← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الفصل الثاني في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور وفيه مبحثان: - المبحث الأول: في عرض عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور. - المبحث الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور.

стр. 1472

المبحث الأول في عرض عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور لقد سبق محققاً مفصلاً مبرهناً على لسان علماء الحنفية، أن سبب وقوع بني آدم في الوثنية إنما هو الغلو في الصالحين، والافتتان بقبورهم، ولذلك نهى الشارع الحكيم أولاً عن زيارة القبور حسماً لمادة الشرك، ثم لما استقر التوحيد في قلوب المسلمين، وزال الخوف أذن لهم في زيارة القبور مع بيان صفة الزيارة والحكمة فيها والمقصود منها، وهو التزهيد في الدنيا وتذكير الآخرة والدعاء والاستغفار لأهل القبور بدون ارتكاب أي نوع من الشرك والبدعة وغير ذلك من المعاصي. ولكن الشيطان قد احتال على قبورية هذه الأمة، واستدرجهم لأجل جهلهم بحقيقة توحيد الأنبياء والمرسلين، وزين لهم كثيراً من أنواع الشرك ووسائله، وصاغ لهم الشرك والبدع في قالب الدين ومحبة الأولياء وتعظيمهم، فأعاد هذا الخسيس إبليس * - بأنواع من التدليس والتلبيس * - الوثنية الأولى في كثير من المنتسبين إلى الإسلام، ومن مظاهرها زيارتهم للقبور زيارة شركية وبدعية.

стр. 1473

وفيما يلي أذكر أمثلة من زيارة القبورية للقبور، والمشاهد، على طريقة شركية وبدعية؛ فأقول وبالله التوفيق * وبيده أزمة التحقيق *: للقبورية في زياراتهم الشركية والبدعية للقبور ألوان وأفنان، أذكر منها ما يلي: ١ - زيارة القبور للمراقبة عند القبر، وقد ارتكبها الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (١٣٤٦هـ) مؤلف ((بذل المجهود)) و ((المهند على المفند)) - ذلكم الكتاب القبوري - وأحد كبار أئمة الديوبندية النقشبندية، مع رفقة من كبار علماء الديوبندية، وكان منهم الشيخ أشرف علي التهانوي (١٣٦٢هـ) الذي لقبوه بحكيم الأمة، وهو حكيم ولكن للأمة الديوبندية. فقد زار الشيخ السهارنفوري مع هؤلاء الركب الديوبندي، ضريح الخواجة معين الدين الجشتي إمام الصوفية الجشتية، وبمجرد الوصول إلى القبر جلس للمراقبة واستغرق في المراقبة كأنه أغمي عليه والناس حول القبر بين طائف وساجد ومرتكب للشرك. ٢ - زيارة القبور لأجل حصول الفيوض من قبور الأكابر. قلت: هذا نوع من الزيارة من أعظم عقائد الديوبندية، وأقول: كانت الفلاسفة اليونانية إذا دهمتهم نازلة يذهبون إلى قبر

стр. 1474

((أرسطاطاليس)) المنطقي وشيخ الفلاسفة والمعلم الأول لهم (٣٢٢ ق م) لحصول المدد والفيض من قبره. وأقول: زيارة القبور لأجل حصول الفيوض من القبور وأهلها قد دعا إليها دعوة سافرة المتفلسفة في الإسلام، أمثال الفارابي (٣٣٩هـ) الملقب بالمعلم الثاني، الضال الكافر، وابن سينا الحنفي القرمطي (٤٢٨هـ) الملقب بالرئيس، ذلكم الملحد الذي فعل بالإسلام كما فعل بولس اليهودي (٦٥م) بالنصرانية. صرح بذلك كثير من علماء الحنفية. ٣ - زيارة القبور لأجل الدعاء والصلاة والقيام عندها، وطلب القربة إلى الله تعالى والزلفى لديه بواسطة أهلها. وأول من اطلعت عليهم من القبورية الذين ارتكبوا هذه الزيارة ودعوا إليها - هم إخوان الصفا، المتفلسفة الباطنية. وأخذها عنهم الرازي فيلسوف الأشعرية (٦٠٦هـ) ، والتفتازاني

стр. 1475

فيلسوف الماتريدية (٧٩٢هـ) ، ثم تبعهم عامة القبورية حتى الديوبندية، والكوثرية. حتى صرح بعضهم بأن السؤال عند قبور الصالحين ثابت متوارث. وأن المختار أن يستقبل الزائر القبر عند الدعاء. وقد سبق الكلام عليه. وقد صرح النابلسي الحنفي أحد أئمة القبورية (١١٤٣هـ) - وتبعه الكوثري إمام الكوثرية القبورية الجهمية (١٣٧١هـ) - بجواز إيقاد السراج على قبر ولي من أولياء الله تعظيماً لروحه المشرقة على تراب جسده كإشراق الشمس على الأرض؛ إعلاماً للناس أنه ولي ليتبركوا به، ويدعوا الله عنده فيستجاب لهم. ٤ - زيارة القبور بالسفر إليها، وشد الرحال إليها، والحج إليها. وهذا النوع من الزيارة هو بيت القصيد عند القبورية قديماً وحديثاً. أقول: هذا النوع من الزيارة قد كان عند المشركين السابقين، كما صرح بذلك الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) . ثم تسربت هذه الزيارة إلى الروافض، فقد صنف ابن النعمان شيخ

стр. 1476

الرافضة، المعروف بابن المعلم، والملقب بالمفيد (٤١٣هـ) كتابا سماه: ((مناسك حج المشاهد)) ، وقد أفضى ببعض القبورية إلى أنه قد حج إلى قبر النبي ﷺ ، فلم يذهب إلى الكعبة المشرفة، وبعض القبورية يعد هذا العمل من الفضائل وأن فاعله أفضل من الحاج، وهذا لازم كلام الديوبندية لأن القبر الشريف أفضل من الكعبة والعرش عندهم. ٥ - زيارة الديوبندية لقبر النبي ﷺ بطريقة تناقض السنة * وتصدم عمل سلف هذه الأمة *، وهي من أوضح عقائد الديوبندية وبدعهم؛ فقد صرحوا بأن الزائر يجرد نيته لزيارة قبر النبي ﷺ عند السفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ ، فتكون زيارة قبره ﷺ هي المقصد الأعظم من السفر، أما زيارة المسجد النبوي فتكون تبعاً وضمناً؛ فإن قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة والعرش والكرسي. قلت: هذه من عجائب الديوبندية، مع أنهم أقرب إلى السنة، فما ظنك بغيرهم من القبورية؟؟ . ٦ - زيارة القبور لأجل الاستمداد من أهلها والاستغاثة بهم لدفع الملمات وجلب الخيرات. وللنذر لها ولأصحابها، ولا سيما الذبح

стр. 1477

عندها ولها ولأصحابها، وللاحتفال بمواليد أصحابها عندها، وللطواف بها، وأكل ترابها، وتقبيلها واستلامها، ولغيرها من الشركيات والبدع التي يرتكبها القبورية عند زيارة القبور في شرق الأرض وغربها وجنوبها وشمالها مما هو مشاهد ملموس * ومرئي ومسموع ومحسوس *. وهذه المشاهد مئات بل آلاف * وأنواع وألوان وأقسام وأصناف * وقد اهتم القبورية بهذه الأنواع من الزيارات للقبور، حتى جعلوها أهم من فروض الأعيان، فتراهم يتحملون عناء السفر في تحقيقها، وينفقون للوصول إليها أموالاً هائلة، ويذهبون إليها خفافاً وثقالاً، وينفرون إليها ثباتاًَ وجميعاً، ويطيرون إليها زرافات ووحداناً، ويجتمعون عندها رجالاً ونساء وصغاراً وكباراً، وشباباً، وشيوخاً، فيتهافتون على القبور - تهافت الفراش على النار، ويسبب ذلك فتناً كثيراً، منها: موت كثير من الخلائق من شدة الزحام *، فضلاً عن ارتكاب الفسق والفجور وكبائر الآثام *. هذه نماذج من زيارات القبورية للقبور ذكرتها مثالاً لما عندهم من

стр. 1478

العقائد الشركية والبدعية في زيارة القبور؛ وبعد هذا ننتقل إلى المبحث الثاني؛ لنعرف جهود علماء الحنفية في إبطال هذه الزيارات وقلعها وقمع أصحابها، والله المستعان وعليه التكلان. ****

стр. 1479

المبحث الثاني في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور لعلماء الحنفية جهود كثيرة في الرد على القبورية الزائرين للقبور زيارة شركية وبدعية، ولهم نصوص قاطعة لدابر القبورية وقامعة لشبهاتهم، أسوق بعضها للإنذار * وحسماً للأعذار * وإتماماً للحجة * وإيضاحاً للمحجة *: ١ -٨- قال الأئمة الثلاثة: محمد البركوي (٩٨١هـ) وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، والشاه ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، والشيوخ الثلاثة: المظفري، وسبحان بخش الهندي وإبراهيم السورتي، والعلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) وشكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في بيان الفرق بين الزيارتين: السنية، والشركية البدعية؛ محققين أن طريقة حصول الفيوض من القبور وأهلها طريقة للوثنية الأولى، وأن هذه الزيارة أخذها منهم المتفلسفة في الإسلام ثم عامة القبورية - واللفظ للأول بكامله وللآخرين قطعات منه -: (فإذا كان ذلك فاللائق بالزائر أن يتبع السنة ويقف عند ما شرع له، ولا يتعداه؛ ليكون محسناً إلى نفسه، وإلى الميت، فإن زيارة القبور نوعان:

стр. 1480

زيارة شرعية * وزيارة بدعية *؛ [بل شركية] . أما الزيارة الشرعية: التي أذن فيها رسول الله ﷺ ، فالمقصود منها شيئان: أحدهما: راجع إلى الزائر: وهو الاعتبار والاتعاظ. والثاني: راجع إلى الميت: وهو أن يسلم عليه الزائر، ويدعو له. وأما الزيارة البدعية: فزيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق، والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات * وإغاثة اللهفات * وغير ذلك من الحاجات * التي كان عباد الأوثان يسألونها من أوثانهم؛ فليس شيء من ذلك مشروعاً باتفاق أئمة المسلمين * إذ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة والتابعين * وسائر أئمة الدين * بل أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذة عن عباد الأوثان؛ فإنهم قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، وتفيض على روحه الخيرات؛ فإذا علق الزائر روحه به، وأدناه منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية، والماء الصافي ونحوهما على الجسم المقابل له، ثم قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه

стр. 1481

الزائر بروحه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه * ويوجه قصده وإقباله إليه * بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعها، وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا، والفارابي وغيرهما؛ وصرح به عباد الكواكب؛ وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها نور؛ ولهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل وصنفت لها الدعوات، واتخذت لها الأصنام، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وإقامة السدنة لها، ودعاء أصحابها، والنذر لهم، وغير ذلك من المنكرات، والله هو الذي بعث رسله، وأنزل كتبه لإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريهم، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله،

стр. 1482

ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه فوقف هؤلاء الضالون في طريقه، وناقضوه في قصده؛ وقالوا: إن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله تعالى وتوجه إليه بهمته، وعكف بقلبه عليه - صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه نصيب مما يحصل له من الله تعالى؛ وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وقرب من السلطان، وهو شديد التعلق به، فما يحصل من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به من حصته بحسب تعلقه به، وبهذا السبب عبدوا القبور، وأصحابها، واتخذوهم شفعاء على ظن أن شفاعتهم تنفعهم عند الله في الدنيا والآخرة؛ والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد عليهم، وإبطال رأيهم.......) . قلت: هذا النص لا يحتاج إلى تعليق ما، وفيه عبرة ونكال للديوبندية المتبركين الزائرين لأجل الفيوض، فضلاً عن غيرهم من القبورية المحضة. ٩ -١٤- وقال هؤلاء الأئمة الثلاثة: البركوي (٩٨١هـ) والرومي (١٠٤٣هـ) والشاه ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) ، والشيوخ الثلاثة: سبحان بخش الهندي وإبراهيم السورتي، والمظفري، في بيان المقارنة بين الزيارة السنية وبين الزيارة الشركية - البدعية، - محققين أن القبورية

стр. 1483

خالفوا السنة في زيارة القبور، من عدة وجوه، وأنهم غيروا وبدلوا القول الذي قيل لهم في شرع الرحمن * بالذي أخذوه من شرع الشيطان * فناقضوا التوحيد والسنن * وارتكبوا أنواعاً من الشرك والفتن * - واللفظ للأول، وللباقين فقرات من هذا النص -: (ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في [زيارة] القبور وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وبين ما عليه أكثر الناس [من القبورية] اليوم - رأى أحدهما [يعني الزيارة البدعية] مضاداً للآخر، مناقضاً له [يعني الزيارة السنية] ؛ بحيث لا يجتمعان أبداً [لأن القبورية ناقضوا السنة والتوحيد في زيارتهم للقبور من وجوه: الأول: صلاتهم عندها] فإنه ﵇ نهى عن الصلاة إلى القبور، وهم يخالفونه ويصلون عندها. و [الثاني: أنه ﵊] نهى عن اتخاذ المساجد عليها؛ وهم يخالفونه ويبنون عليها مساجد، ويسمونها مشاهد. و [الثالث: أنه] نهى عن إيقاد السرج عليها؛ وهم يخالفونه ويوقدون عليها القناديل والشموع؛ بل يوقفون لذلك أوقافاً. و [الرابع: أنه ﷺ ] أمر بتسويتها؛ وهم يخالفونه، ويرفعونها من الأرض كالبيت. و [الخامس: أنه ﷺ ] نهى عن تجصيصها والبناء عليها؛ وهم يخالفونه ويجصصونها، ويعقدون عليها القباب. و [السادس: أنه ﷺ ] نهى عن الكتابة عليها؛ وهم يخافونه

стр. 1484

ويتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره. [والسابع: أنه ﷺ ] نهى عن الزيادة عليها غير ترابها، وهم يخالفونه ويزيدون عليها سوى التراب: الآجر والجص. [والثامن: أنه ﷺ ] نهى عن اتخاذها عيداً، وهم يخالفونه ويتخذونها عيداً، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد وأكثر. الحاصل: أنهم مناقضون لما أمر به الرسول ﵇، و [ما] نهى عنه، ومحادون لما جاء به. و [التاسع: أنه] قد آل الأمر بهؤلاء الضالين المضلين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا لها مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه: ((مناسك حج المشاهد)) ؛ مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام، فانظر [أيها المسلم] ما بين ما شرعه النبي ﷺ : من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء [القبورية] وما قصدوه من التباين، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز عن حصره: فمنها: تعظيمها الموقع في الافتتان بها. ومنها: تفضيلها على أحب البقاع إلى الله تعالى، فإنهم يقصدونها مع التعظيم، والاحترام، والخشوع، ورقة القلب، وغير ذلك مما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا قريب منه؛

стр. 1485

وذلك يقتضي عمارة المشاهد * وخراب المساجد * ودين الله الذي بعث فيه رسوله بضد ذلك؛ ولهذا كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين، إذ عمروا المشاهد * وخربوا المساجد *. ومنها: اعتقاد أن بها يكشف البلاء * وينصر على الأعداء * ويستنزل الغيث من السماء * إلى غير ذلك من الرجاء *. ومنها: الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.... ومنها: الدخول في لعنة الله تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها. ومنها: المشابهة بعباد الأصنام بما يفعلونه عندها: من العكوف عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها، واتخاذ السدنة لها؛ حتى أن عبادها [القبورية] يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد. ومنها: النذر لها، ولسدنتها. ومنها: المخالفة لله ولرسوله [ ﷺ ] والمناقضة لما شرعه في دينه. ومنها: إماتة السنن، وإحياء البدع. ومنها: السفر إليها مع التعب الأليم، والإثم العظيم؛ فإن جمهور العلماء قالوا: السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين * ولا أمر بها رسول رب

стр. 1486

العالمين * ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين *؛ فمن اعتقد ذلك قربة وطاعة فقد خالف السنة والإجماع؛ ولو سافر بذلك الاعتقاد يحرم بإجماع المسلمين؛ فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحداً لا يسافر إليها إلا لذلك؛ وقد ثبت في الصحيحين أنه ﵇ قال: (( «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» )) . ومنها: إيذاء أصحابها؛ فإنهم يتأذون بما يفعل عند قبورهم مما ذكر، ويكرهونه غاية الكراهة؛ كما أن المسيح [على نبينا وعليه السلام] يكره ما يفعله النصارى في حقه، وكذلك غيره من الأنبياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله [القبورية] أشباه النصارى في حقهم وهم يتبرءون منهم يوم القيامة.... ومنها: أن الذي شرعه النبي ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكرة الآخرة، والاتعاظ، والاعتبار بحال المزور، والإحسان إليه بالدعاء له والترحم عليه؛ حتى يكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت؛ فقلب هؤلاء الأمر، وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه، وسؤاله الحوائج، واستنزال البركات منه، ونحو ذلك؛ فصاروا مسيئين إلى أنفسهم، وإلى الميت ... ) .

стр. 1487

قلت: هذا النص لا يحتاج إلى التعليق. ولكن أقول: فيه عبرة بالغة للديوبندية الذين يشدون الرحال إلى القبور، ويرون ذلك قربة عظيمة، ويزورون القبور لأجل حصول البركات والفيوض من القبور وأهلها، مع تظاهرهم بالتوحيد والسنة!! ونكال شديد لغيرهم من القبورية المحضة المرتكبين أنواعاًَ من الشركيات الوثنيات عند القبور. ١٥ -١٩- وقال الإمامان: البركوي (٩٨١هـ) وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ) والشيخان: سبحان بخش ١الهندي، وإبراهيم السورتي، والعلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) بعد كلام طويل متين في بيان مفاسد الزيارة الشركية والبدعية، وذكر فضائح القبورية، وإبطال كثير من أفعالهم الشركية والبدعية التي يرتكبونها عند زيارة القبور؛ محققين أن الاحتفال بالقبور والحج إليها، والحضور للاجتماع عند مواليد أصحابها، وجعلها أعياداً - من أعظم أسباب الوثنية، وأن ذلك متضمن لعدة أنواع من الإشراك بالله، وعبادة غير الله جل وعلا، فضلاً عن البدع، والفتن * ما ظهر منها وما بطن *؛ فاستمع أيها المسلم إلى كلام هؤلاء العلماء من الحنفية - واللفظ للأول -: (ومنها: أنه ﵊ نهى عن اتخاذها عيداً؛ كما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁: أنه عليه

стр. 1488

الصلاة والسلام قال: (( «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تجعلوا قبري عيداً؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» )) ......... فإن قبره ﵊ لما كان سيد القبور، وأفضل قبر على وجه الأرض - وقد نهى ﵊ عن اتخاذه عيداًَ - فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من

стр. 1489

كان.... وأشار ﷺ بذلك [القول] إلى أن ما يناله منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبره، وبعدكم عنه؛ فلا حاجة بكم إلى الاتخاذ [لقبره] عيداً؛ كما اتخذ المشركون من أهل الكتاب قبور أنبيائهم وصالحيهم عيداً؛ فإن اتخاذ القبور عيداً - هو من أعيادهم التي كانوا عليها قبل مجيء الإسلام؛ وقد كان لهم أعياد زمانية ومكانية؛ فلما جاء الإسلام أبدلها الله تعالى وعوض عن أعيادهم الزمانية: عيد الفطر، وعيد النحر وأيام منى [ويوم الجمعة] كما عوض عن أعيادهم المكانية: الكعبة البيت الحرام، وعرفات ومنى، والمشاعر، [والمسجد النبوي والمسجد الأقصى] . [شبهة، وقلعها، وقمع أصحابها] : قال ابن القيم في ((إغاثته)) : قد حرف هذه الأحاديث الناهية عن اتحاذ القبور أعياداً بعض من أخذ شبهاً من النصارى بالشرك، وشبهاً من اليهود بالتحريف فقال: هذا [الحديث فيه] أمر بملازمة قبره ﵊، والعكوف عنده، واعتياد قصده، وانتيابه، و [فيه] نهي [عن] أن يجعل [قبره] كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين؛ فكأنه [ ﷺ ] قال: ((لا تجعلوا [زيارة] قبري بمنزلة العيد الذي يكون

стр. 1490

من الحول إلى الحول؛ [بل زوروا قبري مراراً وتكراراً، كل حين وفين] ، واقصدوه كل وقت وكل ساعة)) . وهذا محادة ومناقضة لما قصده الرسول ﵊، وقلب للحقائق، ونسبة الرسول ﷺ إلى التدليس والتلبيس؛ إذ لا ريب أن من أمر الناس بملازمة أمر واعتياده، وكثرة انتيابه بقوله: (( «لا تجعلوا قبري عيداً» )) فهو إلى التلبيس، وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان؛ فإن لم يكن هذا تنقيصاً [للنبي ﷺ ] فليس للتنقيص حقيقة فينا؛ ولا شك أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل إثماً، وأخف عقوبة من تعاطي مثل ذلك [التحريف] في دينه ﵇ وسننه؛ وهكذا غيرت ديانات الرسل؛ ولولا أنه تعالى أقام لدينه الأنصار والأعوان الذابين عنه لجرى عليه ما جرى على الأديان قبله؛ قال ﵇: (( «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» )) ؛ فإنه ﵊ بين في هذا الحديث: أن الغالين يحرفون ما جاء به وأن المبطلين ينتحلون أن باطلهم هو ما كان عليه النبي ﵊؛ وأن الجاهلين يتأولونه على غير تأويله؛ وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاث؛ فلو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1491

ما قال هؤلاء الضالون - لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ولم يلعن من فعل ذلك؛ فإنه ﵇ إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها - فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها، وأن يعتاد قصدها، وإتيانها، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول؟؟ . وكيف يقول: (( «وصلوا علي حيث ما كنتم» )) بعد قوله: (( «لا تجعلوا قبري عيداً» )) !! وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضالون الذين جمعوا بين الشرك والتحريف...... ثم في اتخاذ القبور عيداً من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله تعالى: ما يغضب لأجله كل من كان في قلبه وقار لله تعالى وغيرة على التوحيد؛ وتقبيح للشرك وتهجين للكفر والبدع؛ ولكن ما لجرح بميت إيلام؛ فمن مفاسد اتخاذها عيداً: أن غلاة متخذيها عيداً إذا رأوها من موضع بعيد * ينزلون من الدواب، ويضعون الجباه على الأرض، ويقبلون، ويكشفون الرءوس، وينادون من مكان بعيد * ويستغيثون بمن لا يبدي ولا يعيد * ويرفعون

стр. 1492

الأصوات بالضجيج * ويرون أنهم قد زادوا في الربح على الحجيج * حتى إذا وصلوا إليها يصلون عندها ركعتين * ويرون أنهم قد أحرزوا من الأجر أجر من صلى إلى القبلتين * فتراهم حول القبور - سجداً يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً * وقد ملؤا أكفهم خيبة وخسراناً * فلغير الله تعالى بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات * و [ما] يرتفع من الأصوات * و [ما] يطلب من الميت من الحاجات * و [ما] يسأل من تفريج الكربات * وإغناء ذوي الفاقات * ومعافاة أولي العاهات والبليات *. ثم إنهم ينتشرون حول القبر طائفين * تشبيهاً له بالبيت الحرام الذي جعله الله تعالى مباركاً وهدى للعالمين * ثم يأخذون في التقبيل والاستلام * كما يفعل بالحجر الأسود في المسجد الحرام * ثم يخرون على الجباه والخدود * والله تعالى يعلم أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود * ثم يكلمون مناسك حج القبر بالتقصير والحلاق * ويستمتعون من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم نصيب عند من هو الخلاق *.

стр. 1493

ثم يقربون لذلك الوثن القرابين * وتكون صلاتهم، ونسكهم، وقربانهم لغير الله رب العالمين * ثم نراهم يهنئ بعضهم بعضاً، ويقول [جاهراً] * أجزل الله لنا ولكم أجراً وافراً * ثم إذا رجعوا يسألهم بعض غلاة المتخلفين: أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحجة البيت الحرام * فيقول: لا ولو بحجك كل عام * هذا ولم نتجاوز فيما حكينا عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم؛ إذ هي فوق ما يخطر بالبال * و [فوق] ما يدور في الخيال *......) . أقول: هذا النص من هؤلاء الأعلام من الحنفية سيف قاطع لأعناق هؤلاء القبورية. ٢٠ -٢١- وللإمامين الآلوسيين: الجد (١٢٧٠هـ) والابن (١٣١٧هـ) نص مهم فيه عبرة للديوبندية خاصة وللقبورية عامة فليرجع إليه. ٢٢ علق عليه ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) قائلاً: (قلت: وقد تعاظم الأمر في هذا الزمان * وظهرت البدع في كل

стр. 1494

مكان * وبنيت القبب المذهبة على القبور * ونذرت لها النذور * وجعلت عليها الشبابيك من العين * وسرجت عليها السرج وقناديل اللجين * ووضعت عليها الأسلحة المجوهرة * وصرفت على سدنتها وبنائها القناطير المقنطرة * وطاف حولها الزائرون * وتبرك بتقبيلها والتمسح بأعتابها الداخلون * وطلبوا منهم قضاء الحاجات * وتفريج الكربات * وجعلوا ذلك من أعظم الطاعات * ورموا من زجرهم عن هذا الفعل بأعظم الهنات * وأسمعوه ما يكره من الكلمات * ... وأكثر عملهم في ذلك من الكبائر * كما صرحت به الجهابذة الأكابر *) . ٢٣-٢٤- وللإمام الشاه ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) نصان مهمان في إبطال الزيارة الشركية قد قطع بهما دابر القبورية، وقد سبق أن ذكرتهما. ٢٥ -٢٨- وللعلامة الآلوسي الحفيد (١٣٤٢هـ) نصوص أربعة قامعة رادعة في بيان كشف الستار عن أسرار القبورية الزائرين للقبور زيارة شركية، قد سبق ذكرهما. ٢٩ -٣١- وقال الإمامان: الكمال ابن الهمام (٨٦١هـ) وابن نجيم الملقب بأبي حنيفة الثاني (٩٧٠هـ) وغيرهما من أعلام الحنفية في بيان الزيارة السنية والبدعية: (ويكره النوم عند القبر، وقضاء الحاجة؛ بل كل ما لم يعهد من السنة؛

стр. 1495

والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائماً [يعني الدعاء لأهل القبور] ؛ كما كان يفعل ﷺ في الخروج إلى البقيع) ؛ ثم ذكر الدعاء المأثور لأهل القبور بالعافية والمغفرة. قلت: هذا النص يدل دلالة قاطعة على أن كل ما تفعله القبورية مما لم يرد في السنة فهو باطل؛ فضلاً عما يرتكبونه من الشرك البواح والكفر الصراح وعبادة القبور، وأهلها وما يرتكبونه من الفسق والفجور وغير ذلك من المنكرات. وفيما ذكرت من نصوص الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية - كفاية، والله الهادي إلى سواء السبيل * من ضل عن التوحيد والسنة من كل ضليل * ولننتقل إلى الفصل الآتي لنعرف جهود علماء الحنفية في تحريم البناء على القبور. ***

стр. 1496

الفصل الثالث في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في البناء على القبور وفيه مباحث ثلاثة: - المبحث الأول: في عرض عقيدة القبورية في البناء على القبور . - المبحث الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في البناء على القبور. - المبحث الثالث: في إبطال علماء الحنفية لبعض شبه القبورية في البناء على القبور.

стр. 1497

المبحث الأول في عرض عقيدة القبورية في البناء على القبور تعتقد القبورية جواز بناء المساجد والقبب على القبور؛ بل يدعون دعوة سافرة إلى بناء المساجد والقباب على القبور، ولهم في ذلك بحوث ومقالات وكتب: ١ - فقد عقد السمنودي (بعد ١٣٢٦هـ) عنواناً بلفظ: (مبحث البناء على القبور من المذاهب الأربعة، مع بيان الأدلة) ، ثم طول النفس في ذكر الخرافات التي ظنها أدلة على جواز بناء المساجد والقباب على القبور. ٢ - وعقد الحسن العاملي العراقي (١٣٧١هـ) فصلاً تاسعاً قائلاً: (الفصل التاسع في بناء القبور، والبناء عليها وتجصيصها، وعقد القباب فوقها وعمل الصندوق والخلعة لها، وهذا مما حرمه الوهابية، وأوجبوا هدم القبور والقباب التي عليها والبناء الذي حولها) . ثم جمع كثيراً من الخرافات في تحقيق مزاعمه الباطلة وتجرد للوثنية الصريحة في كلام طويل مكتظ بالخرافات.

стр. 1498

٣ - وعقد فصلاً آخر قائلاً: (الفصل الحادي عشر في اتخاذ المساجد على القبور واتخاذها مساجد) ، ثم طول النفس في دعم خرافاته القبورية. ٤ - وعنون محمد النوري [ابن] رشيد النقشبندي الدير شوي القبوري بقوله: (البناء على القبور) ثم ذكر طائفة من خرافاته ليدعم بها الوثنية القبورية. ٥ - وللكوثري الحنفي الجهمي الماتريدي القبوري (١٣٧١هـ) مقالة فتاكة بعنوان: (بناء مساجد على القبور والصلاة إليها) . ٦ - وللبنوري الديوبندي الحنفي الكوثري القبوري (١٣٩٧هـ) مقدمة لمقالات الكوثري أبعد غوراً في الضلال والفساد * والإضلال والإفساد * أطرى فيها مقالات الكوثري إطراءً منكراً، وأكبرها إكباراً عظيماً، ومن تلك المقالات مقالة في الدعوة السافرة إلى القبورية الوثنية وعدة مقالات في الدعوة إلى التجهم والتعطيل، وجعل كتاب التوحيد لابن خزيمة، والسنة لعبد الله ابن الإمام أحمد، ورد الدارمي على بشر المريسي وغيرها من كتب أئمة السلف - كتباً وثنية، وجعل عقيدة أئمة الإسلام السلفية عقيدة وثنية مع كون هذه المقالات الكوثرية مكتظة بشتائم فظيعة شنيعة لأئمة السنة وأعلام هذه الأمة أمثال: الدارمي والإمام ابن الإمام عبد الله بن أحمد وإمام الأئمة ابن خزيمة وشيخ الإسلام وابن القيم

стр. 1499

الإمام، ومجد الدعوة وغيرهم من أئمة الإسلام. ٧ - قال الكوثري مستبشعاً هدم القبور صارخاً مهولاًَ ومجولاً قائماً وقاعداً منكراً على أهل التوحيد والسنة الذين أفتوا بوجوب هدم القباب على القبور: (فعلى هذا الرأي من صاحب التوقيع يجب على أولياء الأمور في بلاد الإسلام أن يمسكوا بمعاول الهدم ليعملوها في هدم قباب الصحابة وأئمة الدين، وصالحي الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، والمساجد المضافة إليهم، وقباب ملوك الإسلام، وأمراء الإسلام وغيرهم في كل قطر!!) . ٨ - ٩- وقال الكوثري ناقلاً كلام لأبي مقرراً له مجوزاً بناءً المساجد والقباب على القبور: (فأما من اتخذ مسجداً قرب رجل صالح، أو صلى في مقبرته قصداً للتبرك بآثاره، وإجابة دعائه هناك فلا حرج ... ) . ١٠ -١١- وقال الكوثري مستدلاً بكلام النابلسي الحنفي القبوري الصوفي الخرافي (١١٤٣هـ) ، في جواز اتخاذ القبور مساجد وجواز بناء المساجد عليها دعوة سافرة منهما إلى القبورية الوثنية:

стр. 1500

(وأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح، أو صلى في قبره وقصد به الاستظهار بوجه، أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا للتعظيم له، والتوجه إليه - فلا حرج....) . ١٢ -١٣- وقالا، ناقلاً اللاحق عن السابق في بيان جواز إيقاد الشموع على القبور، وجواز بناء المساجد على القبور للتبرك ووصول الفيوض من القبور وأهلها: (...... وهذا كله إذا خلا من فائدة، وأما إذا كان موضع القبور مسجداً أو على طريق، أو كان هناك أحد جالس، أو كان قبر ولي من أولياء الله، أو عالم من المحققين، لروحه المشرقة على تراب جسده كإشراق الشمس على الأرض؛ إعلاماً للناس أنه ولي ليتبركوا به، ويدعوا لله عنده فيستجاب لهم، فهو أمر جائز لا منع فيه..) . ١٤ -١٥- لذلك نرى كثيراً من القبورية، منهم العاملي (١٣٧١هـ) والكوثري (١٣٧١هـ) على عادة أهل البدع الخبيثة قديماً وحديثاً، ولا سيما الروافض والجهمية والقبورية، يطعنون ظلماً وعدواناًَ في الأحاديث الصحيحة الناهية عن البناء على القبور. ١٦ - ولقد اهتمت القبورية علماء وجهالاً، خواص وعوام، رجالاً ونساءً، ملوكاً وأمراء ووزراء، وقواداً - اهتماما بالغاً بتعمير القبب

стр. 1501

والمساجد على القبور، وتعمير العمائر الشامخات عليها، وتعمير المنارات الناطحات السماء، وأنفقوا على ذلك ملايين الملايين من الأموال الهائلة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة؛ وأما ما ينفق على خدمها وسدنتها وصيانتها، وكذا ما ينفق على الأطعمة والأشربة عند احتفال القبورية على مواليد أصحابها ثاجين * عاجين * وأيضاً ما ينفق على الحج والسفر إليها من كل فج عميق، ناذرين * ذابحين * متبركين * مستغيثين * - فحدث ولا حرج. كما ترى ذلك التبذير والإسراف والإفراط * في الإنفاق على هذه المزارات والمشاهد والمواليد المبنية على غير سواء الصراط * مما يرى في مشرق الأرض ومغربها * وشمالها وجنوبها * وما هو مشاهد ملموس * ومرئي ومسموع ومحسوس *. ١٧ - وهذه المشاهد والمزاور مئات وألوف * وأنواع وألوان وأقسام وصنوف * فقد صنفوا عدة تأليفات * في تراجم المشاهد والمزاور الشامخات * ١٨ - وقد جعلت كالكعبة تحج إليها، وجعلت أوثاناً تعبد من دون الله تعالى. ١٩ - ولو أنفقت هذه الأموال الهائلة على المساجد والمدارس والفقراء والمساكين * واليتامى والأرامل، والمجاهدين والمهاجرين * وغير

стр. 1502

ذلك من سبل البر في صالح الإسلام والمسلمين * لزال الفقر بالكلية * ولكانت كلمة المسلمين علية *. ٢٠ - ومع هذا كله قد ألف أبو الفيض أحمد بن محمد الغماري (١٣٨٠هـ) الصوفي الخرافي القبوري دعوة سافرة إلى الوثنية رسالة سماها: (إحياء المقبور * من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور) ، كما ألف أبو الفضل عبد الله بن محمد الصديق الغماري الصوفي الخرافي القبوري دعوة إلى القبورية رسالة سماها: (إعلام الراكع الساجد * بمعنى اتخاذ القبور مساجد) . الحاصل: أنه قد تبين بما ذكرت من أمثلة لأقوال القبورية ونماذج من أفعالهم الوثنية - في الدعوة إلى بناء القبب والمساجد على القبور - أن القبورية يرون بناء القبب والمساجد من أعظم القربات * ومن أجل الطاعات، ومن أعظم العبادات * مع أن هذا العمل من أعظم وسائل الشرك بخالق الكائنات * وأنه موجب لأنواع اللعنات من رب البريات * وأنه من أبشع المعاصي الموبقات وأشنع الكبائر المنكرات * كما سيتحقق على لسان علماء الحنفية في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.

стр. 1503

المبحث الثاني في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في البناء على القبور وفيه مطلبان: - المطلب الأول: في استدلال علماء الحنفية بالأحاديث الصحيحة الصريحة المحذرة من البناء على القبور والموجبة لهدم ما بني عليها. - المطلب الثاني: في جهود علماء الحنفية في بيان مفاسد البناء على القبور ونصوصهم على وجوب المبادرة إلى هدمه.

стр. 1504

المطلب الأول في استدلال علماء الحنفية بالأحاديث الصحيحة الصريحة المحذرة من البناء على القبور والموجبة لهدم ما بني عليها لقد سبق أن ذكرت بعض الأمثلة لعقيدة القبورية في بناء القبب والمساجد على القبور، وأن ذلك من أعظم الطاعات عندهم، فحرفوا الدين وقلبوا الحقائق وناقضوا التوحيد وعاكسوا الإسلام وجعلوا ما هو سبب للإشراك برب البريات * وما هو موجب لأنواع اللعنات من خالق الكائنات * قربة من أجل القربات التي أنفقوا عليها القناطير المقنطرات * على ظن التقرب إلى الله مالك الأرض والسماوات * ولكنهم وقعوا بسبب ذلك في أنواع من الوثنيات * لأجل ذلك وقف لهم علماء الحنفية بمرصاد * فشنوا عليها الغارات وقاتلوهم بأنواع من العتاد * وكشفوا الأستار عن أسرار هؤلاء القبورية الحيارى * وحققوا أن هذه الأعمال من أعمال اليهود المغضوب عليهم والضالين النصارى * وأنها موجبة لأنواع اللعنات * وسبب لألوان من المفاسد والوثنيات * واستدلوا بعدة أحاديث صحيحة محكمة صريحة، أذكر منها ما يلي: الحديث الأول: حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي لم يقم منه، وفي لفظ ((مات

стр. 1505

فيه)) : « ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ، قالت: ((ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً)) » وهذا الحديث مروي عن أبي هريرة ﵁ أيضاً. وقد استدل بهذا الحديث المتفق على صحته علماء الحنفية على أن البناء على القبور، واتخاذ القبور مساجد - من أعظم موجبات لعنة الله تعالى، وأنه سبب عظيم إلى الشرك بالله، وأن ذلك من أفعال اليهود والنصارى، وأن ذلك من أسباب لعنهم وطردهم من رحمة الله تعالى. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز للمسلم ارتكاب ما يوجب لعنة الله تعالى فضلاً أن يجعل ما يوجب لعنة الله تعالى قربة إليه . الحديث الثاني: حديث عائشة ﵂، وابن عباس ﵃: (( «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» )) . وتقرير استدلال علماء الحنفية بهذا الحديث هو ما سبق في الحديث الأول بعينه. الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: (( «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا»

стр. 1506

«على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله» )) . وقد استدل الحنفية بهذا الحديث على تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وأن ذلك موجب للعنة الله تعالى، وأنه من أفعال اليهود والنصارى. الحديث الرابع: حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس: ((.... «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد؛ ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك» )) . وقد استدل بهذا الحديث الصحيح علماء الحنفية على تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وأن ذلك من أفعال المشركين السابقين، وأن النبي ﷺ كان يهمه هذا الأمر ويخاف منه على أمته؛ ولذلك حذرهم منه في مرضه الذي مات فيه، فصار ذلك من وصاياه المهمة التي تحمي حمى التوحيد وتسد ذرائع الشرك. قلت: في هذه الأحاديث عبرة بالغة لمن يعتبر، ونكال شديد للمعاندين المكابرين من القبورية. الحديث الخامس: حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال:

стр. 1507

(( «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» )) . وفي رواية......... (( «وأن يكتب عليها» ......)) .

стр. 1508

وقد استدل بهذا الحديث كثير من علماء الحنفية على تحريم بناء المساجد والقبب على القبور، وتحريم تجصيصها، ووجوب المبادرة إلى هدمها؛ لأن ذلك من أفعال المشركين، وذرائع الشرك وموجبات اللعنة. قلت: إذا كان الأمر كذلك فكيف يجعل ذلك قربة إلى الله ؟؟ . الحديث السادس: مرسوم رسمي * أقوى وأهم من مرسوم ملكي *،

стр. 1509

فقد «قال أبو الهياج حيان بن حصين الأسدي الكوفي: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ((أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاًَ إلا سويته)) » .

стр. 1510

وقد استدل بهذا الحديث الصحيح كثير من علماء الحنفية على تحريم بناء المساجد والقباب على القبور، وعلى وجوب المبادرة إلى هدم المساجد والقباب المبنية على القبور. ويدل هذا الحديث الصحيح على أن البناء على القبور من أكبر العظائم الموبقات والمهلكات؛ فكيف يجوز لمسلم أن يجعل الموبقات المهلكات * قربة إلى الله وطاعة من الطاعات *؟؟
следующие страницы →