Полный текст (156 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ركعة، يوترون منها بثلاث ".
قال مالك: " وهو الذي لم يزل عليه الناس، وهو الذي كان في زمن عثمان ".
وروي أن أول من أمرهم به معاوية بن أبي سفيان.
وروي أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء يقومون بذلك.
قال عبد الله بن أبي بكر: " وكنا ننصرف فنتعجل السحور خيفة الفجر ".
قال مالك - في كتاب ابن شعبان -: " ويكره تأخير الختم إلى آخر رمضان ".
وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل: " التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين ".
ووجه حديث يزيد بن رومان، ووجه ما اختاره مالك: اتفاق أهل المدينة عليه.
وقد قال لنا بعض العلماء: إنما اختص أهل المدينة بهذا العدد؛ لأنهم أحبوا أن يساووا أهل مكة؛ لأن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل
стр. 37
أهل المدينة مكان كل طواف أربع ركعات، فزادوا ست عشرة ركعة، وأوتروا بثلاث، فصار ذلك تسعا وثلاثين ركعة! !
قال: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك؛ لأن أهل المدينة شرفوا بمهاجرة رسول الله ﷺ وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة؛ بخلاف غيرهم!
وأجاب أصحابنا بجواب سديد تتفق عليه الأخبار، فقالوا: يحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشرة ركعة، وأمرهم مع ذلك بطول القراءة؛ يقرأ القارئ بالمائتين في الركعة؛ لأن التطويل في القراءة أفضل الصلاة، فلما ضعف الناس عن ذلك؛ أمرهم بثلاث وعشرين ركعة تخفيفا من طول القيام، فاستدرك نقص الفضيلة بزيادة الركعات، فكان يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات أو اثنتي عشرة ركعة - على حديث الأعرج -.
ورواه مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
قال: " وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة؛ رأى الناس أنه قد خفف ".
هذه الآثار الثلاثة رواها مالك في " موطئه ".
стр. 38
وقد قيل: إنه كان يقرأ من ثلاثين آية إلى عشرين، وكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، فثقل عليهم القيام، فنقصوا من القراءة وزادوا في عدد الركعات، فجعلت ستا وثلاثين ركعة، والوتر بثلاث، فمضى الأمر على ذلك!
وأمر عمر بن عبد العزيز في أيامه أن يقرأ في كل ركعة بعشر آيات.
وكره مالك أن ينقص من ذلك أو تمد القراءة.
وهذا الذي مضى عليه الأمر، واتفق عليه رأي الجماعة، فكان هو الأفضل لمعنى التخفيف.
قال الشيخ أبو القاسم: " وهذا في الآيات الطوال، ويزيد على ذلك في الآيات الخفاف، وإنما هذا في الجماعات وفي المساجد، فأما المنفرد في خاصة نفسه؛ فإن استطاع أن يصلي بإحدى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بالمائتين؛ كان أفضل؛ لقول النبي ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» ".
٥ - فرع
الفصل بين الترويحتين
وجرت عادة الأئمة أن يفصلوا بين كل ترويحتين بركعتين خفيفتين
стр. 39
يصلونهما أفذاذا، إما لأنه أقرب إلى تصحيح عدد الركعات وأبعد من الغلط فيها، وإما أن يتمكن من فاتته ركعة مع الإمام من قضائها في تلك المدة.
ويجوز لمن أراد أن يتنفل بين الترويحتين إذا أتم ركعتين وسلم، فإما أن يقف ويقرأ ينتظر الناس، فإذا قاموا؛ دخل معهم بإحرامه الأول، وأما بإحداث إحرام؛ فلا.
٦ - فرع
وهل يؤمهم في المصحف؟
كانت عائشة يؤمها غلام لها في المصحف.
قال الزهري: " كان خيارنا يقرؤون في المصحف، ولم يزل الناس يفعلون ذلك منذ كان الإسلام ".
وبه قال ابن سيرين، ويحيى بن سعيد، والليث.
وأباه ابن المسيب، وقال: " يصلي بما كان معه، ويعيد، ولا يقرأ في المصحف ".
وبه قال الحسن؛ قال: " لا يقرأ في المصحف؛ كما يفعل اليهود والنصارى ".
وفي كتاب ابن شعبان؛ قال: " لا يصلي الحافظ خلف القارئ في المصحف في شهر رمضان ".
قال: " ويؤم الذي يحفظ شيئا من السور الطوال، أو يحفظ المفصل؛ يردد ذلك في شهر رمضان: أحب إلي من أن يؤمهم الذي لا يحفظ ويقرأ في
стр. 40
المصحف، فإن كان إنما يحفظ السورة الواحدة؛ فالذي يقرأ في المصحف أحب إلينا ".
قال: " وقد قيل: يؤمهم في شهر رمضان في المصحف ".
ومن تعايا عن القراءة في تنفله؛ تفكر قليلا، فإن تذكر، وإلا خطرف ذلك، وابتدأ سورة أخرى، ولا يسلم.
٧ - فصل
[القنوت]
وأما القنوت - وهو لعن الكفرة في رمضان -؛ فعن مالك فيه روايتان:
قال في " المدونة ": " وليس العمل على القنوت في رمضان؛ لا في أوله، ولا في آخره، ولا في نافلة، ولا في الوتر أصلا ".
هذه رواية ابن القاسم وعلي بن زياد.
وروى ابن وهب وابن حبيب عن مالك: " أن ذلك مستحب في النصف الآخر من رمضان، فيقنت الإمام؛ يلعن الكفرة، ويؤمن من خلفه ".
وبه قال ابن عمر، ومعاذ، وجماعة من التابعين.
وروى محمد بن يحيى عن مالك في " المدونة " أنه قال: " يلعن الكفرة في رمضان إذا أوتر الناس، فصلى الركعتين، ثم قام في الثالثة، فركع، فإذا رفع
стр. 41
رأسه من الركوع؛ وقف يدعو على الكفرة ويلعنهم ويستنصر للمسلمين، ويدعو مع ذلك بشيء خفيف غير كثير، وكان للإمام دعاء معروف يجهر به كما يجهر بالقراءة، وإنه لحسن، وهو أمر محدث لم يكن في زمان أبي بكر وعمر وعثمان ".
قال ابن القاسم: " كان مالك ينكره إنكارا شديدا ".
قال: " ولا أرى أن يعمل به ".
قال محمد بن يحيى عن مالك: " كان الناس يدعون به ليلة خمس عشرة من الشهر ".
وقال أبو حنيفة وأحمد: " يستحب القنوت في الوتر في جميع السنة ".
وقال الشافعي: " يستحب في النصف الآخر من شهر رمضان ".
واحتج أبو حنيفة بما روى أبي بن كعب قال: «كان النبي ﷺ يوتر بثلاث: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، ويقنت في الثالثة قبل الركوع» .
ووجه من اختاره في النصف الآخر ما روي: " أن أبيا صلى بالناس في النصف الأول فلم يقنت، ثم مرض، فصلى مكانه معاذ، فقنت ".
وروي " أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يقوم بهم عشرين
стр. 42
ليلة، ولا يقنت إلا في النصف الثاني ".
فحصل الاتفاق منهما، ومن سائر الصحابة الذين لم ينكروا على واحد منهما، على أن القنوت مشروع في النصف الآخر كما اختص بالركعة الأخيرة من صلاة الصبح.
ووجه الرواية الثانية ما قاله مالك؛ أن هذا الأمر لم يدرك العمل عليه
стр. 43
بالمدينة، ولأنها صلاة وتر، فلم يكن القنوت مشروعا فيها كالمغرب.
فأما ما احتج به أبو حنيفة، فقال أبو داود: " خبر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح "، وعلى أنا نخصه بما ذكرنا.
فهذه جمل من أحكام قيام رمضان، ومنشئها، ومستقرها، وما روي فيها عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وسائر الأئمة الراشدين على ما رواه مالك والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وسائر مصنفات المسلمين ودواوينهم الفقهية، لم يرووا في شيء من ذلك ما أحدثه الناس من هذه البدع؛ من نصب المنابر عند ختم القرآن، والقصص، والدعاء، بل قد حفظ عنهم النهي عن ذلك على ما رويناه.
٨ - فصل
[ختم القرآن]
فأما ما أحدثه الناس من الخطب في أعقاب الختم؛ فقال مالك: " ليس ختم القرآن بسنة لقيام رمضان ".
وأنكر مالك والأئمة أن يقرأ أحدهم في غير الموضع الذي انتهى إليه الآخر.
стр. 44
وقال مالك في " المدونة ": " الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء ".
فتأملوا - رحمكم الله -، فقد نهى مالك أن يقص أحد في رمضان بالدعاء، وحَكَى أن الأمر المعمول به في المدينة إنما هو الصلاة من غير قصص ولا دعاء.
وروى محمد بن أحمد في " المستخرجة " عن ابن القاسم؛ قال: " سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ فقال: ما سمعت أنه يدعى عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس ".
وهذه المسألة ذكرها ابن شعبان عن مالك أيضا في " مختصر ما ليس في المختصر "، وذكرها الشيخ أبو الحسن القابسي بالقيروان في " الكتاب الممهد "، وقد كانت القيروان دار العلم بالمغرب، ولم يكن في عصره من فقهاء المغرب أعلم منه.
وأعظم من هذا مسألة قالها مالك في " مختصر ما ليس في المختصر "؛ قال مالك: " لا بأس أن يجتمع القوم في القراءة عند من يقرئهم أو يفتح على كل واحد منهم فيما يقرأ ".
قال: " ويكره الدعاء بعد فراغهم ".
وهذا غاية ما يكون في إنكار الأمور المحدثة.
стр. 45
قال: وروى ابن القاسم أيضا عن مالك: " أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه، فأنكر، وقال: لا تقلص تقليص اليهود "
قال مالك: " التقليص: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين ".
وروى ابن القاسم أيضا؛ قال: " سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع، وأنكر ذلك إنكارا شديدا ".
قال بعض أصحابنا: إنما عنى بهذا: الوقوف للدعاء، فأما عند دخوله وخروجه ماشيا؛ فحسن جائز، وقد وردت فيه آثار عن رسول الله ﷺ .
قال: " وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو؟ فقال: ما سمعته، إنما هو شيء أحدثه المسودة. قيل له: إن بعض البلدان يكبرون دبر المغرب والصبح؟ فقال: هذا مما أحدثوه ".
وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما؟ فقال: " ليس بصواب، ولا أحب لأحد أن يفعله ".
٩ - فصل
في توجيه هذا الأصل
اعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب إنما هو حماية الذرائع، وألا يزاد في الفروض ولا في السنن المسننة، وألا يعتقد أيضا في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة.
стр. 46
وهذا الأصل؛ كل من أباه في الجملة قد قال به في التفصيل فنذكر أولا موافقة أبي حنيفة والشافعي لمالك في هذا الأصل:
فمن ذلك أن مالكا كره صيام ست من شوال، ووافقه أبو حنيفة، فقال: " لا أستحب صيامها "، وخالفهما الشافعي، فقال: " يستحب صيامها "!
والحديث منصوص فيه، رواه البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال؛ فكأنه صام الدهر» .
ولا حجة لمالك وأبي حنيفة إلا أنهما قالا: " التزام هذا يؤدي إلى الزيادة في الفروض، فيجيء الأعراب، وينشأ الأطفال، فإن رأوا الأسلاف والعموم يداومون على صومه؛ اعتقدوه فرضا "!
وعلى هذا المنهاج تدرج صوم النصارى حتى صار خمسين يوما، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم صوم شهر رمضان، وذلك بين في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، فأقاموا عليه برهة من دهرهم، فاشتد عليهم؛ لأنه ربما أتاهم في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، فيضرهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف! فجعلوه في الربيع، وزادوا فيه عشرة أيام؛ كفارة لما صنعوا، فصار أربعين يوما! ! ثم اشتكى ملك
стр. 47
لهم، فجعل لله عليه إن برئ من مرضه في صومه أسبوعا، فبرئ، فزادوه، ثم مات، فوليهم آخر، فقال: لو أكملتموه خمسين يوما!
قال الحسن والشعبي وجماعة من العلماء: " وعلى هذا دل حديث عثمان في الإتمام في السفر ".
وقد بيناه.
وأما الشافعي؛ فقد وافق مالكا في أن الأضحية سنة، وخالفهما أبو حنيفة، وقال: " واجبة ".
واحتج أصحاب مالك والشافعي جميعا بالأسلوب الذي ذكرناه في الباب الثالث؛ من ترك أبي بكر وعمر وجابر وابن عباس الأضحية؛ مخافة أن يرى الناس أنها واجبة!
وهؤلاء الأئمة الثلاثة - وهم أثافي الإسلام - تركوا سنة ثابتة عن الرسول ﷺ ، فلم لا يجوز أن نترك الخطب ونصب المنابر عند الختم في رمضان؛ خوفا من أن يظن الناس أن الخطبة عقيب الختم في رمضان سنة ثابتة عند هذين الشيئين - أعني: الختم والصوم -، وأن الرسول ﷺ إنما سن قيامه وتلاوة القرآن فيه على هذا الوجه؟
стр. 48
وهكذا ذكر ابن شعبان في كتابه عند ذكره جملا من هذه الأمور المحدثة؛ قال: " ... إنما كرهه مالك؛ خيفة أن يلحق بما يجب فعله حتى يتخذ أمرا ماضيا ".
وما لنا نقدر ذلك؟ ! بل قد وجدنا ما كنا نحذر! فأكثر المسلمين اليوم يعتقدون أن الرسول ﷺ إنما شرع قيام رمضان على هذا الوجه، وأن ترك ذلك بدعة، مع القطع بأن رسول الله ﷺ لم يجمع في رمضان إلا ليلتين، ولم ينقل أحد من المسلمين عدد الركوع، ولا دعاء، ولا خطبة.
وقد بيناه.
وهذا المذهب أيسر؛ لأنه ليس فيه ترك سنة، وفي ترك صيام ست من شوال وترك الأضحية ترك السنن، فهو بالإنكار أحق.
فإن خالفنا أحد من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، ممن لا يطلع على أسرار المذهب وأغوار الأصول ولم يتحقق بالكليات، وإنما نظر في الأطراف والجزئيات، فقال: إن هذا ذكر لله تعالى، وتحميد، وثناء، ودعاء، واجتماع من المسلمين على طاعة الله، وفيه إظهار شعائر الإسلام؛ فينبغي أن يكون مشروعا مستحبا كنفس القيام!
فالجواب أن نقول: هذا منقوص بما لا قبل لكم به: منها صيام ست من شوال على أصل أبي حنيفة، وترك الأضحية على أصل الشافعي؛ فإن هذه قرب وطاعات، ومناسك وعبادات، ثم كان تركها - عند خوف البدعة - خيرا من فعلها.
ثم نقول: الذكر والثناء قد يكون استحبابه مشروطا بشروط؛ كما في
стр. 49
الصيام والأضحية، وكما أن قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بدعة، وإن كان على غير هذا الوجه قربة.
وينتقض بالخطبة والدعاء صبيحة الختم بالنهار، فلو أنه ختم بالليل ثم نصب كرسيه واختطب ودعا بالنهار؛ لكان مبتدعا! وإن كان ذكرا لله تعالى ودعاء!
وينتقض بالخطبة والدعاء في آخر الشهر؛ فإن الناس لو نصبوا الكراسي واختطبوا ودعوا في أول ليلة من رمضان، وحضوا المسلمين على صيامه وقيامه والتشمير للعبادة في ليله ونهاره؛ لكان مبتدعا منهيا عنه!
وهذا أشبه مما صرتم إليه؛ فإن الناس في أول الشهر أحوج إلى الخطبة والدعاء والتنبيه على خدمة مولاهم في هذا الشهر منهم إلى ذلك في آخره.
ويشهد لذلك أيضا أصول الشرع:
ألا ترى أن يوم الفطر والأضحى إنما شرعت الخطبة فيهما في أول النهار، فيختطب في صبيحة الأضحى، فيعلم الناس أمر مناسكهم وضحاياهم وقربانهم، ثم لو فعل ذلك في أول الشهر لم يجز، كذلك في آخره؟
стр. 50
١٠ - فصل
[شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه]
في الكلام على فريق من العامة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، حتى قال بعض الأغبياء: إن القيروان كانت دار العلم بالمغرب، ولم يزل هذا الأمر بها فاشيا، لا منكر له! !
فالجواب أن نقول: شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه.
ألا ترى أن بيع الباقلاء في قشرته شائع في أقطار أهل الإسلام وعند الشافعي لا يجوز؟
والاستئجار على الحج شائع في بلاد أهل الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز؟
стр. 51
واقتعاط العمائم شائع في أهل الإسلام، وهو بدعة منكرة.
والاقتعاط: هو التعميم دون الحنك:
نظر مجاهد رجلا قد اعتم ولم يتحنك، فقال: " اقتعاط كاقتعاط الشيطان؟ ! ".
فهي عمامة الشيطان، وهذه كانت عمائم قوم لوط أصحاب المؤتفكات.
وروى أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في " غريب الحديث ": " أن النبي ﷺ أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط ".
يقال للعمامة إذا لاثها على رأسه ولم يجعلها تحت حنكه: اقتعطها،
стр. 52
وهو المنهي عنه، وإذا أدارها تحت حنكه؛ يقال: تلحاها، وهو المأمور.
وإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز؟
والتقنع بالثوب على الرأس شائع في بلاد المغرب، وهم أتباع مالك بن أنس، وقد سئل مالك عن التقنع؟ فقال: " أما لحر، أو لبرد أو لغيره من العذر؛ فلا بأس به، وأما لغير ذلك؛ فلا ".
قال: " وكان أبو النضر يلزمه لحر يجده ".
قال: " ورأت سكينة - أو فاطمة - بنت الحسين بعض ولدها مقنعا رأسه، فقالت: اكشف القناع عن رأسك؛ فإن التقنع ريبة بالليل، ومذلة بالنهار ".
قال مالك: " وأنا أكرهه لغير عذر، وما علمته حراما، ولكنه ليس من لباس خيار الناس ".
فهذه بدعة منكرة كما ترى، قد صارت سنة في خيار الناس اليوم، وقد روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: " ما دخلت الخلاء مذ أسلمت إلا مقنعا رأسي حياء من ربي ".
وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبا، فقالت له: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد ﷺ ؛ إلا أنهم يصلون جميعا، وما روينا هنالك من الآثار!
стр. 53
فإنه لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ !
وأما من تعلق بفعل أهل القيروان؛ فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة!
فنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فرده عليه سائر فقهاء الأمصار، هذا وهو بلد رسول الله ﷺ ، وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟ !
وأيضا؛ فإنما كان يكون فيه متعلق لو نقلتم عن علماء القيروان أنهم أفتوا بهذا؛ لأن الاقتداء إنما يكون بالعلماء لا بالعوام، وهذا ما لا ينقلونه أبدا، وإنما كان يفعله العوام والغوغاء، فإنكارنا عليهم كإنكارنا عليكم.
والدليل على هذا أن الفتيا بالقيروان إنما كانت على مذهب أهل المدينة، وقد كان القوم من أشد الناس تمسكا بمذهب مالك، فكان علماؤنا إنما يقومون في رمضان في بيوتهم؛ لقول مالك: " قيام الرجل في بيته لمن قوي عليه أحب إلي "، وكان الغالب عليهم الورع والاتباع، وقد قال لهم في " المدونة ": " ليس الشأن في رمضان القصص بالدعاء "، فيبعد من حالهم أن يحدثوا هذه البدعة، وينصبوا المنابر، ويخطبوا عند الختم!
ولو كان هذا؛ لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم، والخلف عن السلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا أحد ممن يعتقد علمه، ولا
стр. 54
ممن هو في عداد العلماء؛ علم أن هذه حكاية العوام والغوغاء.
ثم يقال لهم: بم تنفصلون ممن يعارضكم بشكل آخر من جنسه، فيقول لكم: إن قرطبة أعظم من القيروان، وهي دار العلم والخلافة - فقد فضلت القيروان بالخلافة -، ثم لم يعهد فيها قط خطبة ولا منبر ولا دعاء ولا اجتماع عند ختم القرآن في رمضان؟
فإن قيل: فهل يأثم فاعل ذلك؟
فالجواب أن يقال: أما إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض، يستمعون الذكر، ولم تنتهك فيه شعائر الرحمن؛ فهذه البدعة التي كرهها مالك.
وأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان؛ من اختلاط الرجال والنساء، ومضامة أجسامهم، ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريبة، ومعانقة بعضهم لبعض - كما حكي لنا أن رجلا وجد يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس! وحكت لنا امرأة أن رجلا واقعها فما حال بينهما إلا الثياب! وأمثال ذلك من الفسق واللغط -؛ فهذا فسوق، فيفسق الذي يكون سببا لاجتماعهم.
فإن قيل: أليس روى عبد الرزاق في " التفسير ": " أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله "؟
стр. 55
قلنا: فهذا هو الحجة عليكم؛ فإنه كان يصلي في بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر، وتلفيق الخطب على رؤوس الأشهاد، فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء، وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر، ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان؟ !
وأيضا؛ فإنه ما روي أنه دعا، وإنما جمع أهله فحسب.
وأيضا؛ فإن عمر سمع رجلا يقول: واحبذا صفرة ماء ذراعيها! لماء كانت قد توضأت به امرأة فبقي من أثر الزعفران، فعلاه بالدرة.
وروي أنه نهى أن يجلس الرجل في مجلس المرأة عقيب قيامها منه.
فكل من قال بأصل الذرائع؛ يلزمه القول بهذا الفرع، ومن أبى أصل الذرائع من العلماء؛ يلزمه إنكاره؛ لما يجري فيه من اختلاط الرجال والنساء.
١١ - فصل
في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين
روى مسلم في " الصحيح " أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم؛ اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» .
стр. 56
فتدبر هذا الحديث؛ فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله.
وقد صرف عمر هذا المعنى تصريفا، فقال: " ما خان أمين قط، ولكنه اؤتمن غير أمين فخان ".
ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم؛ فضل وأضل.
وكذلك فعل ربيعة؛ قال مالك: " بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا، ولكنه استفتي من لا علم عنده ".
وروى البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله
стр. 57
صلى الله عليه وسلم: «قبل الساعة سنون خداعات، يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون فيهن الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيهن الرويبضه» .
قال أبو عبيد: " هو الرجل التافه الخسيس ينطق في الأمور العامة ".
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " قدعلمت متى يهلك الناس: إذا جاء الفقه من قبل الصغير؛ استعص عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير؛ تابعه الصغير، فاهتديا ".
وقال عبد الله بن مسعود: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم؛ هلكوا.
وتناقش العلماء فيما أراد عمر بالصغار:
стр. 58
فأما عبد الله بن المبارك؛ فقال: " الأصاغر: هم أهل البدع ".
قال أبو بكر بن ثابت الخطيب الحافظ: " إنما أراد به صغير السن، وفي هذا ندب إلى التعليم في الصغر؛ مثل قول عمر أيضا: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا؛ أي: إن لم تتعلموا تسودوا؛ استحييتم من التعليم، فأخذتم العلم عن صغاركم ".
وأما أستاذنا القاضي أبو الوليد؛ فقال: " يحتمل أن يكون معنى الأصاغر: من لا علم عنده، وقد كان عمر بن الخطاب يستشير الصغار، وقد كان القراء أصحاب مشورته؛ كهولا كانوا أو شبابا، ويحتمل أن يريد بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة، فأما من التزمهما؛ فلا بد أن يسمو أمره ويعظم قدره ".
وقد روي عن مكحول أن قال: " تفقه الرعاع فساد الدنيا، وتفقه السِّفْلَةِ فساد الدين ".
وقال الفريابي: " كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم؛
стр. 59
تغير وجهه! فقلت له: يا أبا عبد الله! أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك؟ ! فقال: كان العلم في العرب وفي سادة الناس، فإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء - يعني: النبط والسفلة -؛ غير الدين ".
وقال سفيان: " كانوا يتعوذون بالله من شر فتنة العالم، ومن شر فتنة العابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ".
وقال وهب بن منبه: " جمع المال وغشيان السلطان لا يبقيان من حسنات المرء إلا كما يبقي ذئبان جائعان سقطا في حظار فيه غنم، فباتا يجوسان حتى أصبحا ".
وقال سفيان الثوري: " كان خيار الناس وأشرافهم الذين يقومون إلى هؤلاء الأمراء فيأمرونهم وينهونهم، وكان آخرون يلزمون بيوتهم، فكان لا ينتفع بهم ولا يذكرون، ثم بقينا حتى صار الذين يأتونهم فيأمرونهم شرار الناس، والذين لزموا بيوتهم خيار الناس ".
وقال محمد بن سحنون: " كان لبعض أهل العلم أخ يأتي القاضي والوالي بالليل، ويسلم عليهما، فبلغه ذلك، فكتب إليه: أما بعد؛ فإن الذي
стр. 60
يراك بالنهار يراك بالليل، وهذا آخر كتاب أكتبه إليك ".
قال محمد: " فعرضته على سحنون، فأعجبه، وقال: ما أسمجه بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه، فلا يوجد فيه، فيقال: إنه عند الأمير ".
وقال سحنون: " إذا أتى الرجل مجلس القاضي ثلاثة أيام متواليات من غير حاجة؛ فينبغي ألا تقبل شهادته ".
стр. 61
الباب الرابع
في نقل غرائب البدع وإنكار العلماء لها
١ -[فصل:
القراءة بالألحان]
فمن ذلك البدع المحدثة في الكتاب العزيز من الألحان والتطريب:
قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ؛ يعني: فصله تفصيلا، وبينه تبيينا، وترسل فيه ترسيلا، ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغر رتل ورتل؛ إذا كان مفلجا ذا فرج.
قال مالك: " ولا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره؛ لأنه يشبه الغناء، ويضحك بالقرآن، فيقال: فلان أقرأ من فلان ".
وبلغني أن الجواري يعلمن ذلك كما يعلمن الغناء! أترى هذا من القراءة
стр. 62
التي كان يقرأ بها رسول الله ﷺ ؟ !
وكذلك سعيد بن المسيب نهى عمر بن عبد العزيز وقد سمعه يطرب، فأرسل إليه سعيد، فنهاه عن التطريب، فانتهى.
وقال إبراهيم النخعي: " كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرؤوا القرآن؛ قرؤوا حدرا مرسلا بحزن ".
وقال عبد الله بن عمرو: يقال للقارئ يوم القيامة: اقرأ، واقرأ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا.
وقال حذيفة: " إذا قرأتم القرآن؛ فاقرؤوه بحزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلا ".
وقال محمد ابن سيرين: " أصوات القرآن محدثة ".
وقال كعب: " ليقرأن القرآن أقوام هم أحسن أصواتا من العازفات بعزفهن، ومن حداة الإبل لإبلهم؛ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ".
وقال أبو ذر: «سمعت النبي ﷺ يتخوف على أمته قوما يتخذون القرآن مزامير؛ يقدمون الرجل يؤمهم، ليس بأفقههم؛ إلا ليغنيهم» .
стр. 63
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " سمعت أبي وقد سئل عن القراءة بالألحان؟ فقال: محدث ".
وقال سلمان: " خطبنا علي يوما ... "، فذكر خطبة له طويلة، وذكر فيها فتنة قربها، وقال فيها: " ... تضيع حقوق الرحمن، ويتغنى بالقرآن ذو الطرب والألحان ".
فأما أصحاب الألحان؛ فإنما حدثوا في القرن الرابع؛ منهم: محمد بن سعيد صاحب الألحان، والكرماني، والهيثم، وأبان ... فكانوا مهجورين عند العلماء، فنقلوا القراءة إلى أوضاع لحون الأغاني، فمدوا المقصور، وقصروا الممدود، وحركوا الساكن، وسكنوا المتحرك، وزادوا في الحرف، ونقصوا منه، وجزموا المتحرك، وحركوا المجزوم؛ لاستيفاء نغمات الأغاني المطربة.
ثم اشتقوا لها أسماء، فقالوا: شذر، ونبر، وتفريق، وتعليق، وهز، وخز، وزمر، وزجر، وحذف، وتشريق، وإسجاح، وصياح!
ثم يقولون: مخرج هذا الحرف من الأنف، وهذا من الرأس، وهذا من الصدر، وهذا من الشدق! فما خرج من القحف؛ فهو صياح، وما خرج من
стр. 64
الجبهة؛ فهو زجر، وما خرج من اللهوات؛ فهو نبر، وما خرج من الأنف؛ فهو زمر، وما خرج من الحلق؛ فهو خرير وشذر، وما خرج من الصدر؛ فهو هرير!
وسموها لحونا، ثم جعلوا لكل لحن منها اسما مخترعا، فقالوا: اللحن الصقلبي، فإذا قرؤوا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يرقصون في هذه الآية كرقص الصقالبة بأرجلها وفيها الخلاخيل، ويصفقون بأيديهم على إيقاع الأرجل، ويرجعون الأصوات بما يشبه تصفيق الأيدي ورقص الأرجل، كل ذلك على نغمات متوازنة! !
ومن ذلك الرهب: أن نظروا إلى كل موضع في القرآن فيه ذكر المسيح؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ، فمثلوا أصواتهم فيه بأصوات النصارى والرهبان والأساقفة في الكنائس!
ومن ألحانهم في القرآن: النبطي، والرومي، والحساني، والمكي، والإسكندراني، والمصري، والكاروندي، والراعي، والديباجي، والياقوتي، والعروسي، والزرجون، والمرجي، والمجوسي، والزنجي، والمنمنم، والسندي، وغيرها؛ كرهنا ذكر التطويل بها.
فهذه أسماء ابتدعوها في كتاب الله تعالى ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ .
стр. 65
فالتالي منهم والسامع لا يقصدون فهم معانيه؛ من أمر، أو نهي، أو وعد، أو وعيد، أو وعظ، أو تخويف، أو ضرب مثل، أو اقتضاء حكم، أو غير ذلك مما أنزل به القرآن، وإنما للذة، والطرب، والنغمات، والألحان؛ كنقر الأوتار، وأصوات المزامير؛ كما قال الله يذم قريشا: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ .
وإنما أنزل القرآن لتتدبر آياته وتفهم معانيه:
قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ .
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ .
وهذا يمنع أن يقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يثمر ضد الخشوع، ونقيض الخوف والوجل.
وقوله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ .
وهذا يفيد الأمر بتلاوته على هذا الوجه، وأن بكاءهم إنما كان مما فهموا من معانيه، لا من نغمات القارئ.
стр. 66
فأين هذا من دق الرجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟ !
قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ .
فليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟ !
أألحان الكرماني ونغمات الترمذي، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟ !
قال بهز بن حكيم: " صليت خلف زرارة بن أوفى، فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ ، فخر ميتا، فكنت ممن حمله ".
وقال أبو الربيع إدريس الخولاني: " كان أبو بكر البصري قد أوتي الحزن وحسن الصوت، وقراءته تقع على القلب من فضله، وكان يأتي إلى الليث بن سعد فيقرأ عنده، ويبكي الليث وأصحابه، ويقول الليث: لقد جعل الله لقراءته سلطانا على الأعين ".
وقرأ رجل عند عمر بن الخطاب: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ، حتى إذا بلغ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ ؛ قال عمر: " بهذا جرى الحديث ".
стр. 67
وإنما كان همه في معنى الآية، لا في ترجيع ونغمة.
قال ابن أبي عبلة: " كانت أم الدرداء تأتينا من دمشق إلى بيت المقدس على بغلة لها، فإذا مرت بالجبال؛ تقول لقائدها: أسمع الجبال ما وعدها ربها، فيرفع صوته بهذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ ".
وروى مالك قال: " قيل لزيد بن ثابت: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إلي، وسلني: لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال: كي أتدبره وأقف عليه ".
٢ - فصل
في معنى الألحان
قد ذكرنا أن مالكا كره القراءة بالألحان:
стр. 68
قال مالك: " ولا يعجبني النبر والهمز في القراءة ".
وقال نافع بن أبي نعيم: " سمعت عبد الله بن هرمز يسأل عن النبر في القراءة؟ فقال: إن كانت العرب تنبر؛ فإن القرآن أحق أن ينبر ".
وقال محمد بن جعفر: " نهيت عن نبر القرآن في النوم ".
ومعنى هذا أن يمطط الحروف، ويفرط في المد، ويشبع الحركات حتى تصير حروفا؛ فإنه متى أشبع حركة الفتح؛ صارت ألفا، وإن أشبع حركة الضم صارت واوا، وإن أشبع حركة الكسر؛ صارت ياء!
وأعظم من هذا أن الحرف الذي فيه واو واحدة تصير واوات كثيرة، ويكون في الحرف ألف واحد فيجعلونه ألفات كثيرة، وكذلك كل حرف من الآية يزيد فيه من الحروف بحسب ما تحتاج إليه نغمته ولحنه، فيزيل الحرف عن معناه، فتلحق الزيادة والنقصان على حسب النغمات والألحان، فلا تخلو من زيادة أو نقصان، وهذا أمر ليس في كلام العرب، ولا تعرفه الفصحاء والشعراء إذا ثبت هذا.
واختلف قول الشافعي في هذا الأصل:
فروى عنه المزني: " ولا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت ".
وروى عنه الربيع بن سليمان الجيزي أنه كره القراءة بالألحان.
واحتجوا لهذه المقالة - أعني: قول المزني - بضروب من الحجج:
منها قوله ﵇: «حسنوا أصواتكم بالقرآن» !
стр. 69
قلنا: لا حجة فيه؛ فإن التحسين أن يقرأه ترتيلا وحدرا وتحزينا، وقد بينا معنى الترتيل، فتكون آية الترتيل مفسرة.
واستدلوا بقول النبي ﷺ : «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن» !
هذا لفظ " الصحيح ".
وقد روي: « ... لنبي حسن الترنم بالقرآن» .
والجواب: " ما أذن ": معناه: استمع، قال الله : ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ؛ أي: استمعت.
وقال الناظم:
стр. 70
أيها القلب تعلل بددن ... إن قلبي في سماع وأذن
وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» .
قلنا: لفظ التغني يحتمل ثلاثة معان:
أحدها: الاستغناء.
وهكذا رواه البخاري عن سفيان مفسرا، فقال: " قال سفيان: يستغني به ".
وهكذا فسره أبو عبيد، فقال: " هو من الاستغناء ".
وقد جاء في اللغة: يتغنى؛ بمعنى: يستغني؛ قال الناظم:
وكنت امرءا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغني
وروى الكسائي عن امرأة من العرب وقد سئلت عن أعنز عجاف في بيتها، فقالت: " نتغنى بها ".
وروى ابن وهب في " موطئه " أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس! تعلَّموا!»
стр. 71
«إن الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطي، ويد المعطى السفلى، فتغنوا ولو بجرم الحشف. اللهم هل بلغت؟» ؛ ثلاثا.
وهذا واضح في صحة قول سفيان.
والقول الثاني: أن المراد به الجهر، حكى أبو سليمان الخطابي: يتغنى؛ إذا أعلى صوته، وزعم أن رجلا منهم قال لآخر: غن يا ابن أخي! يقول: سل حاجتك، وارفع صوتك.
والثالث: تحسين الصوت.
فعلى هذا نقول بموجبه: فإنا نستحب تحسين الصوت، وهو الترتيل والحدر والتحزن.
واستدلوا بما رواه البخاري؛ قال: «سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كان يمد مدا. ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ؛ يمد (بسم الله) ، ويمد (الرحمن) ، ويمد (الرحيم) » .
وقال عبد الله بن مُغَفَّلٍ: «رأيت النبي ﷺ على ناقته وهي تسير وهو يقرأ»
стр. 72
«من سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجع» .
وروى مسلم في " صحيحيه " عن معاوية بن قرة: «سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ النبي ﷺ في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجع في قراءته» .
قال معاوية: " لولا أني أخاف أن يجتمع علي الناس؛ لحكيت لكم قراءته "، وروى أنه كان يقرأ: " آآ آ ".
فالجواب نقول: كل هذا حجة عليكم، إذ ليس فيه للألحان ذكر؛ لأن النبي ﷺ كانت قراءته ترتيلا.
قالت عائشة: «كان النبي ﷺ يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» .
وهذا هو المروي عن أكثر الصحابة، وهو نص القرآن.
وقد سئل مالك عن الهذ في القراءة؟ فقال: " من الناس من إذا هذ؛ كان أخف عليه، وإذا رتل؛ أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهذ، والناس في ذلك على ما يخف عليهم، وذلك واسع ".
стр. 73
قال القاضي أبو الوليد: " ومعنى هذا أنه يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه ويشق عليه، فيقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، فأما من تساوى في حقه الأمران؛ فالترتيل أولى ".
ورأيت أصحاب الشافعي يرفعون الخلاف ويجمعون بين قوليه، فقالوا: الموضع الذي قال: " لا بأس به ": إذا لم يمطط ويفرط في المد، والذي كرهه: إذا أفرط فيه على الوجه الذي بيناه.
وأما الترجيع؛ فإن أراد به ترديد الكلمة؛ مثل أن يتلو آية تخويف أو تحزين فيرددها خوفا أو تخشعا؛ فلا بأس به.
٣ -[فصل
ما لا ينبغي في قراءة القرآن]
وسئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، وكل رجل منهم يقرئ العُصبَة يفتح عليهم؟ قال: " إنه حسن لا بأس به ".
وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: " يقرأ ذا ويقرأ ذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ".
وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية، وهو الذي يسمى القراءة بالإدارة؛ فكرهه مالك وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ".
стр. 74
قال القاضي أبو الوليد: " إنما كرهه للمجاراة في حفظه، والمباهاة بالتقدم فيه ".
وأما القوم يجتمعون في المسجد أو غيره، فيقرأ لهم الرجل الحسن الصوت؛ فإنه ممنوع؛ قاله مالك؛ لأن القراءة مشروعة على وجه العبادة، والانفراد بذلك أولى، وإنما يقصد بهذا صرف وجوه الناس، والأكل به خاصة، ونوع من السؤال به، وهذا مما يجب تنزيه القرآن عنه.
وأما قراءة القرآن في الطرق؛ فقد قال مالك في " العتبية ": " أما الشيء اليسير؛ فلا بأس به، وأما الذي يديم ذلك؛ فلا ".
قال سحنون: " ولا بأس أن يقرأ الراكب والمضطجع ". قيل: فالرجل يخرج من قريته؛ أيقرأ ماشيا؟ قال: " نعم ". قيل فيخرج إلى السوق، فيقرأ في نفسه ماشيا؟ قال: " أكره أن يقرأ في السوق ".
وسئل عن القراءة في الحمام؟ فقال: " ليس الحمام موضع قراءة، وإن قرأ الإنسان الآيات؛ فلا بأس بذلك ".
٤ - فصل
[التفقه في القرآن]
ومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه؛ دون التفقه فيه:
стр. 75
روى مالك في " موطئه ": " أن عبد الله بن عمر مكث في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها ".
قال علماؤنا: معنى ذلك: أنه كان يتعلم فرائضها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها، ووعدها، ووعيدها، وغير ذلك من أحكامها.
وروي عن مالك في " العتبية " قال: " كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب عمر: أن افرض لهم في الديوان. قال: فكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبع مائة رجل. فقال عمر: إني لأخشى أن يسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين. فكتب ألا يعطيهم شيئا ".
قال مالك: " معناه: مخافة أن يتأولوه غير تأويله ".
وهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر؛ فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية، ويثقف حروفه تثقيف القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء، ومحلها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جوابا، وهو يتلو عمره:
следующие страницы →