← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

والملمات*] مع العادة [العامية الجاهلية التي ألفوها وعاشوا عليها في بيئتهم القبورية]- قول طائفة [من القبورية] : " قبر معروف، أو غيره ترياق مجرب "؛ ومعهم [شبهة أخرى أقوى من الأولى، وهي:] ، أن طائفة استغاثوا بحي، أو ميت، فرأوه قد أتى في الهواء، وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع [حتى] في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان [، فلا مستند للقبورية في هذه الحكايات] ، فإن الشياطين تتمثل لهم، [لاستدراجهم وإضلالهم] ، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا- لطال

стр. 1122

المقام) . ٢٤- ثم علق العلامة الآلوسي (١٣٤٢هـ) على كلام شيخ الإسلام السابق، مستدلا به قاطعا دابر القبورية عامة، ودابر النبهاني (١٣٥٠هـ) خاصة، محققا أن القبورية أشد خوفا، وأكثر رجاء، وأعظم عبادة للأموات* منهم لخالق الأرض والسماوات في باب الاستغاثات* قائلا: (فتأمل هذا الكلام* [كلام شيخ الإسلام *] ، فإنه يستبين منه ضلال النبهاني، وأضرابه من الغلاة، وقد صرح شيخ الإسلام* [في كلامه هذا، وما أطيب هذا الكلام* بعدة من الفوائد* التي هي من الدرر الفرائد*: منها] : أن السنة كسفينة نوح، ومعلوم أن دعاء الأنبياء [والأولياء] ليس من السنة، بل هو من البدع الشركية. ومنها: أن بعضهم [من هؤلاء القبورية] أفضى به ذلك- إلى أن يصلي للميت، ويقول: " اغفر لي، وارحمني "، وهذا جائز عند النبهاني، وإخوانه من عباد القبور، سائغ لا ينكر. ومنها: أن بعض المستغيثين يعكف على القبر عكوف أهل

стр. 1123

التماثيل، وهذا واقع منهم أيضا [وليس مجرد اتهام وخيال * ولا فرض مقال محال *] ، وهذا من لوازم قولهم بجواز الاستغاثة [بالأموات* عند الكربات] . ومنها: أن جمهور هؤلاء المشركين بالقبور [وأهلها]- يجدون عند عبادتها [وعبادة أصحابها] : من الرقة، والخشوع، وحضور القلب- ما لا يجدونه في المساجد، [ولا في أوقات الأسحار!!!، ويجدون من الخوف والرجاء من الأموات* ما لا يجدونه من رب البريات*] !!!. ومنها: أن بعضهم يحج إلى القبور، وهذا عند النبهاني، ومن على شاكلته- من الفضائل التي لا تنكر. ومنها: إنكار الشيخ [شيخ الإسلام] على من صنف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ ، [وهو: مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام] في اليقظة والمنام. ومنها: أن هذا المصنف [من طاماته القبورية: أنه قد] حج مرة،

стр. 1124

وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع، ولم يذهب إلى الكعبة، وفاعل ذلك عند الغلاة أفضل من الحاج!!! ومنها: أن ذلك أفضى ببعضهم إلى أن قال: " البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والصنم الذي في الهند ". و [منها: أن] بعضهم لا يرى ذلك للصنم الذي في الهند، ويراه لمن يعتقده، وما يتأله به من المشايخ. ومنها: أن بعضهم يعرف عند مقابر الشيوخ، كما يفعل بعرفة. و [منها] : أن هذا وقع في المغرب والمشرق [وليس بمجرد اتهام] . ومنها: أن الشيخ [شيخ الإسلام] نفى العلم عمن يستغيث بالنبي ﷺ ، كالصرصري، وابن النعمان، [وأمثالهما من القبورية الجهلة بحقيقة التوحيد، وإن كانوا علماء فضلاء في علوم أخرى] . و [منها:] أنهم جروا على عادة العامة الذين يستغيثون بالمشايخ في الشدائد ويدعونهم، [بحكم البيئة وعادة العوام فحسب، لا بحكم الكتاب والسنة] . ومنها: أن من له فضل، وعلم، وزهد، قد يقع منه الشرك، والاستغاثة بغير الله، [لأجل جهلة بعلم التوحيد، وإن كان في نفسه فاضلا] . و [منها:] أن مستندهم [في الاستغاثة بالأموات] مع العادة [العامية الجاهلية]- قول طائفة [من القبورية] : " قبر معروف، أو غيره ترياق مجرب "، [وليس مستندهم كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ولا آثار السلف] . و [منها: أنه] من المعلوم أن هذا القول صدر عن غير معصوم،

стр. 1125

وجمهور أهل العلم والإيمان قد ردوه، وأنكروا على فاعله. و [منها: أنه] قد مضى فيما مر من عبارات شيخ الإسلام: أن هذا لا يعرف في عهد القرون المفضلة، وكفى بهذا ذمّا. ومنها: قوله: إن طائفة استغاثوا بحي، أو ميت، فرأوه قد أتى في الهواء، وقضى بعض الحوائج، [وهذا من تلبيس إبليس] . و [منها: أن هذا ليس مجرد الخيال والاتهام، بل] هذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة، أو الأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان ... ) . ٢٥ - وقال رحمه الله تعالى أيضا- مبينا أن القبورية أعظم عبادة، وأشد خوفا ورجاء، وأكثر خضوعا وخشوعا وتعظيما للأموات* منهم لخالق البريات* محققا أن شرك القبورية أشنع وأبشع في باب الاستغاثة بالأموات* عند الكربات والملمات*: (ومن أعظم البدع في هذا الزمان: معابد يعتقدون أن الصلاة عندها أفضل من الصلاة في جميع بيوت الله، وهم وإن لم يصرحوا، ولكن طبعت قلوبهم على ذلك، فتراهم يقصدونها من الأماكن البعيدة، وربما أن تكون بحذائهم مساجد مهجورة، فيعطلونها، وإذا ألجِئوا

стр. 1126

للصلاة فيها- صلوا كارهين، وتلك [المعابد] يهرعون إليها!؟! ولو في أوقات الكراهة، وهي أفضل عندهم من الصلاة في الأوقات الفضيلة في المساجد. وتلك المساجد التي بحذاء القبور- ليست مقصودة، لكونها بيوتا لله، بل لكونها حضرات لمن انتسبت إليه من أهل تلك القبور، يدلك على ذلك كله أنهم لا يسمونها إلا حضرات، فإذا قلت لأحدهم: أين صليت؟ - قال لك: صليت في حضرة الشيخ فلان، وليس مقصودهم به إلا التقرب به، وبحضرته، وكلما أكثر الرجل الترداد إلى القبور- - ولو كانت مشتملة على أنواع المنكرات من ستور الحرير والديباج، والترصيع بالفضة، والعقيان، فضلا عن غيرها- كان مشهورا بين الناس بالديانات* مغفور الزلات* مقربا عند أصحاب تلك الحضرات*، ولقد امتلأت قلوب العوام، [بل قلوب كثير من الخواص]- من رجائهم ومخافتهم،

стр. 1127

فتراهم إذا عضلت عليهم الأمور*- أوصى بعضهم بعضا بقصد أصحاب القبور* وكذلك إذا وقع على أحد يمين الله- حلف به من غير أدنى وجل* أو حذر [أو خجل*] ، وإذا قيل له: احلف بفلان عند قبره- خصوصا إذا أمره بالغسل لهذا اليمين، ليكون ذلك من أقوى العبادات- خاف خوفا يظهر على جميع جوارحه، فلو أنه أدخل إلى قبره- ارتعدت فرائصه، وانحلت قواه [من شدة الخوف والهيبة] ، وربما أن أحدهم- لكثرة أوهامه، وشدة خوفه- تبطل حواسه، فيزدادون كفرا * وتضحك عليهم الشياطين جهرا*

стр. 1128

وترى كثيرا منهم يعلقون مرضاهم عليهم، فيأخذون المريض- وهو في غاية شدته-، فيدخلونه على قبره، والسعيد عندهم من يدخلونه داخل شباكه، ويتعلق بستر قبره، والرزية العظمى: أنهم في حالتي السراء، والضراء، يتلاعب إبليس بهم، فإن مات مريضهم- قالوا: ما قَبِلنَا الشيخُ فلان- يعنون به صاحب القبر-. وإن صادف القدر، فعوفي- - لا سيما إذا وافق مطلوبهم ذلك الوقت- فرحوا بما عندهم من الكفر، فأرسلوا القرابين، ومعها شموع العسل موقدة من بيوتهم- إظهارا لقدرة صاحب القبر [على قضاء الحوائج] ، وتنبيها على إلهيته [بل ربوبيته] ، وكثيرا ما ينشرون الرايات له على طريقة أهل الجهل من الأعراب: من أن من يفعل شيئا عظيما نشرت له راية بيضاء، وقد رأيت من لم يفعل ذلك،

стр. 1129

ولكنه ينصب راية بيضاء على سطح داره ثلاثة أيام- يصيح كل يوم وقت المغرب بأعلى صوته: الراية البيضاء لفلان بيض الله وجهه، وبالجملة: فأكثر البدع الخبيثة نشأت من هنالك، حتى إني رأيت بدمشق الشام أناسا ينذرون للشيخ عبد القادر الجيلي قنديلا يعلقونه في رؤوس المنائر، ويستقبلون به جهة بغداد، ويبقى موقدا إلى الصباح، وهم يعتقدون: أن ذلك من أتم القربات إليه، كأنهم يقولون بلسان حالهم: " أينما توقدوا، فثم وجه عبد القادر "،

стр. 1130

فيا لله العجب، ما هذه الخرافات؟ * وأين دين الله الذي قد مات؟ * بال الشيطان في عقولهم* وأضلهم عن سبيلهم* ولا ترى أحدا ينهى عن أمثال ذلك* وأعظم ما هنالك * ومن أقبح المنكرات* ما يستعمله جميع النساء [القبوريات*] عند وضع الحمل، ولا سيما في شدة الطلق، فإنهن يستغثن بعلي بن أبي طالب [﵁] ، وكلما اشتد الطلق- صاحت النساء بأعلى أصواتهن داعيات ومستغيثات به، ليفرج عنهن ما قد كربهن، ومن يسمعهن- يتيقن إشراكهن، وقلما تسلم امرأة منهن في هذا الحال العظيم* والخطب الجسيم* وكثير منهن يزعمن: أنه الموكل بالأرحام* والموكول إليه في هذه الأحوال العظام* والحاصل: أنه لو أراد الإنسان أن يفصل منكرات القبور* وتكيات المتصوفة ومنكرات الحيطان، والآبار، والصخور* والأحجار،

стр. 1131

والتماثيل ... ،- لضاق عنه نطاق التحرير* وعجز عن ضبطه من تصدى للتسطير*) . ٢٦ - وقال رحمه الله تعالى، في بيان الزيارة الشركية التي يرتكبها القبورية، مبينا أن إشراكهم أعظم وأشنع* وأكبر وأبشع* حيث إن أحدهم يجد في قلبه من الخشية والرهبة عند القبور، وعند الاستغاثة بأصحابها- ما لا يجد لخالقه في المساجد والأسحار: ( ... وجد هذا الزائر في فؤاده من الخشية والرهبة- ما لا يجد أدنى معشار جزء من عشرة بين يدي خالق السماوات والأرضين* وإله جميع العالمين*، فيدخل إلى القبر خاشعا ذليلا، متواضعا، لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله* منتظرا فيض كرمه، ونواله) . ٢٧ - وقال التهانوي (١٣٦٢هـ) : مبينا أن القبورية أشد خوفا من الأموات* منهم من رب البريات*: إن كثيرا من عابدي القبور، بسبب تعظيم قبور الأولياء، وإرخاء الستور عليها- حصل لهم الضرر العظيم في اعتقادهم، حتى اعتقدوا في الأولياء التأثير مع الله، فتراهم يتركون النذر لله، وأكثروا النذور للأولياء، والتقرب إليهم، وتركوا الحلف بالله حتى صار عندهم الحلف بالله كالعدم، ولا

стр. 1132

يتجاسرون الحلف بالأولياء، لاعتقادهم: أن من حلف بولي خائنا كاذبا- يضره في بدنه، وماله، وأولاده، وهذا من الشرك، والعياذ بالله، ثم ذكر عن بعض علماء الروم وقضاتهم الموصوفين بالعلم والصلاح: أنه قال: " لو مكنت من هدم قبور الأولياء لهدمتها، كما فعل عمر بشجرة الرضوان، والمصيبة: أن فقهاء القرى يأمرون العوام عند توجه الحلف بالولي، ويقولون: إن فيه إظهارا للحق!؛ فانظر إلى هؤلاء الفقهاء [السفهاء] كيف يتوسلون إلى إظهار حق الخصم الدنيوي، بضياع الدين من أصله؛ [لأن من نذر لغير الله، أو حلف بغير الله، أو سجد لغير الله- فهو مشرك بالله] . ٢٨ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧هـ) بعدما حقق أن شرك القبورية أعظم من شرك أهل الجاهلية الأولى، مبينا أن القبورية أعظم عبادة للقبور وأهلها في المشاهد*، منهم لله، في المساجد*: (ولهذا يرى هؤلاء دعاء الموتى عند القبور، ويتوجهون إليهم، ويستغيثون بهم، ويقولون: إن أرواحنا إذا توجهت إلى روح المقبور في القبور- اتصلت به ففاضت عليها المقاصد من جهته؛

стр. 1133

وكثير منهم، ومن غيرهم من الجهال- يرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ﵈، والصالحين من أهل البيت وغيرهم- أفضل من الصلوات الخمس، والدعاء في المساجد، وأفضل من حج البيت العتيق) . ٢٩ - وقال الشيخ أبو الحسن الندوي، مبينا أن القبورية أعظم خوفا من الأموات* منهم لخالق الكائنات* كاشفا عن حال القبورية في الشام وغيرها: (يخشون القبور وأصحابها، ولا يخشون الله!! حتى أن طائفة من أصحاب الكبائر الذين لا يتحاشون فيما يفعلون من القبائح - كان إذا رأى قبة البيت، أو الهلال الذي على رأس الميت- خشي من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك هذا هلال القبة، فيخشون المدفون تحت الهلال، ولا يخشون الذي خلق السماوات والأرض....) . وقال: (وقاحة المشركين [يعني القبورية] وجرأتهم!!؛ ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا [يعني بالله] ، ولا يجترئ أن يحلف بشيخه اليمين الغموس كاذبا ... ) .

стр. 1134

٣٠ - وقال العلامة الرستمي، مبينا أن القبورية أعظم خوفا من الأموات* منهم لخالق البريات*: (بعضهم يذهبون إلى قبور الأولياء من بعيد، ومعهم الضأن والمعز والدجاجة وغيرها، نذرا لصاحب القبر، ويتقربون إليها بذبحها هناك ... ؛ يلتزمون على أنفسهم ... ؛ ولا يقصرون فيه، ولا يتأخرونه عن وقته، ولا ينقصون منه خوفا من الضرر، ولا يكون في قلوبهم ميلا إلى الصلاة لله تعالى، ولا إلى أداء الزكاة له تعلق، والتصدق له تعالى، بل تركوه نسيا منسيا، فلو لم يكن هذا شركا- فلا يكون الشرك إلا اسما، ولا يكون له مصداق) . قلت: هذه كانت بعض نصوص علماء الحنفية الدالة على أن الاستغاثة بالأموات* من أعظم الإشراك بخالق الكائنات* وأنها ليست بشرك فحسب، بل هي أمّ لعدة أنواع من الإشراك برب البريات* وأن القبورية أعظم شركا من الوثنية الأولى في باب الاستغاثات* وأنهم أشد خوفا ورجاء وأكثر خشوعا وخضوعا، وأعظم عبادة للأموات*

стр. 1135

منهم لخالق الأرضين والسماوات* ولو كانوا في أشرف المقامات وأسعد الأوقات* وقد تحقق بهذه التحقيقات الحنفية * أن القبورية فرقة مشركة وثنية من الفرق الوثنيات* وبعد هذا ننتقل إلى الباب الآتي لنعرف شبهات المستغيثين بالأموات* كما نعرف جهود علماء الحنفية في قلعها، وقمع أصحابها- مستغيثين برب البريات*

стр. 1136

الباب الثامن في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية التي تشبثوا بها لتبرير الاستغاثة بالأموات

стр. 1137

كلمة بين يدي هذا الباب للقبورية شبهات كثيرة، فإن جميع عقائدهم مبنية على الشبهات الشيطانية، وقد ذكرت منها أربعاً وأربعين شبهة، مع أجوبة علماء الحنفية عنها: منها شبهة في تعريف التوحيد، وشبهة في تعريف الشرك، وست شبهات في جعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية، وأربع عشرة شبهة في زعمهم أن المشركين الأولين كانوا مشركين في توحيد الربوبية، والخالقية، والرازقية، والمالكية. وشبهة في حصرهم للعبادة في عدة أعمال. وشبهة في تعريفهم للعبادة.

стр. 1138

وشبهة في عدم جعلهم للقبور أوثاناً. وشبهة في عدم وقوع الشرك. وشبهة الأحجار والأصنام. وشبه التكفير والخروج. وشبهة قول لا إله إلا الله. وشبهة التعظيم والمحبة للأولياء. وشبهة تنقيص الأولياء. وشبهة في تعظيم القبور. وشبهة في جعل القبور أعياداً. وشبهة إيقاد السرج على القبور. وشبهة في الحج والسفر إلى القبور. وشبهة التبرك الباطل.

стр. 1139

وشبهتان في الحياة البرزخية. وشبهتان في سماع الموتى. وشبهة الاستقلال والعطاء. وشبهة المجاز والحقيقة. وشبهة الكرامة والولاية. وشبهة الكسب والسبب. وستأتي ثلاث شبهات في باب التوسل، مع جهود علماء الحنفية في قلعها وقمع أصحابها، كما سأذكر ثماني شبهات في باب النذر لغير الله، والبناء على القبور، فتصير خمساً وخمسين شبهة قبورية باطلة، على لسان علماء الحنفية. وسأذكر في هذا الباب عشرين شبهة، تشبثت بها القبورية لتبرير الاستغاثة بالأموات، وهي أشهر شبهاتهم في هذا الباب،

стр. 1140

مع جهود علماء الحنفية في قلعها وقمع أصحابها، وقطع دابرهم، كل ذلك بتوفيق الله ، وتكون مع أخواتها خمساً وسبعين شبهة * إن في إبطالها للموحد نزهة *. فأقول، وبربي أستغيث * إذ هو المستغاث المغيث * وبه أثق وأستعين * إذ هو المستعان المعين *: الشبهة الأولى: حياة الأولياء في قبورهم: تشبثت القبورية في جواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات * بأن الأولياء أحياء في قبورهم، فلا مانع من الاستغاثة بهم في الملمات لأنهم أحياء غير أموات *. ولذلك نرى القبورية يذكرون مباحث حياة الأموات في قبورهم - حياة دنيوية للأموات - * تمهيداً لجواز الاستغاثة بهم عند الكربات *. وقد سبق الجواب عن هذه الشبهة على لسان علماء الحنفية، بما لا داعي لإعادة جوابهم ههنا. فجزى الله هؤلاء الحنفية الرادين على القبورية خيراً، حيث قلعوا شبهات القبورية، كما قطعوا أدبارهم.

стр. 1141

الشبهة الثانية: هي تلك الحكايات التي شحنت بها القبورية كتبهم، أو تناقلوها كابراً عن كابر، لإثبات جواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات * بل لإثبات وجوبها وترجيحها على الاستغاثة بالله عند الملمات *: من أن فلاناً استغاث بالولي الفلاني فأغاثه. وفلان ذهب إلى قبر فلان فتعافى، وقضى حاجته. والقبورية يذكرون لتأييد قبوريتهم أقوال كثير ممن ينتسبون إلى العلم والفضل والزهد. وقد ذكرت عدة نماذج في الفصل الأول من الباب السابع. وهذه الشبهة أقوى سلاح للقبورية لدعم قبوريتهم، وإجلال أوليائهم، والتنويه بكراماتهم، وفي ذلك دعوة سافرة للمضطرين إلى الاستغاثة بهم وندائهم عند الكربات، ونزول الملمات * موهمين الناس أنه لو لم تكن الفائدة في الاستغاثة بالأموات عند الكربات، لما تقضى الحوائج عند قبورهم، ولما تنكشف البليات بالاستغاثة بهم - إلى آخر تلك الحكايات * الجواب: لقد شمر كثير من علماء الحنفية عن ساق الجد والجهد لإبطال هذه الشبهة، وكشفوا عن حقيقة حكايات هؤلاء القبورية، وبينوا فضائحهم بعدة أجوبة، أذكر منها: الجواب الأول: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن هذه الحكايات التي تناقلتها

стр. 1142

القبورية لدعوة المضطرين إلى الاستغاثة بالأموات بحجة أن هذه الحكايات كرامات لهؤلاء الأولياء * -. هي محض الأساطير، وعين الأكاذيب، وهي ليست كرامات، بل هي أباطيل الحكايات؛ لأن رواتها هم هؤلاء القبورية السفهاء *؛ وهم من أكذب الناس، ومعادن الكذب، وبيوت الإفك، فلا اعتبار لرواياتهم، فهم في نقل هذه الحكايات فسقة كذبة ساقطون من مكانة الصدق والديانة * إلى دركات الفسق والفجور والكذب والخيانة * وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية لتحقيق هذا المطلوب: ١ - قال الأئمة الثلاثة: محمد البركوي (٩٨١هـ) ، وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، والشاه ولي الله (١١٧٦هـ) . والشيوخ الثلاثة: سبحان بخش الهندي، وإبراهيم السورتي، ومحمد علي المظفري، وشيخ القرآن الفجنفيري، في بيان أسباب الشرك - واللفظ للأول -: (ومنها حكايات حكيت لهم عن أهل تلك القبور: أن فلاناً استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها. وفلان دعاه، أو دعا به في حاجة فقضيت حاجته. وفلان نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره. وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير، يطول ذكره. وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات) .

стр. 1143

٢ - وقال الإمام صنع الله الحلبي المكي (١١٢٠هـ) مبيناً أكاذيب القبورية في حكاياتهم وأنه لا اعتماد على نقل تلك الأساطير: (وأما ما ذكروه عن فلان، وفلان: أنهم رأوه بعد الموت يتصرف - فهو من التصرفات الدجالية * والزخارف الخيالية الشيطانية *) . ٣ - وقال ﵀: (وينقلون عن فلان، وفلان، افتراءات الإفك. مما ليس للأصدقاء ناصر * ولا للأعداء كاسر *) . ٤ - وقال الإمام محمود الآلوسي الجد (١٢٧٠هـ) في الكشف عن مخازي القبورية وحكاياتهم المكذوبة، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ، ونقل كلامه العلامتان: ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، والشيخ الرستمي: (وقد رأينا كثيراً من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين؛ يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم، توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى

стр. 1144

وحده....) إلى آخر كلامه القاطع لدابر القبورية، والكاشف لإلحادهم وأكاذيبهم، وقد ذكرته بطوله. ٥ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) مبيناً أكاذيب وحكايات القبورية: (إن قول النبهاني في شأن ما استشهد به من الشعر والأبيات.... دعوى كاذبة ليس عليها دليل سوى حكايات يرويها الغلاة، وهم بيت الكذب..... وأكثر ما يدعو هؤلاء الغلاة إلى دعاء القبور والصالحين - ما يحكونه من أن فلاناً دعا فاستجيب له، واستغاث فأغيث، وفلان رد عليه بصره، وعند السدنة وعباد القبور من هذا شيء كثير، قد أورد منه النبهاني شيئاً كثيراً، جعله من قواعد مذهبه وأدلة شركه) . ٦ - وقال ﵀ أيضاً في تحقيق أن أهل الحديث والقبورية في طرفي النقيض: (وقد صان الله أهل الحديث وحفاظ السنة من الكذب والحمد لله، نعم! إن المتصوفة والمتشيخين هم بيت الكذب ومعدنه) .

стр. 1145

٧ - وقال ﵀ مبيناً أكاذيب حكاياتهم وقلة دينهم وعلمهم: (وإنما يصنع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف، ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة عمن لا ينطق عن الهوى -لما جاز التمسك بها حتى تثبت بطرق أهل الحديث، فكيف بالمنقول عن غيره؟) . ٨ - وقال ﵀ في الكشف عن مخازي ابن جرجيس، أحد أئمة القبورية (١٢٩٩هـ) ، مبيناً أنه نقل تلك الحكايات المكذوبة عمن لا خلاق لهم من الغلاة عباد القبور: (والجواب أن يقال: قد رأينا ما ساقه من الأدلة التي هي أوهن من بيت العنكبوت * ويا ليته قد كسا فمه لثام السكوت *؛ فإن ما ذكره ما بين حكايات مصنوعة * وأخبار موضوعة * وأحاديث ضعيفة لا مساس لها بالمقام * وآيات قرآنية قد صرفها بفهمه الفاسد بما هو بعيد عن مراد الملك العلام *. وقد افترى على العلماء في نسبته ذكرها إليهم،

стр. 1146

إذ لم يذكرها إلا بعض من لا خلاق له من الغلاة وعباد القبور) . ٩ - وقال ﵀ مبيناً أن القبورية أشد كذباً، وأعظم افتراء على الله ورسوله من الخوارج والروافض: (ولا ريب أن الروافض والخوارج لم يصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء: من الجهل والكذب على الله ورسوله وعلى الأمة) . ١٠ - وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) مبيناً دسائس الشياطين لإيقاع القبورية في الشرك، وتبديل اسم الشرك باسم التوسل، والتشفع، وتعظيم الصالحين، وبيان أن القبورية يكذبون في حكاياتهم المضلة: (وإن من أعظم مكائد الشيطان على ابن آدم قديماً وحديثاً، إدخال الشرك فيهم في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم بتغيير اسمه بالتوسل، والتشفع، ونحوه. فالمشرك مشرك شاء أم أبى، والزنى زنى وإن سمي جماعاً، والخمر خمر وإن سمي شراباً، وكل معبود من دون الله فهو جبت وطاغوت، ويدخل فيه رءوس الضلال والكهان وسدنة الأوثان وعباد القبور وغيرهم بما يكذبون من الحكايات المضلة للجهال الموهمة: المقبور يقضي حاجة من توجه إليه وقصده، فيوقعهم في الشرك الأكبر وتوابعه) .

стр. 1147

١١ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧هـ) مبيناً كذب القبورية، وأنه لا اعتماد على حكاياتهم الكاذبة: (باب فضائل الأعمال والأماكن والقبور، اتسع فيه الكذب والبهتان - بأمور، منها: قضاء حوائجهم عند القبور، والمستنجدين بهم، وعباد الكواكب ودعاة الشياطين: أنه استغاث بالقبر الفلاني فاستجيب له، وقضيت حاجته، وشفي مريضه وخيله، ويقولون: نحن نذهب بالفرس التي بها مغل إلى قبورهم - فتشفى عند قبورهم) . ١٢ - وقال ﵀: (فالمبتدعون هم إخوان الشياطين، لا يبالون بالكذب والافتراء ... ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأعراف: ١١٢] ، و.... ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] ... ) .

стр. 1148

الجواب الثاني: أن قضاء الحوائج عند الاستغاثة بالموتى ليس لأجل الاستغاثة بالموتى، بل ذلك بمحض قدرة الله تعالى وتقديره المقدر بوقته، فيصادف ذلك الاستغاثة بالموتى، فيظن المستغيث أن المستغاث هو الذي قضى حاجته، فيعد ذلك من كرامته ويجعله دليلاً على كونه ولياً متصرفاً في الكون مغيثاً، ويهشون ويفرحون، ويرفعون الرايات إظهاراًَ لقدرة صاحب القبر. وقد صرح كثير من علماء الحنفية بهذا، وأجابوا بذلك عن حكاياتهم القبورية. الجواب الثالث: أن علماء الحنفية صرحوا في الجواب عن تلك الحكايات الشركية بأن كثيراً ما تقضى حاجات المستغيثين بالأموات، لا لأجل أنه استغاث بالمقبور، بل لأجل أن هذا المستغيث يكون مضطراً مكروباً فيدعو بحرقة وانكسار وذلة، فيستجيب الله تعالى له ويقضي حاجته، لصدق توجهه وتضرعه واضطراره وانكساره وذلته , ولكن الجاهل يظن أن للمقبور تأثيراً في إجابة تلك الدعوة وقضاء تلك الحاجة.

стр. 1149

الجواب الرابع: أن علماء الحنفية قد صرحوا في الجواب عن حكايات القبورية بأن الله تعالى كثيراً ما يستجيب دعاء الكفار والمشركين عند أصنامهم لاضطرارهم، وإظهار إنكسارهم، فيجيب الله تعالى دعاء المضطر، ولو دعا في الخانة والخمارة، والحمام، والسوق، بل قد يستجيب لمن يدعو عند الأوثان، فيظن الجاهل أن للمقبور تأثيراً في قضاء الحوائج واستجابة الدعاء. الجواب الخامس: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأنه كثيراً ما تقضى حوائج القبورية عند التجائهم إلى القبور وأهلها، ولكن لا لأجل أن للمقبور تأثيراً في ذلك، بل يحدث ذلك استدراجاً من الشياطين لهذا القبوري المشرك الذي يستغيث بالأموات، فتأتي الشياطين وتساعده في بعض حاجاته استدراجاً له، وازدياداً له في الإضلال والإغواء، بل قد تطيعه الشياطين فيقضون بعض حوائجه لما بينه وبينهم من الصلة والأخوة بسبب الشرك وعبادة غير الله تعالى من الاستغاثة بالأموات.

стр. 1150

وكثيراً مما تتمثل له الشياطين في صورة صاحب القبر وتكلمه، فيرى أن القبر قد انشق وخرج منه المقبور، وهو يظن لأنه ذلك الولي فيعانقه ويكلمه، فيعد ذلك من كراماته، وهكذا تلعب الشياطين بالقبورية كما كانت تلعب بالكفار عبدة الأصنام. وقال الإمام صنع الله الحلبي المكي (١١٢٠هـ) : (وإذا قضى الله حاجة لهم نصبوا لمشائخهم رايات، وعدوا ذلك لهم كرامات، وهذا من زخارف الشيطان للإنسان، قال جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٧] ... ) . الجواب السادس: أنه قد يكون سبب كوني معقول لقضاء بعض حوائج القبورية عند بعض القبور، فقد يكون لبعض القبورية فرس مريض بمرض الإمساك الشديد والقبض المؤلم، بحيث لا يستطيع أن يتروث، فيذهب به صاحبه القبوري إلى بعض القبور التي يكون المقبور فيه كافراً أو فاجراً يعذب عذاباً شديداً، ويصيح صيحات مرتفعة مخيفة مهولة، فيسمعها ذلك الفرس، فيخاف خوفاً شديداً بحيث يسهل ويتروث

стр. 1151

من شدة الخوف، فيزول منه الإمساك فيتعافى، فيظن ذلك القبوري أن المقبور قد قضى حاجته وشفى فرسه، مع أن الفرس قد تعافى بسبب الإسهال الذي حدث له لأجل خوف شديد لما سمع من صراخ ذلك المقبور الذي كان يعذب في قبره. وفي ذلك يذكر شيخ القرآن الفنجفيري كلاماً عجيباً عن شيخ الإسلام لا ينتبه له إلا مثل شيخ الإسلام من الجهابذة والنحارير، يقول: (ويقولون: نحن نذهب بالفرس التي بها مغل إلى قبورهم فتشفى عند قبورهم، قال الحافظ [يعني شيخ الإسلام] فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم، وطلبت طائفة من سياس الخيل، فقلت: أنتم بالشام ومصر [إذا أصاب الخيل مغل أين تذهبون بها؟ فقالوا: في الشام] نذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنقية ونحوهما، وأما في مصر فنذهب بها إلى دير هناك للنصارى،

стр. 1152

[ونذهب بها] إلى قبور الأشراف، وهم يظنون أن العبيديين شرفاء، لما أظهروا أنهم من أهل البيت، فقلت: هل تذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين مثل قبر الليث بن سعد، والشافعي، وابن القاسم، وغير هؤلاء؟ . فقالوا: لا. فقلت لأولئك: اسمعوا. إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين، وبينت لهم سبب ذلك. قلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم، والبهائم تسمع أصواتهم، كما ثبت في الحديث الصحيح، فإذا سمعت ذلك فزعت، فبسبب الرعب الذي يحصل لها - تنحل بطونها فتروث، فإن الفزع يقتضي الإسهال،

стр. 1153

فيعجبون من ذلك) . الجواب السابع: إن علماء الحنفية قد صرحوا بأنه لو سلم صحة بعض تلك الحكايات فغاية ما فيها أن ذلك قد يكون سبباً لقضاء الحاجة، ولكن لا يلزم من ذلك جواز الاستغاثة بالأموات، والتضرع عند القبور، والالتجاء إلى أهلها لدفع الكربات وجلب المنافع؛ لأنه لا يجوز تناول كل سبب من الأسباب إلا ما هو مباح شرعاً منها؛ لأن الأسباب منها ما هو حرام، ومنها ما هو مباح، فلا يجوز الوصول إلى مقصود بسبب حرام. ولا ريب أن الاستغاثة بالأموات، والالتجاء إلى القبور وأهلها لدفع البليات وجلب المنافع، من الأسباب المحرمة في دين الله تعالى، فلا يجوز تناول هذا السبب أبداً؛ لأن الاستغاثة عبادة، بل مخ العبادة؛ فصرفها لغير الله شرك قطعاً، وكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان ذلك سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، وكثير من الكفار والمشركين يدعون عند الأوثان فيستجاب لهم، وكثير من المقاصد تحصل بأسباب محرمة قطعاً كالسحر، والتكهن، وشهادة الزور، والفاحشة، والظلم، والسرقة، والخمر، بل الشرك والكفر قد يحصل بهما بعض المقاصد، فليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون مشروعا؛

стр. 1154

فلا يجوز تعاطي الأسباب المحرمة لإنجاح المقاصد. قلت: هذا الجواب في غاية من الدقة، والتحقيق، والإنصاف، لأن من لا يفكر في الأسباب ولا يميز المباح منها عن المحرم منها، ويريد الوصول إلى المقاصد بأية وسيلة كانت - فهو من الملحدين الذين يقولون: ((الغاية تبرر الوسيلة)) . الجواب الثامن: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأنه لا يمكن إثبات شرع الله تعالى بمثل هذه الحكايات، فإن هذه الحكايات دائرة بين نقل عمن ليس قوله حجة من الحجج الشرعية؛ فلا يجوز إثبات الشرع بمثله؛ فإن أصحاب هذه الحكايات ليسوا من الأنبياء ولا الصحابة ولا الأئمة المجتهدين؛ فالدين لا يثبت بفعل أمثال أصحاب هذه الحكايات من العوام، والجهلة، والمتصوفة الغلاة. وبين قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله. وإنما المتبع في إثبات الأحكام والعبادات إنما هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع أئمة السنة؛

стр. 1155

وهو سبيل السابقين الأولين من هذه الأمة؛ فلا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة، نصاً أو استنباطاً بحال أصلاً عند المسلمين. وإثبات الشرع بمثل هذه الحكايات إنما هو طريق اليهود والنصارى وأمثالهم ممن ينقلون عن غير الأنبياء؛ فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط شيء كثير. قلت: بعد هذا كله إن أصرت القبورية وتشبثوا بالخرافات والمنامات، وأقوال الغلاة، وتركوا نصوص الكتاب والسنة، ونبذوا أقوال أئمة السنة، وسلف هذه الأمة - يبقى الخلاف بين القبورية وبين الله ورسوله ﷺ ، والسلف الصالح، وكفى به خزياً مبيناً. الجواب التاسع: أن علماء الحنفية قد أجابوا عن تلك الأقوال التي يذكرها القبورية في كتبهم لتأييد قبوريتهم عن كثير ممن ينتمون إلى العلم والفقه والفضل والزهد - بأن بعض هذه الأقوال المنقولة عن هؤلاء ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا

стр. 1156

محذور فيه، فحرف النقل عنه. وبعضهم قد لا يريدون بلفظة التوسل الاستغاثة بالأموات القبورية، فحرفوا اصطلاحهم وأرادوا من التوسل الاستغاثة بالأموات. قلت: الحاصل أن هذه الأقوال والحكايات تطرقت إليها عدة احتمالات أخرجتها عن حيز الاستدلال، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال؛ فلا يصح للقبورية أن يستدلوا بتلك الأقوال التي نقلوها عن بعض من ينتمي إلى العلم والصلاح والزهد - على جواز الاستغاثة بغير الله والالتجاء إلى القبور وأصحابها بوجه من الوجوه، ولله الحمد. الجواب العاشر: أن علماء الحنفية صرحوا بأن كثيراً ممن ينتمون إلى العلم والفضل والصلاح والزهد، قد وقعوا في الشرك بالله، والاستغاثة بالأموات، وارتكبوا الأفعال والأقوال الشركية، وكانوا يدعون الناس إلى الشرك والاستغاثة بالأموات، بأفعالهم وأقوالهم الشركية، وهؤلاء القبورية إنما ارتكبوا الأفعال الشركية، وقالوا تلك الأقوال القبورية - لأجل عادة العوام التي جروا عليها، لا لأجل أن لهم دليلاً شرعياً على ذلك، ولكن لما كان خطؤهم عن حسن قصد ونية صالحة، ونبهوا على

стр. 1157

خطئهم - انتبهوا ورجعوا عن تلك الشركيات دون عناد ولا إصرار. وليس هذا احتمالاً عقلياً ذهنياً فحسب، بل قد وقع هذا فعلاً، فقد كان بعض الشيوخ الذين لهم فضل وعلم وزهد - إذا نزل به أمر خطا إلى جهة قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني خطوات معدودة، واستغاث به - كعادة كثير من الناس، ولما نبه على خطئه وبين له أن هذا من الشرك بالله انتبه وعلم أن ما كان عليه لم يكن من دين الإسلام، بل مشابهة لعباد الأصنام. ولهذا ما بينت مسألة التوحيد قط لشخص يعرف أصل الإسلام - إلا تفطن لها، واعترف وقال جهاراً دون إسرار: ((إن هذا أصل دين الإسلام)) . وكان بعض أكابر الشيوخ الذين كانوا يستغيثون بالأموات عند الكربات، لما بينت له مسألة التوحيد، وأن الاستغاثة بالأموات عند الكربات إشراك برب البريات -تاب وكان يقول: هذه أعظم ما بين لنا، لعلمه أن هذا أصل دين الإسلام. وكان هذا الشيخ وأمثاله من ناحية أخرى يدعون الأموات ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم،

стр. 1158

لأنهم إنما كانوا يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم، فكانوا يدعونه دعاء المضطر. قلت: هذا الجواب في غاية من الدقة والتحقيق والإتقان، فقد رأيت كثيرا ممن لقب بشيخ القرآن، وشيخ الحديث، وجامع المعقول والمنقول، ومن له اطلاع واسع على المنطق والفلسفة وعلم الكلام، ومن له خبرة تامة على دقائق علم الفقه والأصول - من أعظم الناس إشراكاً بالله، واستغاثة بالأموات عند الكربات، وذلك جرياً منهم على عادات وعوائد وتقاليد عاشوا عليها، فصاروا مع علومهم الواسعة، كالعوام الطغام * وأضل من الأنعام *. ثم من كان في قلبه إنابة إلى الله وإخبات، وإقبال على الحق، ولم يكن معانداً ولا مكابراً، وكان خطؤه عن حسن قصد ونية صالحة - إذا نبه على خطئه وبين له أن هذا إشراك بالله تعالى - انتبه ورجع إلى التوحيد الخالص فوراً بدون إصرار ولا عناد. الحاصل: أنه لا يجوز التمسك بزلات العلماء وأخطائهم الاجتهادية وعاداتهم الجاهلية وتقاليدهم العامية، فما نقل عنهم من الأقوال الشركية، فهو من هذا القبيل، فلا يجوز به التمسك والاستدلال * بحال من الأحوال *.

стр. 1159

الشبهة الثالثة: هي ما تشبثت به القبورية من نصوص الكتاب والسنة، التي تدل على جواز استغاثة بعض الناس ببعضهم، والاستمداد والاستنصار والاستعانة فيما تحت الأسباب، وهي نصوص كثيرة لا تعد ولا تحصى. أما من كتاب الله تعالى: فكقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] . وقوله تعالى عن ذي القرنين: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] . وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وقوله سبحانه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] . وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] . وغير ذلك من الآيات الكريمات. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .

стр. 1160

وقوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فقد استغاث يوسف [﵇] بالمخلوق. وغيرها من الآيات الكريمات. وأما من السنة النبوية: فكحديث الشفاعة الطويل: « ((فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ ) » . وفي لفظ: « ((يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع، وسل تعطه)) » . وفي لفظ: « ((يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع)) » . وأحاديث ترغيب المسلم في قضاء حاجة أخيه، كحديث: « ((من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج»
следующие страницы →