لأن الشيء تتبين حقيقته بمعرفة ما يضاده وينافيه. وأجمع ما عرف به الكفر قول ابن حزم:» وهو - أي الكفر - في الدين، صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معا، أو عمل عملا جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان « (١) . فبين - رحمه الله تعالى - أن الكفر الذي هو نقيض الإيمان، لا يخرج عن أحد أمور أربعة مستخلصة من الأركان الأربعة التي تتشكل منها حقيقة الإيمان الشرعي، كما سبق بيانه، وهذه الأمور هي: ١-التكذيب (أو الشك) الذي يناقض تصديق القلب. ٢- عمل قلبي كفري يناقض عملا من أعمال القلوب الإيمانية، مثل البغض الذي يناقض المحبة. ٣-قول لساني كفري يناقض شهادة أن لا إله إلا الله، أو الامتناع عن النطق بالشهادتين لغير عذر شرعي. ٤- عمل ظاهر من أعمال الجوارح مثل التولي عن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، أو التشريع من دون الله تعالى، أو ترك الصلاة على الصحيح، وغير ذلك من الأعمال المناقضة لإيمان الجوارح القائم على الانقياد والخضوع. وقد استقصى علماء الإسلام في كتب الفقه جملة الأقوال والأعمال المناقضة للإيمان بما لا مزيد عليه، كما تجده مسطرا في أبواب الردة من أسفار الفقه الإسلامي (٢) . قلت في النظم: أنواعه التكذيب والجحود والشك الاستكبار والتقليد كذاك جهل، وهو في حكم الدنى قول وفعل، لا الذي القلب جنى الشرح:

стр. 79

(أنواعه) باعتبار البواعث الباطنة على الإتيان بأسباب الكفر القولية والعملية كثيرة منها (التكذيب والجحود والشك الاستكبار) بحذف أداة العطف في الأخير (والتقليد كذاك جهل) ، فهذه أهم أقسام الكفر وأنواعه. (وهو) بتسكين الهاء، أي الكفر (في حكم الدنى) جمع دنيا، أي أنه في الأحكام الدنيوية القضائية (قول) مكفر (وفعل) مكفر (لا الذي القلب جنى) أي لا ما جناه القلب من الاعتقادات الكفرية، فإنها ليست كفرا في أحكام الدنيا، إن كانت مجردة عن القول المكفر والفعل المكفر. - ينقسم الكفر إلى أقسام كثيرة باعتبارات متعددة (١) ، لكن إنما يهمنا منها هنا أقسامه باعتبار الباعث القلبي الذي يحمل الكافر على الإتيان بالقول أو الفعل المكفر، وقد ذكرت منها في النظم ستة أنواع هي: ١-التكذيب الذي ينافي التصديق القلبي ويضاده، والتكذيب معناه النسبة إلى الكذب. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمْ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ﴾ . ٢- الجحد أو الجحود، ومعناه إنكار الشخص للشيء مع علمه به (٢) ، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ، فقوم فرعون مستيقنون بأن الذي جاءهم به موسى حق، ولكنهم أنكروا بألسنتهم وأظهروا التكذيب. فالجحد يجامع التكذيب في الظاهر ويخالفه في حكم الباطن (٣) . وقد يستعمل أحد الاصطلاحين- الجحود والتكذيب- بنفس المعنى الذي يستعمل فيه الآخر، لذلك قال ابن القيم عن كفر الجحود:» إن سمي هذا كفر تكذيب أيضا فصحيح، إذ هو تكذيب باللسان» (٤) .

стр. 80

٣-الشك أو الريب المنافي لليقين (١) ، كما في قوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ . ٤-الاستكبار والإباء ككفر إبليس الذي ذكره الله في قوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ ، وككفر اليهود، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ، وككفر مشركي قريش، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . ٥- التقليد ومعناه أخذ قول الغير دون معرفة دليله (٢) ، والمقصود به هنا اتباع الرؤساء والكبراء والآباء والأجداد في الكفر ومجانبة الحق على غير بصيرة وبدون دليل. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ . وهذا هو الباعث الغالب في كفر اليهود والنصارى، لذلك حذرهم رب العزة ﷻ بقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ . والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 81

٦-الجهل المنافي لمعرفة القلب بالله تعالى وبرسوله محمد ﷺ وبما جاء به على وجه الإجمال، وقد سبق الكلام على المعرفة عند الكلام على التصديق فلينظر. قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ . وبالاعتبار المذكور آنفا - أي باعتبار البواعث القلبية على الكفر- فإن للكفر أقساما أخرى لم أشر إليها في النظم مثل كفر الإعراض كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ، وكفر التولي عن الطاعة كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ، وكفر الحسد كما في قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، وكفر البغض والكراهية كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ، وكفر الاستهزاء كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ، وغير ذلك من الأنواع. هذا، ولما كانت هذه البواعث أمورا باطنة لا سبيل إلى الاطلاع عليها إلا بما يظهره صاحبها من قول أو عمل، لم ينط الشارع الأحكام الدنيوية المتعلقة بالكفر، بهذه البواعث الخفية، وإنما أناطها بما هو ظاهر ومنضبط وهو الأقوال والأعمال. وقد تقرر في علم الأصول أن الحكم يناط بالعلة لا بالحكمة، وذلك لأن العلة وصف مناسب ظاهر منضبط بخلاف الحكمة، فعلة قصر الصلاة هي السفر لا المشقة لعدم انضباطها، وعلة العدة هي الطلاق لا العلوق لخفائه (١) .

стр. 82

إذا علم هذا، فالكفر على الحقيقة يكون- كما سبق بيانه- باعتقاد كفري أو بقول أو عمل مكفر، لكنه في الأحكام الدنيوية والقضائية لا يكون إلا بقول مكفر أو عمل مكفر. والمقصود بالأحكام الدنيوية ما يفرق به.- في الدنيا - بين المسلم والكافر كأحكام الموالاة والتناكح والتوارث والدفن والصلاة والسلام وغير ذلك. فمن كفر بقلبه-بشيء من البواعث التي سبق تفصيلها- ولم يظهره في قول أو عمل، فهو مسلم في أحكام الدنيا، ولكنه في الحقيقة عند الله كافر خارج من الملة، وهو المنافق نفاقا أكبر. وقد قال النبي ﷺ : «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس» (١) ، وقال لأسامة عندما قتل من قال ''لا إله إلا الله'' في المعركة: «أفلا شققت عن قلبه « (٢) . لذلك جمع الطحاوي ﵀ هذا المعنى في قوله: «ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى» . قال ابن أبي العز في شرحه: «لأنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم» (٣) . ومن أمثلة تفريق أهل السنة بين سبب الكفر الظاهر- وهو القول أو العمل- وبين نوع الكفر – وهو الباعث الباطن على الإتيان بسبب الكفر- إجماعهم على الحكم بكفر من سب الله أو سب رسوله ﷺ بغض النظر عن كونه وقع منه هذا القول المكفر تكذيبا أو بغضا أو حسدا أو غير ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل» (٤) .

стр. 83

ويوضح شيخ الإسلام هذه القاعدة بقوله: «إن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر، سواء اعتقد كذبه، أو استكبر عن الإيمان به، أو أعرض عنه اتباعا لما يهواه، أو ارتاب فيما جاء به، فكل مكذب بما جاء به فهو كافر، وقد يكون كافرا من لا يكذبه إذا لم يؤمن به» (١) . وواضح أن كلام شيخ الإسلام هو في الرد على المرجئة الذين يشترطون للحكم بالكفر في الدنيا، تحقق وجود التكذيب القلبي. وهذا مفرع عن مذهبهم في الإيمان من أنه يرادف التصديق، فلأجل ذلك لا يكون الكفر عندهم إلا بالتكذيب. ومثلهم الجهمية في اشتراطهم الجهل لأن الإيمان عندهم هو المعرفة. وإنما أوردت هذه المسألة في النظم، وشرحتها بشيء من التفصيل هنا، لرد هذه الشبهة الإرجائية- أعني عدم التفريق بين نوع الكفر وسببه- فإنها من الشبه القديمة التي أحياها مرجئة العصر. فتنبه لذلك، وشد على هذه القاعدة بالنواجذ لتسلم من خلط الملبسين وزيغ المضللين. قلت في النظم: فليس محصورا في الاعتقاد وهل ترى خبيئة الفؤاد؟ الشرح: لما ذكرت في البيت السابق أن الكفر يكون بقول مكفر أو عمل مكفر، ذكرت في هذا البيت الرد على شبهة المرجئة المعروفة بجعلهم الكفر الذي به تحصل المؤاخذة في الدنيا اعتقاديا فقط، فقلت (فليس) الكفر الأكبر المخرج من الملة (محصورا في الاعتقاد) القلبي كما يزعمه المرجئة، ثم أوردت عليهم إنكارا في صيغة سؤال فقلت: (وهل ترى خبيئة) ...................................

стр. 84

(الفؤاد؟!) . وحاصل الإنكار أن من حصر الكفر في الاعتقاد القلبي- كما هو مذهب طوائف المرجئة- يلزمه أن لا يكفر أحدا إلا بعد اطلاعه على باطن قلبه وتحققه من وجود الاعتقاد الكفري فيه! ولما كان هذا أمرا محالا لزمهم تضييق دائرة التكفير إلى أبعد الحدود. فغلاتهم التزموا عدم التكفير بالذنوب المكفرة لذاتها، ففارقوا الإجماع، ومعتدلوهم – وهم مرجئة الفقهاء- تمحلوا وتأولوا ليتأتى لهم أن ينفصلوا عن هذا الالتزام، وبيان هذا عنده شرح البيت المقبل. وأما أدلة صحة هذه القاعدة، أقصد قاعدة اعتبار الظاهر في الحكم بالكفر، وعدم حصره في الاعتقاد الباطن، كثيرة جدا، أذكر بعضها: - قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (١) . وهو ظاهر في أن حرمة الإسلام لا تثبت إلا بأمور ظاهرة غير خفية. - قوله ﷺ لأسامة لما قتل من قال '' لا إله إلا الله '' في القتال: «أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا» (٢) . قال النووي في الشرح: «فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر» (٣) . - قوله ﷺ : «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله» (٤) . وهو واضح في المقصود. - قوله ﷺ : «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم» (٥) وذلك لما قال له خالد: «وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه» .

стр. 85

- قول عمر بن الخطاب ﵁: «إن ناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة» (١) . - وعن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا في غُنَيمة له، فقال: «السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢) . فإنكار الله على هؤلاء، لأنهم لم يكتفوا بما أظهره الرجل لهم من تحيتهم بتحية الإسلام. وكان النبي ﷺ يقبل من المنافقين ظواهرهم، ولا يؤاخذهم في الأحكام الدنيوية بما استقر في قلوبهم من تكذيب وريب، وفي ذلك تشريع ظاهر للأمة من بعده. فهذه بعض الأدلة التي تيسر جمعها (٣) ، وكلها واضحة في أن الكفر ليس محصورا في الاعتقاد الباطن، وإنما المعتبر - في أحكام الدنيا - هو العمل والقول الظاهر، والله أعلم. قلت في النظم: وما يكفر من الأعمال لا يشرط النظر في استحلال أما الكبائر فليس يكفر فاعلها بلا اعتقاد يضمر الشرح:

стр. 86

لما ذكرت في البيت السابق أن الكفر ليس محصورا في الاعتقاد، بل قد يكون بقول أو عمل، بل لا يكون في أحكام الدنيا إلا كذلك، استطردت هنا بالكلام على الأعمال المكفرة، فقلت: (وما) موصول مبتدأ (يكفر) صاحبه أي يجعله كافرا ويخرجه من ملة الإسلام (من الأفعال) والأقوال، (لا يشرط) للتكفير به (النظر) ممن يريد إلحاق حكم التكفير (في استحلال) الفاعل لذلك الذنب المكفر، وفي هذا رد على المرجئة الذين يشترطون ذلك. (أما الكبائر) التي هي دون الشرك، وذلك مثل الزنا وشرب الخمر (فليس يكفر فاعلها) خلافا للخوارج الذين يكفرون بمثل هذه الذنوب (بلا اعتقاد) كفري (يضمر) في القلب، والمقصود بهذا الاعتقاد، استحلال هذه الذنوب، بل لو استحلها لكفر بمجرد الاستحلال ولو لم يفعل شيئا منها، فليتنبه! سبق أن بينت أن الكفر- عند أهل السنة والجماعة- كما يكون بالاعتقاد فإنه يكون بالعمل، كما سبق أن ذكرت أن ترك جنس العمل كفر، فلا أعيد هنا ما شرحته آنفا. والذي أود تفصيله في هذا المبحث هو أن الأعمال المحرمة في الشرع على قسمين اثنين (١) : القسم الأول: ذنوب مكفرة لذاتها، مخرجة لمرتكبها عن ملة الإسلام، بقطع النظر عما يقوم بقلبه، فهو بفعلها كافر ولو ادعى أنه لم يستحلها بقلبه. قال ابن حزم في الفصل: " فصح أن من أعمال الجسد ما يكون كفرا مبطلا لإيمان صاحبه جملة، ومنها ما لا يكون كفرا، لكن على ما حكم الله تعالى به في كل ذلك ولا مزيد" (٢) . وأدلة وجود هذا القسم من الذنوب، كثيرة جدا في الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، فمنها: ١- قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ ، فحكم الله تعالى بكفرهم بمجرد القول الذي تلفظوا به.

стр. 87

٢- قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . قال ابن حزم ﵀:" فنص تعالى على أن الإستهزاء بالله تعالى وآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك أني علمت أن في قلوبهم كفرا، بل جعلهم كفارا بنفس الإستهزاء، ومن ادعى غير ذلك فقد قول الله تعالى ما لم يقل وكذب على الله تعالى" (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:" فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب" (٢) . ٣-قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ فأكفرهم الله بمجرد القول. ٤- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ فأكفره الله تعالى بمجرد تركه السجود لآدم ﵇.

стр. 88

٥- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ . قال ابن حزم ﵀: " فجعلهم مرتدين كفارا بعد علمهم بالحق، وبعد أن تبين لهم الهدى، بقولهم للكفار ما قالوا فقط، وأخبرنا تعالى أنه يعلم إسرارهم، ولم يقل تعالى إنهم جحدوا، بل قد صح أن في سرهم التصديق، لأن الهدى قد تبين لهم، ومن تبين له شيء فلا يمكن البتة أن يجحده بقلبه أصلا" (١) . ٦- الإجماع على التكفير بمجرد سب الله أو سب رسوله ﷺ . قال إسحاق بن راهويه رحمة الله عليه: "قد أجمع العلماء على أن من سب الله ، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئا أنزله الله، أو قتل نبيا من أنبياء الله، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله" (٢) . وقال أيضا: " ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى، وبما جاء من عنده، ثم قتل نبيا، أو أعان على قتله، ويقول قتل الأنبياء محرم، فهو كافر" (٣) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:" إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (٤) .

стр. 89

٧- النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة ولو كان مقرا بوجوبها (١) ، وهي كثيرة من الكتاب والسنة، بل نقل الإجماع على هذه المسألة. وسيأتي في آخر الكتاب مزيد بيان لهذه القضية. وبالجملة، فالأدلة كثيرة جدا في هذا الباب. ومن هنا يعلم خطأ إطلاق بعضهم:" لا نكفر أحدا بذنب"، قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: " ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يقال لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج" (٢) . وسئل الإمام أحمد ﵀: يا أبا عبد الله، إجماع المسلمين على الإيمان بالقدر خيره وشره؟ قال أبو عبد الله: نعم، قال: ولا نكفر أحدا بذنب؟ فقال أبو عبد الله: "اسكت، من ترك الصلاة فقد كفر، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر" (٣) . وقد أشكلت هذه الأدلة على المرجئة القائلين بأن الإيمان هو التصديق، إذ الكفر عندهم لا يكون بمجرد العمل دون اعتقاد قلبي، فانقسموا بحسب جوابهم عن هذا الإشكال إلى ثلاث طوائف (٤) : الطائفة الأولى: مرجئة الفقهاء والأشاعرة. قالوا إن هذه الأفعال التي حكم الشارع بكفر أصحابها، ليست كفرا لذاتها ولكن هي دليل وعلامة على انتفاء التصديق من القلب. وإنما جرهم لهذا حصرهم الإيمان في التصديق القلبي كما سبق بيانه، مع رغبتهم في عدم مصادمة الإجماع ونصوص الكتاب والسنة المتظافرة، فكان التجاؤهم إلى هذا التلفيق المبتدع.

стр. 90

يقول ابن حزم ﵀: " وأما الأشعرية فقالوا: إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم وإعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية، والإقرار بأنه يدين بذلك، ليس شيء من ذلك كفرا. ثم خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا: لكنه دليل على أن في قلبه كفرا، فقلنا لهم: وتقطعون بصحة ما دل عليه هذا الدليل، فقالوا: لا" (١) . ويقول أيضا في موضع آخر: "وأما سب الله تعالى فما على وجه الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد، إلا أن الجهمية والأشعرية وهما طائفتان لا يعتد بهما (٢) ، يصرحون بأن سب الله تعالى وإعلان الكفر ليس كفرا، قال بعضهم: ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى" (٣) . وينقل الشهر ستاني عن المرجئة أنهم يقولون:" من قتل نبيا أو لطمه كفر لا من أجل القتل واللطم ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض، وإلى هذا المذهب ميل ابن الراوندي وبشر المريسي، قالا: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان جميعا، والكفر هو الجحود والإنكار، والسجود للشمس والقمر والصنم ليس بكفر في نفسه ولكنه علامة على الكفر" (٤) . ويقول شيخ الإسلام ﵀:" وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول فلكونه دليلا على انتفاء ما في القلب" (٥) .

стр. 91

فتبين من النقول السابقة أن الأحناف والأشاعرة غير مخالفين لأهل السنة في الأحكام، إذ الفريقان متفقان على أن من أتى بقول أو فعل مكفر، فإنه كافر ظاهرا وباطنا، وإنما الخلاف في هذا الكفر هل هو لذات القول أو العمل، أم هو بسبب انتفاء تصديق القلب؟ وهذا ما جمع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول:" فإن كثيرا من النزاع فيها نزاع في الإسم واللفظ دون الحكم" (١) . وتبعه على ذلك جمع من أهل العلم. وهذا صحيح في الجملة ولكن ينبغي التنبيه على الأمور التالية. هذا المذهب – أعني مذهب الأحناف والأشاعرة- مذهب مبتدع مخالف لإجماع أهل السنة الذي سبق توضيحه. وكل بدعة ضلالة، ولو لم يكن لها تأثير في العمل، بل إن غالب البدع العقدية التي أنكرها السلف، واشتد دفعهم لها، إنما هي من قبيل البدع الإعتقادية التي قد لا يترتب عليها عمل، فتأمل! هذا القول المبتدع مخالف أشد المخالفة للنصوص الكثيرة الدالة على التكفير بمجرد العمل بغض النظر عن تصديق القلب أو تكذيبه، وقد سبق ذكر بعضها. قال ابن تيمية ﵀: "ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين بالرب، حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقا، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ، وكما قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاء إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ ومع هذا لم يكن مؤمنا" (٢) . هذا القول لا يعدو أن يكون تلفيقا جرهم إليه تحري التوفيق بين مذهبهم في حقيقة الإيمان، وبين نصوص الكتاب والسنة الدالة على تكفير من أتى ببعض الأعمال المجردة. وعلاوة على كون هذا القول متناقضا، فإنه ليس لهم فيه أي مستند من الكتاب أو السنة، وإنما هو محض الرأي والهوى.

стр. 92

الفيصل الحقيقي بين مذهب مرجئة الفقهاء والأشاعرة وبين مذهب أهل السنة هو مسألة ترك جنس العمل التي سبق تفصيلها، فلتراجع. والله تعالى أعلم. الطائفة الثانية: الجهمية، قالوا إن من نص الشارع على كفره فهو كافر في الظاهر، ويجوز أن يكون مؤمنا في الباطن. قال شيخ الإسلام ﵀:" وقالوا (أي الجهم ومن وافقه) : لو فعل ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرا في الباطن، لكن يكون دليلا على الكفر في أحكام الدنيا، فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرا في الآخرة، قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله شيء، فإنها عندهم شيء واحد، فخالفوا صريح المعقول وصريح الشرع" (١) . وتأمل كيف نقل شيخ الإسلام عن الجهمية قولا مخالفا لقول الطائفة الأولى، ثم بين أنهم يرجعون إلى نفس قول الطائفة الأولى بعد أن يورد عليهم أهل السنة مخالفتهم للنصوص (٢) . ومن هنا تعلم مستند من اكتفى بتقسيم المرجئة إلى قسمين اثنين لا إلى ثلاثة. والله أعلم.

стр. 93

الطائفة الثالثة: غلاة المرجئة، وقد التزموا عدم تكفير من نص الشارع على كفره بقول أو فعل مكفر، إلا أن يصرح بالجحد أو الاستحلال القلبي. وهذا مذهب في غاية الفساد والبطلان، بل نقل إجماع علماء السلف على تكفير من يقول بذلك من المرجئة: قال شيخ الإسلام ﵀: " وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ . وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله" (١) . ومما لا يقضى منه العجب، أن شرذمة من المنتسبين إلى السنة والسلف في هذه الأعصار، أصبحوا يقولون – جهلا أو تجاهلا أو هما معا - بنفس هذه المقالة الخطيرة. فافهم ذلك وتدبر، ولا تغتر بكثرة الدعاوى العريضة. فكل يدعى وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا!! وقد قال صاحب الهمزية: والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء. هذا ما تيسر جمعه عن القسم الأول وهو في الذنوب المكفرة لذاتها، وننتقل إلى القسم الثاني. القسم الثاني: ذنوب مفسقة غير مكفرة، وهي الذنوب التي تنقص من الإيمان ولكنها ليست تذهب بأصله، وهي الكبائر التي لم يأت النص بكفر فاعلها، أو ورد النص بذلك ولكن وجب حمله على الكفر الأصغر لوجود قرينة دالة على ذلك.

стр. 94

فهذه الذنوب صاحبها فاسق (١) ، وهو إن مات بلا توبة كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. ولكنه إن أضاف إلى هذه الذنوب الجحود أو الاستحلال كان بذلك كافرا كفرا أكبر مخرجا له من الملة. يقول حافظ حكمي ﵀:" (إلا مع استحلاله لما جنى) هذه هي المسألة الخامسة وهي أن عامل الكبيرة يكفر باستحلاله إياها، بل يكفر بمجرد اعتقاده بتحليل ما حرم الله ورسوله ولو لم يعمل به، لأنه حينئد يكون مكذبا بالكتاب ومكذبا بالرسول ﷺ ، وذلك كفر بالكتاب والسنة والإجماع" (٢) . وعلى مثل هذه الذنوب يتنزل إطلاق بعض أهل العلم عدم التكفير بالذنب، كما في قول الطحاوي ﵀: " ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" (٣) . قال شيخ الإسلام ﵀:" ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنى والشرب" (٤) . وإذا كان المرجئة قد جانبوا الصواب في فهمهم للقسم الأول من الذنوب، فإن الخوارج قد أخطأوا في القسم الثاني، فكفروا بالكبائر ولو بغير استحلال، وقد نقل عنهم أهل المقالات في هذا الباب أقوالا في غاية الشناعة. قال الملطي:" والشراة كلهم يكفرون أصحاب المعاصي ومن خالفهم في مذهبهم مع اختلاف أقاويلهم ومذاهبهم" (٥) . وينقل عن أبي بيهس الذي تنسب إليه طائفة البيهسية- فرقة من الخوارج-:"إن حكم الإمام بالكوفة حكما يستحق به الكفر، ففي تلك الساعة يكفر من كان في حكم ذلك الإمام بخراسان والأندلس" (٦) . ومن أقوال البيهسية أيضا:" لو أن رجلا قطر قطرة خمر في جب فلا يشرب من ذلك أحدا إلا كفر وإن لم يشعر لأن الله يوفق المؤمنين" (٧) .

стр. 95

فتأمل هذه الجهالات والضلالات، التي تغني حكايتها عن تكلف ردها. والله المستعان. قلت في النظم: والكفر منه أكبر وأصغر والظلم والفسق كذاك يحصر الشرح: هذا تقسيم آخر للكفر باعتبار كونه مخرجا من الملة أو لا. قلت: (والكفر) قسمان اثنان فـ (منه) كفر (أكبر) مصروف لضرورة النظم، وكفر (أصغر) ، وسيأتي تعريفهما. (والظلم والفسق كذاك يحصر) في هذين القسمين، أي: أن الظلم منه ظلم أكبر وظلم أصغر، والفسق كذلك فسق أكبر وفسق أصغر. الكفر: ينقسم الكفر إلى قسمين اثنين: الكفر الأكبر وهو الكفر على الحقيقة المخرج من ملة الإسلام، والذي تهدر معه حصانة الإسلام وحرمته، سواء كان كفرا أصليا أو طارئا وهو الردة، وسواء كان اعتقاديا قلبيا أو كان عمليا ظاهرا، وسواء كان شركا في الربوبية أو في الألوهية أو في الأسماء والصفات أو في النبوات والغيبيات، وسواء كان الباعث عليه جحودا أو تكذيبا أو استكبارا أو شكا وريبا أو جهلا أو غير ذلك. فمن وقع في هذا الكفر (١) - كيفما كان نوعه- وجب إجراء أحكام الكفر الدنيوية عليه، وهو في الآخرة مخلد في نار جهنم، لا تنفعه شفاعة الشافعين. ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وغير ذلك من الآيات.

стр. 96

الكفر الأصغر: وهو المعروف في عبارة السلف بكفر النعمة أو كفر دون كفر، وقد يطلق عليه بعض العلماء الكفر العملي، والأولى تجنب هذا الإطلاق لأنه يوهم أن الكفر الأكبر المخرج من الملة لا يكون إلا اعتقاديا، ولا يكون بالعمل، مع أن العلماء الذين يستعملون هذا الاصطلاح لا يقصدون هذا المعنى البتة، بل الكفر الأكبر- كما سبق بيانه مرارا- يكون بالاعتقاد، وبالقول أو الفعل المكفر، وهذه مسألة إجماع عند أهل السنة. وأما الكفر الأصغر فليس إلا معصية بولغ في وصفها، فهو كفر مجازا لا حقيقة، فلا تنتفي به أحكام الإسلام عن صاحبه، وهو في الآخرة في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وإن عذب لم يخلد في العذاب كما يخلد صاحب الكفر الأكبر، بل هو ممن يدخل الجنة إما ابتداء وإما مآلا. ومن أمثلته حديث ابن عباس قال: قال النبي ﷺ :" أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" (١) . والحديث بوب عليه البخاري ﵀: " باب: كفران العشير، وكفر دون كفر". ومنه قول النبي ﷺ :" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٢) . وكذلك قوله ﷺ : اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" (٣) . وغيرها من الأحاديث. فتبين إذن بأن الكفر نوعان: أكبر مخرج من الملة، وآخر أصغر دونه. والله أعلم. الظلم:

стр. 97

الظلم في اللغة مجاوزة الحد وهو في الاصطلاح وضع الشيء في غير موضعه (١) . وهو مثل الكفر نوعان: أكبر وأصغر: الظلم الأكبر: وهو مرادف للكفر الأكبر، وذلك لأن أظلم الظلم وأكلحه وأخطره هو الشرك بالله ، الذي هو وضع للعبادة في غير موضعها الصحيح. ولما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ، شق ذلك على الصحابة وقالوا: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . قال الحافظ ابن حجر:" ووجه الدلالة منه أن الصحابة فهموا من قوله:" بظلم " عموم أنواع المعاصي، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وإنما بين لهم أن المراد أعظم أنواع الظلم وهو الشرك، (...) فدل أن للظلم مراتب متفاوتة" (٢) . وقد وردت آيات قرآنية كثيرة أطلق فيها الظلم، وأريد الكفر الأكبر، وأمثلتها لا تخفى على المتتبع. ٢- الظلم الأصغر: وهو الذي لا ينفي الإيمان عن صاحبه، وهو محصور في ظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وفي ظلمهم بعضهم بعضا. كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال:" الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، وأما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدبر لبعضهم من بعض" (٣) .

стр. 98

ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ، ومنه قوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ . فهذا الظلم المذكور في هذه الآيات هو من الظلم الأصغر الذي لا يخرج من ملة الإسلام. الفسق: أصل الفسق والفسوق في اللغة الخروج عن القشر، فيقال فسقت الرطبة عن قشرتها، والفأرة عن جحرها، ولذلك سميت الفأرة فويسقة. وفلان فسق أي عصى وجاوز حدود الشرع. ويقال: فسق عن أمر ربه، أي خرج عن طاعته (١) . وهو بدوره نوعان: أكبر وأصغر. ١- الفسق الأكبر: وهو مرادف للكفر الأكبر المخرج من الملة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ ، وغير ذلك من الآيات. الفسق الأصغر: وهو مطلق المعاصي التي لا تنقض الإيمان، وصاحبها يطلق عليه اسم " الفاسق الملي" إشارة إلى كونه غير خارج عن ملة الإسلام، وتمييزا له عن صاحب الفسق الأكبر. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، وقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.

стр. 99

قال شيخ الإسلام ﵀:" قال ابن عباس وأصحابه: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وكذلك قال أهل السنة كأحمد وغيره" (١) . وقال أيضا:" قال محمد بن نصر: قالوا: صدق عطاء: قد يسمى الكافر ظالما، ويسمى العاصي من المسلمين ظالما، فظلم ينقل عن ملة الإسلام وظلم لا ينقل. (..) قال: وكذلك الفسق فسقان، فسق ينقل عن الملة وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقا، والفاسق من المسلمين فاسقا، ذكر الله إبليس فقال ﴿ففسقَ عَن أَمرِ رَبِّه﴾ وكان ذلك الفسق منه كفرا وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ . يريد الكفار دل على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ . وسمى الفاسق من المسلمين فاسقا ولم يخرجه من الإسلام. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فمن فَرَضَ فيهِنَّ الحَجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ فقالت العلماء في تفسير الفسوق هنا: هي المعاصي" (٢) . قلت في النظم: والأول الأصل لدى الإطلاق كما تقرر لدى الحذاق الشرح: (والأول) أي الكفر الأكبر هو (الأصل) في الكتاب والسنة، بل وحتى في كلام السلف والأئمة (لدى الإطلاق) أي إذا لم يقيد بما يوضح كونه منقولا إلى معناه المجازي وهو الكفر الأصغر، أو لم توجد قرينة شرعية تمنع إرادة المعنى الحقيقي، وهذا (كما تقرر) بالأدلة اللغوية والشرعية البينة (لدى الحذاق) وأهل التحقيق والبراعة من العلماء.

стр. 100

فأما الدليل اللغوي على هذه المسألة فهو أن الاستقراء دلنا على أن لفظ الكفر حقيقة شرعية في الكفر الأكبر المخرج من الملة. وعلامة الحقيقة هي التبادر كما تقرر عند أهل البلاغة والأصول. فإذا أطلق هذا اللفظ، تبادر إلى الذهن معنى الكفر الأكبر، الذي هو المعنى الراجح لكونه المعنى الحقيقي للفظ. ولا ينبغي أن يصرف اللفظ إلى المعنى المرجوح، وهو هنا المعنى المجازي، أي معنى الكفر الأصغر، إلا بقرينة واضحة تحيل إرادة المعنى الأصلي. وأما الدليل الشرعي فما جاء في الحديث الصحيح، أن النبي ﷺ قال: " أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال:" يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط" (١) . ووجه الشاهد منه أن الصحابة فهموا من إطلاق لفظ الكفر معنى الكفر الأكبر المخرج من الملة، وهو الكفر بالله، فبين لهم النبي ﷺ أن المراد هو كفر النعمة، وكفر الإحسان، ولم ينكر عليهم فهمهم، فكان إقرارا منه ﵊. وفي تقرير هذه القاعدة يقول الحافظ ابن حجر ﵀:" عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك" (٢) .

стр. 101

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمان آل الشيخ ﵀:" ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين والثاني لا يحمل عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ " (١) . ويقول ابن القيم ﵀:" اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه، ولم يعهد استعماله في المعنى المؤول أو عهد استعماله فيه نادرا، فحمله على خلاف المعهود من استعماله باطل، فإنه يكون تلبيسا يناقض البيان والهداية" (٢) . أقول: هذا الكلام ينطبق تماما على لفظ الكفر الذي نحن بصدده، إذ هذا اللفظ ظاهر في المعنى الحقيقي الراجح وهو الكفر الأكبر المخرج من الملة، مع احتماله للمعنى المجازي المرجوح وهو الكفر الأصغر (٣) ، ثم إن الغالب في استعمال الشارع هو المعنى الأول، فلا يصح إذن حمل اللفظ على المعنى المرجوح إلا بقرينة. ثم هنا قاعدة أخرى أذكرها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الكفر إذا ورد – في نصوص الكتاب والسنة- معرفا بدخول "ال" عليه، فإنه لا يراد به إلا الكفر الأكبر المخلد في النار، وأما إن ورد منكرا فإنه محتمل لمعنيي الكفر الأكبر والأصغر، مع كون الأول الأصل عند الإطلاق كما سبق بيانه.

стр. 102

ودليل هذه القاعدة أن التعريف عند البلاغيين يؤتى به لإفادة اللفظ تمام المعنى، قال الخطيب القزويني في كتابه الإيضاح:" وأما تعريفه - يعني المسند إليه- فلتكون الفائدة أتم" (١) . وقال شارح الجوهر المكنون- الشيخ أحمد الدمنهوري-:" والإتيان بالمسند إليه معرفة لإفادة المخاطب أتم فائدة"، قال محشيه:" فإن كلا من فائدة ولازمها كلما ازداد متعلقه معرفة زاد غرابة وأتمية، فإذا قلنا: ثوب لبيس اشترى في السوق لم يكن كقولنا: ثوب من حرير فيه طراز ذراع طوله ألف شبر اشتراه فلان من فلان بألف دينار في مكان كذا وكذا، والأصل في التعيين الموجب لا زدياد الفائدة المعارف لأنها تفيد التعيين بالوضع" (٢) . إذا تقرر هذا، فلفظ الكفر المعرف بـ:"ال"، يفيد حصول كمال الكفر وغايته وتمامه، وهذا هو الكفر الأكبر المخرج من الملة، فتأمل. قال شيخ الإسلام ﵀:" وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ :" ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" وبين كفر منكر في الإثبات" (٣) . فاشدد على هذه القواعد، بالأيدي والنواجذ، والله الموفق. الفصل الثاني: ... قاعدة تكفير المعين وموانع التكفير قلت في النظم: وينبغي الإمعان في التحذير من عدم التفريق في التكفير ما بين تكفير بلا تقييد وحكم من عين بالتحديد لابد فيه من ثبوت قاطع للشرط، وانتفاء كل مانع الشرح:

стр. 103

(وينبغي الإمعان) أي المبالغة والتشديد (في التحذير) الموجه إلى من يتكلم في مواضيع التكفير، (من عدم التفريق) جهلا أو تجاهلا (في) باب (التكفير ما بين تكفير) مطلق (بلا تقيد) ولا تعيين (و) بين (حكم من عين بالتحديد) والمعنى أنه يجب التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين، إذ (لابد فيه) أي: تكفير المعين (من ثبوت) شرعي (قاطع) لكل احتمال أو شبهة (للشرط) متعلق بـ"ثبوت"، (و) كذلك لابد من (انتفاء كل مانع) من موانع التكفير التي ستأتي بيان أهمها فيما يلي. - اعلم يا أخا السنة أن المسائل التي سأذكرها في هذا الباب قد بلغت في الخطورة مبلغا عظيما، وفي الدقة شأوا بعيدا، مع كونها كثيرة النفع لمن ضبط شرائدها، وقيد بأدلة الكتاب والسنة أوابدها، وصان عن التشرذم فوائدها. وأما من غفل عنها أو تغافل، فسكوته في مسائل الإيمان والتكفير أولى من كلامه، وإحجامه عن الخوض فيها أجدر به من إقدامه، بل كلامه فيها ضرب من الغواية والإغواء، ونوع من الضلال واتباع الأهواء، وقانا الله وإياك مزلات الأقدام ومضلات الأفهام. وحاصل ما ذكرت في النظم أنه ينبغي التفريق بين أمرين اثنين: أحدهما التكفير المطلق (وقد يسمى كفر النوع) وهو الحكم بالكفر على نفس الفعل أو القول، بقطع النظر عن تنزيل حكم الكفر على الشخص المعين الذي ارتكب ذلك الفعل أو نطق بذلك القول. فيقال مثلا: من (١) قال كذا أو فعل كذا فقد كفر أو فهو كافر. فهذا تكفير على العموم أو تكفير مطلق. - وثانيهما: التكفير بالتعيين (وقد يسمى كفر العين) وهو الحكم بالكفر على الشخص المعين الذي فعل سبب الكفر من قول أو فعل مكفر. وهذا الحكم لا يكون إلا بعد التأكد من توفر الشروط ومن انتفاء الموانع.

стр. 104

وبعبارة أخرى، فإن التكفير المطلق لا يستلزم دائما تكفير المعين، أو قل إن من وقع في الكفر لم يستلزم ذلك أن يكون الكفر قد وقع به. وقد أدى الجهل بهذه القاعدة بكثير من الناس إلى الوقوع في أنواع من التخبيط والتخليط. فتجد أكثرهم إذا سمع من يقول عن فعل من الأفعال يرتكبه بعض الأشخاص: إنه كفر، فهم من ذلك تكفير القائل لهؤلاء الأشخاص بأعيانهم! وترتب على ذلك ما لا تحمد عقباه. والله المستعان. وأما أدلة هذه القاعدة فكثيرة، وسيأتي ذكر عدد منها مفرقة عند الكلام على موانع التكفير. وإنما أكتفي هنا بنقل كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب. يقول ﵀:" ... والأصل الثاني أن التكفير العام – كالوعيد العام – يجب القول بإطلاقه وعمومه. وأما الحكم على المعين بأنه كافر، أو مشهود له بالنار فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه" (١) . ويقول أيضا:" وكنت أبين لهم أنما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، من فعل كذا فله كذا، وهي منزلة قول من قال من السلف من قال كذا فهو كذا، ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة" (٢) .

стр. 105

إذا علم هذا، فلا يتأتى الحكم بالكفر على المعين إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. فالشرط هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وأما المانع فهو ما يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. وهذا التعريف الميسر أوضح وأوفى بالمقصود مما يتكلفه بعض الأصوليين من الحدود المنطقية (١) . وشروط الحكم بالتكفير على المعين هي أن يكون هذا الشخص مكلفا (أي بالغا عاقلا خاليا من موانع التكليف كالصغر والجنون وغيرها) ، وأن يكون القول أو الفعل الذي وقع به التكفير صريحا غير محتمل، وأن يثبت صدوره من الشخص بطريق شرعي صحيح. فأما الشرط الأول فمحل بحثه كتب أصول الفقه، في أبواب موانع التكليف وعوارض الأهلية. وأما الشرط الثاني فسيأتي الكلام عليه عند ذكر بعض قواعد التكفير، وأما الثالث فمحله كتب القضاء والبينات من أسفار الفقه. وليعلم أن ما ذكرته من تعريف للشرط والمانع يقتضي أن ما كان وجوده شرطا فعدمه مانع والعكس بالعكس، وهذا أمر يوافق عليه جماهير الفقهاء كما يعلم من الوقوف على كتاباتهم، وإن خالف فيه بعض الأصوليين فاشترطوا في المانع أن يكون وصفا وجوديا لا عدميا (٢) . والظاهر أن الخلاف لفظي، فليحرر. وعلى المذهب الأول، فإنه يكفي ذكر الشروط وحدها أو ذكر الموانع وحدها، وهذا الذي يسير عليه كثير من أهل العلم فلا يذكرون في هذا الباب سوى موانع تكفير المعين. والخطب في هذا كله يسير، بإذن الله تعالى.

стр. 106

هذا عن الشروط، أما الموانع فقد ذكرت في النظم أربعة منها -وهي أهمها- وهذا أوان الشروع في الكلام عليها. قلت في النظم: مثل ثبوت خطأ اللسان أو التأول مع البرهان وهو الذي قواعد الكلام تسيغه وشرعه الإسلام كما أتى الأثر عن قدامه في ظنه الشرب بلا ملامه ليس كتأويلات أهل الزندقة كقول إبليس ومن قد وافقه الشرح: (مثل) أي: أن من أمثلة الموانع المعتبرة في باب التكفير ما سيأتي ذكره. فالمانع الأول هو تأكد (ثبوت خطأ اللسان) أي الخطأ المؤدي إلى سبق اللسان، بالنطق بالكفر من غير تعمد. والمانع الثاني ما ذكرته بقولي (أو التأول) وسيأتي تعريفه (مع البرهان) وهو الدليل الشرعي الواضح. (وهو) أي التأول المقبول مانعا من موانع التكفير، (الذي قواعد الكلام) العربي (تسيغه) أي تجيزه (و) كذلك تسيغه (شرعة) أي شريعة (الإسلام) أي أدلة الكتاب والسنة، بفهم سلف هذه الأمة. (كَ) أي مثال التأول المانع من التكفير (ما أتى) به (الأثر) الصحيح (عن قدامه) بن مظعون (في ظنه الشربً) أي جواز شرب الخمر (بلا ملامه) أي بلا مؤاخذة ولا حساب متأولا في ذلك، كما سيأتي. (ليس كتأويلات أهل الزندقة) من الملاحدة والباطنية وغلاة الشيعة والصوفية، (كقول إبليس) ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة على الصحيح، والمقصود قوله "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" (و) مثله في الحكم (من قد وافقه) في مثل هذا التأويل الباطل. -

стр. 107

المانع الأول: الخطأ وعدم القصد إلى الفعل (١) ، كأن يسبق لسانه إلى كلمة كفر لم يقصد النطق بها، ولا كان متعمدا لذلك. وهذا مانع معتبر شرعا لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ، ولما جاء في الحديث: " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٢) ، ولحديث الرجل الذي أضل راحلته وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها بعد أن أيس من الحياة، قال: " اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، قال النبي ﷺ :" أخطأ من شدة الفرح" (٣) . وأمثلة الخطأ في القول والفعل التي يمكن ذكرها في هذا المقام كثيرة جدا. والله أعلم. المانع الثاني: التأول. التأول هو الخطأ في فهم دلالة النص الشرعي، بإنزال بعض النصوص في غير محلها، أو إخراجها عن مدلولاتها الصحيحة التي تشهد لها النصوص الأخرى وقواعد اللغة والشرع. فمن استحل حراما أو حرم حلالا، أو وقع في كفر وهو يحكم عليه بأنه ليس كفرا، وكان في هذا كله متأولا تأولا مستساغا في الجملة، امتنع تكفيره حتى تقام عليه الحجة الشرعية، فإن أصر على ما هو فيه من الباطل. وقع عليه حكم التكفير. وما يقتضيه من الأحكام الشرعية الدنيوية.

стр. 108

والدليل على هذا الأصل العظيم حادثة قدامة بن مظعون المشار إليها في النظم، وحاصلها أن قدامة وطائفة معه شربوا الخمر وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، فلما بلغ الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ استشار الصحابة في ذلك، ثم وقع إجماعهم على رأي علي بن أبي طالب ﵁ وهو أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا. وأرسل عمر لقدامة يقول له:" اخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر" (١) . ووجه الدلالة من هذه القصة أن الصحابة أجمعوا- والإجماع حجة شرعية كما هو معلوم - على عدم إقامة حد الردة- وهو القتل- على قدامة ومن معه، رغم كونهم وقعوا في الكفر، الذي هو استحلال شرب الخمر. والمانع من إلحاق حكم الكفر بهم هو تأولهم الآية القرآنية المذكورة على غير وجهها، وهو تأول سائغ في الجملة، وإن كان باطلا كما لا يخفى من تأمل سبب نزول الآية وما ذكره فيها أئمة التفسير. ثم إن الصحابة أجمعوا أيضا على أن هؤلاء المستحلين، لو أصروا على الاستحلال بعد إقامة الحجة عليهم، لوجب إقامة الحد عليهم. وهذا الإجماع المذكور ليس خاصا بالصحابة، فقد قال شيخ الإسلام ﵀:" وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك" (٢) . ولعل مستند هذا الإجماع النصوص الدالة على رفع المؤاخذة عند الخطأ، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وغيرها، والله أعلم.

стр. 109

وفي تقرير هذه القاعدة ودليلها يقول ابن تيمية ﵀: " ... أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئد، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل" (١) . ويقول في موضع آخر، يجمع فيه جل موانع التكفير:" والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بلإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا" (٢) . ولكن هذا التأويل لا يكون مانعا من التكفير إلا إن كان سائغا ومقبولا في الجملة، وذلك بأن تجيزه قواعد اللسان العربي، وبأن يكون له وجه معتبر في قواعد الشرع. يقول الحافظ ابن حجر ﵀: " قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم" (٣) . فإن عدم أحد هذين الشرطين، لم يمنع التأويل تنزيل حكم الكفر. لذلك أجمع أهل العلم على تكفير الباطنية ومن نحا نحوهم من الروافض وغلاة الصوفية والقرامطة، وأهل الإلحاد والزندقة وأصحاب المقالات الإبليسية، مع أنه لا تخلو طائفة من هذه الطوائف من تأويلات للنصوص الشرعية، ولكنها تأويلات باطلة غير مقبولة.

стр. 110

ومن أمثلة هذه التأويلات ما ينقله أبو حامد الغزالي في " فيصل التفرقة"، إذ يقول: " ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أن المخالف قد يخالف نصا متواترا، ويزعم أنه مؤول، مثاله: ما في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحدا في نفسه، وموجودا وعالما على معنى اتصافه فلا، وهذا كفر صراح، لأن حمل الوحدة على اعطاء الوحدة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلا ... فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات" (١) . وبالجملة، فإن تأويلات الباطنية وأضرابهم، مما يطول تتبعه، وفيما ذكرت آنفا غنية وكفاية. والله أعلم. ??? قلت في النظم: أو عن بلاد شرعنا قد بعدا وإن أتى الدواهي العظاما إذ كل قادر ملوم، فافهم ومن يكن حديث عهد بالهدى يعذرْ بجهله فلا ملاما وشرطه عجز عن التعلم الشرح: (ومن) اسم شرط جازم، يجزم فعلين (يكن) فعل الشرط مجزوم (حديث عهد بالهدى) أي بالإسلام أي لم يسلم إلا من مدة قريبة (أو) يكن (عن بلاد شرعنا) معاشر المسلمين (قد بعدا) أي: كان يعيش في منطقة بعيدة عن البلاد التي تستفيض فيها المعرفة بشعائر الإسلام (يعذر) جواب الشرط مجزوم (بجهله فلا ملاما) ولا حساب ولا مؤاخذة، وألف "ملاما" لإطلاق القافية. (وإن أتى) أي: قال أو فعل (الدواهي) جمع داهية، وهي الطامة والمصيبة (العظاما) نعت للدواهي. (وشرطه) أي: شرط العذر بالجهل هو (عجز عن التعلم) أي: عدم القدرة على دفع الجهل عن نفسه، ثم ذكرت العلة بقولي: (إذ كل قادر ملوم) ومحاسب، لأن القدرة مناط التكليف، (فافهم) تكملة للبيت. المانع الثالث: الجهل.
следующие страницы →