← Акыда

Акыда · id 8590

الحوادث والبدع

أبو بكر الطرطوشي

Полный текст (156 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ، الإمام، قدوة الإسلام، وواضح الدلائل، الإمام، أبو بكر الطرطوشي، رحمه الله تعالى ورضي عنه: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، ورسول رب العالمين. هذا كتاب أردنا أن نذكر فيه جُمَلا من بدع الأمور ومحدثاتها، التي ليس لها أصل في كتاب الله، ولا سنة، ولا إجماع، ولا غيره، فألفيت ذلك ينقسم إلى قسمين: قسم يعرفه الخاصة والعامة أنها بدعة محدثة؛ إما محرمة، وإما مكروهة. وقسم يظنه معظمهم - إلا من عصم الله - عبادات، وقربات، وطاعات، وسننا. فأما القسم الأول؛ فلم نتعرض لذكره؛ إذ كُفينا مؤنة الكلام فيه؛ لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين.

стр. 2

وأما الثاني؛ فهو الذي قصدنا جمعه، وإيقاف المسلمين على فساده ووبال عاقبته. أعلم أن ما حدث في سائر أقطار بلاد أهل الإسلام من هذه المنكرات والبدع لا مطمع لأحد في حصرها؛ لأنها خطأ وباطل، والخطأ لا تنحصر سبله، ولا تتحصل طرقه؛ فاخط كما شئت! وإنما الذي تنحصر مداركه وتنضبط مآخذه؛ فهو الحق؛ لأنه أمر واحد مقصود، يمكن إعمال الفكر والخواطر في استخراجه. وما مثل هذا إلا كالرامي للهدف؛ فإن طرق الإصابة تنحصر وتتحصل من إحكام الآلات، وأسباب النزع، وتسديد السهم. فأما من أراد أن يخطئ الهدف؛ فجهات الأخطاء لا تنحصر ولا تنضبط؛ إلا أن نذكر من ذلك حسب الإمكان. وأحصر ذلك في أربعة أبواب: الباب الأول: فيما انطوى عليه الكتاب العزيز من الأمور التي ظاهرها سِلْمٌ جرَّت إلى هُلْكٍ. والباب الثاني: فيما اشتملت عليه السنة من النهي عن محدثات الأمور. والباب الثالث: في أساليب الصحابة في كيفية ضبطهم للقانون الذي به تُحفظ قواعد الدين وتموت البدع. والباب الرابع: في نقل ما حدث من ذلك في الإسلام، وتنصيص العلماء على تحريمها وكراهتها.

стр. 3

الباب الأول فيما انطوى عليه الكتاب العزيز من الأمور التي ظاهرها سِلْمٌ جرَّت إلى هُلْكٍ * فأما الباب الأول؛ فيكفي الأمة منه قصة أصحاب السبت التي حكاها الله تعالى في كتابه. وكان مالك بن أنس يحتج بها على من خالفه في مسألة الذرائع: قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ . وذلك أن الله تعالى حرَّم الصيد على اليهود يوم السبت، وأطلقه لهم في سائر الأيام، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا - يعني: في مشارع

стр. 4

المياه إلى أبواب بيوتهم، وقيل: شوارع ظاهرة على الماء كثيرة - ولا تأتيهم في سائر الأيام، فعمد رجال منهم يوم الجمعة، فحفروا الأنهار، ووضعوا آلات الصيد، فدخل الحيتان فيها، فأخذوها يوم الأحد، وكان يوما يجوز فيه الصيد ... إلى أن فشا ذلك فيهم، فذمَّهم الله تعالى، ومسخهم قردة وخنازير. وقال ابن زيد: " وأول من أخذ منهم رجل حوتا في يوم الأحد، فشواه، فوجد جاره ريح الحوت، فقال له: إني أرى الله سيعذبك. فلما لم يعجل عليه بالعذاب؛ سار معه، فأخذ في السبت الآخر اثنان، فلما لم يعاجلهما العذاب؛ تتابعوا فيه، فأخذوا وأكلوا، وكانوا نحوا من سبعين ألفا في قرية يقال لها: أيلة، بين مدين والطور. فصارت القرية أثلاثا: ثلثا نهوا - وكانوا اثني عشر ألفا - وثلثا قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ، وثلثا هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا؛ قال المسلمون: لا نساكنكم. فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب، فلعنهم داود، فأصبح الناهون يوما في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا، فنظروا على

стр. 5

الجدار، فإذا هم قردة، فقالوا: أي عباد الله! قرودا - والله - تعاوي! ففتحوا الباب، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القردة تأتي أنسابها من الإنس، فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم؟ ! فتقول برأسها: نعم ". قال قتادة: " صار شبابهم قرودا، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم ". واختلف العلماء في الفرقة الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ ؛ أكانت من الناجية أم من الهالكة؟ فأما ابن عباس؛ فقال: " هم ثلاث فرق: الواعظة، والموعوظة، والذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ ، فالواعظة نجوا، والموعوظة هلكوا، ولا أرى الآخرين ذُكروا، فيا ليت شعري! ما فعل بهم ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها شيئا؟ ! ". قال عكرمة: " فقلت له: جعلني الله فداك! ألا تراهم كرهوا ما هم عليه، وخالفوهم، فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ ، فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا، فكساني حلة ". وأيضا فإن الواعظين قالوا لهم: انتهوا عن هذا العمل السيئ قبل أن ينزل بكم العذاب؛ فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا. فقالت لهؤلاء الفرقة الأخرى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ إذ علمتم أن الله معذبهم عذابا شديدا، فلا تعظوهم؛ فإن الله مهلكهم. وقال جماعة من العلماء: بل هذا الفريق من الهالكين؛ لأنهم منعوا

стр. 6

الناهين، فأخطؤوا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليهم، وإن كان التقدير غالبا؛ لأنهم وإن كانوا قد علموا بعذابهم، فلم يسقط عنهم فرض الأمر بالمعروف، وإن كان ما قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ ؛ رضًى بالمنكر، لكن لأنهم اعتقدوا أنهم هالكون. * ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ . وذلك أن المسلمين كانوا يقولون: يا رسول الله! راعنا وأرعنا سمعك. وهي بالعبرانية كلمة سب من الرعونة، فكانت اليهود تقولها للنبي ﷺ يقصدون سبه، فمنع الله المسلمين أن يقولوها - وإن كانت جائزة -؛ لئلا يتذرع اليهود بذلك إلى ما لا يجوز. وهذا في الحقيقة منع جائز في الظاهر؛ لما كان يتطرق به إلى باطن ممنوع. * ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . فمنع الله سائر المسلمين من سب آلهة الكفار، وهو مباح؛ لئلا يصير

стр. 7

طريقا لهم إلى سب إله العالمين . * ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ . فمنع الله تعالى النساء أن يضربن بأرجلهن، وهو فعل جائز في الظاهر؛ لئلا يتذرعن إلى ما لا يجوز من الدعاء إلى أنفسهن. * ومما يدخل في هذا الباب والتحذير من الزيادة في دين الله تعالى والنقصان منه: قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ... إلى قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ . قال أهل التأويل: طؤطئ لهم الباب؛ ليخفضوا رؤوسهم، فيدخلوا سجدا منحنين متواضعين، ويقولوا: حِطَّة؛ معناه: حط عنا خطايانا، فقالوا: حنطة. ويقال: إنهم قالوا: هطا سمقايا؛ يعنون حنطة حمراء؛ استخفافا بأمر الله، فأرسل الله تعالى عليهم رجزا ظلمة وطاعونا، فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا، فلقوا من البلاء ما لقوا - وإنما زادوا حرفا في الكلمة -؛ يعرفهم أن الزيادة في الدين والابتداع في الشرع عظيم الخطر. قال علماؤنا ﵃: إذا كان تغيير كلمة في باب التوبة - وذلك

стр. 8

أمر يرجع إلى المخلوق- يوجب كل ذلك العذاب؛ فما ظنك بتغيير ما هو خبر عن صفات المعبود؟ ! * ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ . قال ابن عباس: " قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ : هي الأهواء المختلفة ". وقال غيره: ما فيه الناس من الاختلاف. ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب. واختلف في المراد بهذه الآية: فقال مجاهد وأبو العالية وغيرهم: " هي لأمة محمد ﷺ ". فروى خالد بن زيد الخزاعي: «أن النبي ﷺ صلى، ثم قال: سألت الله تعالى فيها ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت الله تعالى ألا يصيبكم بعذاب أصاب به من قبلكم فأعطانيها، وسألته ألا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألته ألا يُلبسكم شيعا فمنعنيها» .

стр. 9

قال أبو العالية " [عن أبي بن كعب؛ قال] : هن أربع: ظهر اثنتان بعد وفاة النبي ﷺ بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان، فهما ولا بد واقعتان: الخسف من تحت أرجلهم، والرجم والمسخ من فوقهم ". وهذا تأويل ابن مسعود. وعن ابن عباس: " ومِنْ فَوْقِكُم: أئمة السوء. ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ: خدم السوء ".

стр. 10

الباب الثاني فيما اشتملت عليه السنة من التحذير من الأهواء والبدع قال رسول الله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» . وفي لفظ آخر: «النُّزَّاع من القبائل» . وفي لفظ آخر: «أناسٌ صالحون قليلٌ في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» .

стр. 11

ومعنى هذا الحديث: أنه لما جاء الله بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته وحيه غريبا فيهم، مستخفيا بإسلامه، قد جفاه الأهل والعشيرة، فهو بينهم ذليل حقير خائف يتغصص بجرع الجفاء والأذى، ثم يعود غريبا؛ لكثرة الأهواء المضلة، والمذاهب المختلفة، حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس؛ لقلتهم وخوفهم على أنفسهم. وقال ابن مسعود: «خط لنا النبي ﷺ خطا، ثم خط إلى جانبه خطوطا، ثم قال للخط الأول: هذا سبيل الله يدعو إليه، وقال للخطوط: هذه سبل الشيطان، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ » . فحذر من البدع ومحدثات الأمور. ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ !» . وروى أبو داود في " السنن " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 12

رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» . ورواه معاوية بن أبي سفيان؛ قال: «قام النبي ﷺ فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» . واعلم أن هذا الحديث قد طاشت فيه أحلام الخلق، وفي معرفة هذه الفرق، وهل كملوا بعد أم لا؟ ! ١ - فصل في تحقيق القول فيه اعلم أن علماءنا ﵃ قالوا: أصول البدع أربعة، وسائر الأصناف الثنتين وسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا وتشعبوا، وهم: الخوارج - وهي أول فرقة خرجت على علي بن أبي طالب ﵁ والروافض، والقدرية، والمرجئة. ولم يرد علماؤنا أن أصل كل بدعة من هؤلاء الأربع تفرعت وتشعبت على

стр. 13

مقتضى أصل البدع، حتى كملت ثلاثة وسبعين فرقة؛ فإن ذلك لعله لم يدخل في الوجود إلى الآن، وإنما أرادوا أن كل بدعة وضلالة لا تكاد توجد إلا في هذه الأربع فرق، وإن لم تكن البدعة الثانية فرعا للأولى وشعبة من شعبها، بل هي بدعة مستقلة بنفسها، ليست من الأولى بسبب. وبيان ذلك بالمثال: أن القدر أصل من أصول البدع، ثم اختلف أهله في مسائل من شعب القدر، وفي مسائل لا تعلق لها بالقدر، فجميعهم متفقون أن أفعال العباد خلق لهم من دون الله تعالى، ثم اختلفوا في فرع من فروع القدر: فقال أكثرهم: لا يكون فعل بين فاعلين! وقال بعضهم - وهو المِرْدَار -: يجوز بين فاعلين مخلوقين على التولد. وأحال مثله بين القديم والمحدث. ثم اختلفوا فيما لا يعود إلى القدر في مسائل كثيرة؛ كاختلافهم في الصلاح والأصلح: فقال البغداديون منهم: يجب على الله - تعالى عن قولهم - فعل الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم، ولا يجوز في حكمته تبقية وجه ممكن به الصلاح العاجل والآجل؛ إلا وعليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده. قالوا: وواجب على الله - تعالى - ابتداء الخلق الذين علم أنه يكلفهم،

стр. 14

ويجب عليه إكمال عقولهم وأقدارهم، وإزاحة عللهم! وقال البصريون منهم: لا يجب على الله - تعالى - إكمال عقولهم، ولا أن يؤتيهم أسباب التكليف. وقال البغداديون منهم: يجب على الله - تعالى عن قولهم - عقاب العصاة إذا لم يتوبوا، والمغفرة من غير توبة سفه من الغافر! وأبى البصريون ذلك. وابتدع جعفر بن مبشر من القدرية بدعة، فقال: " من استحضر امرأة ليتزوجها، فوثب عليها، فوطئها بلا ولي ولا شهود ولا رضىً ولا عقدٍ؛ حل له ذلك "! وخالفه في ذلك سلفه، وخالفه خلفه. وقال ثمامة بن أشرس: " إن الله - تعالى - يصير الكفار والملحدين وأطفال المشركين والمؤمنين والمجانين ترابا يوم القيامة؛ لا يعذبهم، ولا يعوضهم "! وقوله هذا في الكفار والملحدين خرق لإجماع الأمة؛ من أهل الإثبات، وأهل القدر، وغيرهم. وهكذا ابتدعت كل فرقة من هذه الفرق بدعا تتعلق بأصل بدعتها التي هي معروفة بها، وبدعا لا تتعلق بها.

стр. 15

فإن كان أراد رسول الله ﷺ بتفرق أمته أصول هذه البدع التي تجري مجرى الأجناس للأنواع، والمعاقد للفروع؛ فلعلهم - والعلم عند الله - ما بلغوا هذا العدد إلى الآن؛ غير أن الزمان باق، والتكليف قائم، والخطوات متوقعة، وكل قرن عصر لا يخلوا إلا وتحدث فيه البدع. وإن كان أراد النبي ﷺ بالفرق كل بدعة في دين الإسلام؛ مما لا يلائم أصول الإسلام، ولا تقبلها قواعده؛ من غير التفات إلى التقسيم الذي ذكرنا؛ سواء كانت البدع أنواعا لأجناس، أو كانت متغايرة الأصول والمباني - وهذا هو الذي أراده، والعلم عند الله -؛ فقد وجد من ذلك عدد كثير، أكثر من اثنين وسبعين. ووجه تصحيح الحديث - على هذا - أن يخرج من الحساب غلاة أهل البدع، ولا يعدون من الأمة ولا في أهل القبلة؛ كنفاة الأعراض من القدرية؛ لأنه لا طريق لحدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض، وكالحلولية، والمنصورية، وأشباههم من الغلاة.

стр. 16

وسنذكر عند تمام الفصل أن البدعة تكون في الأفعال؛ كما تكون في الأقوال. ومن ذلك ما رواه أبو داود في " السنن " عن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا النبي ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي استعمل عليكم؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» . وروى أبو داود أيضا أن معاذ بن جبل كان لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال: " الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن؛ حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير،

стр. 17

والحر والعبد، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمُتَّبِعيَّ حتى ابتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتُدع؛ فإنما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، ويقول المنافق كلمة الحق ". روى أنس قال: قال النبي ﷺ : «أهل البدع هم شر الخلق والخليقة» . وروى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع النبي ﷺ قِبَلَ خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم؛ يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي ﷺ : الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ، لتركبن سَنَنَ من قبلكم....» . فانظروا - رحمكم الله - أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس

стр. 18

ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها المسامير والخرق؛ فهي ذات أنواط؛ فاقطعوها. وروى مسلم في " صحيحيه " أن النبي ﷺ قال: «لا يجعل أحدكم للشيطان عليه حقا؛ يرى إذا صلى ألا ينصرف إلا عن يمينه» . وروى مالك في " موطئه " عن واسع بن حبان قال: " انصرفت من الصلاة من قبل شقي الأيسر، فقال لي عبد الله بن عمر: ما منعك أن تنصرف عن يمينك؟ قلت: رأيتك فانصرفت إليك. قال: أصبت. إن قائلا يقول: انصرف عن يمينك، وأنا أقول: انصرف كيف شئت عن يمينك أو عن يسارك ". وروى البخاري في " صحيحيه ": «أن النبي ﷺ نهى أن يصام يوم الجمعة؛ إلا أن يصله بصيام قبله أو بعده» . وروى مسلم في " صحيحيه ": «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة وعن قيام ليلتها» . ٢ - فصل [في تعريف البدعة] فإن قيل لنا: فما أصل البدعة؟

стр. 19

قلنا: أصل هذه الكلمة من الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق، ولا مثال احْتُذِيَ، ولا ألف مثله. ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ؛ أي: لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض. وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح. والدليل على هذا ما سنذكره في أعيان الحوادث من تسمية الصحابة وكافة العلماء بدعا للأقوال والأفعال.

стр. 20

الباب الثالث منهاج الصحابة في إنكار البدع وترك ما يؤدي إليها * فمن ذلك ما روى البخاري في كتاب الصلاة عن أم الدرداء؛ قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا. وروى مالك في " الموطإ " عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: " ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة ". يعني: الصحابة. وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره، ورآها مخالفة لما أدرك من أفعال الصحابة. وكذلك أبو الدرداء أنكر ما أدرك بعد موت النبي ﷺ ولم يعرفه من أحوال رسول الله ﷺ . وقال الزهري: " دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد

стр. 21

ضيعت ". وفي لفظ آخر أنه قال: " ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله ﷺ إلا قد أنكرته اليوم ". وقال الحسن: " سأل أبا الدرداء رجلٌ، فقال: رحمك الله! لو أن رسول الله ﷺ بين أظهرنا؛ هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه، ثم قال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ ! ". وقال المبارك بن فَضَالَةَ: " صلى الحسن الجمعة، ثم جلس فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ ! فقال: تلومونني على البكاء ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم؛ ما عرف شيئا مما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ مما أنتم اليوم عليه؛ إلا قِبْلَتَكُمْ هذه؟ ! ". وروى البخاري عن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. فانظروا - رحمكم الله - إذا كان في ذلك الزمان طمس الحق وظهر الباطل حتى لا يعرف من الأمر القديم إلا القبلة؛ فما ظنك بزمانك هذا؟ ! والله المستعان. * ومن ذلك قصة عثمان بن عفان ﵁، وذلك أنه كان لا يقصر في السفر، فيقال له: أليس قصرت مع النبي ﷺ ؟ فيقول: " بلى! ولكني إمام الناس، فينظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فرضت "!

стр. 22

تأملوا - رحمكم الله -؛ فإن في القصر قولين لأهل الإسلام: منهم من يقول: فريضة، ومن أتم؛ فإنه يأثم ويعيد أبدا. ومنهم من يقول: سنة، يعيد من أتم في الوقت. ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة لما خاف من سوء العاقبة، وأن يعتقد الناس أن الفرض ركعتان. * ومنه قصة الأضحية: قال حذيفة بن أسيد: " شهدت أبا بكر وعمر، وكانا لا يضحيان؛ مخافة أن يرى أنها واجبة ". وقال بلال: " لا أبالي أن أضحي بكبش أو بديك ". وعن ابن عباس: أنه كان يشتري لحما بدرهمين يوم الأضحى، ويقول لعكرمة: " من سألك؛ فقل له: هذه أضحية ابن عباس ". قال أبو مسعود البدري: " إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة ". وقال طاوس: " ما رأيت بيتا أكثر لحما وخبزا من بيت ابن عباس؛ يذبح وينحر كل يوم، ثم لا يذبح يوم العيد، وإنما كان يفعل ذلك؛ لئلا يظن الناس أنها واجبة، وكان إماما يُقتَدى به ". وقال أبو أيوب الأنصاري: " كنا نضحي عن النساء وأهلينا، فلما تباهى الناس بذلك؛ تركناها ". انظروا - رحمكم الله -؛ فإن القول في هذا الأثر كالقول فيما قبله؛ فإن

стр. 23

لأهل الإسلام قولين في الأضحية: أحدهما: سنة. والثاني: واجبة. ثم اقتحم الصحابة ترك السنة؛ حذرا أن يضع الناس الأمر على غير وجهه، فيعتقدونها فريضة. وقال ابن عباس: " ما من عام إلا تظهر فيه بدعة وتموت فيه سنة، حتى تظهر البدع وتموت السنن ". * ومن " صحيح مسلم ": قال مجاهد: " دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر مستند إلى حجرة عائشة ﵂، وإذا الناس في المسجد يصلون الضحى، فقلنا: ما هذه الصلاة؟ فقال: بدعة ". ومحمله عندي على أحد وجهين: إما أنهم كانوا يصلون جماعة. وإما أنهم كانوا يصلونها معا أفذاذا على هيئة النوافل في أعقاب الفرائض. * وروى مالك في " موطئه " عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لو»

стр. 24

«رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده؛ لمنعهن المساجد كما مُنِعَهُ نِسَاءُ بني إسرائيل» . قالت عائشة ﵂ في " مصنف عبد الرزاق " -: «وكان نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلا من خشب؛ ليشرفن بها على الرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلط عليهن الحيض» . وقال ابن مسعود: " كان رجال بني إسرائيل ونساؤهم يصلون جميعا، فإذا كان للمرأة خليل؛ لبست القالبين من خشب تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض ". وكان ابن مسعود يقول: " أخروهن من حيث أخرهن الله ". وكان لإبراهيم ثلاث نسوة، ما صلت واحدة منهن في مسجد الحي. وقال الليث: " إنما منع نساء بني إسرائيل المساجد؛ لأنهن أكثرن التطيب، حتى إن إحداهن كانت تملأ يديها مسكا، فإذا مرت بمسجد فيه رجال؛ مالت بيدها كأنها تسوي ثيابها، فرمت به على الرجال ". هذا قول عائشة، وهي تعلم أن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ، فرأت ترك السنة؛ حذرا من التذرع إلى الباطل. قال علماؤنا: والذي أنكرت عائشة على نساء المسلمين: التطيب،

стр. 25

والتجمل، وقلة الستر والملابس، وإنما كن في زمان النبي ﷺ يلبسن المروط فيخرجن بها متلفعات، وقد قال الرسول ﷺ : «إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء؛ فلا تمسن طيبا» . وأعظم من ذلك ما يوجد اليوم في هذا الختم من اختلاط الرجال والنساء وازدحامهم وتلاصق أجساد بعضهم ببعض، حتى بلغني أن رجلا ضم امرأة من خلفها فعبث بها في مزدحم الناس! وجاءت إلينا امرأة تشكو، فقالت: حضرت عند الواعظ في المسجد الجامع، فاحتضنني رجل من خلفي والتذ مني في مزدحم الناس، فما حال بينه وبين ذلك مني إلا الثياب! ! فأقسمتْ ألا تحضره أبدا. وروى مالك في " موطئه " عن ابن عمر: " أنه رأى رجلا يدعو ويشير بأصبعين، أصبع من كل يد، فنهاه ".

стр. 26

باب في صلاة التراويح وأحكامها وكيف كان بدؤها ومستقرها أعلم أن الأصل في صلاة التراويح ما رواه مالك في " موطئه " والبخاري ومسلم وأبو داود في " سننه " عن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ يرغب في قيام رمضان؛ من غير أن يأمر بعزيمة، ثم يقول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» . وروي: «من قام رمضان» . قال ابن شهاب: " فتوفي النبي ﷺ والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ". وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح؛ قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم» . وذلك في رمضان.

стр. 27

رواه مالك وأبو داود. وروته عائشة ﵂ أيضا؛ قالت: «كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعا، فأمرني رسول الله ﷺ ، فضربت له حصيرا، فصلى عليه ... » . وساقت القصة إلى أن قال النبي ﷺ : «أيها الناس! أما والله ما بت ليلتي هذه بحمد الله غافلا، ولا خفي علي مكانكم ... » . وروى أبو ذر؛ قال: «صمنا مع النبي ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة. فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف؛ حسب له قيام الليلة، فلما كانت الرابعة لم يقم بنا، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح - قلت: وما الفلاح؟ قال: السَّحُورُ -، ثم لم يقم بنا بقية الشهر» . وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر؛ أحيى الليل، وشد المئزر، وأيقظ أهله» .

стр. 28

وروى أبو هريرة؛ قال: «خرج النبي ﷺ فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟. فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي [بهم] ، وهم يصلون بصلاته. فقال النبي ﷺ : أصابوا، ونعم ما صنعوا» . قال أبو داود: " هذا الحديث ليس بالقوي، يرويه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف ". وروى مالك في " موطئه " عن أبي سلمة أنه سأل عائشة ﵂: «كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» .

стр. 29

وروى مالك في " موطئه " عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: «خرجنا مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل. فجمعهم على أبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» . يعني: آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. وقال أبو أمامة الباهلي: " ابتدعتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، فدوموا عليه إذا فعلتموه؛ فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، ولم يراعوها، فعابهم الله تعالى بتركها "، ثم قرأ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ إلى آخر الآية.

стр. 30

١ - شرح هذه المتون، ووجه الجمع بينها اعلم أن أصل قيام رمضان ثبت على عهد رسول الله ﷺ بقوله وفعله: أما قوله ﵇؛ فترغيبه في قيامه على ما بيناه أولا. وأما فعله؛ فجمعه بالناس ليلتين. فإن قال قائل: فالنبي ﷺ قد ترك بقية الشهر ولم يصل معهم! ؟ فالجواب: أن هذا لا يدل على نسخ الجمع فيها؛ لأنه ﵇ علل الامتناع بأنه خشي أن يفرض عليهم؛ إما لما جرت به عادته من أن ما داوم عليه على وجه الاجتماع من القرب؛ يفرض على أمته. قالت عائشة ﵂: «إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يجب أن يعمل به؛ خيفة أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم» . قالت: «وما سبح النبي ﷺ سُبْحَةَ الضحى قط، وإني لأسبحها» . قال القاضي أبو بكر: " ويحتمل أن الله تعالى أوحى إليه إن واصل هذه الصلاة معهم؛ فَرَضَهَا عليهم؛ إما لإرادته فرضها فقط على ما نذهب إليه من أن أفعال القديم تعالى غير معللة، أو لأنه يحدث فيهم من الأحوال والاعتقاد ما يكون الأصلح لهم فرض هذه الصلاة عليهم، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده - إذا داوم عليها - وجوبها على الناس ". وهذه المعاني كلها مأمونة بعد موت النبي ﷺ .

стр. 31

وإذا كان كذلك؛ فقد زالت العلة المانعة من الاجتماع بانقطاع الفروض بعده، فثبت جواز الاجتماع لقيام رمضان. فهذا الحديث أصل في جواز الاجتماع للنافلة في رمضان. فإن قيل: فأبو بكر ﵁ لم يصلها معهم، وكذلك عمر؛ لأنه قال: " ... ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر "، وكذلك علي لم يصلها! قلنا: أما أبو بكر؛ فشغله أهل الردة وتدبير أمور الإسلام مع قصر مدته عن النظر في جمع المسلمين عليها. ويحتمل أن يكون رأى من قيام الناس في آخر الليل وقوتهم عليه ما كان أفضل عنده من جمعهم على إمام في أول الليل. وأما علي بن أبي طالب ﵁؛ فروى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي: " أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يسلم بهم في كل ركعتين، ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات ". وإنما نسب إلى عمر؛ لأنه جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ليلة، فإذا كان العشر الأواخر تخلف في بيته، فيقال: أبِقَ أُبَيٌّ.

стр. 32

فأما الجماعة في سائر النوافل؛ فروى ابن حبيب عن مالك؛ قال: " ليس من الأمر الذي يواظب عليه العامة أن يصلي الرجل بالنفر سبحة الضحى وغيرها من النافلة بالليل والنهار غير نافلة رمضان؛ إلا أن يكون نفرا قليلا، الرجلين والثلاثة ونحوه، من غير أن يكون أمرا كثيرا مشهورا ". كأنه خاف أن يظنها كثير من الناس من جملة الفرائض لو ظهر الاجتماع لها، وأمن ذلك في رمضان؛ لما اشتهر من أنه نافلة، وقد قيل غير ذلك. ٢ - فرع وهل الأفضل أن تصلى في البيوت أو في المساجد والجماعات؟ قال مالك في " المدونة ": " قيام الرجل في بيته أحب إلي لمن قوي عليه ". قال: " وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وبه قال ابن عمر ". وقال عبيد الله: " رأيت مشيختنا: القاسم وسالما ونافعا ينصرفون من العشاء في رمضان ولا يقومون مع الناس ". وقال أبو يوسف: " من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان؛ فأحب إلي أن يصلي في بيته ".

стр. 33

واختلف أصحاب الشافعي عليه، وذلك أنه قال: " فأما قيام رمضان؛ فصلاة المنفرد أحب إلي منه ". فمن أصحابه من حمل كلامه على ظاهره، والمراد به: إذا كانت صلاته لا تخل بصلاة أهل المسجد؛ فإنه يصلي في بيته؛ لتكون صلاته أخلص وأطول. وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي من أصحابه: " صلاة التراويح جماعة أفضل من الانفراد؛ لإجماع الصحابة على ذلك؛ لأن عمر جمع الناس على أبي، فكان يصلي عشرين ليلة، وإجماع الأعصار عليه ". وتأولوا قول الشافعي أن صلاة المنفرد أفضل منه؛ يعني: الوتر وركعتي الفجر. واحتج من اختارها في البيوت بقول النبي ﷺ : «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة» . قال ابن حبيب: «رغب النبي ﷺ في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فقام الناس وحدانا؛ منهم في بيته، ومنهم في المسجد. فمات النبي ﷺ والأمر على ذلك، وكان الناس كذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم رأى عمر أن يجمعهم، فأمر أبيا وتميما أن يصليا بهم إحدى عشرة ركعة بالوتر» . فرع

стр. 34

٣ - فرع [صلاتها في البيت] فإذا صلاها في بيته؛ فهل الأفضل له أن يصليها منفردا أو يصليها بأهل بيته وإخوانه إن حضروا؟ قلنا: إن عبد الله بن هرمز كان يقوم في منزله بأهله. وأما قولها: «ما كان يزيد النبي ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة..» ؛ يدل على أن الأفضل قيام العام كله، ولهذا قالت: «وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيعه؟ ! كان عمله ديمة» . فلما علم أن أمته لا تطيق من ذلك ما يطيقه؛ حضهم على أفضل الأوقات بالعمل، وهو رمضان. ٤ - فرع [عدد القيام] وأما الكلام في عدد القيام؛ فلم يثبت فيه عدد على عهد رسول الله ﷺ ؛ لأنه إنما صلى بهم ليلتين، ثم تخلف في بيته، ولم ينقل أحدٌ كم صلى فيها من ركعة. وأثبت حديث فيه حديث عائشة: «ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا»

стр. 35

«في غيره على إحدى عشرة ركعة» . وهو الذي أمرهم به عمر في أول الأمر، ثم ضعفوا عن طول القيام، فجعلها عشرين على ما سنبينه. واختلفت الرواية فيما كان يصلي به في زمن عمر: فروى مالك عن السائب بن يزيد: أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. وقال: " وكان القارئ يقوم بالمائتين حتى كنا نعتمد على العِصِيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فُروعِ الفجر ". وهذه الرواية موافقة لقول عائشة ﵂. وقال مالك - في " مختصر ما ليس في المختصر " -: " والذي آخذ به في نفسي في قيام شهر رمضان الذي جمع عمر عليه الناس: إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة النبي ﷺ ، وإحدى عشرة من ثلاث عشرة قريب ". وروى يزيد بن رومان: " أن عمر لما جمع الناس على أبي صلى بهم عشرين ركعة ". وروى مالك عن نافع قال: " أدركت الناس يقومون بتسع وثلاثين

стр. 36

ركعة، يوترون منها بثلاث ". قال مالك: " وهو الذي لم يزل عليه الناس، وهو الذي كان في زمن عثمان ". وروي أن أول من أمرهم به معاوية بن أبي سفيان. وروي أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء يقومون بذلك. قال عبد الله بن أبي بكر: " وكنا ننصرف فنتعجل السحور خيفة الفجر ". قال مالك - في كتاب ابن شعبان -: " ويكره تأخير الختم إلى آخر رمضان ". وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل: " التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين ". ووجه حديث يزيد بن رومان، ووجه ما اختاره مالك: اتفاق أهل المدينة عليه. وقد قال لنا بعض العلماء: إنما اختص أهل المدينة بهذا العدد؛ لأنهم أحبوا أن يساووا أهل مكة؛ لأن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل

стр. 37

أهل المدينة مكان كل طواف أربع ركعات، فزادوا ست عشرة ركعة، وأوتروا بثلاث، فصار ذلك تسعا وثلاثين ركعة! ! قال: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك؛ لأن أهل المدينة شرفوا بمهاجرة رسول الله ﷺ وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة؛ بخلاف غيرهم! وأجاب أصحابنا بجواب سديد تتفق عليه الأخبار، فقالوا: يحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشرة ركعة، وأمرهم مع ذلك بطول القراءة؛ يقرأ القارئ بالمائتين في الركعة؛ لأن التطويل في القراءة أفضل الصلاة، فلما ضعف الناس عن ذلك؛ أمرهم بثلاث وعشرين ركعة تخفيفا من طول القيام، فاستدرك نقص الفضيلة بزيادة الركعات، فكان يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات أو اثنتي عشرة ركعة - على حديث الأعرج -. ورواه مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان. قال: " وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة؛ رأى الناس أنه قد خفف ". هذه الآثار الثلاثة رواها مالك في " موطئه ".

стр. 38

وقد قيل: إنه كان يقرأ من ثلاثين آية إلى عشرين، وكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، فثقل عليهم القيام، فنقصوا من القراءة وزادوا في عدد الركعات، فجعلت ستا وثلاثين ركعة، والوتر بثلاث، فمضى الأمر على ذلك! وأمر عمر بن عبد العزيز في أيامه أن يقرأ في كل ركعة بعشر آيات. وكره مالك أن ينقص من ذلك أو تمد القراءة. وهذا الذي مضى عليه الأمر، واتفق عليه رأي الجماعة، فكان هو الأفضل لمعنى التخفيف. قال الشيخ أبو القاسم: " وهذا في الآيات الطوال، ويزيد على ذلك في الآيات الخفاف، وإنما هذا في الجماعات وفي المساجد، فأما المنفرد في خاصة نفسه؛ فإن استطاع أن يصلي بإحدى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بالمائتين؛ كان أفضل؛ لقول النبي ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» ". ٥ - فرع الفصل بين الترويحتين وجرت عادة الأئمة أن يفصلوا بين كل ترويحتين بركعتين خفيفتين

стр. 39

يصلونهما أفذاذا، إما لأنه أقرب إلى تصحيح عدد الركعات وأبعد من الغلط فيها، وإما أن يتمكن من فاتته ركعة مع الإمام من قضائها في تلك المدة. ويجوز لمن أراد أن يتنفل بين الترويحتين إذا أتم ركعتين وسلم، فإما أن يقف ويقرأ ينتظر الناس، فإذا قاموا؛ دخل معهم بإحرامه الأول، وأما بإحداث إحرام؛ فلا. ٦ - فرع وهل يؤمهم في المصحف؟ كانت عائشة يؤمها غلام لها في المصحف. قال الزهري: " كان خيارنا يقرؤون في المصحف، ولم يزل الناس يفعلون ذلك منذ كان الإسلام ". وبه قال ابن سيرين، ويحيى بن سعيد، والليث. وأباه ابن المسيب، وقال: " يصلي بما كان معه، ويعيد، ولا يقرأ في المصحف ". وبه قال الحسن؛ قال: " لا يقرأ في المصحف؛ كما يفعل اليهود والنصارى ". وفي كتاب ابن شعبان؛ قال: " لا يصلي الحافظ خلف القارئ في المصحف في شهر رمضان ". قال: " ويؤم الذي يحفظ شيئا من السور الطوال، أو يحفظ المفصل؛ يردد ذلك في شهر رمضان: أحب إلي من أن يؤمهم الذي لا يحفظ ويقرأ في

стр. 40

المصحف، فإن كان إنما يحفظ السورة الواحدة؛ فالذي يقرأ في المصحف أحب إلينا ". قال: " وقد قيل: يؤمهم في شهر رمضان في المصحف ". ومن تعايا عن القراءة في تنفله؛ تفكر قليلا، فإن تذكر، وإلا خطرف ذلك، وابتدأ سورة أخرى، ولا يسلم. ٧ - فصل [القنوت] وأما القنوت - وهو لعن الكفرة في رمضان -؛ فعن مالك فيه روايتان: قال في " المدونة ": " وليس العمل على القنوت في رمضان؛ لا في أوله، ولا في آخره، ولا في نافلة، ولا في الوتر أصلا ". هذه رواية ابن القاسم وعلي بن زياد. وروى ابن وهب وابن حبيب عن مالك: " أن ذلك مستحب في النصف الآخر من رمضان، فيقنت الإمام؛ يلعن الكفرة، ويؤمن من خلفه ". وبه قال ابن عمر، ومعاذ، وجماعة من التابعين. وروى محمد بن يحيى عن مالك في " المدونة " أنه قال: " يلعن الكفرة في رمضان إذا أوتر الناس، فصلى الركعتين، ثم قام في الثالثة، فركع، فإذا رفع
следующие страницы →