← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

المبحث الأول في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في النذر لأهل القبور وفيه مطالب ثلاثة: - المطلب الأول: في عرض عقيدة القبورية في نذورهم لأهل القبور. - المطلب الثاني: في إبطال علماء الحنفية عقيدة القبورية في النذر لأهل القبور. - المطلب الثالث: في إبطال علماء الحنفية لبعض شبه القبورية في النذور لأهل القبور.

стр. 1437

المطلب الأول في عرض عقيدة القبورية في نذورهم لأهل القبور من الأمثال الشركية التي وقع فيها القبورية عبادة لغير الله تعالى - النذور لأهل القبور. وفيما يلي عدة نماذج من أقوال أئمة القبورية في جواز النذور لأهل القبور. ١ - قال القباني (١١٥٧هـ) وهو أحد كبار أئمة القبورية: (فإن ذبح للكعبة أو للرسل تعظيماً لكونها بيت الله أو لكونهم رسل الله، جاز) . ٢ - وقد بوب السمنودي المنصوري المصري، أحد كبار أئمة القبورية (المتوفى بعد ١٣٢٦هـ) قائلاً: (الباب التاسع في الكلام على النذر والذبح للأنبياء والصالحين) ثم ذكر ما هو دعوة سافرة إلى الوثنية.

стр. 1438

٣ - وقال الملا جيون الهندي الحنفي * الجهمي الصوفي الخرافي * (١١٣٠هـ) : (ومن ههنا علم أن البقرة المنذورة للأولياء كما هو الرسم في زماننا، حلال طيب، لأنه لم يذكر اسم غير الله عليها وقت الذبح، وإن كانوا ينذرونها له [أي لغير الله] ....) . ٤ - وقد عقد القضاعي أحد كبار أئمة غلاة القبورية الكوثرية (١٣٧٦هـ) فصلاًَ في الدعوة السافرة إلى الوثنية عامة والنذور للأموات خاصة، فقال: (فصل في توضيح بطلان القول بأن الذبح للميت والنذر له شرك، وتحقيق أن ذلك [أي النذر للميت] من القرب الواصل نفعها إلى الحي والميت جميعاً) ، ثم طول النفس في الدعوة إلى الوثنية السافرة عامة، وإلى النذر للأموات خاصة، بحجة أن الناذرين لا يعتقدون فيهم الخالقية والرازقية والربوبية، كما طعن على عادته الكوثرية في أهل التوحيد والسنة بكلمات وقحة.

стр. 1439

٥ - وقال محمد الفقي أحد غلاة القبورية الوثنية: (المبحث الثالث في النذور، النذر للأنبياء والأولياء وغيرهم من القرب التي يدعو إليها الدين) . هكذا ترى القبورية يعقدون عناوين بارزة للنذور للأموات، دعوة منهم إلى عبادة غير الله تعالى. الحاصل: أن خلاصة عقيدة القبورية في النذر للأموات ما يلي: ١ - أن النذر للأموات من أعظم القربات، والأعمال الصالحات. ٢ - أن النذر للأموات يجوز ما لم يعتقد الناذر أن الميت خالق ورب. ٣ - أن الذبح يجوز للميت، بشرط أن لا يذكر اسمه على المذبوح عند الذبح. ٤ - أنه يبدو لي أن مقصود القبورية بالنذر للأموات هو الاستغاثة بهم لدفع المضرات وجلب الخيرات. وهذه خلاصة عقيدة القبورية في النذور للأموات وبعد هذا ننتقل إلى:

стр. 1440

المطلب الثاني في إبطال علماء الحنفية عقيدة القبورية في نذورهم لأهل القبور لقد صرح كثير من العلماء الحنفية في الرد على القبورية بأن النذر لغير الله تعالى حرام، بل هو شرك؛ لأنه نوع من أعظم أنواع العبادة، وعبادة غير الله شرك، ولأنه متضمن أنواعاً أخرى للشرك بالله تعالى، فإن الذي ينذر شيئاً للميت لابد من أن يعتقد فيه عدة عقائد شركية: ١ - أن يعتقد أنه يعلم حال هذا الناذر. ٢ - أن يعتقد أنه يتصرف في الأمور، من شفاء المريض وغناء الفقير، وإغاثة الملهوف ونحو ذلك. ٣ - أنه يسمع نداء الناذر واستغاثته به. وهذه العقائد كلها شركية وثنية كما سبق تحقيقها على لسان علماء الحنفية في الأبواب السابقة. وفيما يلي عدة نصوص لعلماء الحنفية دالة على أن النذر لغير الله تعالى حرام، بل إشراك صريح بالله وأنه من أعمال المشركين السابقين:

стр. 1441

١ -١٦- قال الإمام قاسم بن قطلوبغا (٨٧٩هـ) وتبعه كثير من أئمة الحنفية المشاهير، كالإمام ابن نجيم، الملقب بأبي حنيفة الثاني (٩٧٠هـ) ، والإمام خير الدين الرملي (٩٩٣هـ) ، والإمام سراج الدين عمر بن نجيم (١٠٠٥هـ) ، والإمام علاء الدين الحصكفي (١٠٨٨هـ) ، وفقيه الحنفية الشامية ابن عابدين (١٢٥٢هـ) ، والشيخ رشيد أحمد الجنجوهي، الإمام الثاني للديوبندية الملقب بالإمام الرباني (١٣٢٣هـ) ، والعلامتان شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) والخجندي (١٣٧٩هـ) والشيخ علي محفوظ الحنفي المصري (١٣٦١هـ) وغيرهم، واللفظ للأول على ما نقله عنه الثاني ثم الآخرون: (وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام - على ما هو مشاهد - كأن يكون لإنسان، غائبٌ أو مريضٌ، أو له حاجة ضرورية، فيأتي بعض [قبور] الصلحاء، فيجعل ستره على رأسه فيقول: يا سيدي فلان! إن رد غائبي، أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا ومن الفضة كذا ومن الطعام كذا ومن الماء كذا ومن الشمع كذا ومن الزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع، لوجوه: منها: أنه نذر مخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة، والعبادة لا تكون للمخلوق. ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. ومنها: [أنه] إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر ... ) ، زاد الحصكفي: (وقد ابتلي الناس بذلك، ولا

стр. 1442

سيما في هذه الأعصار) . وزاد ابن عابدين فيما حكاه عن النهر الفائق: (ولا سيما في مولد البدوي) . قلت: هذا النص لهؤلاء الأعلام من الحنفية دال دلالة قاطعة على أن النذر لغير الله تعالى من أعظم أنواع الشرك؛ لأن النذر عبادة وعبادة غير الله شرك بواح، ولأن المنذور له ميت والميت لا يملك شيئاً، ومن اعتقد التصرف في الكون للميت فقد كفر كفراً مبيناً، وهذا النص من قبيل القضايا التي قياساتها معها، وفي ذلك عبرة بالغة لمن فيه إنابة إلى الحق من القبورية، ونكال شديد أليم للمعاندين المكابرين المستنكفين منهم. كما يدل على أن القبورية الناذرين لأهل القبور هم عباد القبور، بل هم وثنية، حيث جعلوا القبور وأهلها أوثاناً يعبدونها من دون الله تعالى،

стр. 1443

يوضحه النص الآتي: ١٧ -٢١- وهو قول الإمام محمد البركوي (٩٨١هـ) في صدد البرهنة على أن القبورية وثنية، حيث يعبدون القبور وأهلها أنواعاً من العبادات، ويشركون بالله تعالى أنواعاً من الإشراك، منها النذر لهم، وتبعه آخرون من كبار أعلام الحنفية: أمثال الإمام الشيخ أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) والشيخين: سبحان بخش الهندي، وإبراهيم السورتي، والعلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (ثم يقربون لذلك الوثن القرابين * وتكون صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير رب العالمين *) . ٢٢ -٢٥- وقالوا كلهم غير الأخير: (لو كان اتخاذ السرج عليها مباحاً لم يلعن من فعله، وقد لعن، ولأن فيه تضييعاً للمال في غير فائدة، وإفراطاً في تعظيم القبور تشبيهاً بتعظيم الأصنام؛ ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن ينذر للقبور لا شمع ولا زيت ولا غير ذلك، فإنه نذر معصية، لا يجوز الوفاء به اتفاقاً......) . ٢٦ -٢٩- وقالوا أيضاً مبينين عدة أنواع للشرك الذي يرتكبه

стр. 1444

القبورية: (ومنها النذر لها ولسدنتها) . ٣٠ -٣١- ونقله الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) والشيخ محمد علي المظفري وأقرانه. ٣٢ - وقال الإمام البركوي (٩٨١هـ) رحمه الله تعالى في كشف الستار عن أسرار القبورية، وتحقيق أنهم على طريقة المشركين الأوائل عبدة الأصنام السفلية * والأجرام العلوية * مقارناً لهؤلاء القبورية بأولئك الوثنية: (.... ولهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت لها الأصنام، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وإقامة السدنة لها، ودعاء أصحابها، والنذر لهم، وغير ذلك من المنكرات، والله هو الذي بعث رسله وأنزل كتبه لإبطاله وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم........) . ٣٣ - وقال رحمه الله تعالى مبيناً أن القبورية يعبدون عدة من الأوثان بعدة أنواع من العبادة، منها النذر الذي هو عبادة للمنذور: (...... ثم يتجاوز هذا إلى أن يعظم وقع الأماكن في قلوبهم،

стр. 1445

فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي بين شجر وحجر وحائط وعين، يقولون: إن هذا الشجر، وهذا الحجر وهذه العين يقبل النذر، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له....) . ٣٤ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) مبيناًَ أنواع الشرك التي ارتكبها أهل الشرك في القديم والحديث، ولا سيما مشركي العرب - منها النذر لغير الله تعالى، ومحققاً أن القبورية في هذه الشركيات على طريقة الوثنية الأولى: (ومنها أنهم كانوا يستغيثون بغير الله في حوائجهم: من شفاء المريض وغناء الفقير، وينذرون لهم، يتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون أسماءهم رجاء بركتها، فأوجب تعالى عليهم أن يقولوا في صلاتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤] ، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] . ٣٥ - وقال ابن عربشاه (٨٥٤هـ) مبيناً أن القبورية يعبدون القبور وأهلها، حتى عبدوا الفسقة الفجرة منهم بأنواع العبادات، حيث عبدوا تيمور الفاسق الفاجر * ذلكم الملك الظالم الجائر *

стр. 1446

(.... وقبره في مكانه المشهور * تنقل إليه النذور* وتطلب عنده الحاجات * ويبتهل عنده بالدعوات *....) . ٣٦ - وقال الإمام محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) . ٣٧ - وتبعه غلام الله الملقب بشيخ القرآن (١٩٨٠م) ، في بيان وجود الشرك في المنتسبين إلى الإسلام وبيان فضائح القبورية، وأن القبورية يعبدون القبور وأهلها بأنواع من العبادات، منها النذر لها ولأهلها، وأنه إشراك بالله تعالى، لأنه عبادة، وعبادة غير الله شرك، وأن القبورية قد كثروا في هذه الأمة حتى صاروا أكثر من الدود، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] : (ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها، المعتقدون للنفع والضر [في أهلها] ممن الله أعلم بحاله فيها [أي في القبور] ، وهم اليوم أكثر من الدود) . ٣٨ - وقال العلامة الرباطي: (ثم اعلم أن بيان هذا المرام -

стр. 1447

أعني أن المنذورات لغير الله وكل ما أهل لغير الله به - فهو حرام قطعاً ونجس، ليس حرمته دون حرمة الكلب والخنزير - من وجهين: الأول: أن ذلك عبادة، وقد عرفت أن العبادة مطلقاً من حقوق الله، فإعطاؤها لغير الله كفر صريح وشرك قبيح. والثاني: أن النصوص القرآنية قد وردت في تحريمها بخصوصها فكانت محرمة من هذا الوجه أيضاً) . ٣٩ - وقال الشيخ الرستمي: (فالنذر لله عبادة له تعالى، كما قال جمهور الفقهاء، فمن نذر لغير الله تعالى فقد عبد لغير الله، والعبادة لغير الله كفر وشرك، والتجربة شاهدة بأن النذر إنما يكون لمن يرجى منه كشف المهمات * ودفع البليات وإنجاح الحاجات * .... فمن ينذر لغير الله فهو يعتقد أن ذلك الغير يشفي مرضي، ويجيب دعوتي وينجح حاجتي؛ ورجاء إنجاح الحاجات من غير الله شرك. قلت: الحاصل: أن هذه عدة نصوص لكبار علماء الحنفية تدل

стр. 1448

على عدة أمور مهمة: الأول: أن القبورية ينذرون للقبور وأهلها. الثاني: أنهم ينذرون لدفع الكربات وجلب الخيرات. الثالث: أنهم يعتقدون أن الأموات يعلمون بنذورهم. الرابع: أنهم يعتقدون فيهم التصرف في الأمور. الخامس: أن النذر للقبور وأهلها من أعظم أنواع الإشراك بالله العظيم. السادس: أن النذر عبادة وعبادة غير الله شرك بلا شك. إلى غيرها من المطالب في كلام هؤلاء الأعلام، وبعد هذا ننتقل إلى عرض بعض شبهات القبورية مع ذكر أجوبة علماء الحنفية عنها، قلعاً لأعذارهم * وقطعاً لأدبارهم *. *****

стр. 1449

المطلب الثالث في إبطال علماء الحنفية لبعض شبه القبورية التي تشبثوا بها لتبرير نذورهم للقبور وأهلها لقد تشبثت القبورية لتبرير النذور للقبور وأهلها بشبهات كثيرة أهمها ثلاث، أود أن أسوقها مع جواب علماء الحنفية عنها وكلامهم في قلعها وقمع أهلها: الشبهة الأولى: أن ما يقرب إلى القبور وأهلها من المنذورات - لا يدخل في باب عبادة غير الله تعالى، فإن هذه النذور ليست من قبيل العبادة لأن العبادة لا تحقق إلا باعتقاد الربوبية والخالقية في المخضوع له. والجواب: أنه قد أجمع علماء الحنفية على أن النذر عبادة، دل على ذلك تعريفهم للنذر، فقد قال الجرجاني (٨١٦هـ) : (النذر إيجاب عين الفعل المباح على نفسه، تعظيماً لله تعالى) وقد صرحوا بأنه لا يجوز النذر للقبور وأهلها، ونصوا على أنه شرك بالله تعالى،

стр. 1450

وعللوا ذلك بأنه عبادة، وعبادة غير الله شرك بالله. وقد سبق مفصلاً محققاً على لسان علماء الحنفية: أن العبادة لا يشترط فيها اعتقاد العابد في المعبود أنه رب وخالق. وأقول: من اختبر حال القبورية وعلم الدافع لهم على النذور للأموات، ولا سيما المضطرين منهم الذين يريدون بنذورهم للأموات استعطاف الأموات لدفع الملمات وجلب الخيرات، ورأى ما هم فيه من الخشوع والخضوع والتذلل لهم - عرف أنهم أعظم عبادة للأموات * منهم لخالق البريات * ومن أنكر هذا فهو مكابر غالط * ومعاند مغالط *. الشبهة الثانية: أن القبورية زعمت أن الإنسان إذا نذر لغير الله تعالى، ولم يذبح منذوره باسم غير الله تعالى، بل ذكر اسم الله تعالى عليه عند الذبح - فهو جائز حلال، فالمنذور لا يحرم إلا إذا ذكر اسم غير الله عليه عند الذبح ويذبح باسم غير الله تعالى. قال الملا جيون الهندي الحنفي * الماتريدي القبوري الخرافي (١١٣٠هـ) :

стр. 1451

(ومن ههنا علم أن البقرة المنذورة للأولياء - كما هو الرسم في زماننا - حلال طيب؛ لأنه لم يذكر اسم غير الله عليها وقت الذبح؛ وإن كانوا ينذرونها له) . الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة أن العبرة في النذر لغير الله تعالى للنية لا لذكر اسم غير الله عند ذبح المنذور، فمن نذر بقرة لميت مثلاً فقد أشرك بمجرد نذره إياه له، سواء ذكر اسم الله عند ذبحها أو ذكر اسم ذلك الميت، فإن العبرة لنية هذا الناذر المتقرب إلى ذلك الميت الطالب بنذره له كشف المعضلات وجلب الخيرات منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣، والنحل: ١١٥] وقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فما أهل به لغير الله أعم من المذبوح باسم غير الله؛ فإن ما أهل به لغير الله قد يكون من قبيل المشروبات، أو الملبوسات، أو المشمومات، بل قد يكون من المعادن كالذهب والفضة والياقوت والمرجان ونحوها، وقد يكون من المطعومات التي لا تحتاج إلى الذبح، كالسمك والزيت والسمن والعسل ونحوها؛ لأن ((الإهلال)) هو رفع الصوت بالشيء وليس معناه الذبح، فمن زعم: أن معنى قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ -: ما ذبح باسم غير الله بأن يذكر اسمه عليه وقت الذبح، فقد غلط غلطاًَ مبيناً، وقيد مطلق الكتاب وخصص عامه بدون دليل مسوغ، وتقول على اللغة العربية ما لا يعرفه العرب، فإن الإهلال لم يعرف عند

стр. 1452

العرب بمعنى الذبح، وأما ما ذكره بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: ((وما ذبح للأصنام والطواغيت)) ونحو ذلك، فليس هذا معناها اللغوي الكامل - بل قصدهم بيان فرد من أفراد ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ، فإن المشركين السابقين كانوا عادة، إذا نذروا شيئاً من الأنعام لآلهتهم ذبحوه بأسمائها، بخلاف القبورية في هذه الأمة، فإنهم إذا نذروا بقرة مثلاً لأوليائهم الأموات مثلاً، ذبحوها باسم الله تعالى لساناً وظاهراً، حيلة منهم، ولكن هذا المنذور المذبوح يكون مذبوحاً في الحقيقة باسم ذلك الولي الميت، فهم وإن لم يذكروا اسم هذا الولي المنذور له ظاهراً على ألسنتهم عند ذبح ذلك الحيوان المنذور، لكنهم يذكرون اسم وليهم باطناً في قلوبهم قبل ذبحه وعند ذبحه وبعد ذبحه، دل على ذلك نذرهم له ونيتهم وتقربهم إليه واستعطافهم إياه لدفع الملمات وجلب الخيرات. إذاً لا تأثير لذكر اسم الله تعالى عليه عند الذبح ما دام المنذور لغير الله تعالى، فذبحهم باسم الله تعالى ليس إلا حيلة قبورية لا تنجيهم من الشرك والتحريم؛ لأن العبرة للنية لا لذكر اسم الله تعالى على اللسان، فهذا الناذر مشرك وهذا المنذور حرام وإن ذكر اسم الله عليه وقت الذبح.

стр. 1453

قال المهايمي الحنفي (٨٣٥هـ) مبيناً أن ما أهل به لغير الله فهو حرام في الحالين، سواء ذكر اسم الله عليه أم لا: (فإنه وإن ذكر معه اسم الله فقد عارض المطهر فيه المنجس مع نجاسته بالموت - وإن لم يذكر فقد زيد في تنجيسه) . وقال الإمامان التمرتاشي (١٠٠٤هـ) والحصكفي (١٠٨٨هـ) وتبعهما العلامة ابن عابدين الشامي (١٢٥٢هـ) ، والعلامة اللكنوي (١٣٠٤هـ) : [شخص] (ذبح) [ضأناً مثلاً] (لقدوم الأمير) ونحوه كواحد من العظماء (يحرم) ، لأنه أهل به لغير الله، (ولو) وصلية (ذكر اسم الله تعالى) .... وهل يكفر؟ قولان ... ونحوه في شرح الوهبانية عن الذخيرة، ونظمه: * وفاعله جمهورهم قال: كافر * وفضلى

стр. 1454

وإسمعيلي ليس يكفر *. الشبهة الثالثة: لقد احتال القبورية في الاعتذار عن نذورهم للأموات بحيلة ماكرة عجيبة، وهي أنهم يقولون: نحن إذا نذرنا للأولياء - فإن نذرنا في الحقيقة لله تعالى، وإنما قصدنا إيصال ثواب نذرنا إلى الأولياء. هكذا ترى القبورية يحتالون بهذه الحيلة الماكرة، ويعتذرون هذا الاعتذار البارد الفاسد. الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة الماكرة بأن هذه المعذرة حيلة محضة لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن القبورية غير صادقين في هذا الاعتذار، لأمارات وشواهد، وفيما يلي أسوق كلام بعض كبار الحنفية لقلع هذه الشبهة للقبورية * قمعاً لأعذارهم * وقطعا

стр. 1455

لأدبارهم * وإقامة للحجة * وإيضاحاً للمحجة *: ١ -٢- قال أحمد السرهندي الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني ومجدد الألف الثاني (١٠٣٤هـ) وتبعه محمد مراد المنزلوي - محققاً أن النذر لغير الله تعالى من أعظم الإشراك بالله سبحانه، لأنه عبادة، ومبيناً أن كثيراً من أهل الهند الجهلة القبورية يرتكبون أنواعاً من الشرك بأنواع من النذور لغير الله، والاستغاثات، ومبطلاً هذه الشبهة القبورية، بأن القبورية في اعتذارهم هذا - غير صادقين: (والاستمداد من الأصنام والطاغوت في دفع الأمراض والأسقام * - كما هو شائع فيما بين جهلة أهل الإسلام - * عين الشرك والضلالة....، وأكثر النساء مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع ... ومفتونات بأداء مراسم الشرك وأهل الشرك، خصوصاً وقت عروض مرضى الجدري المعروف فيما بين نساء الهنود بالستيلة، فإن ذلك الفعل مشهود ومحسوس من خيرهن وشرهن ... وتعظيم الأيام المعظمة عند اليهود، وأداء رسوم الأيام المتعارفة عند اليهود - مستلزم للشرك، ومستوجب للكفر، كما أن جهلة أهل الإسلام خصوصاً طائفة نسائهم يؤدون رسوم أهل الكفر ... ، كل ذلك شرك وكفر بدين الإسلام، قال الله ﵎: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] . وما يفعلونه من ذبح الحيوانات المنذورة للمشايخ عند قبور المشايخ المنذورة لهم، جعله الفقهاء أيضاً في الروايات الفقهية داخلاً في الشرك،

стр. 1456

وبالغوا في هذا الباب وألحقوه بجنس ذبائح الجن الممنوع عنها شرعاً.... ومثل ذلك صيام النساء بنية المشايخ ... ، ويجعلن مطالبهن، ومقاصدهن مربوطة بتلك الصيام. ويطلبن حوائجهن منهم بواسطة تلك الصيام، وذلك الفعل إشراك للغير في عبادة الله تعالى، وطلب لقضاء الحوائج عن الغير بواسطة العبادة إليه ... وقول بعض النساء وقت إظهار شناعة هذا الفعل: ((نحن نصوم هذا الصيام لله تعالى، وإنما نهدي ثوابها لأرواح المشايخ)) - حيلة منهن، فإن كن صادقات في ذلك فلأي شيء يحتاج إلى تعين الأيام للصيام، وتخصيص الطعام، وتعين أوضاع شنيعة مختلفة في الإفطار * وكثيراً ما يرتكبن المحرمات وقت الإفطار * ويفطرن بشيء حرام، ويسألن شيئاً من غير حاجة، ويفطرن به، ويزعمن قضاء حوائجهن مخصوصاً بارتكاب هذا المحرم، وهذا عين

стр. 1457

الضلالة، وتسويل الشيطان اللعين، والله العاصم) . ٣ -٨- وقال الإمام الآلوسي محمود، مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) ، وتبعه ابنه العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) وآخرون من الحنفية، مبينين أن النذر لغير الله تعالى شرك، وأن عبدة القبور كعبدة الأصنام، ومبطلين اعتذارهم بأنه من أبطل الحيل، وأنهم غير صادقين في ذلك، ومحققين أن القبورية عار شنار على هذه الأمة وضحكة لأهل الملل والنحل: (وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ إلخ -[الحج: ٧٣] إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى * حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى * وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون: ((إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ونجعل ثوابه للولي)) . ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم، أو رد غائبهم أو نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل [لهم] : انذروا لله تعالى، واجعلوا ثوابه لوالديكم؛ فإنهم أحوج من أولئك الأولياء -

стр. 1458

لم يفعلوا. ورأيت كثيراً منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعاً في قبورهم، لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة؛ وإذا طولبوا بالدليل - قالوا: ((ثبت ذلك بالكشف)) !!! . قاتلهم الله تعالى!! ما أجهلهم!! وأكثر افتراءهم!!! ، ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور، ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون: ((إنما تظهر أرواحهم متشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد، أو غزال، أو نحوه)) . وكل ذلك باطل، لا أصل له في الكتاب والسنة * وكلام سلف الأمة * وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية، نسأل الله تعالى العفو والعافية) . قلت: هذا كان جواباً دامغاً لحيلة القبورية هذه. والآن ننتقل إلى المبحث الآتي لنعرف جهود الحنفية في إبطال تبركات القبورية.

стр. 1459

المبحث الثاني في جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية في التبرك على الوجه المحذور وفيه مطلبان: - المطلب الأول: في عرض عقيدة القبورية في التبركات الشركية والبدعية. - المطلب الثاني: في إبطال علماء الحنفية تبركات القبورية الشركية والبدعية.

стр. 1460

المطلب الأول في عرض عقيدة القبورية في التبركات الشركية والبدعية من أشهر عقائد القبورية التبركات الشركية والبدعية، فهم يهتمون بالتبرك بقبور الصالحين وأتربة قبورهم وآثارهم ومجالسهم التي لا

стр. 1461

يوجد الدليل الشرعي على جواز التبرك بها، كما يهتمون بالتبرك بكثير من الكتب البدعية الخرافية، لمؤلفيها الذين لهم إجلال وإكبار في قلوب هؤلاء القبورية. وفيما يلي عدة أمثلة لتبركات القبورية الشركية والبدعية: ١ - التماس البركة من قبور الأولياء جائز. ٢ - تعظيم القبور والتبرك بها ولمسها وتقبيلها وتقبيل أعتاب مشاهدها، والتمسح بها والطواف حولها، جائز شرعاً وراجح عقلاً. ٣ - تبرك القبورية بقبر أبي منصور الماتريدي، إمام الماتريدية الحنفية (ت ٣٣٣هـ) . ٤ - وقال أحمد رضا خان الأفغاني إمام البريلوية الحنفية (١٣٤٠هـ) : (لا بأس بوضع تمثال مقبرة الحسين في البيت للتبرك) . ٥ - تبركات أخرى يرتكبها القبورية قديماً وحديثاً. ٦ - تبركات الديوبندية الحنفية الماتريدية النقشبندية القبورية، بالحجرة الشريفة، على صاحبها ألف تحية وصلاة وسلام. ٧ - وتبركاتهم بالغلاف. ٨ - وتبركاتهم بتمر المدينة النبوية. ٩ - وتبركاتهم بنوى التمر.

стр. 1462

١٠ - وتبركاتهم بتراب الحجرة الشريفة. ١١ - وتبركاتهم بأقمشة المدينة الطيبة. ١٢ - وتبركاتهم بالزيت المحروق في المسجد النبوي. ١٣ - وتبركاتهم بالزيت المحروق في الحجرة النبوية. ١٤ - وإدخالهم الأطفال إلى الحجرة للتبرك. ١٥ - وتبركاتهم بقبر النبي ﷺ . ١٦ - وتبركاتهم بموضع جلوس النبي ﷺ . ١٧ - وتبركاتهم بما مسته يده الشريفة ﷺ . ١٨ - وتبركاتهم بما مرت عليه قدمه ﷺ . ١٩ - وتبركاتهم بالمنبر في المسجد النبوي. ٢٠ - وتبركاتهم بكتاب ((إحياء العلوم)) للغزالي الصوفي (٥٠٥هـ) ذلكم الكتاب الخرافي * الجهمي القبوري الصوفي *. ٢١ - وتبركاتهم بكتاب ((المثنوي)) للرومي الحنفي * الحلولي الاتحادي الصوفي القبوري الخرافي * (٦٧٢هـ) ، الذي أطراه القبورية حتى جعلوه قرآناً فارسياً. هذه التبركات القبورية الديوبندية البدعية غير الشرعية - كلها - موجودة عند الديوبندية الذين هم أقرب إلى السنة والتوحيد بالنسبة إلى بقية القبورية. وقد سبق بيانها بالتوثيق. ٢٢ - تبركات القبورية الأتراك بقصيدة البردة للبوصيري الصوفي الخرافي (٦٩٦هـ) .

стр. 1463

٢٣ - تبركات القبورية بكتاب ((مختصر القدوري)) (٤٢٨هـ) . ٢٤ - تبركات القبورية بالقبور وأتربتها. ٢٥ - ولعلي الأحمدي كتاب في الدعوة إلى التبركات القبورية الشركية والبدعية، سماه ((التبرك)) . هذه كانت عدة أمثلة ذكرتها لبيان عقيدة القبورية في التبركات الشركية والبدعية، وبعد هذا ننتقل إلى المطلب الثاني لنعرف جهود علماء الحنفية في إبطالها. ***

стр. 1464

المطلب الثاني في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في التبرك على الوجه المحذور اعلم أخي المسلم أن التبرك نوعان: نوع مشروع: وهو ما ورد الشرع بجوازه، فهذا النوع من التبرك لا كلام فيه. وليس هو موضوعنا ههنا، ومن أراد أن يطلع على كثير مما ثبت التبرك به شرعاً فليرجع إلى كتاب ((التبرك أنواعه وأحكامه)) ، وغيره. فكل ما ثبت في شرع الله تعالى التبرك به يجوز التبرك به ولا ينافي التوحيد ولا السنة. ونوع ممنوع غير مشروع: وهو التبرك الذي لم يرد الشرع بجوازه، أو ورد الشرع بخلافه، فهذا النوع من التبرك هو بيت القصيد ههنا، وهو صنفان: الصنف الأول: تبرك شركي: وهو ما كان فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، أو أن يعتقد المتبرك [بصيغة اسم الفاعل] : أن المتبرك به غير الله تعالى يعطي الخير والنماء

стр. 1465

فوق الأسباب العادية، وقد سبق على لسان علماء الحنفية أن من أنواع التبرك: الشرك في التبركات. وهذا النوع من التبرك يرجع إلى عقيدة التصرف في الكون لغير الله ؛ وقد سبق مفصلاً محققاً على لسان علماء الحنفية، أن هذه العقيدة من أعظم أنواع الإشراك بالله تعالى في الربوبية، وأن صاحب هذه العقيدة من أوضح أصناف المشركين. قال العلامة الرستمي حفظه الله تعالى - وهو من كبار علماء الحنفية المعاصرة - محققاً أن القبورية واقعون في شرك البركات، مبيناً معنى (بسم الله الرحمن الرحيم) : (فالمعنى: ((متبركاً باسم الله الرحمن الرحيم أقرأ)) ؛ فيه إشارة إلى أن البركة في اسمه تعالى، وهو يبارك في الأشياء وحده لا شريك له في هذا؛ وفي هذا رد على من يشرك [بالله تعالى في القبورية] في البركات، ولذا ينذرون للأولياء، وغيرهم من سوى الله تعالى، ويقولون: ((إذا أعطينا نذورهم من الأنعام أو الحرث فينظر الأولياء إلى أموالنا

стр. 1466

بنظر الشفقة، ويباركون فيه)) ، وبعضهم يقرءون أسماءهم في وظائفهم وخلواتهم للتبرك بها، وما هذا إلا شرك في البركات.... فالذي يعتقد: أن فلان - الولي يبارك في أموالنا وفي حرثنا وفي أنعامنا - فهو مشرك بالله تعالى؛ فالله تعالى هو ((المبارك)) باسم الفاعل وحده، الذي يعطي له [أي عبده] نعيم الدنيا والآخرة ويزداد له في قليل ماله؛ فهو [أي العبد] يسمى: ((مباركاً)) باسم المفعول؛ كما قال الله تعالى: في شأن بيته المعظم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] ؛ فالله بارك في هذا الموضع بأنه يزيد ثواب عمل فيه أضعافاً مضاعفة، وكذا فيه منافع كثيرة للناس؛ فلذا سمي مباركاً، وقال تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ الآية [مريم: ٣١] ؛ فبارك الله في عيسى ﵇ بأن ينتفع به عباد الله، وهو

стр. 1467

يدعوهم إلى الله وإلى توحيده، وعبادته، وجعل في عبادته منافع كثيرة لأتباعه.... وما يقولون في أدعيتهم توسلاً: ((ببركة فلان)) فلا معنى له ولا يجوز؛ لأن ذلك المصدر [البركة] إما مضاف إلى الفاعل، فالمعنى: ((المبارك هو الفلان)) - فهذا شرك؛ كما ثبت قبل؛ وإما مضاف إلى المفعول - فالمعنى: ((المبارك هو الفلان)) - فلا معنى لهذا التوسل، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة من العلم) . قلت: القبورية في تبركاتهم الباطلة على طريقة الوثنية الأولى؛ فقد صرح الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) بأن المشركين كانوا يتلون أسماء من يتغيثون بهم للتبرك ويعتقدون أن أسماءهم مباركة للحلف بها، وكانوا يقصدون مواضع يعظمونها للتبرك بها. الصنف الثاني: تبرك بدعي:

стр. 1468

وهو ما لم يكن فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ بل كان فيه طلب الخير والنماء من الله تعالى، ولكن بواسطة شيء لم يرد الشرع به: كطلب البركة من الله تعالى بواسطة غلاف الكعبة أو طلب البركة من الله تعالى بواسطة استلام الحجرة النبوية أو طلب البركة من الله تعالى بواسطة تمر المدينة النبوية، ونحوها مما لم يرد به الكتاب والسنة، وقد ذكرت عدة أمثلة للتبركات البدعية التي يرتكبها القبورية عامة والديوبندية خاصة. والتبركات البدعية قناطر التبركات الشركية، بل قد تكون شركية فعلاً إذا اعتقد المتبرك: أن المتبرك به يقدر على البركة؛ ولقد حذر علماء الحنفية من جميع التبركات البدعية أيضاً كما حذروا من التبركات الشركية، فقد صرحوا بوجوب إزالة كل ما يتبرك به القبورية تبركاً بدعياً: من قبر، ونصب وشجر وحجر، ومسجد بني على قبر، وقنديل، وسراج، وشمع على قبر، وخرفة، ومسمار، وحائط، وعين، وعمود، ونحوها وقالوا: إن الواجب هدم هذه الأشياء كلها، وإزالة أثرها، والمبادرة إلى محوها؛ لأن الناس يقصدونها، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء بها والتبرك بها، حسماً للفتنة التي قد عظمت بها، وقطعاً للبلوى التي اشتدت بها، إذ هي سبب للعنة الله تعالى والطرد من رحمته سبحانه؛ ولأنها أعظم شراً ومفسدة من مسجد الضرار؛

стр. 1469

ولأن هذه التبركات البدعية قنطرة للتبركات الشركية، فوجب منع ذلك، حماية لحمى التوحيد، وسداًَ لذرائع الشرك؛ لئلا تصير هذه الأشياء أوثاناً تعبد من دون الله. ولقد صرح علماء الحنفية أيضاً بمنع التبرك والتمسح بحجر مقام إبراهيم ﷺ ، واتفقوا على أن لا يقبل الركن اليماني، ونصوا أيضاً على أن يقبل الحجر الأسود للتعبد لا للتبرك، فلا يجوز تقبيل الحجر الأسود للتبرك، حماية للتوحيد، وسداً لذرائع الشرك. ولقد صرح علماء الحنفية أيضاً بمنع التعلق بشجرة تشبه شجرة للمشركين، ولو كان هذا التشبه بالاسم فقط، فضلاً عن التبرك بها، والعكوف عليها، فإن ذلك يتسبب إلى الوثنية، واستدلوا بحديث ((ذات أنواط)) . وكذلك صرحوا بمنع انتياب الناس إلى شجرة ذات حادث جلل فضلاً عن التبرك بها، ووجوب المبادرة إلى قطعها وإزالة أثرها، واستدلوا بأثر عمر بن الخطاب في إزالة شجرة الرضوان؛ كل ذلك حماية لحمى التوحيد وقطعاً لوسائل الشرك. قلت: الحاصل أنه إذا كان التبرك بأمثال الحجر الأسود والركن اليماني، وذات أنواط، وشجرة الرضوان وغيرها مما لم يرد بالتبرك به

стр. 1470

الشرع - فكيف يجوز التبرك بالأتربة، والمنبر والزيت المحروق في المسجد النبوي، وغير ذلك فضلاً عن التبرك بالقبور عامة وأتربتها، والقبور المعظمة خاصة؛ كما سبق ذلك في تحقيقات علماء الحنفية ومنعهم وتحذيرهم من التبركات الشركية والبدعية، واستدلالهم بعمل الصحابة ﵃ في قصة دانيال وأمر عمر بن الخطاب بدفنه وتعمية أمره وأثره، وأن أمثال هذه التبركات والتوسلات - من أفعال الوثنية الأولى. نتيجة هذا البحث: لقد وصلنا في مبحث التبرك إلى نتائج: ١ - تعريف التبرك لغة واصطلاحاً. ٢ - التبرك المشروع، وهو ما ورد الشرع بجوازه. ٣ - التبرك الشركي، وهو شرك بالله في التصرف والربوبية. ٤ - التبرك البدعي، وهو دون التبرك الشركي في الإثم. ٥ - التبرك البدعي قنطرة للتبرك الشركي. ٦ - التبرك البدعي قد يصير تبركاً شركياً. ٧ - تبركات القبورية كتوسلاتهم فيها شرك وبدعة. ٨ - التبرك غير المشروع من أفعال الوثنية الأولى. ٩ - القبورية في تبركاتهم الشركية والبدعية على طريقة المشركين السابقين. ١٠ - هذه التحقيقات لعلماء الحنفية فيها عبرة للقبورية عامة وللديوبندية الماتريدية النقشبندية خاصة. وبعد هذا ننتقل إلى الفصل الثاني والله المستعان * وهو المبارك، وعليه التكلان *.

стр. 1471

الفصل الثاني في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور وفيه مبحثان: - المبحث الأول: في عرض عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور. - المبحث الثاني: في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور.

стр. 1472

المبحث الأول في عرض عقيدة القبورية في زيارتهم الشركية والبدعية للقبور لقد سبق محققاً مفصلاً مبرهناً على لسان علماء الحنفية، أن سبب وقوع بني آدم في الوثنية إنما هو الغلو في الصالحين، والافتتان بقبورهم، ولذلك نهى الشارع الحكيم أولاً عن زيارة القبور حسماً لمادة الشرك، ثم لما استقر التوحيد في قلوب المسلمين، وزال الخوف أذن لهم في زيارة القبور مع بيان صفة الزيارة والحكمة فيها والمقصود منها، وهو التزهيد في الدنيا وتذكير الآخرة والدعاء والاستغفار لأهل القبور بدون ارتكاب أي نوع من الشرك والبدعة وغير ذلك من المعاصي. ولكن الشيطان قد احتال على قبورية هذه الأمة، واستدرجهم لأجل جهلهم بحقيقة توحيد الأنبياء والمرسلين، وزين لهم كثيراً من أنواع الشرك ووسائله، وصاغ لهم الشرك والبدع في قالب الدين ومحبة الأولياء وتعظيمهم، فأعاد هذا الخسيس إبليس * - بأنواع من التدليس والتلبيس * - الوثنية الأولى في كثير من المنتسبين إلى الإسلام، ومن مظاهرها زيارتهم للقبور زيارة شركية وبدعية.

стр. 1473

وفيما يلي أذكر أمثلة من زيارة القبورية للقبور، والمشاهد، على طريقة شركية وبدعية؛ فأقول وبالله التوفيق * وبيده أزمة التحقيق *: للقبورية في زياراتهم الشركية والبدعية للقبور ألوان وأفنان، أذكر منها ما يلي: ١ - زيارة القبور للمراقبة عند القبر، وقد ارتكبها الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (١٣٤٦هـ) مؤلف ((بذل المجهود)) و ((المهند على المفند)) - ذلكم الكتاب القبوري - وأحد كبار أئمة الديوبندية النقشبندية، مع رفقة من كبار علماء الديوبندية، وكان منهم الشيخ أشرف علي التهانوي (١٣٦٢هـ) الذي لقبوه بحكيم الأمة، وهو حكيم ولكن للأمة الديوبندية. فقد زار الشيخ السهارنفوري مع هؤلاء الركب الديوبندي، ضريح الخواجة معين الدين الجشتي إمام الصوفية الجشتية، وبمجرد الوصول إلى القبر جلس للمراقبة واستغرق في المراقبة كأنه أغمي عليه والناس حول القبر بين طائف وساجد ومرتكب للشرك. ٢ - زيارة القبور لأجل حصول الفيوض من قبور الأكابر. قلت: هذا نوع من الزيارة من أعظم عقائد الديوبندية، وأقول: كانت الفلاسفة اليونانية إذا دهمتهم نازلة يذهبون إلى قبر

стр. 1474

((أرسطاطاليس)) المنطقي وشيخ الفلاسفة والمعلم الأول لهم (٣٢٢ ق م) لحصول المدد والفيض من قبره. وأقول: زيارة القبور لأجل حصول الفيوض من القبور وأهلها قد دعا إليها دعوة سافرة المتفلسفة في الإسلام، أمثال الفارابي (٣٣٩هـ) الملقب بالمعلم الثاني، الضال الكافر، وابن سينا الحنفي القرمطي (٤٢٨هـ) الملقب بالرئيس، ذلكم الملحد الذي فعل بالإسلام كما فعل بولس اليهودي (٦٥م) بالنصرانية. صرح بذلك كثير من علماء الحنفية. ٣ - زيارة القبور لأجل الدعاء والصلاة والقيام عندها، وطلب القربة إلى الله تعالى والزلفى لديه بواسطة أهلها. وأول من اطلعت عليهم من القبورية الذين ارتكبوا هذه الزيارة ودعوا إليها - هم إخوان الصفا، المتفلسفة الباطنية. وأخذها عنهم الرازي فيلسوف الأشعرية (٦٠٦هـ) ، والتفتازاني

стр. 1475

فيلسوف الماتريدية (٧٩٢هـ) ، ثم تبعهم عامة القبورية حتى الديوبندية، والكوثرية. حتى صرح بعضهم بأن السؤال عند قبور الصالحين ثابت متوارث. وأن المختار أن يستقبل الزائر القبر عند الدعاء. وقد سبق الكلام عليه. وقد صرح النابلسي الحنفي أحد أئمة القبورية (١١٤٣هـ) - وتبعه الكوثري إمام الكوثرية القبورية الجهمية (١٣٧١هـ) - بجواز إيقاد السراج على قبر ولي من أولياء الله تعظيماً لروحه المشرقة على تراب جسده كإشراق الشمس على الأرض؛ إعلاماً للناس أنه ولي ليتبركوا به، ويدعوا الله عنده فيستجاب لهم. ٤ - زيارة القبور بالسفر إليها، وشد الرحال إليها، والحج إليها. وهذا النوع من الزيارة هو بيت القصيد عند القبورية قديماً وحديثاً. أقول: هذا النوع من الزيارة قد كان عند المشركين السابقين، كما صرح بذلك الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) . ثم تسربت هذه الزيارة إلى الروافض، فقد صنف ابن النعمان شيخ
следующие страницы →