Полный текст (156 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
«إن الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطي، ويد المعطى السفلى، فتغنوا ولو بجرم الحشف. اللهم هل بلغت؟» ؛ ثلاثا.
وهذا واضح في صحة قول سفيان.
والقول الثاني: أن المراد به الجهر، حكى أبو سليمان الخطابي: يتغنى؛ إذا أعلى صوته، وزعم أن رجلا منهم قال لآخر: غن يا ابن أخي! يقول: سل حاجتك، وارفع صوتك.
والثالث: تحسين الصوت.
فعلى هذا نقول بموجبه: فإنا نستحب تحسين الصوت، وهو الترتيل والحدر والتحزن.
واستدلوا بما رواه البخاري؛ قال: «سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كان يمد مدا. ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ؛ يمد (بسم الله) ، ويمد (الرحمن) ، ويمد (الرحيم) » .
وقال عبد الله بن مُغَفَّلٍ: «رأيت النبي ﷺ على ناقته وهي تسير وهو يقرأ»
стр. 72
«من سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجع» .
وروى مسلم في " صحيحيه " عن معاوية بن قرة: «سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ النبي ﷺ في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجع في قراءته» .
قال معاوية: " لولا أني أخاف أن يجتمع علي الناس؛ لحكيت لكم قراءته "، وروى أنه كان يقرأ: " آآ آ ".
فالجواب نقول: كل هذا حجة عليكم، إذ ليس فيه للألحان ذكر؛ لأن النبي ﷺ كانت قراءته ترتيلا.
قالت عائشة: «كان النبي ﷺ يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» .
وهذا هو المروي عن أكثر الصحابة، وهو نص القرآن.
وقد سئل مالك عن الهذ في القراءة؟ فقال: " من الناس من إذا هذ؛ كان أخف عليه، وإذا رتل؛ أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهذ، والناس في ذلك على ما يخف عليهم، وذلك واسع ".
стр. 73
قال القاضي أبو الوليد: " ومعنى هذا أنه يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه ويشق عليه، فيقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، فأما من تساوى في حقه الأمران؛ فالترتيل أولى ".
ورأيت أصحاب الشافعي يرفعون الخلاف ويجمعون بين قوليه، فقالوا: الموضع الذي قال: " لا بأس به ": إذا لم يمطط ويفرط في المد، والذي كرهه: إذا أفرط فيه على الوجه الذي بيناه.
وأما الترجيع؛ فإن أراد به ترديد الكلمة؛ مثل أن يتلو آية تخويف أو تحزين فيرددها خوفا أو تخشعا؛ فلا بأس به.
٣ -[فصل
ما لا ينبغي في قراءة القرآن]
وسئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، وكل رجل منهم يقرئ العُصبَة يفتح عليهم؟ قال: " إنه حسن لا بأس به ".
وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: " يقرأ ذا ويقرأ ذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ".
وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية، وهو الذي يسمى القراءة بالإدارة؛ فكرهه مالك وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ".
стр. 74
قال القاضي أبو الوليد: " إنما كرهه للمجاراة في حفظه، والمباهاة بالتقدم فيه ".
وأما القوم يجتمعون في المسجد أو غيره، فيقرأ لهم الرجل الحسن الصوت؛ فإنه ممنوع؛ قاله مالك؛ لأن القراءة مشروعة على وجه العبادة، والانفراد بذلك أولى، وإنما يقصد بهذا صرف وجوه الناس، والأكل به خاصة، ونوع من السؤال به، وهذا مما يجب تنزيه القرآن عنه.
وأما قراءة القرآن في الطرق؛ فقد قال مالك في " العتبية ": " أما الشيء اليسير؛ فلا بأس به، وأما الذي يديم ذلك؛ فلا ".
قال سحنون: " ولا بأس أن يقرأ الراكب والمضطجع ". قيل: فالرجل يخرج من قريته؛ أيقرأ ماشيا؟ قال: " نعم ". قيل فيخرج إلى السوق، فيقرأ في نفسه ماشيا؟ قال: " أكره أن يقرأ في السوق ".
وسئل عن القراءة في الحمام؟ فقال: " ليس الحمام موضع قراءة، وإن قرأ الإنسان الآيات؛ فلا بأس بذلك ".
٤ - فصل
[التفقه في القرآن]
ومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه؛ دون التفقه فيه:
стр. 75
روى مالك في " موطئه ": " أن عبد الله بن عمر مكث في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها ".
قال علماؤنا: معنى ذلك: أنه كان يتعلم فرائضها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها، ووعدها، ووعيدها، وغير ذلك من أحكامها.
وروي عن مالك في " العتبية " قال: " كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب عمر: أن افرض لهم في الديوان. قال: فكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبع مائة رجل. فقال عمر: إني لأخشى أن يسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين. فكتب ألا يعطيهم شيئا ".
قال مالك: " معناه: مخافة أن يتأولوه غير تأويله ".
وهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر؛ فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية، ويثقف حروفه تثقيف القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء، ومحلها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جوابا، وهو يتلو عمره:
стр. 76
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ .
بل لو سألته عن أول درجة، فقلت له: أمر الله تعالى على الوجوب هو؟ أم على الندب والاستحباب؟ أم على الوقف؟ أم على الإباحة؟ فطلبته بفهم هذه الدقائق ووجوهها وترتيبها؛ لم يجد جوابا!
وسئل مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، فقال: " ما أرى هذا ينبغي ".
وإنما وجه إنكاره ما تقرر في الصحابة من كراهة التسرع في حفظ القرآن دون التفقه فيه.
ومن ذلك حديث مالك عن عبد الله بن مسعود: إنكم في زمان كثير فقاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يبدؤون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي زمان قليل فقاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يبدؤون أهوائهم قبل أعمالهم.
وقال الحسن: " إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ، وما تدبر آياته إلا اتباعه بعلمه، أما والله ما هو
стр. 77
بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس [واحد] ، ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء الورعة، متى كان القراء يقولون مثل هذا؟ ! لا كثر الله في الناس مثل هذا ".
قال الحسن: " ولقد قرأ القرآن ثلاثة نفر:
فرجل قرأ القرآن، فأعده بضاعة؛ يطلب به ما عند الناس، من مصر إلى مصر.
وقوم قرؤوا القرآن فثقفوه تثقيف القدح، فأقاموا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به ما عند الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، وما أكثر هذا الصنف من حملة القرآن! لا كثر الله صنفهم تعالى ".
قال: " ورجل قرأ القرآن، فبدأ بدواء ما يعلم من القرآن، فجعله على داء قلبه، فهملت عيناه، وسهر نومه، وتسربل الحزن، وارتدى الخشوع، فبهم يسقي الله الغيث، وينفي العدو، ويدفع البلاء، فوالله لهذا الضرب من حملة القرآن أقل في الناس من الكبريت الأحمر ".
وقد قال الله تعالى فيمن يحفظ الكتب المنزلة من السماء ولا يعلم أحكامها وحلالها وحرامها: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾
стр. 78
كانوا يحفظون التوراة ولا يعلمون ما استودع الله تعالى فيها من الحكم والعبر، فوصفهم الله تعالى بأنه ليس عندهم من ذلك إلا أماني، والأماني: التلاوة، واحدها: أمنية؛ قال الناظم:
تمنى كتاب الله آخر ليلة ... تمني داود الزبور المنزلا
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ، فشبه تالي القرآن من غير أن يفهمه كمثل الحمار يحمل أسفارا، وفيه وجهان:
١ - قال ابن عباس: " كلفوا العمل بها، فأقروا بها، ثم لم يعملوا بما فيها ".
٢ - والثاني: أن هذا من الحمالة والضمان، لا من الحمل على الظهر؛ يقول: حملوا ما في التوراة، ثم لم يرضوا بها.
﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ؛ قال الفراء: " الأسفار: الكتب العظام، واحدها سفر، وهو مأخوذ من الإسفار، قال الله العظيم: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ ؛ لأن الكتاب يسفر عما استودعته فيه؛ فكما أن الحمار يحملها ولا
стр. 79
يدري ما فيها، كذلك التوراة والإنجيل إذا دلتهم على نبوة محمد ﷺ ، ثم لم يقروا به، ولم يعملوا بما فيها من الدلالة على نبوته؛ لم ينفعهم حفظها.
فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا، ثم لا يفهمه، ولا يعمل بما فيه، وفيه قال الناظم:
زوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك لا يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر
فبئس مثل القوم.
وأيضا؛ فقد قال الله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
قال سفيان: " ليس في كتاب الله تعالى آية أشد علي من قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ، وإقامتها: فهمها والعمل بها ".
стр. 80
٥ -[فصل
كتابة القرآن]
ومن ذلك ما روي في " المستخرجة "؛ قال: " كره مالك أن يكتب القرآن أسداسا وأسباعا في المصاحف، وشدد فيه الكراهية، وعابه ".
قال: " قد جمعه الله تعالى، وهؤلاء يفرقونه ".
قيل لمالك: هل يكتب في السورة عدة آيِهَا؟ فكره ذلك في أمهات المصاحف، وكره أن يشكل أو ينقط. فأما ما يتعلم فيه الصبيان وألواحهم؛ فلا بأس به.
قيل لمالك: فما كتب اليوم من المصاحف؛ يكتب على ما أحكم الناس من الهجاء اليوم؟ قال: " لا، ولكن يكتب على الكتابة الأولى ".
قال: " وبيان ذلك أن براءة لم يوجد في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فتركت؛ لئلا يوضع شيء في غير موضعه، ويكتب في الألواح في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، سواء بدأ بأول [الـ] سورة أو غيره؛ لأنه لا يجعل إماما ".
قيل لمالك: كيف قدمت السور الكبار في التأليف وقد نزل بعضه قبل بعض؟ قال: " أجل! ولكن أراهم إنما ألفوه على ما كانوا يسمعون من قراءة النبي ﷺ ".
стр. 81
قال: " وكره مالك علم الأعشار في المصاحف بالحمرة ونحوه، وقال: يعشر بالحبر ".
وقال غيره: أول من أحدث الأعشار والأخماس وكتب أوائل السور بالحمرة الحجاج بن يوسف.
٦ - فصل
فيما أحدث من الحوادث والبدع في المساجد
فمن ذلك المحاريب:
روى عبد الرزاق في: " مصنفه "؛ قال: " جاء الحسن إلى ثابت البناني يزوره، فحانت الصلاة، فقال: تقدم يا أبا سعيد. فقال الحسن: بل أنت تقدم. قال ثابت: والله لا أتقدمك أبدا. فتقدم الحسن واعتزل الطاق أن يصلي فيه ".
قال: " وكره الصلاة في طاق الإمام: النخعي، وسفيان الثوري، وإبراهيم التيمي ".
قال الضحاك بن مزاحم: " أول شرك كان في أهل الصلاة هذه
стр. 82
المحاريب ".
وصلى في طاق الإمام: سعيد بن جبير، ومعمر.
وروي أن النبي ﷺ قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» .
قال ابن عباس: أما والله لتزخرفنها.
وروي «أن أبي بن كعب وأبا الدرداء ذرعا المسجد، ثم أتيا النبي ﷺ بالذراع، فقال النبي ﷺ : بل عريش كعريش موسى: ثمام وخشب، فالأمر أعجل من ذلك» .
وروى البخاري في " صحيحه " أن عمر أمر ببنيان مسجد، وقال: أكن الناس من المطر، إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس! .
وقال أيضا: أليس يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا.
стр. 83
وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.
وقال أبو الدرداء: " إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم؛ فالدبار عليكم ".
وقال حوشب الطائي: " ما أساءت أمة أعمالها؛ إلا زخرفت مساجدها، ولا هلكت أمة قط؛ إلا من قبل علمائها ".
وقال علي: " إن القوم إذا زينوا مساجدهم؛ فسدت أعمالهم ".
وأصل الزخرف الذهب، وإنما يعني به تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه؛ إذا موهه وزينه بالباطل.
والمعنى في ذلك: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص بالعمل، فصار أمركم إلى المراءاة في
стр. 84
المساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها.
ومر ابن مسعود على مساجد منقشة بالكوفة، فقال: " من بنى هذا أنفق مال الله في معصيته ".
وكان يقول: " سيأتي بعدكم قوم يرفعون الطين ويضعون الدين، ويسمنون البراذين، ويصلون في قبلتكم ".
وروى ابن وهب عن مالك، قال: لقد كره الناس يوم بني المسجد حين عمل بالذهب والفسيفساء - يعني: الفصوص - ورأوا أن ذلك مما يشغل الإنسان في صلاته بالنظر إليه ".
قال مالك: " وكان الوليد بن عبد الملك بنى المسجد بناء عجيبا ".
قال ابن القاسم: " وسمعت مالكا يذكر مسجد المدينة وما عمل فيه من التزويق في قبلته، فقال: كره الناس ذلك حين فعله؛ لأنه يشغلهم بالنظر إليه. ولما ولي عمر بن عبد العزيز؛ أراد نزعه، فقيل له: إنه لا يخرج منه كبير شيء من الذهب، فتركه ".
وروى سعيد بن عفير في " تاريخه ": " أن عمر بن عبد العزيز أمر بمسجد دمشق أن ينزع ما فيه من الفسيفساء ومذهبة، وبيعه، وإدخال ثمنه في بيت المال، فكلمه كبراء أهل دمشق، وأخبروه بما لقي المسلمون في بنائه مع الوليد السنين الطويلة، وحمل فسيفسائه من أرض الروم، فأمر أن تستر عجائبه
стр. 85
بالكرابيس - يعني: ثياب القطن الغلاظ -؛ لئلا يلهي المصلي ".
وإنما فعل ذلك حين حاجه الدمشقيون، فقال: " حمل الوليد من ذلك ما تحمل "!
ثم بلغ عمر بن عبد العزيز أن بطريقا عظيما وفد من أرض رومية - دمرها الله - فلما نظر إلى مسجد دمشق - وكان قبل ذلك كنيسة -؛ هاله ذلك، وقال: ما كنا نتحدث بتعجيل دولتنا، والله ما رفع هذا البيت لنا ولا لغيرنا من ملوك الأرض وأهل القوة في إقبال الدنيا وعمارتها، ورفع لهم ذلك عند انقطاع من الدنيا وإذن في خرابها، وإن لهم لدولة مدة طويلة.
فبلغ مقالته عمر بن عبد العزيز، فقال: " لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا للكفار ".
فأمر كاتبه بتخريق رقعة الستور.
وسئل مالك عن المساجد: هل يكره أن يكتب في قبلتها بالصبغ نحو آية الكرسي، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ونحوها؟ فقال: " أكره أن يكتب في قبلة المسجد بشيء من القرآن والتزويق ".
ويقول: " إن ذلك يشغل المصلي ".
ولقد كره مالك أن يكتب القرآن في القراطيس، فكيف بالجدران؟ !
وقال أصبغ: " كان في جوار ابن القاسم مسجد بني من الأموال الحرام،
стр. 86
فكان لا يصلي فيه، ويذهب إلى أبعد منه، ولا يراه واسعا لمن صلى فيه، والصلاة عظم الدين، وهي أحق ما احتيط فيه ".
قال محمد بن مسلمة: " ولا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد الثلاثة مساجد؛ إلا مسجد قباء ".
قال: " ويكره أن يعمد له يوما بعينه يؤتى فيه؛ خوفا من البدعة، وأن يطول الناس الزمان، فيجعل ذلك عيدا يعتمد، أو فريضة تؤخذ، ولا بأس أن يؤتى في كل حين؛ ما لم تجئ فيه بدعة ".
قال: " فأما سواه من المساجد؛ فلم أسمع عن أحد أنه أتاها راكبا ولا ماشيا كما أتى قباء، وقد قال عمر: لو كان بأفق من الآفاق؛ لضربنا إليه أكباد الإبل ".
قال ابن وهب: " سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له: مسجد الخلوق، ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر، أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين إلى الصلاة فيه؟ فقال: لا والله ".
قال وهب بن منبه: " وفيما أوحى الله تعالى إلى أشعياء ﵇: قل لبني إسرائيل يتقربون إلي بذبح الغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها عليهم، ويشيدون البيوت، ويزرقون المساجد، وأي حاجة إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وإلى
стр. 87
تزويق المساجد ولست آتيها! إنما أمرت برفعها؛ لأذكر فيها وأسبح ".
٧ - فصل
[القصص في المساجد]
قال مالك: " وإني لأكره القصص في المساجد ".
قال: " وقد قال تميم الداري لعمر بن الخطاب: دعني أدع الله وأقص وأذكر الناس. فقال عمر: لا. فأعاد عليه. فقال: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري؛ فاعرفوني! ".
قال مالك: " ولا أرى أن يجلس إليهم، وإن القصص لبدعة ".
قال: " وليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب ".
قال: " وكان ابن المسيب وغيره يتخلفون والقاص يقص ".
قال مالك: " ونهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول: افعلوا كذا وكذا ".
قال سالم: " وكان ابن عمر يلفى خارجا من المسجد، فيقول: ما أخرجني إلا صوت قاصكم هذا ".
وقال أبو إدريس الخولاني: " لأن أرى في ناحية المسجد نارا تأجج أحب
стр. 88
من أن أرى قاصا يقص ".
قال علماؤنا ﵏: لم يقص في زمان النبي ﷺ ولا في زمان أبي بكر وعمر، حتى ظهرت الفتنة، فظهرت القصص.
فلما دخل علي المسجد؛ أخرج القصاص من المسجد، وقال: " لا يقص في مسجدنا ".
حتى انتهى إلى الحسن، في علوم الأعمال والأحوال، فاستمع إليه، ثم انصرف ولم يخرجه.
وجاء ابن عمر إلى مجلسه من المسجد، فوجد قاصا يقص، فوجه إلى صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد، فأخرجه.
قال مالك بن أنس: «كان رجل من المنافقين يقوم كل جمعة في المسجد، فيحض على طاعة رسول الله ﷺ ، فلما كان يوم خيبر؛ انصرف بالناس من قتال العدو، ثم قام بعد ذلك في المسجد، فحض على طاعة رسول الله ﷺ ، فأمر به النبي ﷺ ، فأخرج من المسجد، فقال: لا أبالي ألا أصلي في حش بني فلان» .
قال أبو التياح: " قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء، ويمدون أيديهم! فقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء
стр. 89
بدعة، ومد الأيدي بالدعاء بدعة، والقصص بدعة ".
وقيل لابن سيرين: " لو قصصت على إخوانك؟ فقال: قد قيل: لا يتكلم على الناس إلا أمير أو مأمور أو أحمق، ولست بأمير، ولا مأمور، وأكره أن أكون الثالث ".
قال معاوية بن قرة: " قلت للحسن البصري: أعود مريضا أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ قال: عد مريضك. قلت: أشيع جنازة أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ فقال: شيع جنازتك. قلت استعان بي رجل في حاجة؛ أعينه أو أجلس إلى قاص؟ قال: اذهب في حاجتك ... حتى جعله خيرا من مجالس الفراغ ".
وقال ضمرة: " قلت للثوري: نستقبل القاص بوجوهنا؟ قال: ولوا البدع ظهوركم ".
وقال أبو معمر: " رأيت سيارا أبا الحكم يستاك على باب المسجد، وقاص يقص في المسجد، فقيل له: يا أبا الحكم! إن الناس ينظرون إليك. فقال: إني في خير مما هم فيه، أنا في سنة وهم في بدعة ".
" ولما دخل سليمان بن مهران الأعمش البصرة؛ نظر إلى قاص يقص في
стр. 90
المسجد، فقال: حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق، وحدثنا الأعمش عن أبي وائل ... ".
قال: " فتوسط الأعمش الحلقة، ورفع يديه، وجعل ينتف شعر إبطيه! فقال له القاص: يا شيخ! ألا تستحي؟ نحن في علم وأنت تفعل هذا؟! فقال الأعمش: الذي أنا فيه خير من الذي أنت فيه. قال: كيف ذلك؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش، وما حدثتك مما تقول شيئا! !
فلما سمع الناس ذكر الأعمش؛ انفضوا عن القاص، واجتمعوا حوله، وقالوا: حدثنا يا أبا محمد! ".
وقال أحمد بن حنبل: " أكذب الناس القصاص والسؤال، وما أحوج الناس إلى قاص صادق صدوق؛ لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر ".
قيل له: أكنت تحضر مجالسهم؟ قال: " لا ".
وروي أن عامر بن عبد الله بن قيس المعروف بـ (راهب هذه الأمة) انقطع عن مجلس الحسن البصري، فجاءه الحسن في منزله، فإذا عامر في بيت قد لف رأسه، وليس في البيت إلا رمل، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله! لم نرك منذ أيام؟ فقال له: إني كنت أجلس هذه المجالس، أسمع تخليطا وتغليطا، وإني كنت أسمع مشيختنا فيما روي عن نبينا ﷺ أنه كان يقول: «إن أصفى»
стр. 91
«الناس إيمانا يوم القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا، وأكثر الناس ضحكا في الجنة أطولهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا» ، فوجدت البيت أخلى لقلبي، وأقدر لي من نفسي على ما أريد منها. فقال له الحسن: أما إنه لم يعن مجالسنا هذه، إنما عنى مجالس القصاص في الطرق، والذين يخلطون ويقدمون ويؤخرون.
قال ابن القاسم: " وأول قاص كان بالمدينة إنما جعله عمر بن عبد العزيز ولم يكن بها قبل ذلك قاص ".
قال مالك: " لم يكن القصاص فيما مضى حتى كان عمر بن عبد العزيز أميرا، فجعل قاصا ورزقه دينارين في الشهر ".
وفي كتاب الوضوء من " المدونة ": أن عمر بن عبد العزيز كان له قاص؛ يعني: واعظا يذكره.
٨ - فصل
آداب المسجد
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ .
دلت الآية على أن المساجد إنما رفعت لأعمال الآخرة؛ دون حرث الدنيا واكتسابها.
стр. 92
ولقد كره مالك التابوت الذي جعل في المسجد للصدقات، ورآه من حرث الدنيا.
وسئل مالك عن الأكل في المسجد، فقال: " أما الشيء الخفيف؛ مثل السويق ويسير الطعام؛ فأرجو أن يكون خفيفا، ولو خرج إلى باب المسجد؛ كان أعجب إلي، وأما الكثير؛ فلا يعجبني، ولا في رحابه ".
قال مالك: " وأكره المراويح التي في مقدم المسجد، التي يروح بها الناس ".
قال مالك: " وما كان يفعل ذلك فيما مضى، ولا أجيز للناس أن يأتوا بالمراويح يتروحون بها ".
وقال في الذي يأكل اللحم في المسجد؛ قال: " أليس يخرج يغسل يده؟ ". قالوا: بلى. قال: " فليخرج ليأكل ".
قال: " وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد ".
وقال: " إنما ذلك لما قيل في ألسنة الأعاجم أنها خب ".
قال: " فلا يفعل في المسجد شيء من الخب ".
قال: " وهو لمن يحسن العربية أشد خبا ".
стр. 93
قال: " وأكره أن يبني مسجدا ويتخذ فوقه مسكنا يسكن فيه بأهله، ولا يقلم أظفاره في المسجد، ولا يقص فيه شاربه، وإن أخذه في ثوبه، وأكره أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من المسواك فيلقيه في المسجد ".
قال: " ولا أحب أن يتمضمض في المسجد، وليخرج؛ ليفعل ذلك ".
وأما المبيت في المسجد:
فجوزه مالك للغرباء دون الرجل الحاضر.
وقال ابن القاسم في " العتبية ": " لا بأس به للحاضر الضعيف، دون من له منزل ".
وروى ابن حبيب عن ابن وهب: " لا يرقد شاب في المسجد ".
قال مالك: " قد كان يبيت في المسجد أهل الصفة وغيرهم؛ لعدم البيوت ".
قال ابن عمر: " ما كان لي مبيت ولا مأوى على عهد النبي ﷺ إلا المساجد ".
وقد كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة.
وفي الحديث: «قيل: يا رسول الله! أتأذن لي في الترهب؟ قال: ترهب.»
стр. 94
قال ابن حبيب: " لا بأس بالاستلقاء في المسجد للراحة ".
قال: " ولا بأس بالقائلة في المسجد والنوم فيه نهارا للحاضر المقيم، ولا بأس بالمبيت فيه للمسافر والمنتاب إلى أن يرتاد مسكنا، ولا ينبغي أن يتخذه مسكنا؛ إلا رجل قد تبتل للعبادة، وتجرد فيه لقيام الليل، فلا بأس أن يكون في دهره إذا كان مرافقه لوضوئه ومعاشه في غير المسجد ".
وفي الحديث: " «إن الله تعالى يقول: إني أهم بعذاب عبادي، فأنظر إلى عمار المساجد، وجلساء القرآن، وولدان الإسلام، فيسكن غضبي» ".
وروى عباد بن تميم عن عمه: " «أنه رأى النبي ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى» ".
قال ابن المسيب: " وكان عمر وعثمان يفعلان ذلك ".
قال: " وسئل مالك عن الرجل يتخذ في المسجد فراشا يجلس عليه، أو وسادة يتكئ عليها؟ قال: ليس ذلك من عمل الناس، ولا أحبه ".
стр. 95
وكان يرخص في الخمرة والنخاع والمصليات، ويقول: " قد كان ذلك يتخذ في مسجدنا ليستوطأ أو يستدفأ به من برد الحصباء في شدة البرد ".
والخمرة: حصير من جريد.
والنخاع: بسط طوال.
قال: " وكانت الأقناء تعلق في المسجد على عهد النبي ﷺ ؛ لمكان أضياف النبي ﷺ المساكين؛ يأكلون منه، وأراه حسنا أن يعلق في سائر البلاد التي فيها التمر في المساجد ".
وسئل مالك عن الرجل في رمضان يكون في المسجد فيأتيه الطعام؟ فقال: " أما الشيء الخفيف؛ مثل السويق والطعام اليسير؛ فأرجو أن يكون خفيفا، وأما الطعام؛ مثل اللحم والألوان؛ فلا يعجبني ".
فقيل له: فرحاب المسجد؟ قال: " رحاب المسجد من المسجد ".
وكره أكل الطعام في المسجد، قيل له: فإن بعض الأئمة يعشون الناس في المسجد. قال: " ليس بإمام الذي يطعم الناس في المسجد ".
стр. 96
قال أشهب: " وسئل مالك عن قوم يفطرون في رمضان على الكعك والتمر المنزوع نواه والزبيب؟ قال: ما يعجبني، كيف يصنعون بأذاه وبالمضمضة؟ قيل: يؤتى به في منديل وليس به أذى، ويخرجون من المسجد فيتمضمضون. قال: إن كان هذا؛ فأرجو أن يكون خفيفا ".
وروى ابن وهب عن مالك: " ولو خرج إلى باب المسجد، فأكل وشرب هناك؛ كان أحب إلي ".
وقال ابن عبد الحكم: " سمعت مالكا يسأل عن الماء الذي يسقى في المسجد، أترى أن نشرب منه؟ قال: نعم؛ وإنما جعل للعطشان، ولم يرد به أهل المسكنة، فلم يترك شربه؟ ولم يزل هذا من أمر الناس بهذا المكان وغيره ".
قال ابن حبيب: " رأيت القرب بالماء العذب معلقة في مسجد الرسول ﷺ على الحصباء وتحتها أقداح نضار، فمن أحب شرب الماء في المسجد ".
قال ابن القاسم: " رأيت مالكا يشرب في المسجد ".
قال ابن حبيب: " وقد فعله ابن الزبير في المسجد الحرام، ورأيت ابن الماجشون وغيره من علماء المدينة يشربون الماء في المسجد ".
وكره مالك قتل القمل ودفنها في المسجد، ولا يطرحها من ثوبه في المسجد، ولا يقتلها بين النعلين في المسجد.
وقال مالك في المعتكف: " لا يدخل إليه حجام؛ ليأخذ من شعره وأظفاره ".
стр. 97
قال ابن القاسم: " إنما كرهه لحرمة المسجد ".
وروى ابن حبيب وابن القاسم عن مالك: " أنه نهى عن قتل القمل والبراغيث في المسجد، ولا يدفنها فيه ".
قال ابن حبيب: " أخبرني مطرف أن البرغوث كان أخف عند مالك من القمل، وليصرها حتى يلقيها خارجا ".
«ورأى النبي ﷺ في جدار مخاطا أو بصاقا أو نخامة في القبلة، فحكه» .
وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» .
قال مالك: " لا أرى أن يبصق على حصير المسجد ويدلكه برجله، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير، وإن كان المسجد محصبا؛ فلا بأس أن يحفر الحصباء ويبصق فيه ويدفنه ".
قال ابن القاسم: " إن لم يكن المسجد محصبا، لا يقدر على دفن البصاق فيه؛ فلا يبصق فيه ".
وسئل مالك عن التنخم في النعلين، فقال: " إن كان لا يصل التنخم تحت الحصير؛ فلا بأس، وإن كان يصل؛ فلا يتنخم في نعليه ".
قال محمد بن مسلمة: " لم يزل الناس يتنخمون في المسجد ويبصقون فيه منذ كان، قبل أن يحصب وبعدما حصب، وأخبرني مالك أن أول من حصبه عمر بن الخطاب، وإن الناس كانوا يبصقون قبل أن يحصب عن يسارهم ".
стр. 98
قال: " فكان مالك يفتي به في المساجد التي ليست محصبة ".
وسئل مالك عن السؤال الذين يسألون في المساجد ويلحون في المسألة؟ قال: " أرى أن ينهوا عن ذلك ".
وقال غيره: يحرم الصدقة.
وروى مالك في " موطئه ": أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه من يبيع في المساجد؛ دعاه، فسأله: ما معك؟ وما تريد؟ فإن أخبره أنه يريد بيع ما عنده؛ قال: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذه سوق الآخرة.
قال القاضي أبو الوليد: العمل في المسجد على ضربين: قربة وغير قربة:
فالقرب: مثل الصلاة، والتلاوة، والذكر، ويدخل فيه درس العلم والمناظرة فيه.
وما ليس بقرب؛ فعلى ضربين: أفعال، وأقوال:
فأما الأفعال؛ فكالبيع، والشراء، والأكل، وعمل الصنائع، ونحوه.
فأما البيع:
فروى ابن القاسم عن مالك في " المجموعة ": " لا بأس أن يقضى الرجل في المسجد ذهبا، فأما ما كان بمعنى التجارة والصرف؛ فلا أحبه ".
وإنما أراد بالقضاء المعتاد الذي فيه يسير العمل، وقليل العين، وأما لو كان قضاء المال جسيما، يحتاج إلى المؤنة والوزن والانتقاد، ويكثر فيه العمل؛ فإنه مكروه.
стр. 99
وقال مالك في " المبسوط ": " لا أحب لأحد أن يظهر سلعة في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلا ثوبا عليه، أو سلعة تقدمت رؤيته لها ومعرفته بها؛ فيواجبه البيع فيها؛ فلا بأس به ".
وقال محمد بن مسلمة: " لا ينبغي لأحد أن يبيع في المسجد ولا يشتري شيئا حاضرا ولا غائبا:
أما الحاضر؛ فإن المسجد ليس بموضع للسلع، ولو جاز ذلك؛ صار المسجد سوقا.
وأما ما ليس بحاضر؛ كالدور والأصول وبيع الصفة وأشباه ذلك؛ فلما فيه من اللغط واللغو، وعلى هذا القول دل قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية ".
وقد كره غيره أن يشتري الرجل في المسجد القربة من الماء؛ ليسيلها، وقال: يخرج إلى الباب، ويشتريها هنالك، ثم يسيلها.
وفي الحديث: " «لا تقوم الساعة حتى يتبايع الناس في المساجد» ".
стр. 100
وروى البخاري «أن النبي ﷺ سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فقال: أيها الناشد! غيرك الواجد» .
وروى مسلم في " صحيحه " «أن رسول الله ﷺ سمع رجلا ينشد ناقته في المسجد، فقال: لا جمعها الله عليك! إن المساجد لم تبن لهذا» .
قال مالك في " المبسوط ": " ولو لم يرفع بذلك صوته؛ فلا بأس بذلك؛ لأنه من جنس المحادثة، وذلك غير ممنوع ".
وأما الكتابة في المساجد:
فروى ابن القاسم عن مالك في " المجموعة " في ذكر الحق يكتب في المسجد؛ قال: " أما الشيء الخفيف؛ فنعم، وأما الشيء يطول؛ فلا أحبه ".
ويجري على أصل محمد بن مسلمة أن لا يكتب فيه اليسير ولا الكثير ".
قال القاضي أبو الوليد: " ولم أر شيئا في كتب المصاحف في المساجد ".
стр. 101
قال: " فأما الرجل المتوقي الذي يصون المساجد ويكتب المصاحف؛ ظاهره الجواز ".
وأما تعليم الصبيان في المساجد:
فكرهه سحنون، ويتفرع في تعليله وجهان:
أحدهما: قلة توقيهم للنجاسة.
والثاني: أنه صنعه وتكسب.
قال القاضي أبو الوليد: " فيلزم على هذا التعليل منع كتابة المصاحف فيه ".
قال ابن حبيب: " ويكره دخول الصبيان المسجد وتعليمهم فيه؛ إلا أن يدخل الصبي للصلاة ثم يخرج ".
وقال غيره: في تعليمهم فيه بالأجر تكسب، وهي إجازة من جنس التجارة، وقد نهي عنه، ويجوز أن يؤتى بالصبي إلى المسجد إذا كان قد علم الأدب، ولم يعبث لصغره، ثم يخرج.
وأما الخياطة وغيرها من الأعمال الظاهرة التي لا تتعلق بالقرب:
فقد قال سحنون: " لا يجلس فيه للخياطة ".
ويلزم أن تكون سائر الأعمال التي في معنى الخياطة على ذلك.
стр. 102
٩ - فصل
في البطحاء
روى مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطحاء، وقال: " من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة ".
واعلموا أنه لما رأى عمر جلوس الناس في المسجد، وحديثهم فيه، وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط - وهو المختلط من القول وارتفاع الأصوات - وربما تناشدوا شعرا واتسع الخوض في أخبار الدنيا: بنى البطحاء مرتفعة نحو الذراع وحصرها بجدار قصير، وبسطها بالحصباء ملاصقة المسجد، ليخلص المسجد لذكر الله تعالى.
قال السائب: كنت في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت؛ فإذا عمر بن الخطاب، فقال لي: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ ومن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟ ! إن مسجدنا هذا لا نرفع فيه الأصوات.
стр. 103
وقال ابن القاسم في " المبسوط ": " رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد ".
وعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين:
إحداهما: أنه يجب أن ينزه المسجد من مثل هذا؛ لأنه مما أمر بتعظيمه وتوقيره.
والثانية: أنه مبني للصلاة، وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار، فكان يلزم ذلك في موضعها المتخذ لها أولا.
قال مالك في " العتبية ": " وقد كان عمر بن الخطاب يجلس في المسجد ويجلس إليه رجال، فيحدثهم عن الأجناد، ويحدثونه بالأحاديث ".
وفي لفظ آخر: " ويحدثونه عن أحاديث النبي ﷺ ".
فيقتضي هذا أن الحديث على وجه لا لغط فيه ولا رفع صوت، والأمر الخفيف من ذلك إذا لم يطل؛ أنه لا بأس به، لا سيما في مثل أخبار الأجناد والسرايا.
وقد روي أن مسجدا من المساجد ارتفع إلى السماء شاكيا من أهله يتكلمون فيه بكلام الدنيا، فاستقبلته الملائكة، فقالوا: " بعثنا بهلاكهم ".
وروي أن الملائكة يشكون إلى الله تعالى من نتن فم المغتابين والقائلين في المساجد بكلام الدنيا.
وروي أن المسيح ﵇ مر على قوم يتنازعون في المسجد،
стр. 104
فجعل يضربهم ويقول: " يا بني الأفاعي! اتخذتم مساجد الله أسواقا، إنما هذا سوق الآخرة ".
وجوز مالك التعزير في المسجد بالأسواط اليسيرة دون ما كثر من الضرب والحدود.
١٠ - فصل
في اجتماع الناس في سائر الآفاق يوم عرفة
قال ابن وهب: " سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة؛ يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى لللناس إلى غروب الشمس؟ فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه ".
قال ابن وهب: " وسمعت مالكا يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء؟ فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع ".
قال مالك في " العتبية ": " وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء؛ فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة؛ رجع فصلى في المسجد ".
وروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون، فخرج نافع مولى ابن عمر، فقال " يا أيها الناس!
стр. 105
إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة، أدركت الناس لا يصنعون هذا ".
قال مالك بن أنس: " ولقد رأيت رجالا ممن اقتدي بهم يتخلفون عشية عرفة في بيوتهم ".
قال: " وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد علم أن يقعد في المسجد في تلك العشية؛ مخافة أن يقتدى به، وليقعد في بيته ".
قال الحارث بن مسكين: " كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب ".
وقال إبراهيم النخعي: " الاجتماع يوم عرفة أمر محدث ".
وقال عطاء الخراساني: " إن استطعت أن تخلو عشية عرفة بنفسك؛ فافعل ".
وكان أبو وائل لا يأتي المسجد عشية عرفة.
فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن
стр. 106
يدخل في الدين ما ليس منه.
وقد كنت ببيت المقدس، فإذا يوم عرفة؛ حبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة!
وكنت أسمع هناك سماعا فاشيا منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام! !
وروى المالكي في كتاب " رياض النفوس ": " أن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي كان يغير في القيروان على موضع ناس حاكة، فإذا كانت أيام العشر؛ يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل، فنهاهم، فلم ينتهوا، ثم نهاهم، فلم ينتهوا، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ".
قال: " فدعا الله عليهم، فانقرضوا، وخربت ديارهم برهة من الزمان ".
١١ - فصل
في منتصف شعبان
قال الله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ .
стр. 107
اعلموا - رحمكم الله - أن لأهل العلم في هذه الليلة قولين:
فقال بعضهم: هي ليلة النصف من شعبان.
واستدلوا بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلتها، وصوموا يومها؛ فإن الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له؟ ألا مبتلى فأعافيه؟ ألا مسترزق فأرزقه؟ ألا كذا؟ ألا كذا؟ ... حتى يطلع الفجر» .
وهذا مذهب عكرمة مولى ابن عباس؛ قال: " هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد ".
وروى عثمان بن المغيرة؛ قال: قال النبي ﷺ : «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، ولقد خرج اسمه في الموتى» .
стр. 108
وقال قتادة، وابن زيد، ومجاهد، والحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأكثر علماء العراق: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم أنزله على نبيه في الليالي والأيام.
قالوا: فيبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كل أجل وعمل ورزق وما يكون في تلك السنة.
قال سعيد بن جبير: " يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد، ولا ينقص ".
وقال هلال بن يساف: " انتظروا القضاء في شهر رمضان ".
وعلى هذا القول علماء المسلمين.
وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم؛ قال: " ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها ".
وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: " لوسمعته وبيدي عصا؛ لضربته ".
стр. 109
وكان زياد قاصا.
والدليل على صحة هذا القول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ .
وهذه الكناية كناية عن غير مذكور؛ إلا أنه قد جرى في قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ... ؛ نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله جبريل ﵇ على النبي محمد ﷺ نجوما.
وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
ألا تراه سماها مُبَارَكَةٍ، وإنما البركة من خصائص ليلة القدر؛ من أنها خير من ألف شهر، فهذا هو الخير والبركة والمغفرة؟
والاشتقاق يقتضيه أيضا؛ لأنه مأخوذ من التقدير، فتقدر فيها الأشياء؛ أي: يقضي الله تعالى فيها قضاء السنة كلها.
وقيل: ليلة العظمة والشرف وعظم الشأن؛ من قولك: رجل له قدر؛ يقال: قدرت فلانا؛ أي: عظمته؛ قال الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
стр. 110
؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وهذا تأويل الزهري.
وقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة عند الله تعالى؛ لأنه مقبول.
وقيل: سميت بذلك لأن من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر إذا أحياها.
وهذه المعاني هي تحقيق البركة، فأما مجرد فصل القضاء، وفرق كل أمر حكيم؛ فهو عمل الله تعالى.
فبان بهذا أن قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ؛ إنما أراد به ليلة القدر.
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ؛ أي يفصل ويبرم، هو المعنى الذي ذكرناه في معنى القدر.
وأخبرني أبو محمد المقدسي؛ قال: " لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في أول سنة (٤٤٨) ثمان وأربعين وأربع مائة: قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابُلُس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام، فصلى في
следующие страницы →