Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
[يوسف: ١٨] .
٤٣ - وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] .
٤٤ - وقال : ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وقد استدل علماء الحنفية بهذه الآيات وغيرها على إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بغير الله تعالى من الغائبين الأحياء، والأموات، عند المصائب والكربات* وتقرير الاستدلال عندهم بهذه الآيات المباركات يتلخص فيما يلي من الفقرات*:
١ - أن هذه الآيات المباركات تدلّ دلالة قاطعة على أنّ دعاء غير الله تعالى فيما وراء الأسباب العادية كفر وشرك.
٢ - وأنه عبادة لغير الله .
٣ - وأنه ظلم.
٤ - وأنه ضلال بعيد.
٥ - وأنه منهي عنه.
٦ - وأن جزاء فاعله جهنم.
٧ - وأنه شطط.
٨ - وأن الذين يدعونهم هؤلاء القبورية ويستغيثون بهم - لا يملكون نفعا ولا ضرا؛ لا لأنفسهم ولا لغيرهم.
٩ - وهم عن دعائهم غافلون، فلا يعلمون بحالهم ولا يسمعون دعاءهم.
١٠ - وهم براء عن شركهم، ويكونون لهم أعداء يوم القيامة.
стр. 1017
١١ - وأن الله تعالى زجر وخوّف المستغيثين بغيره بعذاب أليم.
١٢ - وأن الله أمر أمرا باتا قاطعا ألا ندعوا إلا الله وحده لا شريك له.
١٣ - وأنه رغّب في دعائه، والاستعانة منه وحده لا شريك له.
١٤ - وأن الله تعالى وحده هو المستعان وحده لا شريك له.
١٥ - وأن دعاء الله تعالى وحده رغبا ورهبا- هو منهج الأنبياء والمرسلين* وطريق عباد الله الصالحين*
стр. 1018
المطلب الثاني
في ذكر بعض الأحاديث التي استدل بها علماء الحنفية على
إبطال عقيدة القبورية من نداءهم غير الله تعالى من الأحياء
الغائبين والأموات واستعانتهم بهم عند إلمام الملمات
لقد استدل علماء الحنفية في صدد ردّهم على عقائد القبورية، واستغاثتهم بغير الله تعالى بعدة أحاديث، أذكر منها ما يلي:
الحديث الأول:
«عن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوما فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» . الحديث.
أقول: لقد استدل بهذا الحديث المبارك علماء الحنفية على إبطال عقيدة القبورية من استغاثتهم بغير الله تعالى.
وقد تقدم تقرير الاستدلال به، وتخريجه، وتصحيحه، والردّ على
стр. 1019
خيانات الكوثري، وقدحه في هذا الحديث. كل ذلك بنصوص علماء الحنفية، فلا حاجة إلى الإعادة.
الحديث الثاني:
عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ ، فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدِكم، يا عبادي، كلكم جائعٌ إلا من أطعمته فاستطعموني أُطْعِمْكم. يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوت فاستكسوني أكْسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم» . الحديث.
وقد استدل به علماء الحنفية في صدد الرد على القبورية على إبطال استغاثتهم بغير الله عند الملمات.
والحديث واضح في أن الله يأمر عباده بأن يدعوه في جميع الملمات والكربات وحده لا شريك له.
الحديث الثالث:
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من»
стр. 1020
«يستغفرني فأغفر له؟» .
وقد استدل علماء الحنفية بهذا الحديث في الرد على القبورية على إبطال نداء غير الله تعالى عند الكربات والملمات.
قال العلامة الآلوسي في شرح هذا الحديث:
هذا الحديث أصل الدين، ولكن القبورية الغلاة الذين يستحبون الاستغاثة بغير الله، ويجعلون الوسائط بينهم وبين الله- يهدمون هذا الأصل، ويسدون بابه؛ فهم بضد هذا الحديث- يستغيثون بالأنبياء والصالحين [بل الطالحين] *ويرغبون إليهم في الحاجات الطالبين والسائلين * وضرورات المضطرين * من خلق الله أجمعين *.
الحديث الرابع:
قول النبي ﷺ : «استعن بالله ولا تعجز» . الحديث. قال الشيخ الرستمي: " ففي هذا الحديث أمر للعباد بأن يستعينوا بالله في كل ما أصابهم من شيء ".
الحديث الخامس:
عن جابر بن سليم قال: «قلت: " أنت رسول الله "؟»
стр. 1021
«قال: " أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضرّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته ردّها عليك "» .
ولقد استدل علماء الحنفية بهذا الحديث على إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بغير الله تعالى، والحديث واضح في أمر النبي ﷺ بأن الله سبحانه هو وحده المستعان، وهو وحده يُدعى، وهو وحده يُنادى عند البليات، والكربات.
قلت: هذا الحديث وأمثاله من النصوص تدلّ دلالة قاطعة على أنّ الله تعالى هو وحده يردّ الضالة، وأنّه هو وحده يستغاث به عند الكربة، وأنه هو وحده المستعان لا شريك له، فتبا لهؤلاء القبورية الذين يرجحون الاستغاثة بالأموات على الاستغاثة بالله، ويقولون: الولي أسرع إجابة من الله! أو يقولون: الولي الفلاني يرد الضالة، كما ذكرناه فيما ذكرنا من خرافاتهم.
الحديث السادس:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قال رجل: يا رسول»
стр. 1022
«الله: " أي الذنب أكبر عند الله؟ " قال: " أن تدعوا لله ندا وهو خلقك " ... ؛ فأنزل الله تعالى تصديقها:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ » [الفرقان:٦٨] .
قلت: الحديث صريح في أن دعاء غير الله تعالى ما وراء الأسباب شرك أكبر، وهو أكبر الذنب على الإطلاق.، ولقد استدل علماء الحنفية به في الرد على القبورية على أنّ نداء غير الله تعالى من الأحياء الغائبين أو الأموات عند البلايا والكربات شرك بالله تعالى.
وقال القاري: " أن تدعو لله ندا، أي أن تجعل نظيرا لله في دعائك، وعبادتك ".
وقال الكاندلوي: " أكبر الذنوب أن تدعو لله ندا شريكا مع علمك بأنه لم يخلقك أحد غيره، ولم يقدر على أن يدفع عنك السوء والمكاره غيره، بل لله عليك الإنعام بما لا تقدر على عدّه ".
الحديث السابع:
قوله ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁: «من لم يسأل الله يغضب عليه» .
стр. 1023
وفي لفظ: «من لم يسأل الله غضب الله عليه» .
وفي لفظ: «من لم يسأله يغضب عليه» .
وفي لفظ: «من لم يدع الله سبحانه غضب عليه» .
قلت: هذا الحديث أقل أحواله أنه حسن.
وقد استدل به كثير من علماء الحنفية على أهمية دعاء الله تعالى وحده عند الكربات ونزول الملمات، وذكروا في معناه قول القائل:
"
الرب يغضب إن تركت سؤاله ... وبُنيّ آدم حين يُسْأل يغضب
"
قال الشيخ فضل الله الجيلاني الحنفي (١٩٧٩م) في شرح هذا الحديث، مبينا أهمية دعاء الله تعالى، ووجوب الالتجاء إليه عند
стр. 1024
الكربات: " فيه دليل على أنّ دعاء العبد ربّه من أهم ما يجب عليه من حق الله تعالى، وأعظم ما فرض، لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه ".
الحديث الثامن:
قول النبي ﷺ ، من حديث سلمان ﵁:
«إن ربكم ﵎ حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا» .
وفي لفظ: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفرا- أو قال: خائبتين-» .
وفي لفظ: «إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما خائبتين» .
وفي لفظ: «إن الله حيي كريم يستحيي من عبده أن يبسط إليه يديه ثم يردهما خائبتين» .
وفي لفظ: «إن الله يستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله»
стр. 1025
«فيهما خيرا فيردهما خائبتين» ) .
أقول: لقد استدل كثير من علماء الحنفية بهذا الحديث على إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بغير الله تعالى من الأحياء الغائبين، والأموات عند نزول النوازل وإلمام الملمات.
ولا شك أن هذا الحديث صريح في معناه، وهو يحرك همم المكروبين، ويرغبهم في الاستغاثة بالله ، ويزيدهم رجاء، ويبشرهم بكشف الكربات، ويثير عواطف المضطرين، ويبين أن الله تعالى حيي كريم، رحيم، رؤوف، يستحي من عبده إذا استغاث به أن لا يغيثه.
الحديث التاسع:
قوله ﷺ : «الدعاء هو العبادة» .
وسيأتي تحقيقه وتخريجه، وتقرير استدلال علماء الحنفية به على إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بغير الله إن شاء الله .
стр. 1026
وبعد أن ذكرت استدلال علماء الحنفية بهذه الآيات والأحاديث - على إبطال عقيدة القبورية في الاستغاثة بغير الله عند الكربات- انتقل إلى المبحث الآتي لأذكر بعض جهود علماء الحنفية ونصوصهم على أن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك بالله؛ بل أمّ لعدة أنواع من الشرك به سبحانه، وتحقيقهم أن القبورية أشد شركا من الوثنية الأولى، وأنهم أشد خوفا وأكثر خضوعا وأعظم عبادة للأموات منهم لخالق البريات.
стр. 1027
المبحث الثاني
في نصوص علماء الحنفية في تحقيق أن الاستغاثة بغير
الله فيما لا يقدر عليه إلا الله أمر محرم في دين الله، بل
إشراك بالله، بل أم لعدة أنواع من الإشراك بالله تعالى
وفيه مطالب ثلاثة:
- المطلب الأول: في نصوص علماء الحنفية على أن الاستغاثة بغير الله أمر محرم في دين الله تعالى.
- المطلب الثاني: في نصوص علماء الحنفية على أن الاستغاثة بغير الله إشراك بالله سبحانه.
- المطلب الثالث: في نصوص علماء الحنفية على أن الاستغاثة بغير الله أم لعدة أنواع من الإشراك بالله جل وعلا.
стр. 1028
كلمة بين يدي هذا البحث
لقد سبق في المبحث السابق بيان بعض جهود علماء الحنفية في استدلالهم بعدة آياتٍ قرآنيةٍ، وأحاديث نبويةٍ، على إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بالأموات عند الكربات، وتبين أن ذلك من أعظم أنواع الإشراك بالله ، وأذكر في هذا المبحث بعض نصوص علماء الحنفية على أن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى: أمرٌ محرم في شرع الله، بل إشراك بالله، بل أمُّ الإشراك به تعالى، وبناء على ذلك تقتضي طبيعة هذا المبحث أن يكون مشتملا على مطالب ثلاثة، فأقول وبربي أستغيث وأستعين* إذ هو وحده المستعان وهو وحده المعين*:
стр. 1029
المطلب الأول
في نصوص علماء الحنفية على أن الاستغاثة بغير الله
فيما لا يقدر عليه إلا الله أمر محرم في شرع الله
ومحذور في دين الله
لقد حذر علماء الحنفية، ولا سيما أئمتهم القدامى أمثال: الإمام أبي حنيفة (١٥٠هـ) ، والإمام أبي يوسف (١٨٢هـ) ، والإمام محمد (١٨٩هـ) :
الأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق، وكذا الإمام أبو جعفر الطحاوي (٣٢١هـ) ، وغيرهم- من دعاء غير الله، والاستغاثة بغيره سبحانه، فيما لا يقدر عليه إلا هو تعالى، ولهم في ذلك نصوص قاطعة للنزاع، كما هي قاطعة لدابر القبورية، ولا سيما الحنفية منهم، وقالعة لشبهاتهم، وفيما يلي بعض نصوصهم التي فيها عبرة للمعتبرين* ونكال وتنكيل للمعاندين المستكبرين*
١ - نص الإمام أبي حنيفة (١٥٠هـ) فيما رواه عنه الإمام أبو يوسف (١٨٢هـ) ، وعنه الإمام بشر بن الوليد (٢٣٨هـ) ، ونقله كثير من علماء
стр. 1030
الحنفية وأقروه، مستدلين به على منع الاستغاثة بغير الله سبحانه.
للإمام أبي حنيفة ﵀ مقالة مهمة، تقطع دابر القبورية المستغيثين بالأموات* لدفع الملمات، وجلب المنافع والخيرات* معرضين عن الاستغاثة برب البريات، وخالق الكائنات* وهي مقالة قد حمى بها الإمامُ أبو حنيفة حمى التوحيد من كل شرك، ووسائله، وسد بها جميع الذرائع الموصلة إلى ما يناقض التوحيد:
توحيد الأنبياء والمرسلين* على ما فهمه خيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين* وهي مقالة سارت بها الركبان * واشتهرت واستفاضت عند علماء الحنفية بحيث لم يختلف في صحتها اثنان* ولم يناطح فيها كبشان* وهي مقالة فيها قرة عيون للموحدين السنيين* وسخنة أعين للمشركين والقبوريين* وشجى في حلوق المستغيثين بغير الله من الأموات والغائبين* وهذه المقالة الحنفية لها أهمية عظيمة في باب توحيد الألوهية* كما أن للمقالة المالكية أهمية عظيمة في باب توحيد الصفات الإلهية*
стр. 1031
فكما أن المقالة المالكية قطع بها الإمامُ مالك دابرَ كل جهميّ، وفرخه من كل ماتريديّ وأشعريّ* كذلك المقالة الحنفية قد قطع بها الإمام أبو حنيفة دابرَ كل مشركٍ وثنيٍّ، وفرخه من كل صوفيّ وقبوريّ* فالمقالة المالكية هي قولة الإمام مالك (١٧٩هـ) : (الاستواء معلوم، والكيف مجهول ... ) .
وأما المقالة الحنفية الحنيفية: فهي قولة الإمام أبي حنيفة (١٥٠هـ) ونصها:
(لا ينبغي لأحد أن يدعو الله تعالى إلاّ به، وأكره أن يقول [المرء] : أسألك بمعاقد العز من عرشك، وأكره أن يقول: وبحق أنبيائك، ورسلك، وبحق البيت الحرام) .
٢ -٤- وقد رواها الإمام القدوري (٤٢٨هـ) عن الإمام بشر بن الوليد (٢٣٨هـ) : أنه قال: سمعت أبا يوسف (١٨٢هـ) يقول: قال أبو
стр. 1032
حنيفة (١٥٠هـ) :
(لاينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به ... ) فذكرها بتمامها في كتابه الذي شرح به مختصر الإمام الكرخي (٣٤٠هـ) .
٥ -١٠- ونقلها عن شرح الإمام القدوري (٤٢٨هـ) لمختصر الإمام الكرخي (٣٤٠هـ) - كثير من كبار علماء الحنفية، مستدلين بها على إبطال عقيدة القبورية في استغاثتهم بالأموات عند الكربات، فحققوا بها أن القبورية مخالفون لشرع الله، كما أنهم مخالفون لأئمة هذه الأمة في المعتقد، ولا سيما أئمة الحنفية، وبهذه المقالة قد اجتثوا جميع شبهات القبورية في الاستغاثة بغير الله من أصلها، واستأصلوا جميع مزاعمهم في التوسل الباطل من جذورها.
стр. 1033
١١ - لفظ آخر لمقالة الإمام أبي حنيفة (١٥٠هـ) ﵀ ١٢- فيما رواه عند الإمام أبو يوسف (١٨٢هـ) ﵀.
١٣ -فقد قال الإمام الحصكفي (١٠٨٨هـ) :
١٤ -١٥- (وفي التتار خانية معزيا للمنتقى، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، [أنه قال] :
لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به:
ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
стр. 1034
(الأعراف: ١٨٠) - وكره قوله: بحق رسلك، وأنبيائك، وأوليائك، أو بحق البيت..) .
١٦ -٢٠- ونقله عن العلاء الحصكفي آخرون من الحنفية.
٢١ - وقال الإمام ابن عابدين الشامي (١٢٥٢هـ) في شرح كلام الإمام أبي حنيفة:
(" إلا به ": أي بذاته، وصفاته، وأسمائه) .
٢٢ - وتبعه العلامة الرستمي فنقل قوله وأقره، ثم قال في الرد على القبورية عامة والقبورية من الحنفية خاصة:
(فعلم من هذا القول [أي قول أبي حنيفة] حصر التوسل الأسمى في الأدعية في أسماء الله تعالى وصفاته.
والحال أن هؤلاء المقلدين يتركون قول إمامهم، ويتبعون أهواءهم
стр. 1035
بغير علم فضلوا وأضلوا) .
٢٣ - ولشيخنا الفاضل العلامة الأديب، جامع المعقول والمنقول، أحد أفاضل الحنفية المنصفين، والرادين على القبورية، كلام مهم في الاستدلال بمقالة الإمام أبي حنيفة، ونقل أقوال علماء الحنفية- يقطع دابر القبورية، ولا سيما الحنفية منهم.
٢٤ -٣٢- وقد ذكر هذه المسألة عدة من كبار علماء الحنفية غير من ذكر وأقروها.
стр. 1036
٣٣ - ٣٦- وقال الإمام البركوي (٩٨١هـ) .
وتبعه العلامتان: شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، والرباطي، واللفظ للأول:
(قال ابن بلدجي، في شرح المختار:
" ويكره أن يدعو الله إلاّ به، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك، ونحو ذلك؛ لأنه لا حق للمخلوق على خالقه [وجوبا أوجبه عليه غيره] ،
стр. 1037
أو يقول في دعائه: أسالك بمعقد العز من عرشك ... ، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه:
" أكره كذا "- هو حرام عند محمد، وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: هو إلى الحرام أقرب* وجانب التحريم عليه أغلب *) .
قلت: هذا النص هو في الحقيقة نص أبي حنيفة، وصاحبيه السابق، وهو يدل دلالة قاطعة على بطلان استغاثات القبورية وتوسلاتهم البدعية؛ كقولهم: "بفلان، أو ببركة فلان، أو بحرمة فلان، أو بحق فلان، أو بطفيل فلان، أو بخاطر فلان، أو لأجل فلان، أو بجاه فلان، أو شيئا لله، ونحو ذلك من العبارات* فضلا عن قولهم في ندائهم الأموات*:
يا فلان اشفع لي، أو اشفني، أو اقض حاجتي، أو أغثني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو أنا تحت نظرك، أو أنا تحت ظلك، أو لا تحرمني، أو لا تطردني، ونحو ذلك من الاستغاثات بالأموات* عند إلمام الملمات، ونزول الكربات* التي هي وثنيات صريحات* تحت ستار التوسل والكرامات*
٣٧ -٤٠- قول الأئمة الثلاثة للحنفية * فيما قاله الإمام الطحاوي أحد كبار أئمة الحنفية* لقد ألف الإمام الطحاوي (٣٢١هـ) كتابه المعروف في عقيدة
стр. 1038
أهل السنة والجماعة، وصرح في أوله بأن هذه العقيدة- عقيدة الأئمة الثلاثة، وقولهم جميعا، جاء في أوله النص الآتي:
(هذا ما رواه الإمام أبو جعفر الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين* وما يعتقدون من أصول الدين* ويدينون به لرب العالمين*) .
قال رحمه الله تعالى في أهمية دعاء الله والاستغاثة به وحده لا شريك له: (والله تعالى يستجيب الدعوات * ويقضي الحاجات* ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء *، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين* ومن استغنى عن الله طرفة عين*- فقد كفر، وصار من أهل الحين*) .
قلت: هذا النص واضح في معناه، قاطع لدابر القبورية الذين يقولون بدون
стр. 1039
حياء من العباد، ورب العباد:
إن المضطر ينبغي له أن يستغيث بالأموات عند الكربات* لأن الولي أسرع إجابة من الله تعالى في دفع المضرات، وجلب الخيرات* إلى آخر هذيانهم الكفري الإلحادي الذي ذكرتُ أمثلة منه في ترجيحهم الاستغاثة بالأموات * على الاستغاثة برب البريات*؛ لأن هذا النص مشتمل على عدة من الأمور المهمات * التي تبطل جميع مزاعم القبورية في استغاثتهم بالأموات*:
الأول: أن الله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، فبطل كفر هؤلاء القبورية: أن الولي أسرع إجابة من الله.
الثاني: أن الله يملك كل شيء، وقادر على كل شيء، فهو المالك المطلق، والغني القادر المطلق، وحده لا شريك له.
فبطلت خرافات القبورية في زعمهم التصرف في الكون للأولياء.
الثالث: أنه لا غنى لأحد عن الله تعالى طرفة عين.
فبطل بذلك زعم القبورية في دعوة العباد إلى الاستغاثة بالعباد ولا سيما الأموات.
الرابع: حكم هؤلاء المستغيثين المستكبرين عن الاستغاثة بالله، المعرضين عنها، الراغبين في الاستغاثة بالأموات، الداعين إليها:
وهو أنهم قد ارتكبوا كفرا بواحا، وشركا صراحا.
هذا هو حكم الأئمة الحنفية القدامى على مثل هؤلاء القبورية الوثنية المرجحين للاستغاثة بالأموات* على الاستغاثة بخالق الكائنات*، والمعتقدين فيهم العلم بالمغيبات* وسماع أصوات الاستغاثات*
стр. 1040
والتصرف في الكون، وغير ذلك من الخرافات والشركيات*.
٤١ -٤٦- ولقد شرح هذه العقيدة كثير من كبار علماء الحنفية، ولهم كلام مهم في شرح قول الإمام الطحاوي المذكور- الذي هو في الأصل قول للأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق، ويطول المقام أن أسوق كلام كل واحد من هؤلاء الشراح في شرح هذا القول الفيصل؛ لذلك أود أن أذكر حاصل مجموع كلام هؤلاء الحنفية * وهم ستة أعلام، ليكون ذلك إجهازا على هؤلاء الجرحى القبورية *:
قالوا:إن الله تعالى أمر عبادة بالدعاء، ووعد بالإجابة، فرغب العباد إلى دعائه وحده لا شريك له؛ لأن الله سبحانه حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يدعهما صفرا؛ فالله قد أكد وأمر عباده أن يدعوه وحده عند الكربات، وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تؤكد هذا المطلوب، وتوجبه على العباد، ليدعوا رب العباد عند الكربات، لا غيره من المخلوقات؛ لأن الله تعالى هو وحده يملك كل شيء، فلا يتعذر عليه شيء، ولا يصعب عليه إعطاء شيء؛ ثم هو حيي، كريم، رحيم، جواد، وهاب، يعطي، ويجيب، وقادر على قضاء الحوائج، وهو موصوف بكمال الرحمة، وقادر على كل شيء؛ فلا تلحقه مشقة في قضاء حاجات المحتاجين، ولا غنى لأحد من المسلمين والكافرين عن الله تعالى طرفة عين؛ فإن المشركين أيضا محتاجون إلى الله تعالى،
стр. 1041
فقد كانوا إذا مسهم الضر في البحر لم يكونوا يدعون إلا الله سبحانه وحده لا يشركون معه غيره، فهؤلاء الكفار قد فهموا هذه النكتة المهمة، فكانوا يعتقدون أنه لا غنى لأحد عنه سبحانه عند الكربات؛ ولأجل أن كل ما سوى الله مفتقر إليه، وأنه هو الغني وحده- قد ندب الله سبحانه إلى دعائه، ورغبهم في أن يسألوه حوائجهم وحده لا شريك له، لأن ذلك يتضمن عدة من المطالب العالية، والصفات الكمالية، وهي الوجود، والغنى، والسمع، والعلم، والكرم، والرحمة، والقدرة، لأن المعدوم، والفقير، والأصم، والبخيل، والقاسي، والعاجز- لا يُدْعَوْنَ، فالله يفرح بدعاء عبده وسؤاله منه، وإظهار تضرعه إليه، فمن لم يسأل الله عند الكربات* ولم يدعه عند الملمات* يكرهه ويغضب عليه، بخلاف ابن آدم، كما قيل:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبُنيُّ آدم حين يسأل يغضب
فمن رأى نفسه مستغنيا عن الله طرفة عين، معرضا عنه، مستغيثا بغيره تعالى- فقد كفر، ويكون مخلدا في النار، فأي هلاك أشد من هذا!!!؛ لأن من لا يدعو الله تعالى- فهو لا يعرفه، وإن ادعى أنه يعرفه؛ لأنه وإن أقر به- فقد نقض إقراره بترك دعائه وسؤاله عند الكربات* وعدوله إلى غيره سبحانه من المخلوقات*.
стр. 1042
قلت: هذا الكلام لا يحتاج إلى أي تعليق فهو واضح في معناه وقاطع لدابر القبورية.
٤٧ -٤٩- وقال الإمام الآلوسي محمود المفسر، مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) ، وتبعه ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، والعلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) ، واللفظ للأول: (وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن الاستغاثة بمخلوق، وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه- لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيا ... ؛ وأما إذا كان المطلوب منه ميتا أو غائبا- فلا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف ... ؛ ولم يرد عن أحد من الصحابة ﵃ وهم أحرص الخلق على كل خير-: أنه طلب من ميت شيئا ... ) .
стр. 1043
المطلب الثاني
في نصوص علماء الحنفية على أن الاستغاثة بغير الله تعالى
فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه إشراك بالله
لقد سبق نصوص علماء الحنفية وأئمتهم القدامى على أن الاستغاثة بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله - أمر محرم في شرع الله، وينافي دين الله ، ويناقض توحيده جل وعلا.
وأذكر في هذا المطلب عدة نصوص لعلماء الحنفية- على أن الاستغاثة بغير الله- ليست محرمة في دين الله فحسب، بل هي شرك، من أقبح أنواع الشرك بالله.
وإليكم بعض تلك النصوص على سبيل المثال* لتكون فيها عبرة ونكال للقبورية الضّلال، أهل الإضلال*:
١ -٤- سبق في كلام الإمام الطحاوي، وهو في الحقيقة كلام للأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق: أبي حنيفة، وصاحبيه أبي يوسف، ومحمد - رحمهم الله تعالى- قولهم: (ومن استغنى عن الله طرفة عين * فقد كفر، وصار من أهل الحين*) .
стр. 1044
قلت: هذا النص ينطبق تماما على القبورية الذين يزعمون أن الاستغاثة بالله تعالى تضر المكروب المضطر، وتؤخر قضاء حاجته؛ لأن الله تعالى لا يهمه أمر المضطر المكروب الملهوف، بخلاف الولي، فإنه أسرع إجابة من الله تعالى، وإنه يهتم بأمر المضطرين أكثر من الله تعالى.
فهؤلاء الوثنية هم في الحقيقة مستغنون عن الله تعالى، المستكبرون عن دعائه وحده، المعرضون عن الاستغاثة به عند الكربات* الراغبون في الاستغاثة بالأموات* المرجحون للاستغاثة بالأموات* على الاستغاثة برب البريات* فهؤلاء قد ارتكبوا كفرا بواحا* وأمرا إمْرًا نُكرا إدّا، وشركا صراحا*
٥ -٧- وقال الإمام الفتني الملقب عند الكوثري، والكوثرية، بملك المحدثين وهو أحد الأئمة الحنفية الكبار (٩٨٦هـ) - في صدد الرد على القبورية، وتبعه بعض علماء الحنفية، واللفظ للأول:
(فإن منهم من قصد بزيارة قبور الأنبياء والصلحاء: أن يصلي عند قبورهم، ويدعو عندها، ويسألهم الحوائج، وهذا لا يجوز [لأن ذلك من العبادة] فإن العبادة، وطلب الحوائج، والاستعانة، حق لله وحده) .
قلت: هذا النص المهم لهذا الإمام العظيم المبجل عند الحنفية، والملك
стр. 1045
للمحدثين عند الكوثري، أحد أئمة القبورية، والجهمية الماتريدية، ولا سيما الكوثرية (١٣٧١هـ) - دالّ على أن الاستغاثة بغير الله شرك بالله، إذ هي من قبيل العبادة لغير الله تعالى.
٨ -١١- وقال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) ، وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، وتبعه آخران من الحنفية، واللفظ للأول:
(إن فتنة الشرك بالصلاة فيها [أي عند القبور] ، ومشابهة عبادة الأوائل- أعظم بكثير من مضرة الصلاة بعد العصر، والفجر ... ؛ فكيف بهذه الذريعة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك بدعاء الموتى وطلب الحوائج منهم) .
قلت: هذا النص صريح في أن الاستغاثة بالموتى وطلب الحوائج منهم ودعائهم، شرك بالله ، فدل على أن القبورية مرتكبون للشرك الأكبر، بالله جل وعلا.
١٢ - وقال الإمام البركوي (٩٨١هـ) ﵀ أيضا- مبينا مخازي القبورية وفضائحهم وقلبهم دين التوحيد إلى دين الشرك:
(فقلب هؤلاء الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصودَ بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءَه، وسؤاله الحوائجَ، واستنزال البركات منه، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم، وإلى الميت) .
قلت:
هذا النص لهذا الإمام صريح في أن الاستغاثة بالأموات عند
стр. 1046
الملمات، إشراك بخالق الكائنات، وأن القبورية بزيارتهم الوثنية- للشرك مرتكبون * وإلى أنفسهم، وإلى الميت مسيئون* ١٣-١٧- وقال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) ، وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، وتبعهما الشيخان: سبحان بخش الهندي، وإبراهيم السورتي، والعلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، في بيان المفاسد الشركية بسبب جعل القبور أعيادا:
واللفظ للأول:
(إن غلاة متخذيها عيدا إذا رأوها من موضع بعيد ينزلون* من الدواب ويضعون الجباه على الأرض ويقيلون* ويكشفون الرؤوس وينادون من مكان بعيد* ويستغيثون بمن لا يبدي ولا يعيد* ويرفعون الأصوات بالضجيج* ويرون أنهم قد زادوا في الربح على الحجيج* حتى إذا وصلوا إليها يصلون عندها ركعتين* ويرون أنهم قد أحرزوا من الأجر أجر من صلى إلى القبلتين* فتراهم حول القبور سجدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا* وقد ملأوا أكفهم خيبة وخسرانا* فلغير الله تعالى، بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات* ويرتفع من الأصوات* ويطلب من الميت الحاجات* ويسأل من تفريج الكربات* وإغناء ذوي الفاقات * ومعافاة أولي العاهات والبليات*) .
قلت: هذا النص الفصيح البليغ الذي يثير عواطف أهل التوحيد، ويشن
стр. 1047
الغارة على أهل الشرك- يدل دلالة قطعية على أن حج القبورية إلى القبور* ودعاء من في القبور* والاستغاثة بهم- من أعظم أنواع الشرك بالله جل وعلا؛ لأن كل ذلك من أعظم أنواع العبادة لله ، فصرفها لغير الله من أعظم أنواع الإشراك بالله .
فهذا النص من قبيل القضايا التي قياساتها معها كما قيل:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
١٨ -٢٢- وقال البركوي رحمه الله تعالى، والإمام أحمد الرومي، والشيخ سبحان بخش الهندي، والشيخ السورتي، والعلامة الخجندي، كاشفين الأستار عن أسرار القبورية واستغاثتهم الشركية، ومقارنين للقبورية بالوثنية، واللفظ للأول:
(وأمّا الزيارة البدعية:
فزيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من الحاجات التي كان عبّاد الأوثان يسألونها من أوثانهم- فليس شيئا من ذلك مشروعا باتفاق أئمة الدين؛ إذ لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا أحد من الصحابة، والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذة عن عباد الأصنام) .
стр. 1048
٢٣ - ثم طوّل البركوي ﵀ النّفَسَ في تحقيق مقارنة القبورية بالوثنية الأولى.
قلت: هذا النص يدل دلالة قاطعة على أن الاستغاثة بالأموات* من أعظم أنواع الإشرك برب البريات* وأنها من دين الوثنية الأولى * وجاهلية من الجاهلية الجهلاء الحمقاء*.
٢٤ -٢٥- قول ابن الرومي في شرح المختار في بيان أن استغاثة القبورية شرك، على ما قاله العلامة الخجندي:
(وقال ابن الرومي في شرح المختار: " قد قرّر الشيطان في عقول الجهال: أن الإقسام على الله بالولي، والدعاء به، أبلغ في تعظيمه، وأنجح لقضاء حوائجه، فأوقعهم بذلك في الشرك "..) .
٢٦ -٣٠- قول جمع من كبار علماء الحنفية:
أولهم الإمام صنع الله الحلبي (١١٢٠هـ) ، وتبعه آخرون- محققين أن الاستغاثة بالأموات* عند الكربات* إشراك برب الكائنات* وأن القبورية في ذلك على طريقة الوثنية الأولى- في كلام طويل مهم قد سبق فلا حاجة إلى إعادته.
стр. 1049
٣١ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي الملقب عند الحنفية " بحجة الله على العالمين " (١١٧٦هـ) .
في بيان شركيات القبوريين، وأن استغاثتهم بغير الله تعالى شرك به :
(وأمّا الإشراك بالله استعانة- فحده: أن يطلب حاجة عالما بأن فيه قدرة إنجاحها من صرف الإرادة النافذة: كالشفاء من المرض، والإحياء، والإماتة، والرزق، وخلق الولد، وغيرها مما يتضمنه أسماء الله تعالى، والإشراك بالله تعالى دعاء:
فحده: أن يذكر غير الله تعالى، عالما بأنّ فعله ذلك نافع في معاده، أو قربه إلى الله تعالى، كما يذكرون شيوخهم إذا أصبحوا) .
٣٢ - وقال ﵀ محققا أن القبورية باستغاثتهم بالأموات* مثل الوثنية الأولى عبدة العزى واللات*:
(كل من ذهب إلى بلدة أجمير، أو إلى قبر سالار
стр. 1050
مسعود، أو ما ضاهاها: لأجل حاجة يطلبها، فإنه آثم إثما أكبر من القتل والزنى، ليس مثله إلا مثل من كان يعيد المصنوعات، أو مثل من كان يدعو اللات والعزى) .
قلت: هذا النص، لهذا الإمام، يقطع دابر القبورية المستغيثين بالأموات* فقد حكم عليهم هذا الإمام الهمام، بأنهم في استغاثاتهم وثنية كعباد اللات والمصنوعات*
٣٣ - وقال ﵀ في الرد على القبورية المستغيثين بالأموات* معرضين عن الاستغاثة برب البريات*، مبينا أن استغاثتهم بغير الله إشراك بخالق البريات*: (يا أيها الناس ما لكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا، اتخذ أهل كل بلد من أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [يستغيثون بهم، معرضين عن الله] ، أتعلمون أن الله بعيد عنكم [حتى أعرضتم عنه] ؟!؟، وأنّ هؤلاء [الأموات أو الأحياء الغائبين] أقربُ إليكم منه؟؟؟ [حتى اخترتموهم للاستغاثة بهم عند الملمات!!!] ،
стр. 1051
كلا، إن الحق العلي الكبير، مع كونه منزها غاية التنزيه، تدلى إلى خلقه، فما من أحد يقول: يا ربي يا ربي، إلا وهو يقول بإزائه: يا عبدي) .
٣٤ - وقال ﵀ في الرد على القبورية مبينا أن طلب الحوائج من الأموات كفر يناقض الإسلام، وكلمة التوحيد:
(واعلم أن طلب الحوائج من الموتى، عالما بأنه سبب لإنجاحها- كفر يجب الاحتراز عنه، تُحرِّمه هذه الكلمةُ [كلمة التوحيد] ، والناس [القبورية] اليوم فيها منهمكون) .
٣٥ -٣٦- ونقله آخرون من الحنفية مستدلين به رادين به على القبورية، حاكمين على أن الاستغاثة بغير الله كفر وشرك.
٣٧ -٤٢- وقال ﵀ مبينا عقائد المشركين الأولين وأنواع إشراكهم بالله تعالى، ذاكرا منها الاستغاثة بغير الله، محققا أنها شرك بالله، وتبعه في هذا التحقيق عدة من كبار علماء الحنفية، واللفظ له:
(ومنها [أي من أنواع شرك المشركين الأولين] : أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من: شفاء المريض، وغناء الفقير، وينذرون لهم، يتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون أسماءهم رجاء بركتها:
стр. 1052
فأنزل الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلاتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ، وليس المراد من " الدعاء ": " العبادة". كما قاله بعض المفسرين، بل هو الاستعانة كقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] ..) .
٤٣ -٤٥- وقال ﵀، وتبعه بعض الحنفية، مبينا أن أوراد القبورية التي فيها استغاثتهم بالأموات- هي أوراد شركية:
(الأوراد الشركية من علامات القبورية، أنهم يعتقدون في مشائخهم،أنهم يعلمون أسرارهم، وينادونهم عند الكربات، فيقول بعضهم: يا بهاء الدين مفرج الكربات، وبعضهم يستغيثون لبسط الرزق: يا نظام الدين أولياء واهب الرزق، وبعضهم يقولون- قياما وقعودا- عند الكربات: يا شيخ عبد القادر
стр. 1053
الجيلاني شيئا لله) .
٤٦ -٤٩- وقال القاضي ثناء الله الباني بتي الملقب عند الحنفية ببيهقي الوقت (١٢٢٥هـ) وتبعه كثير من علماء الحنفية، منهم الشيخ الجنجوهي (١٣٢٣هـ) ، مبينا أن استغاثات القبورية بالأموات شرك بالله تعالى وكفر به:
(لا يجوز عبادة غير الله، ولا استعانة من غيره تعالى، لأن ذلك من حق الله تعالى وحده، كما قال سبحانه بصيغة الحصر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فلا يجوز النداء للأولياء، لأنه من العبادة [العبادة لغير الله شرك] ، كما لا يجوز الانحناء إلى القبور، ولا الطواف بها، لأن الطواف لا يكون إلا بالكعبة، ولأن الطواف كالصلاة، فلا تجوز لغير الله، ولا يجوز أيضا دعاء الأنبياء والأولياء في الكربات* سواء كانوا من الأحياء أو من الأموات * لأن الدعاء من العبادة بصريح الكتاب والسنة، ولكن بعض الجهال يقولون عند الكربات: " يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئا لله "، ويقول بعضهم: " يا خواجة شمس الدين الباني بتي شيئا لله "، فهذا لا يجوز، بل هو شرك، وكفر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
стр. 1054
[الأعراف: ١٩٤] ، فالذين يدعونهم القبورية- هم عباد مثلهم، لا قدرة لهم على النفع والضر وإنجاح الحوائج.
فإن قال قائل من هؤلاء القبورية:
إن هذه الآية نزلت في حق الكفار، وهم كانوا يدعون الأصنام، أما نحن فلا ندعوا الأصنام. بل ندعوا أولياء الله تعالى.
فالجواب:
أن لفظ من دون الله بمعنى " غير الله "- لفظ عام، فالعبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص النزول، فيدخل فيه: الأنبياء، والأولياء، وكل ما سوى الله تعالى، فلا يجوز نداء غير الله عند الكربات.
سواء كان من الأصنام، أو الأحياء، أو الأموات*) .
٥٠ - ولقد عد الإمام الشاه عبد القادر، أحد كبار علماء الحنفية الملقب عندهم بالإمام الكبير (١٢٣٠هـ) - عدةَ أنواع للشرك ذكر منها الاستغاثة بغير الله.
٥١ -٥٣- وقال الإمام الشاه عبد العزيز الملقب عند الحنفية بسراج الهند (١٢٣٩هـ) وتبعه آخرون من الحنفية مبينين أن الاستغاثة بغير الله
стр. 1055
شرك من أفعال المشركين:
(إن بعض المشركين [القبورية] يدعون غير الله لدفع البليات) .
٥٤ -٥٥- وقال الإمام المجاهد الشاه إسماعيل الدهلوي (١٢٤٦هـ) حفيد الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، وتبعه الشيخ أبو الحسن الندوي، مبيِّنين أن الشرك بالاستغاثة بأهل القبور قد عم وطمّ، واللفظ للثاني:
(استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس:
اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر، وأصبح التوحيد غريبا ... ؛
مظاهر الشرك:
ومن المشاهد اليوم أن كثيرا من الناس يستغيثون بالمشايخ، والأنبياء، والأئمة، والشهداء، والملائكة، والجنيات، عند الشدائد، فينادونها بأسمائها، ويصرخون بأسمائها، ويسألون عنها قضاء الحاجات وتحقيق المطالب ... ) .
٥٦ -٧٥- وقالا- واللفظ للثاني أيضا- في المقارنة بين القبورية وبين الوثنية الأولى:
(حقيقة شرك أهل الجاهلية وضلالهم ... ؛
следующие страницы →