Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
كلا، إن الحق العلي الكبير، مع كونه منزها غاية التنزيه، تدلى إلى خلقه، فما من أحد يقول: يا ربي يا ربي، إلا وهو يقول بإزائه: يا عبدي) .
٣٤ - وقال ﵀ في الرد على القبورية مبينا أن طلب الحوائج من الأموات كفر يناقض الإسلام، وكلمة التوحيد:
(واعلم أن طلب الحوائج من الموتى، عالما بأنه سبب لإنجاحها- كفر يجب الاحتراز عنه، تُحرِّمه هذه الكلمةُ [كلمة التوحيد] ، والناس [القبورية] اليوم فيها منهمكون) .
٣٥ -٣٦- ونقله آخرون من الحنفية مستدلين به رادين به على القبورية، حاكمين على أن الاستغاثة بغير الله كفر وشرك.
٣٧ -٤٢- وقال ﵀ مبينا عقائد المشركين الأولين وأنواع إشراكهم بالله تعالى، ذاكرا منها الاستغاثة بغير الله، محققا أنها شرك بالله، وتبعه في هذا التحقيق عدة من كبار علماء الحنفية، واللفظ له:
(ومنها [أي من أنواع شرك المشركين الأولين] : أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من: شفاء المريض، وغناء الفقير، وينذرون لهم، يتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون أسماءهم رجاء بركتها:
стр. 1052
فأنزل الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلاتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ، وليس المراد من " الدعاء ": " العبادة". كما قاله بعض المفسرين، بل هو الاستعانة كقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] ..) .
٤٣ -٤٥- وقال ﵀، وتبعه بعض الحنفية، مبينا أن أوراد القبورية التي فيها استغاثتهم بالأموات- هي أوراد شركية:
(الأوراد الشركية من علامات القبورية، أنهم يعتقدون في مشائخهم،أنهم يعلمون أسرارهم، وينادونهم عند الكربات، فيقول بعضهم: يا بهاء الدين مفرج الكربات، وبعضهم يستغيثون لبسط الرزق: يا نظام الدين أولياء واهب الرزق، وبعضهم يقولون- قياما وقعودا- عند الكربات: يا شيخ عبد القادر
стр. 1053
الجيلاني شيئا لله) .
٤٦ -٤٩- وقال القاضي ثناء الله الباني بتي الملقب عند الحنفية ببيهقي الوقت (١٢٢٥هـ) وتبعه كثير من علماء الحنفية، منهم الشيخ الجنجوهي (١٣٢٣هـ) ، مبينا أن استغاثات القبورية بالأموات شرك بالله تعالى وكفر به:
(لا يجوز عبادة غير الله، ولا استعانة من غيره تعالى، لأن ذلك من حق الله تعالى وحده، كما قال سبحانه بصيغة الحصر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فلا يجوز النداء للأولياء، لأنه من العبادة [العبادة لغير الله شرك] ، كما لا يجوز الانحناء إلى القبور، ولا الطواف بها، لأن الطواف لا يكون إلا بالكعبة، ولأن الطواف كالصلاة، فلا تجوز لغير الله، ولا يجوز أيضا دعاء الأنبياء والأولياء في الكربات* سواء كانوا من الأحياء أو من الأموات * لأن الدعاء من العبادة بصريح الكتاب والسنة، ولكن بعض الجهال يقولون عند الكربات: " يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئا لله "، ويقول بعضهم: " يا خواجة شمس الدين الباني بتي شيئا لله "، فهذا لا يجوز، بل هو شرك، وكفر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
стр. 1054
[الأعراف: ١٩٤] ، فالذين يدعونهم القبورية- هم عباد مثلهم، لا قدرة لهم على النفع والضر وإنجاح الحوائج.
فإن قال قائل من هؤلاء القبورية:
إن هذه الآية نزلت في حق الكفار، وهم كانوا يدعون الأصنام، أما نحن فلا ندعوا الأصنام. بل ندعوا أولياء الله تعالى.
فالجواب:
أن لفظ من دون الله بمعنى " غير الله "- لفظ عام، فالعبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص النزول، فيدخل فيه: الأنبياء، والأولياء، وكل ما سوى الله تعالى، فلا يجوز نداء غير الله عند الكربات.
سواء كان من الأصنام، أو الأحياء، أو الأموات*) .
٥٠ - ولقد عد الإمام الشاه عبد القادر، أحد كبار علماء الحنفية الملقب عندهم بالإمام الكبير (١٢٣٠هـ) - عدةَ أنواع للشرك ذكر منها الاستغاثة بغير الله.
٥١ -٥٣- وقال الإمام الشاه عبد العزيز الملقب عند الحنفية بسراج الهند (١٢٣٩هـ) وتبعه آخرون من الحنفية مبينين أن الاستغاثة بغير الله
стр. 1055
شرك من أفعال المشركين:
(إن بعض المشركين [القبورية] يدعون غير الله لدفع البليات) .
٥٤ -٥٥- وقال الإمام المجاهد الشاه إسماعيل الدهلوي (١٢٤٦هـ) حفيد الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، وتبعه الشيخ أبو الحسن الندوي، مبيِّنين أن الشرك بالاستغاثة بأهل القبور قد عم وطمّ، واللفظ للثاني:
(استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس:
اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر، وأصبح التوحيد غريبا ... ؛
مظاهر الشرك:
ومن المشاهد اليوم أن كثيرا من الناس يستغيثون بالمشايخ، والأنبياء، والأئمة، والشهداء، والملائكة، والجنيات، عند الشدائد، فينادونها بأسمائها، ويصرخون بأسمائها، ويسألون عنها قضاء الحاجات وتحقيق المطالب ... ) .
٥٦ -٧٥- وقالا- واللفظ للثاني أيضا- في المقارنة بين القبورية وبين الوثنية الأولى:
(حقيقة شرك أهل الجاهلية وضلالهم ... ؛
стр. 1056
فما كان كفرهم وشركهم إلا نداءهم لآلهتهم، والنذور التي كانوا ينذرونها ... ؛ واتخاذهم لهم شفعاء ووكلاء، فمن عامل أحدا بما عامل به الكفار آلهتهم- وإن كان يقر بأنه عبد ومخلوق- كان هو، وأبو جهل في الشرك بمنزلة سواء) .
٥٨ - وللإمام الشاه محمد إسحاق الدهلوي (١٢٦٢هـ) تحقيق مهم في أن الاستغاثة بالأموات* من أعظم أنواع الإشراك بخالق الكائنات*
٥٩ -٦٠- وقال الإمام محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) ، وتبعه ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، محققا تحريم استغاثة هؤلاء المفرطين* وأنه من الذنوب العظائم، ومن أفعال الملعونين المشركين* المعرضين عن الاستغاثة برب العالمين* المستغيثين بالأموات المحتاجين العاجزين الغافلين عن إغاثة هؤلاء المستغيثين *:
(والناس قد أفرطوا اليوم في الإقسام على الله، فأقسموا عليه عزّ شأنه بمن ليس في العير ولا في النفير* وليس عنده من الجاه قدر قطمير* وأعظم من ذلك أنهم يطلبون من أصحاب القبور* نحو إشفاء
стр. 1057
المريض وإغناء الفقير* ورد الضالة وتيسير كل عسير * وتوحي إليهم شياطينهم خبر: " إذا أعيتكم الأمور..... إلخ ".
وهو حديث مفترى على رسول الله ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وقد نهى النبي ﷺ : عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن على ذلك، فكيف يتصور منه ﵊ الأمر بالاستغاثة من أصحابها؟!؟ سبحانك! هذا بهتان عظيم!!!!) .
٦١ -٦٦- وقال الإمام محمود الآلوسي، مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) - أيضا- وتبعه ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، وآخرون من الحنفية:
مبينين أن القبورية بارتكاب شركهم بالاستغاثة بالأموات على طريقة الوثنية الأولى: (وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ ... إلخ [الحج: ٧٣]- إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى؛ حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى ... ؛ ولا يخفى أنهم....- أشبه بعبدة الأوثان القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ... ؛ وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة* وكلام سلف الأمة*
стр. 1058
وقد أفسد هؤلاء [القبورية] على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى، وكذا لأهل الملل والنِحل والدهرية، نسأل الله تعالى العفو والعافية) .
٦٧ -٦٩- وقال العلامتان نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وابن أخيه شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) عن شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) ، في تحقيق أن الاستغاثة بالأموات* من أعظم الإشراك برب البريات * وأنها من أعظم أسباب دمار البلاد* وأعظم موجبات غضب الله القهار على العباد* المستغيثين بالأموات* عند إلمام الملمات * [والكلام في الأصل لشيخ الإسلام (٧٢٨هـ) ] :
(ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام- لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات: لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، كما أنه [﵇] لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك، وأن ذلك من الشرك الذي حرّمه الله تعالى ورسوله [ ﷺ ] ، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين- لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول [ ﷺ ] مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن
стр. 1059
بها، وقال: " هذا أصل دين الإسلام "، وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: " هذا أعظم ما بينته لنا "، لعلمه بأن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله يدعون الأموات، ويسألونهم، ويستجيرون بهم، ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم؛ لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم، فيدعون دعاء المضطر راجين قضاء حاجاتهم بدعائه، أو الدعاء به، أو الدعاء عند قبره، بخلاف عبادتهم لله تعالى؛ فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام [التتار] لما قدم دِمَشق الشام:
خرجوا [أي القبورية] يستغيثون بالموتى عند القبور، يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض الشعراء [القبورية] " كامل ":
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر
فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم، لو كانوا معكم [أحياء] في القتال، لانهزموا [ولانهزمتم معهم أيضا، لأنكم تشركون بالله بالاستغاثة
стр. 1060
بهم] ، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين، والمكاشفة [أي العارفون للواقع] ، لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله تعالى به، ورسوله ﷺ ، ولما يحصل بذلك من الشر، والفساد، وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا، ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا ... ؛ [لأن هذا القتال كان تحت قيادة القبورية وإمرتهم وتحت رايتهم] ، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين [أي التوحيد] لله تعالى، والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا به، لا يستغيثون بملك مقرب، ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا لم يتقدم نظيره، ولا انهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك!!!، لما صح من توحيد الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ ما لم يكن قبل ذلك؛ فإن الله ينصر رسله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ .
انتهى باقتصار) .
стр. 1061
قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة!!! وما أشبه كارثة أفغانستان بكارثة الشام!!! فإن الله تعالى لم يسلط عليها الدمار والشنار!! إلا لأسباب أعظمها الإشراك بالله، وعبادة القبور وأهلها، ولما كان قتالهم مشوبا بالشرك وعبادة القبور، وقتل أهل التوحيد والسنة- حصل ما حصل بعد قتال طويل، ودمار مستطير، وسيل دماء جرار، فهل من مدكر!؟! وإن كنا لا نعني بذلك الطعن في الجهاد* فكل يبعث على نيته يوم المعاد*
٧٠ - وقال العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ﵀، في الرد على القبورية والتحذير من الاستغاثة بالأموات* وتحقيق أنه إشراك بخالق البريات*:
(ومما يفتى به في هذا المقام* ما أنشد فيه لنفسه مفتي مصرنا مدينة السلام* وهو قوله " بسيط ":
لا تدع في حاجة بازا ولا أسدا ... الله ربك لا تشرك به أحدا
وهو كلام يترشح منه التوحيد * ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد*) .
٧١ -٧٢- وقال العلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ،
стр. 1062
والخجندي (١٣٧٩هـ) في بيان أن استغاثة القبورية شرك من قبيل عبادة الأصنام:
(إن الدعاء لغيره تعالى سواء كان المدعو حيا [غائبا] أو ميتا، وسواء كان من الأنبياء ﵈، أو غيرهم:
بأن يقال: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك؛ فهذا شرك بالله تعالى، وهو مثل عبادة الأصنام في القرون الماضية.....) .
٧٣ -٧٤- وقال الأديب الناثر* والشاعر المجيد الماهر* إلطاف حسين الحالي (١٣٣٣هـ) ، وتبعه الأستاذ أبو الأعلى المودودي (١٩٧٩م) ، في بيان أن القبورية باستغاثتهم بالأموات* مرتكبون للشرك الأكبر بخالق الكائنات: (هل يعقل؟.؟ أن من عبد الصنم يكون كافرا* وأن من اتخذ لله ولدا يكون كافرا* وأن من سجد للنار يكون كافرا* وأن من رأى التصرف في الكواكب يكون كافرا*!!! ولكن القبورية الذين ينتمون إلى الإسلام قد فتحت لهم الطرق
стр. 1063
كلها، وهم أحرار في أن يعبدوا من شاءوا من دون الله، وهم مع ذلك لا يكفرون؟.؟ وفي أن يرفعوا النبي ﷺ إلى منزلة الله تعالى، وهم مع ذلك لا يكفرون؟.؟ وفي أن يرفعوا الأئمة فوق منزلة النبي ﷺ في التحليل والتحريم، ومع ذلك لا يكفرون؟.؟ وفي أن ينذروا للقبور نذورا، وهم مع ذلك لا يكفرون؟.؟ وفي أن يستغيثوا بالشهداء، ويطلبوا منهم الحاجات، وهم مع ذلك لا يكفرون؟.؟ سبحان الله!!! لا يكفرون؟.؟ ، ولا يقع الخلل في توحيدهم؟.؟ ولا يختل إسلامهم؟.؟، ولا يذهب إيمانهم؟.؟) .
٧٥ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، كاشفا حال ابن جرجيس العراقي الحنفي الوثني (١٢٩٩هـ) ، مبينا أن الاستغاثة بالأموات* إشراك برب الكائنات * حاكما على القبورية * بأنهم على طريقة الوثنية*:
(وحقيقة حال هذا العراقي مصادمة ما في القرآن من النهي عن دعوة غير الله [فوق الأسباب] ، والقرآن ينهى عن دعوة كل ما سوى الله [فيما لا يقدر عليه إلا الله] ، وهذا [العراقي] يقول: يجوز أو يستحب أن يدعى، أو يستغاث مع الله غيره، وليس عنده إلا تشكيك، وتخميش، وتغير على التوحيد * ونصرة الشرك والتنديد*
стр. 1064
ولا يخفى أن جل شرك المشركين في حق من عبدوه مع الله تعالى - إنما هو بدعائه وسؤاله قضاء حاجاتهم * وتفريج كرباتهم *) .
٧٦ - وقال ﵀ في كلام شواظ من النار* أرسله على القبورية الأغمار* مبينا أن استغاثتهم بالأموات* إشراك برب البريات كاشفا الأستار عن بعض الأسرار* لبعض أئمة القبورية المضلين الأشرار* حاكما عليهم بأنهم فسقة زنادقة فجار* فأنى لهم أن يكونوا من أولياء الله الأخيار الأبرار*: (وليس كل من ادعى أنه صوفي يسلم له الزهد والورع، ولا سيما صوفية هذا العصر، فإنهم ذئاب* عليهم من جلود الشياه ثياب *!!!! كما نسمع عن شيخ مبتدعة الرفاعية في دار السلطنة - فإنه فاق على إبليس في مكره، وحيله، وخبثه، وزندقته،
стр. 1065
كما نسمع عن شيخ القادرية في بغداد ممن ينتمي إلى الكيلاني ويرشدون الناس، وعندهم خاتم كبير يختمون به ما يعطون لمن يسلك عليهم مكتوب فيه:
" * لا إله إلا الله* عبد القادر شيئا لله* "، وقد كفروا بذلك، كما ذكر فقهاء السادة الحنفية، ففي منظومة ابن وهبان:
" * (بدر ويش در ويشان) كفر بعضهم * كذا قول شيء لله بعض يكفر* " والنقيب أولاده وسائر أفراد عائلتهم- هم أعظم الناس بلاء على الأمة، ليست معصية في الدنيا إلا وقد
стр. 1066
استباحوها، وكبيرهم النقيب * بل الذيب* - هو بريد الشر على العراق وهم أرفاض زنادقة، يسبون أصحاب رسول الله ﷺ علنا، ويشربون الخمور، ويتعاطون كل منكر، وعسى الله يعين على إفراد كتاب ينبسط فيه أحوال هؤلاء الزنادقة تحذيرا للمسلمين منهم هؤلاء شيوخ صوفية عصرنا، والأمر لله، وابن حجر [الهيتمي القبوري] إن عظم أمثال هؤلاء الفجرة- فهو لا شك من أعداء الله) .
٧٧ - وله ﵀ كلام آخر من هذا القبيل في بيان فضائح القبورية، ولا سيما الصوفية منهم، وتحقيق أن استغاثتهم بالأموات* من أعظم الإشراك والوثنيات*
٧٨ - وقال ﵀ أيضا- بعد تحقيق مهم في وجوب سد ذرائع الشرك، وحماية حمى التوحيد بذكر عدة أمثلة- مبينا أن الاستغاثة بالأموات عند الكربات* من أعظم الإشراك بخالق الكائنات*:
( ... ، فمن المستحيل شرعا، وفطرة، وعقلا:
أن تأتي هذه الشريعةُ المطهرةُ الكاملةُ، وغيرُها- بإباحة دعاء الموتى والغائبين [عند الكربات*] والاستغاثة بهم من الملمات والمهمات* كقول النصراني: " يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله ".
أو: " يا عيسى، أعطني كذا "، أو: " افعل بي كذا "، وكذلك قول القائل [القبوري] : " يا علي، أو ياحسين، أو يا
стр. 1067
عباس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو يا فلان، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تتضمن العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس؛ فهذا لا تأتي شريعة، ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شعب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار* ومقت العزيز الغفار* وقد نص على ذلك مشايخ الإسلام* حتى ذكره ابن حجر في الأعلام * مقررا له) .
стр. 1068
٧٩ - قال الشيخ الجوهر - وهو من كبار مشاهير علماء الحنفية المعاصرة- عن شيخ الإسلام (٧٢٨هـ) ، في تحقيق أن الاستغاثة بالغائبين والأموات* من أعظم أنواع الشرك برب البريات*:
(فهذه أنواع من خطاب الملائكة، والأنبياء، والصالحين بعد موتهم عند قبورهم، وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم- هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب، وفي مبتدعة أهل الكتاب، والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات، ما لم يأذن به الله تعالى:
[قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] ، فإن دعاء الملائكة، والأنبياء بعد موتهم، وفي مغيبهم، وسؤالهم، والاستغاثة بهم، والاستشفاع بهم في هذه الحال، ونصب تماثيلهم، بمعنى طلب الشفاعة منهم- هو من الدين الذي لم يشرعه الله، ولا ابتعث به رسولا، ولا أنزل به كتابا] ، وليس هو واجبا، ولا مستحبا باتفاق المسلمين* ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين* لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين* [وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد، ويذكرون حكايات ومنامات] ،
стр. 1069
فهذا كله من الشيطان، [وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت، والاستشفاع به، والاستغاثة به، أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين* فهذا كله ليس بمشروع، ولا واجب، ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين* ومن تعبد بعبادة ليست واجبة، ولا مستحبة، وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة، لا بدعة حسنة، باتفاق أئمة الدين] .
قلت: هذا النص لا يحتاج إلى تعليق، فهو واضح، ونص على أن الاستغاثة بالغائبين والأموات * من أعظم أنواع الشرك بخالق الكائنات*
стр. 1070
والآن ننتقل إلى المطلب الثالث لنعرف على لسان علماء الحنفية أن هذه الاستغاثة ليست شركا بالله فحسب، بل هي أم لعدة أنواع من الشرك بالله.
стр. 1071
المطلب الثالث
في نصوص علماء الحنفية على أن الاستغاثة بغير الله
فيما لا يقدر عليه إلا الله أم لعدة أنواع من الشرك بالله
لقد صرح علماء الحنفية أن الاستغاثة بغير الله تعالى، فيما لا يقدر عليه إلا الله ليست بإشراك بالله سبحانه فحسب، بل هي أمّ لعدة أنواع من الإشراك بالله تعالى، وإليكم تحقيق ذلك على لسان علماء الحنفية وشهادتهم:
١ - قال جمع من علماء الحنفية: إن الاستغاثة بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه - متضمنة لثلاثة أنواع من الشرك الصريح-:
الأول: اعتقاد المستغيث أن المستغاث يعلم الغيب، وإلا لما دعاه البتة.
الثاني: اعتقاد المستغيث أن المستغاث يسمع صوته ونداءه، وإلا لما هتف باسمه.
الثالث: اعتقاد المستغيث أن المستغاث يقدر على قضاء حاجته، من دفع المضرات، وجلب الخيرات* وإلاّ لما ناداه عند الكربات وإلمام الملمات*
стр. 1072
وقد سبق في البابين (الخامس، والسادس) أن هذه العقائد كلها شركية وثنية.
١١ -١٢- قال الإمام محمود الآلوسي - مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) ، وتبعه ابنه العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، والعلامة الأديب الرباطي، واللفظ للأول:
(إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم: مثل: يا سيدي فلان، أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك، وقد عده أناس من العلماء شركا، وإن لا يكنه [على سبيل فرض المحال]- فهو قريب منه، و [الحق أنه أمّ أنواع الإشراك، لأنني لا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد [عقائدَ ثلاثا:] [الأولى] : أن المدعو الحي الغائب، أو الميت المغيب يعلم الغيب، و [الثانية أنه] يسمع النداء.
و [الثالثة أنه] يقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى.
وإلا لما دعاه * ولا فتح فاه*
стр. 1073
﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ .
فالحزم التجنب عن ذلك، وعدم الطلب إلا من الله تعالى، القوي الغني، الفعال لما يريد) .
١٣ -١٤- وقال شارح مختصر القدري على ما قاله العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) في بيان أن استغاثة القبورية ليست من الشرك فحسب، بل أمّ الشركيات، ومتضمنة لعدة أنواع من الشرك:
(وها أنا أذكر لك نصوص المذهب الحنفي عن الكتب المعتبرة، والفتاوى المشهورة:
ففي شرح القدوري: " أن من يدعو غائبا أو ميتا عند غير القبور، وقال: يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة، زاعما أنه يعلم الغيب ويسمع كلامه في كل زمان ومكان* ويشفع له في كل حين وآن* فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى.
وكذا إذا قال عند قبر نبي، أو صالح:
يا سيدي فلان، اشف مريضي أو اكشف عني كربتي، وغير ذلك- فهو شرك جلي، إذ نداءُ غير الله تعالى طالبا بذلك دفع شر، أو طلب
стр. 1074
نفع فيما لا يقدر عليه الغير دعاءٌ، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك، وهذا أعم من أن يعتقد فيهم: أنهم مؤثرون بالذات، أو أعطاهم الله تعالى التصرفات في تلك الأمور، أو أنهم أبواب الحاجة إلى الله تعالى، وشفعاؤه، ووسائله، وفيه اعتقاد علم الغيب لذلك المدعو، وهو شرك، نسأل الله الحفظ والعصمة عن الشرك والكفر والضلال) .
١٥ -١٦- وقال الإمام المجاهد إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله الدهلوي (١٢٤٦هـ) ، والشيخ أبو الحسن الندوي، واللفظ للثاني- مُحَقّقين: أن الاستغاثة بالأموات متضمنة لأنواعٍ أخرى من الشرك:
(نداء الأموات من بعيد، أو من قريب، للدعاء - إشراك في العلم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ، وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة، فقد عدلوا عن القادر العليم [السميع] إلى أناس - لا يسمعون دعاءهم، وإن سمعوا ما استجابوا، وهم لا يقدرون على شيء ... ؛ وقد يكتفي بعض الناس فيقولون:
" يا سيدنا: ادع الله لنا، يقضي حاجاتنا "
стр. 1075
ويظنون أنهم ما أشركوا، فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة، [أي أنهم لم يقولوا: اقض حاجتنا] ، وإنما طلبوا منهم الدعاء [أي الشفاعة] وهذا باطل؛ فإنهم وإن لم يشركوا عن طلب قضاء الحاجة- فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا: أنهم يسمعون نداءهم ... ؛ مع أن الله قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ... ) .
قلت: هذا النص مشتمل على أن الاستغاثة بالأموات- متضمنة للشرك في العلم، وللشرك في السماع، وللشرك في التصرف.
١٦ - وللإمام الشاه محمد إسحاق الدهلوي (١٢٦٢هـ) تحقيق حقيق بالقبول في الرد على القبورية، حاصله:
أن الاستغاثة بالأموات * متضمنة لعدة أنواع من الإشراك برب البريات* كالشرك في العلم، والشرك في التصرف، والشرك في السماع.
أقول: بعدما عرفنا: أن الاستغاثة بالغائبين والأموات* شرك بل أمَّ
стр. 1076
لعدة أنواع من الإشراك برب البريات*
ننتقل إلى الفصل الآتي؛ لنطلع على تحقيق الحنفية: أن القبورية- أعظم شركا من الوثنية الأولى، وأعظم عبادة للأموات* منهم لخالق الكائنات* في باب الاستغاثات*
стр. 1077
الفصل الثالث
في جهود علماء الحنفية في تحقيقهم أن القبورية أشد شركا
من الوثنية الأولى ، وأنهم أشد خوفا وأكثر خضوعا وأعظم
عبادة للأموات منهم لخالق البريات في باب الاستغاثات
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: في جهود علماء الحنفية في تحقيق أن القبورية أشد شركا من الوثنية الأولى .
- المبحث الثاني: في جهود علماء الحنفية في تحقيق أن القبورية أشد خوفا وأكثر خضوعا وأعظم عبادة للأموات منهم لخالق البريات في باب الاستغاثات.
стр. 1078
المبحث الأول
في جهود علماء الحنفية في تحقيق
أن القبورية أشد شركا من الوثنية الأولى
لقد تبين في المباحث السابقة على لسان علماء الحنفية:
أن الاستعانة بالأموات محرمة في شرع الله، بل إشراك بالله، بل أُمّ لعدة أنواعٍ من الشرك بالله.
وفي هذا المبحث أذكر نصوص علماء الحنفية على أن القبورية باستغاثتهم بالأموات أشد شركا من الوثنية الأولى، حيث يدعون غير الله عند إلمام الملمات* ويتركون رب البريات* كما سأذكر في المبحث الذي يليه نصوص علماء الحنفية على أن القبورية أشد خوفا، وأكثر خضوعا، وأعظم عبادة للأموات* منهم لخالق البريات في باب الاستغاثات*
وبهذه المباحث يتحقق لكل منصف، طالب للحق، ذي عينين: أن القبورية باستغاثتهم بالأموات، لم يرتكبوا إشراكا بالله تعالى فحسب، بل ارتكبوا أمّا لعدة أنواعٍ للشرك.
وأن القبورية قد وصلوا في إلحادهم وإشراكهم بالله، ووثنيتهم، وعبادتهم للقبور وأصحابها- إلى حد صار شركهم أشد من الوثنية الأولى.
стр. 1079
وأنهم وصلوا في الاستخفاف برب الكائنات* واستغاثتهم بالأموات عند الكربات* إلى حد قالوا: إن الاستغاثة بالله تضر بالمكروب، وتؤخر قضاء الحاجات* وإن الولي أسرع إجابة من الله حينما يدعوه المكروب لدفع الكربات* بل يتبين أن القبورية قد وصلوا في التهوين بشأن الله تعالى وعبادته وخوفه والتضرع إليه إلى حد صاروا أشد خوفا، وأكثر خضوعا، وأعظم عبادة للأموات* منهم لخالق البريات في باب الاستغاثات* وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية * لتحقيق هذه المباحث، كشفا عن فضائح هؤلاء القبورية * * فأقول وبالله أستغيث * وبه أستعين* * إذ هو المستغاث المغيث* وهو المستعان المعين *:
١ -٥- قال الإمام محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) - وتبعه العلامتان ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، والشيخان: الأديب الأريب الرباطي الملقب بجامع المعقول والمنقول، والرستمي الملقب بشيخ القرآن والحديث- في تفسير قوله تعالى:.... ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ... [يونس: ٢٢] ، واللفظ للأول:
(.. الآية دالة على أن المشركين [السابقين كانوا] لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال [من الشدة] ، وأنت خبير بأن الناس [القبورية] اليوم- إذا اعتراهم أمر خطير*
стр. 1080
وخطب جسيم* في بر أو بحر- دعوا من لا يضر ولا ينفع* ولا يرى ولا يسمع * فمنهم من يدعو الخضر وإلياس* ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس* ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة* ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة* ولا ترى فيهم أحدا يخص مولاه* بتضرعه ودعاه* ولا يكاد يمر له ببال* أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال* فبالله تعالى عليك: قل لي: أي الفريقين [القبورية والوثنية] من هذه الحيثية [في الاستغاثة عند الشدائد] أهدى سبيلا*؟؟؟، وأي الداعيين [المشرك المستغيث بالله في الشدة، أو القبوري المستغيث بالميت في الشدة] أقوم قيلا *؟؟؟ وإلى الله المشتكى من [أهل] زمان عصفت فيه ريح الجهالة* وتلاطمت [فيه عليهم] أمواج الضلالة* وخرقت سفينة الشريعة* واتخذت الاستغاثة بغير الله للنجاة ذريعة* وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف* وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف*) .
٦ -٧- وقال رحمه الله تعالى أيضا مبينا أن ضلال القبورية في باب
стр. 1081
الاستغاثة بالأموات أشد من ضلال المشركين الأولين، وأن القبورية عندهم من الاستخفاف بالله تعالى وإجلال الأولياء ما لا يوجد عند الوثنية الأولى، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] ، وتبعه الشيخ غلام الله الملقب بشيخ القرآن (١٩٨٠م) ، واللفظ للأول:
(وفي الآية ما يدل على أن صنيع أكثر العوام* [القبورية وأئمتهم الطغام*]- من الجؤار إلى غيره تعالى ممن لا يملك لهم، بل ولا لنفسه نفعا ولا ضرا عند إصابة الضر لهم، وإعراضهم عن دعائه تعالى عند ذلك بالكلية - سفه عظيم* وضلال جديد، ولكنه أشد من الضلال القديم* [لأن المشركين الأولين كانوا يدعون الله عند الشدائد، بخلاف القبورية اليوم] ومما تقشعر منه الجلود* وتصعر له الخدود* الكفرة أصحاب الأخدود* فضلا عن المؤمنين باليوم الموعود* أن بعض المتشيخين قال لي وأنا صغير:
إياك، ثم إياك* أن تستغيث بالله تعالى إذا خطب دهاك* فإن الله تعالى لا يعجل في استغاثتك* ولا يهمه سوء حالتك* وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين* [دون الاستغاثة برب العالمين*] ؛
стр. 1082
فإنهم يعجلون في تفريج كربك* ويهمهم سوء ما حل بك* فمجّ ذلك سمعي* وهمي ودمعي * وسألت الله تعالى أن يعصمني والمسلمين* من أمثال هذا الضلال المبين*، ولكثير من المتشيخين اليوم كلمات* مثل ذلك [من الوثنيات*] ... ) .
٨ -١٢- وقال الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) أيضا. وتبعه العلامتان: ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، والشيخان: الرباطي الملقب بجامع المعقول والمنقول، والرستمي، في تفسير قوله تعالى:
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ، مبينين أن القبورية شاركوا الوثنية الأولى في الإشراك بالله تعالى باستغاثتهم بالأموات* ولكن فاقوهم في الكفر بسبب قولهم: إن الولي أسرع إجابة من رب البريات عند الكربات* وهذه غاية في الاستخفاف بخالق الكائنات* ونهاية في الإجلال والتعظيم للأموات* واللفظ للألوسي الجد:
(وقد رأينا كثيرا من الناس * [القبورية الضلال بوساوس الخناس] على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين [حيث سلك هؤلاء القبورية مسلك المشركين الأولين*] يهشون لذكر أموات يستغيثون
стр. 1083
بهم، ويطلبون منهم* ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم * ويعظمون من يحكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ، وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يوما لرجل- يستغيث في شدة ببعض الأموات، وينادي: يا فلان! أغثني.
فقلت: له: قل: يا الله.
فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
فغضب، وبلغني أنه قال فلان [يعني الآلوسي] منكر على الأولياء [مستخف بهم] ، و [لقد فاق كفرُ بعض القبورية كفر المشركين الأولين من حيث إنني] سمعت عن بعضهم أنه قال:
стр. 1084
" الولي أسرع إجابة من الله ".
وهذا من الكفر بمكان* [لم يعرف عن عباد الأوثان*] نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان) .
١٣ -١٤- وقال العلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وابن أخيه شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) مُبَيِّنين أن كفرَ القبورية شر من كفر الوثنية، واللفظ للأول، والثاني شريكه في المضمون فقط:
(وهذا الكفر شر من كفر عباد الأصنام:
فإن أولئك لم يكونوا يطلبون من الأوثان كل ما يطلبونه من الرحمن، بل [كانت] لهم مطالب لا يطلبونها إلا من الله، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠-٤١] ، فبين أنه إذا جاء عذاب الله، أو أتت الساعة- لا يدعون إلا الله، فلا يطلبون كشف الشدائد* وإنزال الفوائد* إلا منه، فمن جوز طلب ذلك من المخلوق- كان أضل من هؤلاء المشركين؛ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] ) .
١٥ -١٦- وقالا رحمهما الله في بيان أن القبورية أشد شركا من المشركين السابقين، واللفظ للثاني:
стр. 1085
(.... سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات* ولدفع الكرب والمهمات*:
مما لا يقدر على دفعه ورفعه إلا خالق الأرض والسماوات* وقد كان المشركون الأولون إذا وقعوا في شدة- ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ، ومن فعل هذا بحالتي الشدة والرخاء* بل في قسمي المنع والعطاء* - فقد غلا وجاوز حده* واستحق أن يكون سيفُ الرسالة غِمْدَه * ... ) .
١٧ -١٨- وقال العلامتان السهسواني (١٣٢٦هـ) ، والخجندي (١٣٧٩هـ) في بيان أن القبورية أعظم شركا من الوثنية الأولى، في باب الاستغاثة بالأموات عند الكربات والملمات- واللفظ للأول:
(فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم ... ؛ بل هؤلاء القبوريون قد وصلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم، وهو أن [أهل] الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله وحده، وإنما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشدائد عند الأمور كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾
стр. 1086
[الإسراء: ٦٧] ، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] ... ؛ وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] ، بخلاف المعتقدين في الأموات فإنهم إذا دهمتهم الشدائد- استغاثوا بالأموات ونذروا لهم.
وقل من يستغيث بالله سبحانه في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أحوالهم.
ولقد أخبرني بعض من ركب البحر أنه اضطرب اضطرابا شديدا، فسمع من أهل السفينة من الملاحين وغالب الراكبين معهم ينادون الأموات ويستغيثون بهم، ولم يسمعهم يذكرون الله قط، قال: ولقد خشيت في تلك الحال الغرق لما شاهدته من الشرك بالله) .
١٩- وقال العلامة السهسواني ﵀ (١٣٢٦هـ) :
(فإذا عرفت هذه فاعرف أن المشركين الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ أخف شركا من عباد مشركي زماننا؛ لأن أولئك كانوا يخلصون لله في
стр. 1087
الشدائد، وهؤلاء يدعون مشائخهم في الشدة والرخاء، والله المستعان) .
٢٠ -٢١- ولقد حقق العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ﵀، والشيخ فضل الله أحد المعاصرين: أن القبورية أشد كفرا، واشنع شركا في باب الاستغاثة بالأموات عند الكربات من الوثنية الأولى - من جهتين:
الأولى: أن المشركين السابقين كانوا يخلصون الاستغاثة لله سبحانه عند الكربات بخلاف هؤلاء القبورية فإنهم يدعون الأموات عند أشد الكربات والبليات الملمات.
والثانية: أن المشركين السابقين كانوا يدعون الأنبياء والأولياء والملائكة، بخلاف هؤلاء القبورية، فإنهم كثيرا ما يدعون الفسقة والفجرة الأموات.
والنص للأول ﵀: فاستمع له وأنصت لتعرف حقيقة شرك القبورية:
(اعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل عصرنا من وجهين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] .
وقال تعالى:
стр. 1088
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠-٤١] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ ... إلى قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] .
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] .
فمن فهم هذه المسألة التي أوضحها الله تعالى في كتابه:
وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ : يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء.
وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله تعالى وحده لا شريك له وينسون ساداتهم- تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخا والله المستعان.
والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله، إما أنبياء، أو أولياء، وإما ملائكة ... ؛ وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور في الزنى والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك.
ومن يعتقد في الصالحين، ومن يعبد ما لا يعصي كالخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به) .
стр. 1089
٢٢ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ﵀، في بيان أن القبورية وصلوا في الشرك إلى حد أشركوا بالله حتى في الربوبية، فصار إشراكهم عند الاستغاثة بالأموات واعتقادهم التصرف بهم أعظم وأشد من شرك المشركين الأولين:
( ... ، ما يعتقده عباد القبور في معبوداتهم من الصالحين وغيرهم، وأن لهم قدرةً على إجابة المضطر وإغاثة الملهوف وقضاءِ حوائج السائلين- فهذا شرك في الربوبية، لم يبلغه شرك المشركين من أهل الجاهلية، بل هو قول غلاة المشركين الذين يرون لآلهتهم تصرفا وتدبيرا) .
٢٣ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ﵀ أيضا- في بيان إبطال قول البوصيري (٦٩٤هـ) الصوفي الخرافي، رادا على من حاول تأويله ممن كان على شاكلة البوصيري من القبورية، مبينا ما فيه من شناعة وشرك أعظم، وأن شرك القبورية في باب الاستغاثة بالأموات عند الكربات والملمات أشنع وأبشع وأعظم وأشد من شرك مشركي الجاهلية الأولى:
(وأما ما انتقده أهل العلم والدين على كلام البوصيري - فكثير جدا، من ذلك قوله:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
... ، إن قول البوصيري هذا أشنع وأبشع ... ؛ لما تضمنه من الحصر،
стр. 1090
ولما فيه من اللياذ بغير الله في الخطب الجلل، والحادث العمم، وهو قيام الساعة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] ؛ فدعاء غير الله في الأمور العامة الكلية- أبشع من دعاء غيره في الأمور الجزئية، ولذلك أخبر أن عباد الأصنام لا يدعون غيره عند إتيان العذاب أو إتيان الساعة التي هي الحادث العمم.
وأما من قال من الغلاة في الاعتذار عنه:
إن مقصوده الشفاعة والجاه- فهذا لا يفيده شيئا؛ لأن عامة المشركين إنما يقصدون هذا، ولم يقصد الاستقلال إلا معطلة الصانع، وعامة المشركين إنما قصدوا الجاه والشفاعة، كما حكاه القرآن في غير موضع) .
٢٤ - وقال العلامة شكري الآلوسي ﵀ (١٣٤٢هـ) ، مبينا أن القبورية أعظم شركا من أهل الجاهلية الأولى في باب الاستغاثة بالأموات* عند الكربات ونزول البليات وإلمام الملمات*:
(ومن ذهب إلى مشاهد أهل البيت وغيرهم من الأولياء في بغداد في موسم الزيارات- تحقق ما ذكرناه، واستقل بالنظر إلى فعل هؤلاء ما كان يفعله المشركون عند آلهتهم
следующие страницы →