← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

محذور فيه، فحرف النقل عنه. وبعضهم قد لا يريدون بلفظة التوسل الاستغاثة بالأموات القبورية، فحرفوا اصطلاحهم وأرادوا من التوسل الاستغاثة بالأموات. قلت: الحاصل أن هذه الأقوال والحكايات تطرقت إليها عدة احتمالات أخرجتها عن حيز الاستدلال، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال؛ فلا يصح للقبورية أن يستدلوا بتلك الأقوال التي نقلوها عن بعض من ينتمي إلى العلم والصلاح والزهد - على جواز الاستغاثة بغير الله والالتجاء إلى القبور وأصحابها بوجه من الوجوه، ولله الحمد. الجواب العاشر: أن علماء الحنفية صرحوا بأن كثيراً ممن ينتمون إلى العلم والفضل والصلاح والزهد، قد وقعوا في الشرك بالله، والاستغاثة بالأموات، وارتكبوا الأفعال والأقوال الشركية، وكانوا يدعون الناس إلى الشرك والاستغاثة بالأموات، بأفعالهم وأقوالهم الشركية، وهؤلاء القبورية إنما ارتكبوا الأفعال الشركية، وقالوا تلك الأقوال القبورية - لأجل عادة العوام التي جروا عليها، لا لأجل أن لهم دليلاً شرعياً على ذلك، ولكن لما كان خطؤهم عن حسن قصد ونية صالحة، ونبهوا على

стр. 1157

خطئهم - انتبهوا ورجعوا عن تلك الشركيات دون عناد ولا إصرار. وليس هذا احتمالاً عقلياً ذهنياً فحسب، بل قد وقع هذا فعلاً، فقد كان بعض الشيوخ الذين لهم فضل وعلم وزهد - إذا نزل به أمر خطا إلى جهة قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني خطوات معدودة، واستغاث به - كعادة كثير من الناس، ولما نبه على خطئه وبين له أن هذا من الشرك بالله انتبه وعلم أن ما كان عليه لم يكن من دين الإسلام، بل مشابهة لعباد الأصنام. ولهذا ما بينت مسألة التوحيد قط لشخص يعرف أصل الإسلام - إلا تفطن لها، واعترف وقال جهاراً دون إسرار: ((إن هذا أصل دين الإسلام)) . وكان بعض أكابر الشيوخ الذين كانوا يستغيثون بالأموات عند الكربات، لما بينت له مسألة التوحيد، وأن الاستغاثة بالأموات عند الكربات إشراك برب البريات -تاب وكان يقول: هذه أعظم ما بين لنا، لعلمه أن هذا أصل دين الإسلام. وكان هذا الشيخ وأمثاله من ناحية أخرى يدعون الأموات ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم،

стр. 1158

لأنهم إنما كانوا يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم، فكانوا يدعونه دعاء المضطر. قلت: هذا الجواب في غاية من الدقة والتحقيق والإتقان، فقد رأيت كثيرا ممن لقب بشيخ القرآن، وشيخ الحديث، وجامع المعقول والمنقول، ومن له اطلاع واسع على المنطق والفلسفة وعلم الكلام، ومن له خبرة تامة على دقائق علم الفقه والأصول - من أعظم الناس إشراكاً بالله، واستغاثة بالأموات عند الكربات، وذلك جرياً منهم على عادات وعوائد وتقاليد عاشوا عليها، فصاروا مع علومهم الواسعة، كالعوام الطغام * وأضل من الأنعام *. ثم من كان في قلبه إنابة إلى الله وإخبات، وإقبال على الحق، ولم يكن معانداً ولا مكابراً، وكان خطؤه عن حسن قصد ونية صالحة - إذا نبه على خطئه وبين له أن هذا إشراك بالله تعالى - انتبه ورجع إلى التوحيد الخالص فوراً بدون إصرار ولا عناد. الحاصل: أنه لا يجوز التمسك بزلات العلماء وأخطائهم الاجتهادية وعاداتهم الجاهلية وتقاليدهم العامية، فما نقل عنهم من الأقوال الشركية، فهو من هذا القبيل، فلا يجوز به التمسك والاستدلال * بحال من الأحوال *.

стр. 1159

الشبهة الثالثة: هي ما تشبثت به القبورية من نصوص الكتاب والسنة، التي تدل على جواز استغاثة بعض الناس ببعضهم، والاستمداد والاستنصار والاستعانة فيما تحت الأسباب، وهي نصوص كثيرة لا تعد ولا تحصى. أما من كتاب الله تعالى: فكقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] . وقوله تعالى عن ذي القرنين: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] . وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وقوله سبحانه: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] . وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] . وغير ذلك من الآيات الكريمات. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .

стр. 1160

وقوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فقد استغاث يوسف [﵇] بالمخلوق. وغيرها من الآيات الكريمات. وأما من السنة النبوية: فكحديث الشفاعة الطويل: « ((فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ ) » . وفي لفظ: « ((يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع، وسل تعطه)) » . وفي لفظ: « ((يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع)) » . وأحاديث ترغيب المسلم في قضاء حاجة أخيه، كحديث: « ((من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج»

стр. 1161

«عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة)) » . الحديث. وحديث: « ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) » . الحديث. وغير ذلك. الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة التي تتضمن عدة شبهات: أن القبورية في التشبث بهذه الآيات والأحاديث - محرفون الكلم عن مواضعه، وواضعون لنصوص الكتاب والسنة في غير موضعها، وموردون للأدلة خارج محل النزاع. فهم في هذا الصنيع ملبسون * مدلسون * متلاعبون بالنصوص * تلاعب اللصوص *؛ لأن هذه النصوص إنما تدل على جواز مناصرة بعض الناس بعضاً، واستغاثة بعضهم ببعض فيما يقدرون عليه، وهو المعني بما تحت الأسباب *. ولا تدل إطلاقاً بحال من الأحوال على جواز استغاثة الناس بعضهم ببعض فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو المعني بما فوق الأسباب *. ولكن القبورية المحرفين الملبسين يستدلون بنصوص الاستغاثة المباحة على الاستغاثة المحرمة الشركية * كدأب أهل التحريف من اليهود

стр. 1162

والمتفلسفة المتكلمة الجهمية * ولعل بعضهم لجهله لم يتصور محل النزاع * ولا عرف منار البحث والدفاع * فإن طلب الدعاء من الأحياء مسألة، ونداء غير الله تعالى أمواتاًَ وأحياءً بما هو من خصائص الألوهية مسألة أخرى، وبين المسألتين بون بعيد * وفرق ما عليه من مزيد *. فهذا النوعان من الاستغاثة الاستعانة والاستنصار والاستمداد، أمران متضادان * ومسألتان متباينتان * وهما حقيقتان مختلفتان * ومفهومان متغايران *. لكل واحد حكم مغاير لحكم الآخر، فلا يجوز الخلط بين الحكمين حتى لا يكون تلبيساً. فالنوع الأول جائز بلا ظنون * لا بد منه، ولا ينكره إلا مجنون * لكنه خارج عن محل النزاع. وأما النوع الثاني فهو محل النزاع وهو لا يجوز؛ لأنه إشراك بالله ، ومتضمن لعبادة غير الله .

стр. 1163

قلت: هذا الذي ذكره علماء الحنفية في الفرق بين النوعين من الاستغاثة - حقيقة قد اعترف بها بعض كبار أئمة القبورية، أمثال ابن جرجيس (١٢٩٩هـ) ، ((وكفى الله المؤمنين القتال)) . وهذا التحقيق في غاية من الإتقان والتدقيق * فهو بالقبول حقيق *. وأول من قاله فيما أعلم هو شيخ الإسلام. الشبهة الرابعة: استدلالهم بحديث الاستسقاء. وفيه: «أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ... ، ورسول الله ﷺ قائم يخطب ... ، ثم قال: يا رسول الله: هلكت الأموال، وانقطعت السبيل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا.....)) ثلاثاً» . وفي لفظ: «أن رجلاً دخل يوم الجمعة ... فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبيل فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال:»

стр. 1164

« ((اللهم اسقنا..... ثلاثاً)) » . والجواب: أن القبورية باستدلالهم بهذا الحديث على جواز الاستغاثة بالأموات - ملبسون، ومحرفون الكلم عن مواضعه؛ فإن هذا الحديث لا يدل على جواز الاستغاثة بالغائب والميت، كما لا يدل على طلب ما لا يقدر عليه إلا الله؛ بل يدل على جواز طلب الدعاء من الحي الحاضر، وهذا مما لا كلام فيه؛ فإن الصحابة ﵃ كانوا يطلبون من رسول الله ﷺ الدعاء، وكان ﷺ يدعو لهم. وكذلك يجوز الآن أن تأتي رجلاً صالحاً فتطلب منه الدعاء، بل يجوز للأعلى أن يطلبه من الأدنى؛ وهذا الحديث في الاستسقاء مثال لذلك؛ حيث طلبوا منه ﷺ أن يدعو الله لهم ليغيثهم ويسقيهم. الشبهة الخامسة: وهي استدلال القبورية بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] . ولهم عجائب من الخزعبلات وغرائب من المخازي في الاستدلال بهذه الآية على جواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات، فقد قال ابن

стр. 1165

برجيس (١٢٩٩هـ) . (وأمرنا الله بالاستعانة بالأعراض قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ . ولم يقل: استعينوا بالله....) . ونقل النبهاني (١٣٥٠هـ) إمام القبورية النبهانية، عن عبد الغني النابلسي (١١٤٣هـ) إمام القبورية النابلسية. من قال: لا ينبغي الاستعانة بغير الله فقد كفر، لمخالفته نص الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ .... وقال القضاعي إمام القبورية القضاعية (١٣٧٦هـ) ، وتبعه علوي المالكي - أحد أئمة قبورية هذا العصر -: (وكيف تنكر الاستعانة بغيره تعالى وقد جاء الأمر في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ . . .) والجواب: أن القبورية قد وصلت في التمويه، والتخريف * والتلبيس، والتحريف * إلى حد لا يتصور بالبال * كأنهم تلاميذ اليهود الضلال *؛ فإن هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بجواز الاستغاثة بالأموات عند

стр. 1166

الكربات * والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله رب البريات *. بل هذه الآية من أقوى الأدلة، وأعظم البراهين، على وجوب الالتجاء إلى الله والاستغاثة به عند الملمات * والتوسل إليه تعالى بالأعمال الصالحات * والصبر والصلاة من أعظم الأعمال الصالحات * التي يتوسل بها إلى الله عند الكربات *. فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر توسل إلى الله تعالى بالصلاة، وقد صرح المفسرون من علماء الحنفية في بيان معنى هذه الآية بأن الله تعالى لما أمر اليهود بترك الضلال والالتزام بالشرائع، وكان ذلك شاقاً عليهم - عالج مرضهم بهذا الخطاب، فأمرهم بالاستعانة بالصبر بأن يصبروا؛ لما فيه من كسر الشهوة، وتصفية النفوس، الموجبين للانقطاع إلى الله تعالى، ولأن الصبر موجب لإجابة الدعاء. وأما الاستعانة بالصلاة - فلما فيها من أنواع العبادة مما يقرب إلى الله تعالى قرباً يقتضي الفوز بالمطلوب * والعروج إلى المحبوب *. وناهيك عن عبادة تكرر في اليوم والليلة خمس مرات، يناجي فيها العبد علام الغيوب * ويغسل بها العاصي درن العيوب *. وقد روى حذيفة ﵁، «أنه ﷺ : إذا حزبه أمر صلى» ،

стр. 1167

وروى أحمد: «أنه إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة» ، إلى آخر ما قاله علماء الحنفية في تفسير هذه الآية. قلت: قد اعترف بهذه الحقيقة كثير من القبورية أيضاً. وقال الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) ، وحفيده العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في معنى هذه الآية، واللفظ للأول: (واطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية، بالصبر على ما يفعل بكم لكي تصلوا إلى مقام الرضا، والصلاة التي هي المراقبة وحضور القلب) .

стр. 1168

وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في بيان كشف سفاهة ابن جرجيس الذي استدل بهذه الآية على جواز الاستعانة بغير الله: (ثم تكلم العراقي بكلام هو محض هذيان * يظهر ذلك لأقل الصبيان * ... ؛ فما أدري ما أقول فيه؟ ! * وأي عبارة تصف ما فيه من الجهل والتمويه *) . ثم ذكر ﵀ كلاماً عن المفسرين في تفسير هذه الآية ثم قال: (فتبين بما ذكرنا أن الآية ليست مما نحن فيه؛ إذ لم يرد سبحانه بالأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة - نداءهما وطلب الحوائج منهما، وذلك ظاهر، بل الآية من قبيل قوله تعالى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] ، وقد سبق أن المراد بها الأعمال الصالحة) . الشبهة السادسة: استدلال القبورية بقصة هاجر ﵂. والقصة: أن إبراهيم ﷺ لما ترك ابنه إسماعيل ﷺ ، وزوجه هاجر ﵂ بوادي مكة قبل أن يبني فيها الكعبة، وقبل ظهور ماء زمزم، ولم يكن بمكة يومئذ أحد ولا ماء، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه

стр. 1169

ماء، فجعلت أم إسماعيل ترضع ابنها وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش إسماعيل ﵇، وجعل يتمرغ من شدة العطش، فوجدت هاجر الصفا أقرب جبل إليها، فقامت عليها لترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا ثم أتت المروة، فقامت عليها فلم تر أحداً، فعلت ذلك سبعاً، ( «فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً..؛ فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء ... ؛ فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله» ... ) الحديث. وفي لفظ: ( ... «فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير. فإذا جبريل» ... ) الحديث. قلت: هذه القصة أقوى الأدلة على الإطلاق للقبورية فيما أعلم، فإن فيها تنصيصاً على الاستغاثة بالغائب عن البصر * وعلى طلب الغوث والمدد من

стр. 1170

الغائب عن النظر *. ولا أعلم للقبورية دليلاً يكون في القوة والتنصيص مثل هذه القصة، ثم يزيد هذا الدليل قوة على قوة أن البخاري ﵀ رواه في صحيحه. ولذا قال ابن جرجيس هاشاً باشاً في صدد استدلاله بهذه القصة، على جواز الاستغاثة بالأموات * وطلب الغوث والمدد منهم عند الكربات *: (فلو كان طلب الغوث من غير الله شركاً لما جاز لها استعماله، ولما ذكره النبي ﷺ لأصحابه، ولما نقله الصحابة من بعده، [ولما] ذكره المحدثون، [و] لا سيما البخاري الذي أجمعت الأمة على أن ما بعد كتاب الله أصح من كتابه. فإن هذا الغائب الذي طلبت منه الغوث - وإن كان في الحقيقة هو ملك - لكن في حال غيبته محتمل أن يكون شيطاناً، ومحتمل أن يكون جنياً، ومحتمل أن يكون ملكاً، ومحتمل أن يكون إنساناً. والمانعون لا يجوزون الاستغاثة بالغائب مطلقاً، لا بنبي مرسل، ولا ملك مقرب، كالميت، كما صرحوا به في مواضع، فلو يعلم النبي ﷺ في ذلك محذوراً - لوجب التنبيه عليه، خصوصاً إذا كان شركاً أكبر مخرجاً من الملة) . قلت: هذا هو كان تقرير القبورية للاستدلال بهذه القصة على جواز

стр. 1171

الاستغاثة بالأموات، ولكن سرعان ما ينتبه من دقق النظر في هذه القصة إلى أن القبورية في استدلالهم بهذه القصة على جواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات * لمن أعظم أصحاب التمويهات والتلبيسات * كما سيظهر الآن الجواب * الذي يقطع دابر أهل الارتياب *: الجواب: أن هذه القصة لا صلة لها بالاستغاثة بالغائب الذي لا يقدر ولا ينفع * أو الميت الذي لا يعلم ولا يرى ولا يسمع * كما لا علاقة لها بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله. بل تدل على جواز الطلب من الحي الحاضر فيما يقدر عليه، فإن هاجر قد سمعت جبريل الحي الحاضر، فطلبت منه ما كان يقدر عليه وإن لم تكن تراه، ومن ظن غير ذلك فقد افترى على أمنا هاجر، وتقول على أهل بيت النبوة * وبهت أهل الصفوة والفتوة *. وأتى بتمويه وتحريف * وجاء بتلبيس وتخريف *. قال العلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وابن أخيه شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، واللفظ للأول: (إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو لسؤال ما لا يعطيه ويمنعه إلا الله سبحانه. وأما فيما عدا ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس،

стр. 1172

واستغاثة بعضهم ببعض - فهذا شيء لا نمنعه ولا ننكره. كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] [بل] نعد منعه جنوناً، كما نعد إباحة ما لا يقدر عليه إلا الله شركاً وضلالاً) . قلت: هذا جواب عام عن هذه القصة وعن كل ما استدل به القبورية من هذا القبيل. وأما الجواب الخاص عن هذه القصة - فهو ما يلي: قال العلامة شكري الآلوسي مبيناً مخازي ابن جرجيس في التشبث بهذه القصة: والجواب عن سخافة هذا العراقي أن يقال: (إن هذه القصة من أقوى الدلائل على أن سيدنا إبراهيم وآل بيته صلى الله تعالى عليه وعليهم أجمعين - قد بلغوا من الوثوق بالله والالتجاء إليه - ما لا يمكن بيانه، ولا يسعنا شرحه........ وقد ترك ولده الذي هو من أعز الناس عليه، مع أمه، في أرض قفراء غبراء، لا ماء فيها ولا مرعى، ولا أنيس ولا جليس، مع شيء نزر من التمر

стр. 1173

والماء، ثم انصرف إلى أهله بالشام، ثقة بأن الله تعالى سيخلفه على أهله، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون..... وانظر إلى حسن ظن أهل بيته بالله تعالى؛ فإن هاجر لما رأت منه العزيمة على السفر إلى دياره - قالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، حتى قال لها: إن ذلك بأمر الله، فقالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت؛ علماً منها أنه سبحانه خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، وبقيت صابرة على ما تكابده من قضاء الله وقدره، على ما تراه من حال ولدها، وشدة ما يقاسيه من الجوع والعطش، وهو يومئذ ابن سنتين، حتى أشرف على الهلاك، وجعل يشهق ويعلو صوته وينخفض، كالذي ينازع الموت، فقامت تسعى سعي الإنسان الجهود، وتنتظر فرج الله، فسعت سبع مرات، وهي تتشوف بريد الفرج. وكانت كل مرة تتفقد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها، فتشاهده في حال الموت.... فلما أشرفت على المروة في المرة الأخيرة - سمعت صوتاً وأيقنت بحصول ما كانت ترجوه من الله تعالى، وتيقنت أنه من رسل رب الأرض والسماء، قالت: قد أسمعت * وتحققت الذي قد أزمعت * وعرفت أنك حاضر * وإن لم ترمقك النواضر *. فأغثني إن كان عندك خير * فقد لحقنا الجوع والعطش، والضر

стр. 1174

والضير *. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحثه بعقبه حتى ظهر الماء بإذن الحكيم الأحكم.... فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن هنا بيتاً لله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.... وفي حديث علي عند الطبراني بإسناد حسن: ((فناداها جبريل فقال: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم، قال: فإلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله. قال: وكلكما إلى كاف)) . فقد تبين أن هاجر لم تطلب إلا ممن هو حاضر محسوس، ليس ما طلبته مما اختص طلبه بالله سبحانه، فإنها طلبت من صاحب الصوت ما يسد جوعتها، ويروي غلتها، كما يقول المنقطع في الطريق العادم الزاد والماء - إذا مر عليه أحد أو أحس به: أغثني بما عندك من ماء وطعام * وأعطني مما تفضل الله به عليك من الإنعام *. أفيقال لهذا: إنه طلب ما لا يقوم عليه إلا الله * والتجأ في شدته إلى من سواه *؟ . وفي زعم هذا العراقي: أن هاجر ﵂ طلبت من غائب

стр. 1175

مخلوق شيئاً منع المانعون طلبه من غيره سبحانه، حتى احتمل عنده أن يكون المستغاث به المطلوب منه شيطاناً، والعياذ بالله تعالى. فانظر إلى هذا الجهل الوخيم * والتجاسر العظيم * حتى نسب ما نسب إلى بيت النبوة * وأهل الصفوة والفتوة * فقاتل الله أهل الكفر والضلال * كيف لعب الشيطان بعقولهم حتى أوردهم المهالك والأهوال *؟ . ولا بدع من هذا العراقي أن يصدر منه ما صدر * فقد بلغ به الكفر والجهل والوقاحة إلى حد لا يمكن أن يذكر *. نسأل الله تعالى العفو والعافية * وقلوباً عن أكدار الجهل صافية *) . الشبهة السابعة: تشبثت القبورية بحديث ابن مسعود مرفوعاً: ( «وإذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة، فليناد: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا، فإن لله في الأرض حاضراً سيحبسه» ) . قلت: إن القبورية يعدون هذا الحديث من أقوى حججهم في الاستغاثة بالأموات عند الكربات، ويزعمون أنه يفيد الاستغاثة برجال الغيب، وأن هذا

стр. 1176

مجرب، وأن المانعين لا يرون الاستغاثة بالغائب، كالميت، سواء كان نبياً أو ملكاً أو جنياً. ولعل القبورية بنوا على هذه الأسطورة المصنوعة أخلوقتين حول أحمد بن علوان، وعمر بن حمدان. الجواب: أن علماء الحنفية قد أجابوا عن هذه الشبهة بجوابين اثنين: الجواب الأول: أن هذا الحديث غير ثابت، فلا يصح للاستدلال * إلا عند الأغمار الضلال * وذلك لوجهين مهمين: الوجه الأول: أن في إسناده معروف بن حسان، وهو ضعيف، منكر الحديث. والوجه الثاني: أن إسناده منقطع، فالحديث ضعيف ساقط عن حيز الاحتجاج. وأما الجواب الثاني: فسيأتي تقريره وتحقيقه بعد الجواب الأول عن الشبهة الآتية إن شاء

стр. 1177

الله تعالى. الشبهة الثامنة: تشبثت القبورية بحديث عتبة بن غزوان مرفوعاً: ( «إذا أضل أحدكم شيئاً، أو أراد عوناً، وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عباداً لا نراهم» ) . قلت: هذا الحديث كسابقه أيضاً من أقوى حجج القبورية على الاستغاثة بالأموات عند الكربات، ويزعمون أن هذا مجرب محقق، وأن المسافرين يحتاجون إليه، وأن فيه حفظاً للأمة. ويقولون: إن في هذا الحديث تنصيصاً على نداء الغائب، والمانعون لا يجوزون نداء الغائب مطلقاً. الجواب: إن علماء الحنفية قد أجابوا عن هذا الحديث بجوابين: الجواب الأول: أن هذا الحديث إسناده منقطع، فهو ضعيف لا

стр. 1178

يصلح للاحتجاج، والاستناد * ولا سيما باب الاعتقاد * وأما الجواب الثاني: - وهو الجواب عن الحديث السابق أيضاً -: فهو أن القبورية في الاستدلال على مثل هذه الأحاديث - بعد تسليم صحتها - محرفون للكلم عن مواضعه؛ لأن مثل هذه الأحاديث لا علاقة لها بالاستغاثة بالأحياء الغائبين * ولا صلة لها بطلب المدد من الأموات عند الكربات، والاستنجاد بالمقبورين * بل غاية ما فيها أنها تدل على جواز الطلب من الحي الحاضر فيما يقدر عليه. قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في الكشف عن تمويهات ابن جرجيس وتلبيساته في التشبث بهذين الحديثين: (والجواب عن هذا هو الجواب عن سابقه، فإنه على نمطه، فإن ما يفيده الحديث -[هو] نداء حاضر، كنداء زيد عمراً مثلاً ليمسك دابته، أو ليرجعها، أو ليناوله ماء، أو طعاماً، أو نحو ذلك، وهذا مما لا نزاع فيه. غاية ما في الباب أن عمراً مثلاً محسوس، وهؤلاء لا يرون، لأنهم إما مسلمو الجن، أو ملائكة موكلون؛ لا نداء لأجل شيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وأين هذا من الاستغاثة بأصحاب القبور من الأولياء والمشايخ؟ .

стр. 1179

وكون المراد بعباد الله غير من ذكر - كما زعم بعض المتصوفة: أنهم ((رجال الغيب)) ، أو أنهم كذا وكذا - مردود، بل هو من الخرافات، والعياذ بالله تعالى. ومثله: زعم وجود الأوتاد، والأقطاب، والأربعين، وما أشبه ذلك من الهذيان * والأسماء التي لا حقائق لها في العيان * بل هي أشبه شيء بالعنقاء * وثور السماء * ضحك الشيطان بها على عقولهم السخيفة * وآرائهم الضعيفة *. والحكايات التي أوردها العراقي لا تفيد شيئاً أيضاً لما قدمناه.... وأما قوله: إن المانع لا يجوز نداء الغائب.... إلخ -فمردود أيضاً بأن هؤلاء العباد ليسوا بغائبين، وعدم رؤيتهم لا يستلزم غيبتهم،

стр. 1180

فإنا لا نرى الحفظة، ومع ذلك فهم حاضرون ... وقوله: ثم ما يدريك أن هذا الغائب [شيطان] إلخ - فيه من الجهل والخبط ما يعجز القلم عن ذكره، كيف يكون شيطاناً وقد خلق الشيطان للإفساد، لا للإصلاح، وللتفرقة لا للإجتماع، ثم إن في هذا الحديث إضافة العباد إلى الله، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢، والإسراء: ٦٥] ، وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيباً، ولا يضاف إليه إلا الطيب، يقال للكعبة: ((بيت الله)) لما فيه من الهدى والبركة ما لا يمكن بسطه، وكذلك المساجد، ولا يضاف إليه البيوت المستقذرة، مع أن لله ما في السماوات وما في الأرض، فلا يقال للشياطين: ((عباد الله)) بهذا المعنى في مثل هذا المقام) . وللإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، والشيخ محمد المظفري كلام يؤيد ما ذكره الآلوسي. الشبهة التاسعة: استدلال القبورية بأسطورتين وثنيتين:

стр. 1181

الأولى: حديث مفتعل مصنوع: *: ( «إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أهل القبور» ) .

стр. 1182

والثانية: حديث مختلق موضوع *: (( «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور» )) . الجواب الأول: أنهما من الأساطير المفتعلة الموضوعة * والروايات المختلقة المصنوعة * التي وضعها القبورية أشباه عبدة الأصنام * الجهلة الطغام الذين هم أضل من الأنعام *.

стр. 1183

والجواب الثاني: أنهما مع كونهما مكذوبة على رسول الله ﷺ مناقضة لدين الإسلام * وهما مما أوقع عباد القبور في الشرك الذي كان عليه عباد الأصنام *. الشبهة العاشرة: تشبثت القبورية بحديث وثني: ( «لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه» ....) . الجواب: أن علماء الحنفية قد أجابوا عن هذه الأخلوقة بأجوبة ثلاثة: الجواب الأول: أن هذه الأسطورة من المكذوبات المختلقات * والمفتعلات الموضوعات * التي وضعها المقابرية أشباه عباد الأصنام * وهي مناقضة

стр. 1184

لدين الإسلام *. الجواب الثاني: أن علماء الحنفية قد صرحوا في الجواب عن هذه الخرافة الوثنية * والأسطورة القبورية الشركية * بأنها مناقضة لدين الإسلام * ومناصرة لدين عباد الأصنام * فلقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل لقتل من أحسن ظنه بالأحجار والأشجار *. فعباد القبور لهم أسوة بعباد الأصنام، وفي ذلك نكال للأشرار وعبرة لأولي الأبصار *. الجواب الثالث: ما ذكره العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (إنك تجد كثيراً من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر نبي أو غيره - كل منهم قد اتخذ وثناً أحسن به الظن وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن قبره يستجاب عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعاً، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعاً جمع بين الأضداد؛

стр. 1185

فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم، وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعاً فيما يثبتونه دون ما ينفونه - يضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا وهذا - لم يكن تأثيره مثل تأثير حسن الظن بواحد دون آخر، وهذه كلها من خصائص الأوثان) . الشبهة الحادية عشرة: شبهة الواسطة: ولها صورتان عند القبورية قديماً، وحديثاً: الأولى: صورة فلسفية منطقية كلامية. والثانية: صورة أمية عامية عادية. أما صورة هذه الواسطة صورة فلسفية منطقية كلامية - فتقريرها: ما ذكره كثير من القبورية المتفلسفة الكلامية، كالرازي فيلسوف الأشعرية (٦٠٦هـ) ، والتفتازاني فيلسوف الماتريدية (٧٩٢هـ) ، والنبهاني (١٣٥٠هـ) ، والكوثري (١٣٧١هـ) : أن النفوس التي فارقت أبدانها أقوى من هذه النفوس المتعلقة بالأبدان من بعض الوجوه؛ لأنها لما فارقت أبدانها - زال عنها الغطاء والوطاء، وانكشف لها عالم الغيب، فالإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل الجوهر شديد التأثير،

стр. 1186

ووقف عند قبره ساعة، وتأثرت نفسه من تلك التربة - حصل لنفس هذا الزائر تعلق بتلك التربة، وقد عرفت أن لنفس ذلك الميت تعلقاًَ بتلك التربة أيضاً، فحينئذ يحصل لنفس الحي ولنفس الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة، فصارت هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى، وبهذا السبب ينعكس النور من نفس الميت المزور إلى نفس هذا الحي الزائر، وبهذا الطريق تصير تلك الزيارة سبباً لحصول المنفعة الكبرى، فهذا هو السبب الأصلي في شرعية الزيارة، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات. ولأجل هذه الواسطة الفلسفية قال الرازي فيلسوف الأشعرية (٦٠٦هـ) : (وأيضاً سمعت: أن أصحاب أرسطا طاليس كلما أشكل عليهم

стр. 1187

بحث موضوع - ذهبوا إلى قبره وبحثوا في تلك المسألة، فكانت المسألة تنفتح، والإشكال يزول) . هكذا يرى القبورية حصول المدد من الأموات ووصول الفيوضات من قبورهم إلى المستغيثين بهذه الواسطة الفلسفية. وأما الصورة الأمية العامية العادية للواسطة - فتقريرها عند القبورية ما ذكروه للاستدلال على جواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات، بل على وجوبها: من أن الأنبياء ﵈ والأولياء، واسطة في العون والمدد والإغاثة بين الله وبين المكروبين المضطرين، لعلو شأنهم، ورفيع منزلتهم عند الله تعالى، وأن المكروب المستغيث يرى نفسه ملطخاً بالذنوب، فهو بعيد عن الله تعالى لا يصل إليه إلا بواسطة أحبابه من الأولياء الذين يشفعون لهم عند الله تعالى، وقاسوا رب العباد على ملوك البلاد، وقاسوا الأنبياء والأولياء على الوزراء والأمراء *

стр. 1188

فقالوا: كما أنه لا يمكن للرعايا الوصول إلى الملوك إلا بواسطة الوزراء والأمراء * كذلك لا يمكن الوصول إلى الله لإنجاح الحوائج إلا بواسطة الأنبياء والأولياء *. وهذه الشبهة من أعظم براهين القبورية العقلية وأشهرها، وعامة القبورية يتشبثون بها قديماً وحديثاً، حتى إخوان الصفا من القرامطة الباطنية. واختلقوا استناداً إلى هذه الشبهة أساطير كثيرة، منها أخلوقة السلطان الحنفي. وقال النبهاني (١٣٥٠هـ) في تقرير الواسطة العادية وشفاعتهم الشركية: (ولا شك أن النبي ﷺ له عند الله تعالى قدر علي ومرتبة رفيعة وجاه عظيم، وفي العادة: أن من كان له عند الشخص قدر بحيث إنه إذا استشفع عنده قبل شفاعته) . وقال: (فالمستغيث على هذا هو الذي يدعو الله تعالى، ويجعل واسطة القبول عنده نبيه الأعظم، وحبيبه الأكرم ﷺ .

стр. 1189

وقال: فما الذي يمنع الاستغاثة بالأنبياء وجعلهم واسطة بين العباد وبينه ووسيلة إلى قضاء حوائجهم الدنيوية والأخروية. ويحسن أن أسوق بعض نصوص أئمة القبورية في تقرير الصورة الأمية العامية العادية للواسطة: ١ - قال اليافعي (٧٦٨هـ) : ٢ - ثم القباني (١١٥٧هـ) : (قد جرت العادة أن من له حاجة قد يتوسل ذلك الوجيه بأوجه إلى من يراد منه قضاء الحاجة؛ كما يتوسل الإنسان من الرعية بالأمير، والأمير يتوسل بالوزير، والوزير يشفع عند السلطان في قضاء حاجة ذلك الإنسان، فكذلك نحن نتوسل إلى اله الكريم بنبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، وقد نتوسل بالأولياء في نادر من الأوقات في قضاء بعض الحاجات، والأولياء يتوسلون بالنبي الكريم فيشفع عند الله فيسمع سبحانه شفاعته ويقبل) . ٣ - وقال الحمامي (١١٦٨هـ) في بيان تقرير هذه الواسطة العامية العادية:

стр. 1190

(وكل ما في الأمر أن المتوسل يرى نفسه ملطخاً بقاذورات المعاصي، أبعدته الغفلات عنه تعالى أيما إبعاد، فيفهم من هذا أنه جدير بالحرمان من تحقيق مطالبه، وقضاء حاجاته [إن دعا الله مباشرة] .... لأجل هذا يتقدم المتوسل إليه تعالى بأحبابه الذين لا يعرفون إلا طاعته، مبتهلاً إليه بجاههم عنده، وحرمتهم لديه: أن يقضي له حاجته لأجل هؤلاء الأحباب الذين عودهم تعالى، وإذا كان هذا هو السر في التوسل - فلا أثر إذن فيه لحياة المتوسل بهم أو موتهم؛ فإنهم أحباب ربنا تعالى على أي حال كانوا.... أحياء كانوا أم أمواتاً) . ٤ - ولمحمد علوي المالكي - أحد المشاهير المناضلين عن القبورية - تلبيس عجيب في التشبث بشبهة الواسطة حيث يقول: (لابد من الواسطة، وليس كل من اتخذ بينه وبين الله واسطة يكون مشركاً، وإلا لكان البشر كلهم مشركين؛ لأن أمورهم جميعاً تنبني على الواسطة؛ فجبريل واسطة للنبي ﷺ في تلقي القرآن، ورسول الله ﷺ واسطة للصحابة ﵃، فكانوا يفزعون إليه في الشدائد ويتوسلون به إلى الله، ويجوز وصف أي شخص عادي بأنه فرج الكربة، وقضى الحاجة، أي بالواسطة، فكيف بالنبي العظيم الكريم، أشرف الكونين، وسيد

стр. 1191

الثقلين، وأفضل خلق الله) . ٥ - وقال إخوان الصفا - من القرامطة الباطنية، الوثنية، القبورية:

стр. 1192

إن الحكماء لما عرفوا أن للعالم صانعاً - طلبوا القربة إليه، والتوسل بصفوة خلقه، وطلبوا الزلفى لديه بتعظيمهم لهم كما يفعل أبناء الدنيا من القربة إلى ملوكهم بالتوسل إليهم بأقاربهم وندمائهم ووزرائهم، وكتابهم، وخواصهم، وقوادهم؛ فهكذا وعلى هذا المثال فعل الحكماء. اعلم يا أخي، أن أهل المعارف الذين يعرفون الله حق معرفته وهم أولياء الله - فهم لا يتوسلون إليه بأحد غيره، وأما من قصر فهمه ومعرفته - فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ورسله، والأئمة، وأوصيائهم، وأولياء الله، فبهم يتقرب إلى الله، وبتعظيمهم، والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء، والصلاة، والصيام عند قبورهم، طلبا للقربة إلى الله والزلفى لديه. الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بعدة أجوبة، وجعلوها هباء منثورا. الجواب الأول: أن القبورية في تشبثهم بكلمة ((الواسطة)) ملبسون ومدلسون؛ حيث إنهم خلطوا الباطل بالحق؛

стр. 1193

فإن كون الأنبياء ﵈ واسطة بين الله وبين سائر الناس، يحتمل معنى حقاً ومعنى باطلاً؛ فمن أراد أنهم واسطة في تبليغ أوامر الله ونواهيه، وبيان دينه وشرحه وتوضيح ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه - فهذا معنى حق وصواب؛ فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه، وماذا أمر به وماذا نهى عنه إلا بواسطة الرسل ﵈، فإنهم المبلغون عن الله . وأما من أراد بالواسطة أن الأنبياء والأولياء واسطة بين العباد وبين رب العباد في جلب المنافع، ودفع المضار، والرزق، والنصر، والإغاثة، وكشف الكربات * والناس يرجعون إلى الأنبياء والأولياء في ذلك، ويسألونهم قضاء الحاجات * وكشف الكربات * ويستغيثون بهم عند نزول النوازل وإلمام الملمات * وينادونهم في غيابهم في الحياة وبعد الممات لجلب الخيرات ودفع الآفات *- (فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين ... فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار: مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين.... فمن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه - كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه -

стр. 1194

وزعم أن الله إنما يرزق العباد بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله - كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك [مباشرة] لكونهم أقرب من الطالب للحوائج - فمن أثبتهم وسائط بين الخلق وبين الله على هذا الوجه - فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل. وهؤلاء مشبهون لله بالملوك، وشبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أنداداً. وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا يتسع له هذه الفتوى.... والمقصود أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية، فهو مشرك؛ بل هذا دين المشركين عباد الأوثان) . قلت: لقد تبين بهذا أن القبورية يتشبثون بلفظة ((الواسطة)) ، ليتستروا بهذا اللفظ المجمل الذي يحتمل المعنى الحق والباطل، ليخفوا إشراكهم الصريح الذي هو دين المشركين السابقين،

стр. 1195

وهكذا عادة أهل البدع. فقد صرح علماء الحنفية أيضاً بأن المتكلمين من الماتريدية والأشعرية وغيرهم، تشبثوا بكثير من الألفاظ المجملة التي تحمل حقاً وباطلاً: كالمكان، والجهة، والحد، والحيز، ونحوها من الألفاظ المجملة الكلامية، وتستروا بها ليخفوا بها تعطيلهم لصفات الله تعالى. والقاعدة الكلية في ذلك أنه لا يجوز الحكم عليها نفياً أو إثباتاً إلا بعد التفصيل، وتبين المعنى الحق من المعنى الباطل، فيقبل المعنى الحق، ويرد المعنى الباطل، وبذلك ينكشف أمر أهل البدع. الجواب الثاني: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن القبورية في جعلهم الأنبياء والأولياء واسطة بين العباد ورب العباد، كالوزراء والأمراء بالنسبة للملوك لجلب المنافع ودفع المضرات * ليستغيثوا بهم عند الكربات - * مرتكبين للشرك الأكبر الذي كان عليه الوثنية الأولى التي كانت في الأيام الخاليات * فإن المشركين السابقين كان شركهم هو هذه الواسطة التي هي أصل الوثنيات * وتبعتهم القبورية، فالقبورية والوثنية الأولى في هذه الواسطة من واد واحد. فمن اتخذ هذه الواسطة فهو كافر مشرك، حلال الدم، يستتاب وإلا
следующие страницы →