← Акыда

Акыда · id 8590

الحوادث والبدع

أبو بكر الطرطوشي

Полный текст (156 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يدخل في الدين ما ليس منه. وقد كنت ببيت المقدس، فإذا يوم عرفة؛ حبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة! وكنت أسمع هناك سماعا فاشيا منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام! ! وروى المالكي في كتاب " رياض النفوس ": " أن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي كان يغير في القيروان على موضع ناس حاكة، فإذا كانت أيام العشر؛ يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل، فنهاهم، فلم ينتهوا، ثم نهاهم، فلم ينتهوا، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". قال: " فدعا الله عليهم، فانقرضوا، وخربت ديارهم برهة من الزمان ". ١١ - فصل في منتصف شعبان قال الله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ .

стр. 107

اعلموا - رحمكم الله - أن لأهل العلم في هذه الليلة قولين: فقال بعضهم: هي ليلة النصف من شعبان. واستدلوا بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلتها، وصوموا يومها؛ فإن الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له؟ ألا مبتلى فأعافيه؟ ألا مسترزق فأرزقه؟ ألا كذا؟ ألا كذا؟ ... حتى يطلع الفجر» . وهذا مذهب عكرمة مولى ابن عباس؛ قال: " هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد ". وروى عثمان بن المغيرة؛ قال: قال النبي ﷺ : «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، ولقد خرج اسمه في الموتى» .

стр. 108

وقال قتادة، وابن زيد، ومجاهد، والحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأكثر علماء العراق: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم أنزله على نبيه في الليالي والأيام. قالوا: فيبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كل أجل وعمل ورزق وما يكون في تلك السنة. قال سعيد بن جبير: " يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد، ولا ينقص ". وقال هلال بن يساف: " انتظروا القضاء في شهر رمضان ". وعلى هذا القول علماء المسلمين. وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم؛ قال: " ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها ". وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: " لوسمعته وبيدي عصا؛ لضربته ".

стр. 109

وكان زياد قاصا. والدليل على صحة هذا القول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ . وهذه الكناية كناية عن غير مذكور؛ إلا أنه قد جرى في قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ... ؛ نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله جبريل ﵇ على النبي محمد ﷺ نجوما. وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. ألا تراه سماها مُبَارَكَةٍ، وإنما البركة من خصائص ليلة القدر؛ من أنها خير من ألف شهر، فهذا هو الخير والبركة والمغفرة؟ والاشتقاق يقتضيه أيضا؛ لأنه مأخوذ من التقدير، فتقدر فيها الأشياء؛ أي: يقضي الله تعالى فيها قضاء السنة كلها. وقيل: ليلة العظمة والشرف وعظم الشأن؛ من قولك: رجل له قدر؛ يقال: قدرت فلانا؛ أي: عظمته؛ قال الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

стр. 110

؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وهذا تأويل الزهري. وقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة عند الله تعالى؛ لأنه مقبول. وقيل: سميت بذلك لأن من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر إذا أحياها. وهذه المعاني هي تحقيق البركة، فأما مجرد فصل القضاء، وفرق كل أمر حكيم؛ فهو عمل الله تعالى. فبان بهذا أن قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ؛ إنما أراد به ليلة القدر. وقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ؛ أي يفصل ويبرم، هو المعنى الذي ذكرناه في معنى القدر. وأخبرني أبو محمد المقدسي؛ قال: " لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في أول سنة (٤٤٨) ثمان وأربعين وأربع مائة: قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابُلُس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام، فصلى في

стр. 111

المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث، ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة! ! ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد. وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة إلى يومنا هذا "! فقلت له: فأنا رأيت تصليها في جماعة؟ قال: " نعم؛ وأستغفر الله منها "! قال: " وأما صلاة رجب؛ فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربع مائة، وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها قبل ذلك ". ١٢ -[فصل مسجد مكة] وروى الأزرقي في " كتاب مكة " بإسناده عن عثمان الأسود؛ قال: " كنت مع مجاهد، فخرجنا من باب المسجد، فاستقبلت الكعبة، فرفعت يدي، فقال: لا تفعل! إن هذا لفعل اليهود ". وروى أيضا بإسناده عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ؛ قال: " إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يأمروا بمسحه، ولقد

стр. 112

تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق وانماح ". ١٣ - فصل في رجب نذكر أولا الأشهر الحرم وخصائصها وصيامها وقيامها، وهل أحكامها منسوخة أم لا؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ، وهن: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. ومعنى حُرُمٌ: تعظم انتهاك المحارم فيها بأشد مما تعظم في غيرها. وكانت العرب تعظمها حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه؛ لم يهجه، وكانوا يسمون رجبا: (منصل الأسنة) ؛ ينزعون فيه الأسنة من الرماح؛ توقيا للقتال. وأصل هذا اللفظ من (الحرام) ، و (الحرام) : المحظور بعض أحواله، فالأم حرام؛ لحظر نكاحها، والخمر حرام؛ لحظر شرابها والاتخاذ لها والمعاملة بها، والمسجد الحرام؛ لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله بما يبتذل به غيره.

стр. 113

وأما قوله تعالى في أول (براءة) : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ . . .؛ ففيه قولان: أحدهما: أن المراد بها هذه بعينها. والثاني: أن المراد بها الأربعة التي جعل الله لهم أن يسيحوا فيها آمنين، وهو قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ، وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم، وصفر، وربيع، وعشر من ربيع الآخر. قاله الحسن. فأما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فقال ابن عباس: " الضمير عائد على الشهور كلها ". وقال قتادة: " بل هو عائد على الأربعة الحرم؛ لعظم أمرها ". فإن قيل: لم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟ قلنا: أفعال القديم عندنا لا تعلل؛ لأنه تعالى لا يفعل لغرض وعلة، ومن لا يفعل لغرض وعلة؛ لا يجوز أن يقال فيه: لم فعل؟ ولم لم يفعل؟ وأصحاب اللطف يجيبون عن ذلك؛ لما في ذلك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها؛ لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسا؛ لانطفاء النائرة في تلك المدة، وانكشاف الحمية، ولأن

стр. 114

الأشياء تجر إلى أشكالها، وتباعد من أضدادها. وإنما سمي رجب [بذلك] ؛ لأنهم كانوا يرجبونه؛ أي: يعظمونه؛ يقال: رجَّبْته ورجَبْته؛ بالتشديد والتخفيف؛ أي: عظمته. قال الكميت: ولا غيرهم أبقى لنفسي جنة ... ولا غيرهم ممن أجل وأرجب وقيل: سمي بذلك لترك القتال فيه؛ من قولهم: رجل أرجب؛ إذا كان أقطع لا يمكنه العمل. وفي الحديث: «إن في الجنة نهرا؛ يقال له: رجب، ماؤه أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب؛ شرب منه» .

стр. 115

﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ قال ابن عباس: " باستحلال القتل والغارة في جميع شهور السنة ". وقيل في التفسير: " ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ في الأشهر الحرم؛ بالعمل بمعصية الله تعالى، وترك طاعته ". وقال محمد بن إسحاق بن يسار: " لا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا؛ كما فعل أهل الشرك، وهي النسيء ". قال قتادة: " إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم، والظلم والذنب فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما شاء، ويصطفي من خلقه من شاء ". واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم: فقال قتادة وعطاء الخرساني: " كان القتال كبيرة من الكبائر في الأشهر الحرم، ثم نسخ وأحل القتال فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ؛ يقول: فيهن وفي غيرهن ". وقال الزهري: " كان النبي ﷺ يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله تعالى من تحريم ذلك، حتى نزلت ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . . .، فأحل قتال

стр. 116

المشركين ". قال محمد بن إسحاق: " فسألت سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام؟ فقال: هذا منسوخ، ولا بأس فيه وفي غيره؛ لأن النبي ﷺ غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وفي بعض ذي القعدة ". وهذا واضح في استحلاله ونسخه. وقيل: إنه غير منسوخ. قال ابن جريج: " حلف عطاء بن أبي رباح بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في المحرم، ولا في الأشهر الحرم؛ إلا أن يقاتلوا فيها، وما نسخت ". قال ابن حبان: " نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة ". * فأما فضل صيامها: فروى أبو داود «أن النبي ﷺ قال لرجل قد غيره طول الصيام: لمَ عذَّبت نفسك؟ صم شهر الصبر، ويوما من كل شهر. قال: زدني؛ فإني فيَّ قوة.»

стр. 117

«قال: صم يومين. قال زدني؛ فإن في قوة. قال: صم ثلاثة أيام. قال: زدني؛ فإن في قوة. قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك» . انظر في السند؛ فإنه يرويه عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن سعيد الجُريري عن أبي السليل عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها عن النبي ﷺ ! وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل» . قال عثمان بن حكيم: " سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب؟ فقال: أخبرني ابن عباس «أن النبي ﷺ كان يصوم حتى نقول: إنه لا يفطر، ويفطر حتى نقول: إنه لا يصوم» . وروى مالك والبخاري ومسلم عن عائشة «أن النبي ﷺ ما كان يخص شهرا من السنة بصوم» . وروى ابن وضاح أن عمر بن الخطاب كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجبا كله.

стр. 118

قال أبو محمد بن أبي زيد: " وكره ابن عباس صيام رجب كله؛ خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض ". وروي أن ابن عمر كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب؛ كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه أهل الجاهلية. وعن ابن عباس: " لا تتخذوا رجبا عيدا؛ إذا أفطرتم قضيتموه ". وعن أبي بكر أنه دخل على أهله وقد أعدوا لرجب، فقال: " ما هذا؟ قالوا: رجب؛ نصومه. فقال: أجعلتم رجبا كرمضان؟ ! ". وقد ورى ابن عباس: «أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب» . والله أعلم بصحة هذا الخبر؛ لأنه ليس على شرط الصحة. وروى الفاكهي في " كتاب مكة " بإسناده عن خرشة بن الحر؛ قال: " رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أيدي أو أكف الناس في رجب

стр. 119

إذا رفعوها حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا؛ فإن رجبا كان أهل الجاهلية يعظمونه ". وروى أيضا بإسناده عن ابن عباس؛ قال: لا تتخذوا رجبا عيدا ترونه حتما مثل شهر رمضان، إذا أفطرتم منه صمتم. دلت هذه الآثار على أن الذي في أيدي الناس من تعظيمه إنما هي غبرات من بقايا عقود الجاهلية. وروى مسلم في " صحيحه ": " أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر: بلغني أنك تحرم صوم رجب! فقال لها ابن عمر: فكيف بمن يصوم الأبد؟ ! ". وقديما حرف العامي على الخاص: هذا ابن عمر كان يكره صوم رجب كله؛ إما حذرا أن يعتقد الجاهل أنه مفروض، وإما حذرا أن يعتقده سنة ثابتة موقتة، فقال الناس: حرم ابن عمر صيام رجب. وهذا التحريف ديدن الناس اليوم. والله المستعان! وفي الجملة: أنه يكره صومه على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام؛ حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة - مع ظهور صيامه - أنه فرض كرمضان. أو: أنه سنة ثابتة خصه الرسول بالصوم كالسنن الراتبة.

стр. 120

أو: أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور، جار مجرى صوم عاشوراء، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض، ولو كان من باب الفضائل؛ لسنه ﵇ أو فعله ولو مرة في العمر؛ كما فعل في صوم عاشوراء، وفي الثلث الغابر من الليل، ولما لم يفعل؛ بطل كونه مخصوصا بالفضيلة، ولا هو فرض ولا سنة باتفاق، فلم يبق لتخصيصه بالصيام وجه، فكره صيامه والدوام عليه؛ حذرا من أن يلحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام. فإن أحب امرؤ أن يصومه علي وجه تؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا يعد فرضا أو سنة؛ فلا بأس بذلك. ١٤ - فصل في جوامع من البدع روى محمد بن وضاح؛ قال " كان نافع يكره الضج مع الإمام حين يقرأ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ، ونحوه، وكرهه سفيان ". وقال المعرور بن سويد: " خرجنا حجاجا مع عمر بن الخطاب، فلقينا مسجدا، فجعل الناس يصلون فيه، فقال عمر: أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم باتباع مثل هذا حتى اتخذوها بيعا، فمن عرضت له فيها صلاة؛ فليصل، ومن تعرض له صلاة؛ فليمض ".

стр. 121

وروى مالك: " أن عمر بن الخطاب ضرب المنكدر على صلاة بعد العصر ". ورواه غيره: " فقيل له: أعلى الصلاة؟ قال: " على خلاف السنة ". وقال ابن عباس: «قال لي النبي ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: هات القط! . فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف، فقال: مثل هذا - ثلاث مرات - وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» . وقال مالك في " المدونة ": " بلغني أن بعض أصحاب النبي ﷺ كانو يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة؛ كما تركت اليهود والنصارى في

стр. 122

السبت والأحد ". وروى أستاذنا القاضي أبو الوليد في " المنتقى " أن ابن عمر حضر جنازة، فقال: " لتسرعن بها وإلا رجعت! ". انظروا - رحمكم الله - لما ترك الإسراع - وهو سنة -؛ هم ابن عمر بالانصراف، ولم ير أن قيراطين من الأجر بقيا بترك سنة من سنن النبي ﷺ ! وسئل مالك: هل يقول عند أضحيته: اللهم منك وإليك؟ فقال: " لا، وهذة بدعة ". قال مالك بن أنس: " وليس أيضا هذا موضع الصلاة على النبي ﷺ ". قال مالك بن أنس: " وقول الناس: يبدأ بيمين النعش؛ هذه بدعة ". وقال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب: «ما أخوف ما تخاف على أمة محمد ﷺ ؟ قال: أئمة مضلين. قال: صدقت، قد أسر إليَّ ذلك رسول الله ﷺ » .

стр. 123

وقال سهل بن عبد الله: " آخر عقوبة يعاقب بها ضلال هذه الأمة: كفر النعم، واستحسان المساوئ ". وقال مالك ﵀: " دخلت يوما على ابن هرمز، فذكر شرائع الإسلام، وما انتقض منه، وما يخاف من ضيعته ... وإن دموعه لتسيل على لحيته ". قال مالك: " وأخبرني من دخل على ربيعة، فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أدخلت عليك مصيبة؟ قال: لا، ولكن استفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم ". وقال يسار أبو الحكم: " خرج رهط من القراء؛ منهم معضد، وعمر بن عتبة، حتى بنوا مسجدا بالنخيلة قريبا من الكوفة، فوضعوا جرارا من ماء، وجمعوا أكواما من الحصباء للتسبيح، ثم أقاموا في مسجدهم يتعبدون، وتركوا الناس، فخرج إليهم ابن مسعود، فقالوا: مرحبا بأبي عبد الرحمن! انزل. فقال: والله ما أنا بنازل حتى يهدم مسجد الخبال هذا. فهدموه، ثم قال لهم: والله إنكم لتمسكون بذنب ضلالة، أو أنتم أهدى ممن كان قبلكم؟ أرأيتم لو أن الناس كلهم صنعوا ما صنعتم؛ من كان يجمعهم لصلاتهم في مساجدهم، ولعيادة مرضاهم، ولدفن موتاهم؟ ! فردهم إلى الناس ". وقال ابن مسعود: " إن منكر اليوم لمعروف قوم ما جاؤوا بعد، وإن معروف اليوم لمنكر ما جاؤوا بعد ".

стр. 124

وقال حسان بن عطية: " ما من قوم يحدثون في دينهم بدعة؛ إلا نزع الله من دينهم من السنة مثلها، ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة ". وكان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى الإماء عن لبس الإزار؛ يقول: " لا تتشبهن بالحرائر ". وقال لابنه عبد الله: " ألم أخبر أن جاريتك لبست الإزرار؟ لو رأيتها؛ لأوجعتها ضربا ". ومعلوم أن هذه سترة، ولكن فهموا أن مقصود الشرع المحافظة على حدوده، وأن لا يظن الناس أن الحرة والأمة في الستر سواء، فتموت سنة وتَحْيَى بدعة. وقال الحسن: " حسب المرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دينه أو دنياه ".

стр. 125

فقيل: يا أبا سعيد إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع. قال: " يقولون ماذا؟ ". قال: يقولون: هذا الحسن رجل صالح. فقال: " الحمد لله الذي ستر القبيح وأظهر الجميل؛ إنما أريد بذلك البدع في الدين والفسوق في الدنيا ". فأخبر أن الشهرة ليست في الأصلح. قال عوف بن مالك الأشجعي: «نظر رسول الله ﷺ إلى السماء، فقال: هذا أوان يرفع العلم. فقال له رجل: يا رسول الله! كيف يرفع العلم وقد أثبت في الكتب، ووعته القلوب؟ فقال: إن كنت لأحسبك أفقه أهل المدينة. ثم ذكر اليهود والنصارى وضلالتهم على ما في أيديهم من كتاب الله تعالى» . قال عوف: " ألا أخبركم بأول ذلك؟ يرفع الخشوع حتى لا يرى خاشع ".

стр. 126

ومعنى قوله ﷺ : «هذا أوان يرفع العلم» ؛ أى: قد قرب. وروى محمد بن وضاح: " أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها، فخاف عمر الفتنة عليهم ". قال: " وكان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحدا. ودخل سفيان بيت المقدس، وصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضا ممن يقتدى به ". قال محمد بن وضاح: " فكم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى، وكم من متحبب إلى الله بما يبغضه الله عليه، ومتقرب إلى الله بما يبعده منه، وكل بدعة زينة وبهجة ". وسئل سفيان الثوري عمن يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ؛ لا يقرأ غيرها، فكرهه، وقال: " إنما أنزل القرآن ليقرأ، ولا يخص شيء دون شيء، وإنما أنتم متبعون، ولم يبلغنا عنهم مثل هذا ".

стр. 127

وسئل مالك بن أنس عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعة مرارا؟ فكرهه، وقال: " هذا من محدثات الأمور ". وقال الأوزاعي: " بلغني أن من ابتدع بدعة؛ خلاه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء؛ لكي يصطاد به ". وقال بعض الصحابة: أشد الناس عبادة مفتون. واحتج بقول النبي ﷺ في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته، وصيامه في صيامه، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرَّميَّةِ» . وقال حذيفة: " كل عبادة لم يتعبدها أصحاب النبي ﷺ ؛ فلا تتعبدها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا يا معشر القراء! وخذوا بطريق من كان قبلكم ". وقال مجاهد: " كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر أو العصر، فقال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة ". ومعنى التثويب: هؤلاء الذين يقومون على أبواب المساجد، فينادون: الصلاة، الصلاة. وقال علي: " كان للمجوس كتاب كانوا يدرسونه، فوقع ملكهم على

стр. 128

أخته، فأرادوا إقامة الحد عليه، فامتنع، وقال: لا أعلم دينا خيرا من دين آدم، وإنه زوج ابنه من ابنته، ولا أرغب بكم عن دينه. ثم أمر أهله، فقاتلوا القوم، فأسري بكتابهم، ورفع العلم من صدروهم ". وكان يجلس إلى سفيان الثوري فتى كثير التفكر، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه؛ ليسمع كلامه، فقال: " يا فتى! إن من كان قبلنا مروا على خيل عتاق، وبقينا على حمر دبرة ". فقال: " يا أبا عبد الله! إن كنا على الطريق؛ فما أسرع لحوقنا بهم! ". قال مالك: " ولم تكن القراءة في المصحف في المسجد من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج ". قال: " وأكره أن يقرأ في المصحف ". * ومن البدع اجتماع الناس بأرض الأندلس على ابتياع الحلوى ليلة سبع وعشرين من رمضان. وكذلك على إقامة (ينير) بابتياع الفواكه؛ كالعجم، وإقامة

стр. 129

العنصرة، وخميس إبريل؛ بشراء المجبنات والإسفنج، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعا أو أشتاتا مع النساء مختلطين للتفرج. وكذلك يفعلون في أيام العيد، ويخرجون للمصلى، ويقمن فيه الخيم للتفرج لا للصلاة. ودخول الحمام للنساء مع الكتابيات بغير مئزر، والمسلمين مع الكفار

стр. 130

في الحمام والحمام من البدع، ومن النعيم. ورجع الناس ينافسون في الضحية؛ للافتخار لا للسنة، ولا لطلب الأجر، بل لإقامة الدنيا. * ومن البدع قراءة القارئ يوم الجمعة عشرا من القرآن عند خروج السلطان. وكذلك الدعاء بعد الصلاة. وقراءة الحزب في جماعة. وقراءة سورة الكهف بعد العصر في المسجد في جماعة. وكذلك قول من يقول عند قيام الإمام في المحراب قبل تكبيرة الإحرام: اللهم أقمها وأدمها ما دامت السماوات والأرض!

стр. 131

وهذا دعاء المحال؛ لأن ما بقي لقيام الساعة أقل مما مضى؛ بدليل قوله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وقرن السبابة والوسطى. * ومن البدع: اتخاذ الألوان، والأكل على الخوان. واستعمال الطيب في آنية الفضة - ويرجع من الوليمة عند رؤية آنية الفضة -. * ومن البدع: الإنذار للعروس وللجنازة؛ للمباهاة، والتفاخر لكثرة الناس. وكذلك الإنشاد ورفع الصوت عند حمل الجنازة. * ومن البدع: السؤال في المسجد، والكلام، ولا سيما والإمام

стр. 132

يخطب للجمعة. وكذلك الإنذار للصلاة قبل الإمام وبعده. وعمل التوابيت للموتى. وحفر القبر دون لحد. وكذلك الاجتماع لغير ذكر الله في المسجد. وكذلك تقديم اللحم على الفاكهة، والله تعالى يقول: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، - والأولى استعمال أدب القرآن، وتقديم ما قدم الله، وتأخير ما أخر الله -. وأكل اللحم من غير نهش.

стр. 133

وشرب الماء غير مص. واستعمال السواك غير عرض. والأكل بأزيد من ثلاثة أصابع مكروه. قال: وأرى أن يقاموا من المسجد إذا اجتمعوا فيه للقراءة في يوم الخميس أو غيره. قال مالك في " مختصر ما ليس في المختصر ": " ولا تكتب المصاحف بالذهب، ولا تعشر به، ولا تزوق ". قال: " ومن قرأ منكوسا أدب، والذى يقرأ السورة من آخرها إلى أولها يؤدب ". قال أبو وائل: " جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إن رجلا يقرأ القرآن منكوسا. فقال: ذلك منكوس القلب ".

стр. 134

قال: " ولا يتخذ على القبور مساجد، ويكره أن يبنى على القبور بالحجارة ". قال ابن شعبان: " معناه البلاطة التي ينقش فيها عند رأس الميت ". واعلم أنه روى البخارى: «أن النبي ﷺ جعل حجرا عند قبر عثمان بن مظعون، وقال: أتَعَلَّمُ بهِ قبرَ أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» . وهذا دليل على استحسان جعل الأحجار على القبور علامة، وحمل قول مالك على ظاهره، وأن لا تبنى القبور بالحجارة؛ لأنه قد ثبت «أن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء» . رواه أبو داود في " السنن ". ولا يتمسح بقبر النبي ﷺ ، ولا يمسح كذلك المنبر، ولكن يدنو من المنبر، فيسلم على النبي ﷺ ، ثم يدعو مستقبلا القبلة؛ يوليه ظهره - وقيل:

стр. 135

لا يوليه ظهره - ويصلي ركعتين قبل السلام عليه. وقيل: واسع أن يسلم عليه قبل أن يركع. قال: " ويكره السجع في الدعاء وغيره، وليس من كلام الماضين ". وروى ابن وهب عن عروة بن الزبير أنه كان إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي ﷺ وعن أصحابه؛ قال: " كذبوا، لم يكن رسول الله ﷺ ولا أصحابه سجاعين ". وروى البخاري في " صحيحه " أن ابن عباس قال لعبيد بن عمير: " اقصص يوما ودع يوما، ولا تمل الناس، وإياك والسجع في الدعاء؛ فإن النبي ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك "؛ أي: ترك السجع. قال مالك: " ويقول الداعي في دعائه: اللهم يا رحمن! يا رحيم! ... أحب إلينا من قوله - كما جاء في القرآن -: اللهم ... فقط ". قال: " ولا يؤذن بالجنائز على أبواب المساجد ". قال: " ولا بأس أن يمشي في الخلق يذكر ذلك في خفية ". قال: " ولا يصاح عليها في الطريق ". قال: " ولا يعزى المسلم بقريبه الكافر؛ لقول الله تعالى:

стр. 136

﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: " ولا أعرف رش القبور بالماء حين يفرغ من دفن الميت ". قال: " ولا بأس أن ينزل في القبر بخفيه ونعليه ". قلت: وإن الناس ليقبلون القصة اليوم. وقال غير مالك - وهو الشافعي -: " من بنى مسجدا في طريق واسع بغير إذن الإمام؛ فإن كان لخاصة نفسه؛ لم يجز، وإن كان لجماعة المسلمين، فصدمه إنسان، فمات؛ ففي وجوب الضمان عليه قولان. وكذلك لو حفر بئرا في طريق المسلمين لمنفعة جميعهم؛ مثل أن يحفر بئرا لماء المطر أو نحوه. وكذلك إذا سقف مسجدا فوقع على إنسان، أو فرش حصيرا في المسجد فعثر فيه إنسان، أو وضع فيه جذعا أو رفا، فوقع على إنسان، فإن كان بإذن الإمام؛ فلا ضمان عليه، وإن كان بغير إذنه؛ ففي الضمان قولان ". قال أصحاب الشافعي: " إذا بالت دابة في الطريق، فزلق فيه إنسان، وسقط، ومات؛ وجبت ديته على عاقلة من يده على الدابة؛ سواء كان راكبها،

стр. 137

أو قائدها، أو ساقيها. وكذلك إذا رش ماء في الطريق ليزيل شعثه، فزلق به إنسان، أو طرح فيه قشور بطيخ أو غيره، فزلق به إنسان؛ فإن الدية على عاقلته ". ١٥ - فصل من لطيف الكلام في هذا الباب هل الأفضل أن تتحرى النوافل من المواضع التي كان يتحراها رسول الله ﷺ أم لا؟ قال مالك في " مختصر ما ليس في المختصر ": " فأما موضع النافلة في مسجد النبي ﷺ ؛ فالأفضل موضع مصلاه ". وقد قيل: إنه أبى أن يحد لموضع منه في النافلة استحباب. ١٦ - شرح وهذان قولان في تعيين محل الفعل: أحدهما: لا يتعين للفضيلة، وإليه صار عمر بن الخطاب، فروى المعرور بن سويد؛ قال: " صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ . . .، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فهم يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة

стр. 138

منكم في هذه المساجد؛ فليصل، ومن لا؛ فليمض ولا يتعمدها ". وهكذا أيضا أرسل عمر، فطمس موضع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب الشجرة. وقد ذكرناه. والقول الثاني: يتعين للفضيلة، وبه قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع. «أما سلمة؛ فكان يصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقال له يزيد بن أبي عبيد: أراك تتحرى الصلاة ها هنا؟ قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها» . وأما ابن عمر؛ فروي عنه أنه جاء إلى مسجد بني معاوية من الأنصار، فقال: أين صلى النبي ﷺ من مسجدهم؟ ثم صلى فيه ابن عمر. سأل ابن عمر بلالا: أين صلى النبي ﷺ يوم دخل الكعبة؟ فصلى فيه. وكذلك فعل في مسجد قباء. وروى البخاري: قال موسى بن عقبة: " رأيت سالما - ابن عبد الله - يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه

стр. 139

رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة ". قال موسى: " وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة ". وقد روي «أن ابن عمر أدار راحلته في الطريق مرتين أو ثلاثا، فسئل عن ذلك؟ فقال: رأيت النبي ﷺ أدار راحلته» . وأصل هذا الباب أن زمان الفعل ومكانه وقرائنه كل ذلك شرط في الفعل؛ وجوبا أو استحبابا. وقد بيناه في أصول الفقه. ١٧ - فصل في قراءة القرآن بالإدارة قال مالك في " مختصر ما ليس بالمختصر " لابن شعبان: " ولا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة؛ كما يفعل أهل الإسكندرية، هذا مكروه ولا يعجبنا ". قال: " ويكره أن يقرئ المقرئ جماعة ". ثم خفف للجماعة بعد. وذكر في " المنتقى "؛ قال: " سئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، فكل قارئ منهم يقرئ العصبة يفتح عليهم؟ قال: إنه حسن، لا بأس به ".

стр. 140

وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: " يقرأ ذا ويقرأ ذا، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ". قال: ولو كان يقرأ واحد ويستثبت من يقرأ عليه، أو يقرأ عليه واحد بعد واحد؛ لم أر به بأسا ". وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يقرأ في الإسكندرية، وهو الذي يسمى الإدارة؛ فكرهه مالك، وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ". قال في " مختصر ما ليس في المختصر ": " والذين يجتمعون ويقرؤون سورة واحدة حتى يختموها كل واحد منهم على إثر صاحبه مكروه منكر ". قال: " فلو قرأ أحد منهم منها آيات، ثم قرأ الآخر على إثر صاحبه، والآخر كذلك؛ لم يكن بذلك بأس، هؤلاء يعرضون بعضهم على بعض ". ١٨ - شرح لم يختلف قوله إلا إذا قرؤوا جماعة معا على المقرئ، وسواء على هذا كانوا في سورة واحدة أو سور مختلفة، والمسألتان لا تفترقان؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يمنع قراءة اثنين معا، سواء قرآ على مقرئ في سورة أو سور، أو قرؤوا بالإدارة في سورة. فإن قيل في مسألة الجماعة على المقرئ: قد وجد الإنصات من

стр. 141

المقرئ ولم يوجد في الإدارة! قلنا: قوله تعالى ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ خطاب لجميع الحاضرين، فلو قرأ اثنان وأنصت ألف؛ دخل الاثنان في النهي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ متوجه إليهما. ثم يلزم على هذا إذا قرأ جماعة بالإدارة في سورة واحدة، وواحد منصت يستمع: أن ترتفع الكراهة. فالصواب أن يرد أحد جوابيه إلى الآخر، فيمنع في الموضعين، ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ . فإن قيل: إن هذه الآية إنما نزلت في الصلاة بإحماع العلماء: قال ابن مسعود: " كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فنزلت ". وقال بشير بن جابر: " صلى ابن مسعود، فسمع ناسا يقرؤون مع الإمام، فقال لهم: أما آن لكم أن تفقهوا ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ؟ ". قلنا: من أصلنا أن الخطاب إذا نزل على سبب، وكان مستقلا بنفسه؛ وجب حمله على العموم، ولا يقصر على سببه. فإن قيل: قد قال مالك في " مختصر ما ليس في المختصر ": " من سمع رجلا يقرأ؛ فليس عليه أن يستمع له ".

стр. 142

قال: " ولا حرج على متكلم وقارئ يقرأ ". قال ابن شعبان: " هذا إجماع الأمة، ففيه دليل على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ في الصلاة "! قلنا: معنى هذا إذا قعد جماعة لمعايشهم وأشغالهم، فابتدأ أحدهم بالقراءة من غير إذنهم؛ فليس عليهم أن يستمعوا له، ولهم أن يتكلموا فيما يعنيهم؛ لأن القارئ قد آذاهم وقطعهم عن منافعهم وتجارتهم؛ فقد فعل مكروها. فأما إذا اجتمع القوم للتلاوة والعبادة، أو قرأ القارئ بإذن الجماعة، أو مر الناس إلى مجالس القراء؛ فعليهم أن ينصتوا للقارئ، ولا يتكلموا. فهذا المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ . ألا ترى أن في الخطبة وفي الإمام إذا جهر في الصلاة، ولا يقرأ المأموم ولا يتكلم! وإن كان - أو جاء - رجل يعظك ويقرأ القرآن بحضرتك من غير أن تامره بذلك؛ لم يجب عليك الاستماع، وكان لك أن تتكلم فيما يعنيك. فإن قيل في الصلاة والخطبة: هما واجبان، فكان الاستماع والإنصات واجبين، فأما اجتماع الجماعة للتلاوة فليس بواجب، فلم يكن الإنصات فيه واجبا، فنشأ منه جواز القراءة بالإدارة! قلنا: وإن لم يكن واجبا؛ إلا أن تلاوة القرآن فضيلة ومنقبة، واستماعه أيضا فضيلة، فإذا كان أصل القراءة على وجه مأمور به مندوبا إليه؛ جاز أن يكون الاستماع مأمورا به مندوبا إليه. وقد علل القاضي أبو الوليد المنع من قراءة الإدارة؛ قال: " إنما كرهه مالك للمجاراة في حفظه والمباهاة بالتقدم فيه ".

стр. 143

١٩ - فصل في الاجتماع لقراءة القرآن روى أبو داود في " السنن " عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» . وروى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة يوم القيامة، ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما؛ سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه» . وروى مالك في " الموطإ " عن محمد بن سيرين: " أن عمر بن الخطاب

стр. 144

رضي الله عنه كان في قوم وهم يقرؤون القرآن، فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ فقال له عمر: ومن أفتاك بهذا! أمسيلمة؟ ". فالجواب: أن هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن على معنى الدرس له والتعلم والمذاكرة، وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم، أو يقرأ المعلم على المتعلم، أو يتساويا في العلم، فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة، هكذا يكون التعليم والتعلم؛ دون القراءة معا. وجملة الأمر أن هذه الآثار عامة في قراءة الجماعة معا على مذهب الإدارة، وفي قراءة الجماعة على المقرئ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ خاص في وجوب الإنصات عند القراءة. فإن قيل: الآية خاصة في وجوب الإنصات عند القراءة؛ عامة في المحل، فيخص عمومها، وتحمله على صلاة الجهر وعلى الخطبة؛ بدليل حديثه الخاص، وهو قوله ﷺ : «ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه....» ! قلنا: حديثكم أيضا خاص من وجه، عام من وجه، فخصوصه في تدارس القرآن، وعمومه في وجه التدارس، إذ لم يبين على أي وجه يتلونه ويتدارسونه؛ لأن التدراس يحتمل ما قلتم وقلنا، فنفس الإنصات خصوص غير محتمل، وإنما عمومه في شيء آخر، فأما التلاوة والتدارس؛ فعام في نفسه على ما ذكرناه، فيمضي عليه خصوص آيتنا.

стр. 145

والسر فيه أن قوله ﷺ : " يتلونه ويتدارسونه " خطاب عربي، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم، ورجل واحد يقرأ القرآن؛ لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن ويتدارسونه وإن كانوا كلهم سكوتا. وكذلك لو مر العربي بجماعة اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه ولسماع حديث رسول الله ﷺ ؛ لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم، ويقرؤون العلم والحديث. وإن كان القارئ واحدا. ٢٠ - فصل في التعزية اعلم أن التعزية لأهل المصيبة سنة مرغب فيها، والدليل عليه أن النبي ﷺ قال: «من عزَّى مسلما مصابا؛ كان له مثل أجره» . وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر قال: «قبرنا مع النبي ﷺ ميتا، فلما»
следующие страницы →