← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بل المراد من ((الفساد)) في الآية: الفساد بمعنى الظلم والعدوان؛ لأن التوحيد أعدل العدل، والشرك أظلم الظلم. قال الإمام ابن أبي العز الحنفي أحد أئمة الحنفية ﵀ (٧٩٢هـ) ، وتبعه العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، واللفظ للأول؛ مبطلًا جميع هذه المقدمات، ومزيفًا استدلالهم بهذه الآية على جعل توحيد الألوهية عينًا لتوحيد الربوبية؛ وجعل هذه الآية مشتملة على برهان التمانع: (وكثير من أهل النظر يزعمون: أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ؛ لاعتقادهم: أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن؛ ودعت إليه الرسل ﵈؛ وليس الأمر كذلك؛ بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له؛ فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٥] ؛ ومثل هذا كثير في القرآن؛ ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام: أنها مشاركة لله في خلق العالم؛ بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر، وغيرهم؛ تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله؛ وهذا أصل شرك العرب....) .

стр. 212

وقال رحمه الله تعالى أيضًا بعد ذكر قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] : (وقد ظن طوائف: أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره: وهو أنه لو كان للعالم صانعان إلخ، وغفلوا عن مضمون الآية؛ فإنه سبحانه أخبر: أنه لو كان فيهما آلهة غيره؛ ولم يقل: ((أرباب)) ؛ وأيضًا؛ فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا؛ وأيضًا؛ فإنه قال: ((لفسدتا)) ، وهذا فساد بعد الوجود؛ ولم يقل لم يوجدا؛ ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة؛ بل لا يكون الإله إلا واحدًا؛ وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ؛ وأن فساد السماوات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة؛ ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره؛ فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله؛ فإن قيامه إنما هو بالعدل؛ وبه قامت السماوات والأرض؛ وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك؛ وأعدل العدل التوحيد؛ وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ دون العكس....) . قلت: الحاصل: أن استدلال القبورية وكذا إخوانهم المعطلة المتكلمة بهذه الآية على جعل توحيد العبادة عينًا لتوحيد الربوبية باطل أي بطلان، ولله الحمد. الشبهة الثانية: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾

стр. 213

[الأعراف: ١٧٢] . قالوا: ((لم يقل ألست بإلهكم فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية. ومن المعلوم أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر له بالألوهية إذ ليس الرب غير الإله، بل هو بعينه)) . الشبهة الثالثة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ... [فصلت: ٣٠، الأحقاف: ١٣] . قالوا: لم يقل ((إلهنا)) ؛ فهذا يدل على أن توحيد الربوبية كاف في النجاة والفوز لاستلزامه توحيد الألوهية، فهذا دليل على أن القول بأحد التوحيدين قول بالآخر. الشبهة الرابعة: استدلالهم بحديث سؤال الملكين في القبر: «من ربك» . قالوا: لم يقولا له: ((من إلهك)) ، فدل على أن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية. وقال الدجوي: (وأما السنة فسؤال الملكين للميت عن ربه لا عن إلهه لأنهم [لا] يفرقون بين الرب والإله؛ فإنهم ليسوا تيميين ولا

стр. 214

متخبطين، وكان الواجب على مذهب هؤلاء أن يقولوا للميت ((من إلهك)) لا «من ربك» ، أو يسألوه عن هذا وذلك)) . وقال القضاعي أحد أئمة القبورية: (ولا يقولان له: إنما اعترفت بتوحيد الربوبية، وليس توحيد الربوبية كافيًا في الإيمان) . الشبهة الخامسة: استدلالهم بحديث: «قل ربي الله ثم استقم» . استدل به عدة من القبورية. وتقرير استدلالهم مر في الشبهة الثالثة. الجواب عن هذه الشبه الأربع: لقد تصدى العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) لجواب هذه الشبه بذكر تمهيد طويل وجواب مختصر فقال: (أقول: لا مرية أننا مأمورون باعتقاد أن الله وحده ربنا ليس لنا رب غيره، وباعتقاد أن الله وحده هو معبودنا، ليس لنا معبود غيره، ولا نعبد إلا إياه. والأمر الأول: هو الذي يقال: ((توحيد الربوبية)) . والأمر الثاني: هو الذي يقال: ((توحيد الألوهية)) . والإشراك في الأول: يسمى ((الإشراك في الربوبية)) . والإشراك في الثاني: يسمى ((الإشراك في الألوهية)) .

стр. 215

والآيات الدالة على الأمر الأول كثيرة) . ثم ذكر كثيرًا منها، ثم قال: (وأما الآيات الدالة على الأمر الثاني ((يعني توحيد الألوهية)) فأكثر من أن تحصى) . ثم ذكر كثيرًا منها، ثم قال: (ولا أظنك شاكا في أن مفهوم ((الرب)) ومفهوم ((الإله)) متغايران، وإن كان مصداقهما في نفس الأمر وفي اعتقاد المسلمين المخلصين واحد. وذلك يقتضي تغاير مفهومي التوحيدين، فيمكن أن يعتقد أحد من الضالين ((توحيد الرب)) ولا يعتقد ((توحيد الإله)) ، وأن يشرك واحد من المبطلين في ((الألوهية)) ، ولا يشرك في ((الربوبية)) وإن كان هذا باطل في نفس الأمر. ألا ترى أن مصداق ((الرازق)) ومالك السمع والأبصار، والمحيي، والمميت، ومدبر الأمر، ورب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، والخالق، ومسخر الشمس والقمر، منزل الماء من السماء، ومصداق ((الإله)) واحد. ومع ذلك كان مشركو العرب يقرون بتوحيد الرازق ومالك السمع والأبصار وغيرهما، ويشركون في ((الألوهية)) و ((العبادة)) ) . ثم ذكر عدة آيات دالة على هذا المطلب، ثم قال: (فكذلك عباد القبور الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه، يقرون بتوحيد الرازق والمحيي والمميت والخالق والمؤثر والمدبر والرب. ومع ذلك يدعون غير الله من الأموات خوفًا وطمعًا، ويذبحون لهم ويطوفون بهم ويحلقون لهم ويخرجون من أموالهم جزءًا لهم. وكون مصداق ((الرب)) عين مصداق ((الإله)) في نفس الأمر وعند المسلمين المخلصين لا يقتضي اتحاد مفهوم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، واتحاد مصداق الرب والإله عند

стр. 216

المشركين من الأمم الماضية وهذه الأمة) . ثم قال: (الاحتمال الثالث: أن المراد بـ ((الرب)) ((المعبود)) ..... قال القرطبي: ((والرب المعبود)) ....) . ثم ذكر عدة من النصوص أفادت أن المراد بالرب في هذه الآيات هو المعبود. وقال في الجواب عن شبهات أخرى: (( (الوجه الثاني)) أنه يحتمل أن يكون المراد بالرب في الآيات المذكورة ((المعبود)) ، وقد عرفت بما تقدم أن ((الرب)) ربما يجيء بمعنى ((المعبود)) ) . قلت: حاصل الجواب: أنه لا شك في تغاير مفهومي ((الرب)) و ((الإله)) ولا ريب أيضًا أن ((توحيد الربوبية)) غير توحيد الألوهية، وأن الشرك في الأول غيره في الثاني. كما لا يرتاب ذو عقل سليم خبير بأحوال المشركين أنهم كانوا معترفين بالأول دون الثاني، ولكن لا يمنع ذلك أن تأتي كلمة ((الرب)) في بعض النصوص ويراد بها ((الإله)) ، فكلمة ((الرب)) في هذه النصوص التي تشبثت بها القبورية هي بمعنى ((الإله)) . فالمعنى: ((ألست بمعبودكم)) ، و ((إن الذين قالوا معبودنا)) ، و ((من معبودك)) ؛ لأن كثيرًا من الكلمات مع اختلاف معانيها قد تأتي إحداهما بمعنى ((الأخرى)) في بعض

стр. 217

السياق، ومع ذلك لا يدل على أنهما شيء واحد؛ لأن الاتحاد في الصدق لا يستلزم الاتحاد في المفهوم فضلًا عن التساوي، كما صرح به العلامة محمود شكري الآلوسي. وقد أوضح هذا المطلوب المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦هـ) ، وأرى أن أذكر كلامه توضيحًا لكلام العلامتين السهسواني والآلوسي؛ قال ﵀: (اعلم أن ((الربوبية)) و ((الألوهية)) يجتمعان ويفترقان. كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١-٣] ، وكما يقال ((رب العالمين)) ، و ((إله المرسلين)) . وعند الإفراد يجتمعان، كما في قول القائل: ((من ربك)) . مثاله: الفقير والمسكين نوعان في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] . ونوع واحد في قوله ﷺ : «افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» . إذا ثبت هذا؛ فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك، معناه: من إلهك؛ لأن توحيد الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] ، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] . فالربوبية في هذا هي ((الألوهية)) ليست قسيمة لها كما

стр. 218

تكون قسيمة لها عند الافتراق، فينبغي التفطن لهذه المسألة) . قلت: نظير هذه المسألة: مسألة اتحاد الإيمان والإسلام وافتراقهما؛ فهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، أي إذا ذكر الإيمان والإسلام في سياق واحد يكون المراد من الإيمان عقد القلب، ويكون المراد من الإسلام الإقرار باللسان، والعمل بالأركان، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ، وقوله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] ، وكما في حديث جبريل الذي فيه بيان أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة. وإذا ذكر الإيمان دون الإسلام، يكون الإيمان شاملًا للإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ... [التوبة: ٧١] . وإذا ذكر الإسلام دون الإيمان يكون الإسلام شاملًا للإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] . ولقد حقق هذه القاعدة؛ قاعدة الافتراق والاجتماع وبسط القول فيها، وذكر لها نظائر كثيرة الإمام ابن أبي العز الحنفي، وقبله شيخ

стр. 219

الإسلام؛ فراجعها. الحاصل: أن مفهوم ((الربوبية)) غير مفهوم ((الألوهية)) بلا ريب؛ فهما مفهومان متغايران، أمران مستقلان اثنان، لكن قد يذكر أحدهما ويراد به الآخر في بعض السياق أحيانًا، فهذا لا يدل على اتحادهما. فكلمة ((الرب)) الواردة في النصوص التي تشبث بها هؤلاء القبورية لإثبات الاتحاد بين ((الربوبية)) و ((الألوهية)) معناها ((المعبود)) فلا يصح استدلالهم بها على اتحاد مفهومها. ولذا نرى العلامة محمود شكري الآلوسي (ت ١٣٤٢هـ) بعد بحث طويل في معنى الربوبية والألوهية، وأن الأول اعترف به المشركون، وأن المعركة كانت في الألوهية فقط، وأن الأول دليل على الثاني -، أجاب عن شبهة إمام القبورية ابن جرجيس ((من أن الرب والإله متحدان في المفهوم)) قائلًا: (ثم إن العراقي - عامله الله بعدله - كأنه لم يشم رائحة العلم ولا قرأ مقدماته حتى حكم باتحاد الرب والإله في المفهوم توهمًا منه: أن الاتحاد في [الصدق] يستلزم الاتحاد في المفهوم، وأن الترادف [يعني إطلاق ((الرب)) على ((الإله)) في بعض المواضع] يستلزم التساوي. وهذا جهل بالنسب بين الألفاظ. وما كفاه هذا الخبط العظيم حتى أخذ يتكلم على أهل الحق بكلام لا يصدق إلا عليه ولا يثبت صفته المذمومة لغيره. فتبًا

стр. 220

لشيبته الضالة، وسحقًا له من رجل لم تحنكه التجارب) . الشبهة السادسة: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] . قال الدجوي أحد أئمة القبورية مستدلًا بهذه الآية الكريمة على اتحاد الرب والإله: (فصرح بتعدد الأرباب عندهم، وعلى الرغم من تصريح القرآن بأنهم جعلوا الملائكة أربابًا يقول ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب: إنهم موحدون توحيد الربوبية، وليس عندهم إلا رب واحد، وإنما أشركوا في توحيد الألوهية) . الجواب: لقد ذكر هذه الشبهة العلامة السهسواني مع شبهات أخرى، ثم قال: (قلت جوابه لوجوه: الأول: أنه ليس في شيء من الآيات المذكورة أن مشركًا قال في حق غير الله إنه رب [أي إنه خالق ومدبر الكون ونحوه] ....، وإنما في بعضها اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصا على أنهم مقرون بربوبيتهم [وخالقيتهم ونحوها] ؛ بل يحتمل أن يكون اتخاذهم الأرباب بمعنى صرف شيء من العبادة إليهم أو بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام..) .

стр. 221

قلت: حاصل هذا الجواب: أنه ليس المراد من لفظة ((الرب)) في مثل هذا السياق ((الخالق الرازق مدبر الكون)) حتى يلزم ما زعمته القبورية، بل المراد من ((الرب)) في مثل هذا السياق هو ((المعبود)) . وقد يرد في بعض السياق ((الرب)) ويراد منه ((المعبود)) ، كما تقدم ذلك على لسان علماء الحنفية. فلفظة ((الرب)) في هذه الآية بمعنى ((المعبود)) . وأقول: يدل عليه أيضًا ما ذكره المفسرون من علماء الحنفية سببين لنزول هذه الآية: الأول: أن بعض اليهود والنصارى قال للنبي ﷺ : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن نعبد غيره، أو أن نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني» ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والثاني: أن رجلًا قال: «يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض؟ أفلا نسجد لك؟ قال: لا، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله تعالى» ، فنزلت. فالحاصل: أنه ليس في الآية إشارة ولا صراحة أن المشركين كانوا يشركون بالله في الخالقية والرازقية وتدبير الكون، فانهار استدلال القبورية.

стр. 222

المبحث الثاني في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية التي تشبثوا بها لتحقيق زعمهم: أن المشركين كانوا مشركين آلهتهم بالله في الخالقية والمالكية والربوبية والرازقية ونحوها للقبورية شبهات كثيرة استندوا إليها لتحقيق أن المشركين السابقين ولا سيما مشركي العرب في الجاهلية إنما كانوا مشركين آلهتهم بالله تعالى في الخالقية والمالكية والربوبية والرازقية. بل سووا آلهتهم بالله سبحانه وعدلوهم به تعالى، بل كانوا يرجحون آلهتهم على الله تعالى، بل كانوا يسبون الله تعالى إعظامًا لآلهتهم. وفيما يلي بعض أهم شبهاتهم أعرضها للقراء الكرام، مع بعض جهود علماء الحنفية في إبطالها وقمعها، إتمامًا للحجة وإيضاحًا للمحجة، فأقول مستعينًا بالله تعالى: الشبهة الأولى: تشبث القبورية بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] . قالت القبورية مستدلين بهذه الآية: إن المشركين كانوا دهرية منكرين للخالق.

стр. 223

قلت: لقد أجاب علماء الحنفية عن هذا الاستدلال بجوابين: الأول: أن هذه الآية ليس فيها إنكار مشركي العرب للخالق، بل الآية سيقت لبيان اعتقادهم وغلوهم في إنكار البعث، وإنكار قبض ملك الموت أرواحهم بإذن الله، فأنكروا البعث وقالوا: إن الدهر يهلكنا لا ملك الموت. فالحصر هاهنا في الآية حصر بالنسبة لملك الموت، لا أنهم ينكرون وجود الله تعالى. ومع ذلك كان فيهم من يثبت نوعًا من التصرف للدهر. قال الزمخشري (٥٣٨هـ) والنسفي (٧١٠هـ) والعمادي (٩٨٣هـ) والآلوسي (١٢٧٠هـ) واللفظ له: (وإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكار منهم لملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله ، وكانوا يسندون الحوادث مطلقًا إليه لجهلهم أنها مقدرة من عند الله، وأشعارهم لذلك مملوءة من شكوى الدهر، وهؤلاء معترفون بوجود الله فهم غير الدهرية؛ فإنهم - أي الدهرية - مع إسنادهم الحوادث إلى الدهر لا يقولون بوجود الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، والكل يقول باستقلال الدهر بالتأثير) . الجواب الثاني: أن هذا اعتقاد بعض الجاهلية الذين كانوا زنادقة.

стр. 224

قلت: لا شك أن الزنادقة لا دين لهم فهم إن أنكروا خالقية الله تعالى وربوبيته ونسبوا الحوادث إلى الدهر، فهذا منهم مكابرة وعناد. فهذه الآية لا تناقض ما حكى الله عنهم من اعترافهم بتوحيد الربوبية، فهم يقولون ذلك بالألسنة مع أن قلوبهم تشهد بخلاف ذلك. الشبهة الثانية: تشبثهم بقول الشاعر: أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كر الغداة ومر العشي قالوا: هل يعقل أن يقول عاقل: إن أصحاب هذا الكفر كانوا يقرون بتوحيد الربوبية؟ . والجواب: أن هذه الشبهة في غاية من الحماقة والبلادة؛ لأن هذا الشاعر كان مسلمًا؛ فكيف يتصور أنه كان ملحدًا دهريا زنديقًا منكرًا لخالق الكائنات ورب البريات؟ . والظاهر أنه عنى: أن البلايا في الدهر أشابت الصغير وأفنت الكبير. ولا يعبد أن يكون قوله هذا في شدة تلك المصائب، مثل ما في قوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ، ولو سلم أنه كان كافرًا فجوابه ما سبق في الجواب عن الشبهة السابقة وبالله التوفيق. الشبهة الثالثة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ .... [البقرة: ٢٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] ،

стр. 225

وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] . قالوا: هذه الآيات صريحة في إنكار المشركين للخالق ، فدل أنهم كانوا مشركين في خالقية الله تعالى. وأجاب الحنفية بأجوبة ثلاثة: الأول: أن المراد من الكفر في هذه الآيات كفر النعمة، والمعنى: كيف تكفرون نعم الله؟ . والثاني: أن المراد من كفرهم بالله هو كفرهم بكتاب الله؛ فعبر عن ذلك بكفرهم بالله. والجواب الثالث: أن المراد من الكفر بالله كفرهم بتوحيد الله، فمعنى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ : كيف تعبدون معه غيره. فكفرهم بالله اتخاذ الأنداد والشركاء له سبحانه. ولذا قال الآلوسي في بيان الربط بين الجملتين في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ -: (لأن الأولى متحدة بقوله تعالى ﴿تَكْفُرُونَ﴾ بمنزلة إعادتها) . الشبهة الرابعة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] .

стр. 226

قالوا: فلم يجعلوه ربًا. بل هو صريح في أنهم كانوا منكرين للخالق . أقول: إن الحنفية قد أجابوا عن هذه الشبهة بأجوبة ثلاثة: الجواب الأول: ما مر في الجواب عن الشبهة الثانية. أن المراد بالكفر بالرحمن هاهنا هو الكفر بتوحيده. قال العلامة الجاجروي: (قال ابن جرير: يقول: وهم يجحدون وحدانية الله ويكذبون بها) . والجواب الثاني: ما مر أيضًا في الأجوبة عن الشبهة الثالثة من أن المراد كفر النعمة، وهي إرسال الرسول وإنزال القرآن لهدايتهم. قال الآلوسي: (فلم يشكروا نعمة الله سبحانه لا سيما ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مدار المنافع الدينية والدنيوية عليهم، بل قابلوا رحمته ونعمه بالكفر) . الجواب الثالث: أن المراد أنهم أنكروا هذا الاسم لله تعالى كما ورد ذلك في سبب نزول هذه الآية، فأنكروا تسمية الله بالرحمن، لا أنهم أنكروا الله تعالى؛ وهذا نوع من الإلحاد في توحيد الأسماء والصفات. وكثير من

стр. 227

المشركين لا يعرفون الله تعالى باسمه ((الرحمن)) ؛ كما روي أن سهيل بن عمرو قال يوم صلح الحديبية: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة. وروي «أن أبا جهل سمع رسول الله ﷺ يقول: يا الله يا رحمن. فقال: إن محمدًا ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، فنزلت هذه الآية» . قلت: الجواب الصحيح هو الأول: ولذا ضعف الآلوسي الجواب الثاني. والحاصل: أن الآية ليس فيها ما يدل على أن المشركين كانوا منكرين لوجود الله تعالى وخالقيته، فبطلت شبهة القبورية. الشبهة الخامسة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] . قالوا: (فلم يكن مشركو العرب مؤمنين بالأحدية والربوبية) . وقالوا: ((فهل نرى صاحب هذا الكلام موحدًا أو معترفا)) .

стр. 228

الجواب: لقد أجاب المفسرون من الحنفية بأن قصد المشركين إنكار تسمية الله تعالى ((الرحمن)) ولم يكن قصدهم إنكار مسماه، وهو الخالق الرازق الرب؛ لأنهم لا يعرفون الله باسمه ((الرحمن)) . وذكر الآلوسي: (وقيل سألوا عن ذلك لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله كما يطلقون الرحيم والرحوم والراحم عليه، أو لأنهم ظنوا أن المراد غيره ، فقد شاع فيما بينهم تسمية مسيلمة برحمن اليمامة) . وكانوا ينكرون أن يسمى الله تعالى باسمه ((الرحمن)) كما أنكروا ذلك يوم الحديبية. الشبهة السادسة: تشبث القبورية بقوله تعالى: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] . قال الدجوي (١٣٦٥هـ) : انظر إلى قولهم، فهم سووا آلهتهم بالله في جعلهم أربابًا كما هو ظاهر لغير المتعسف. الجواب: أنه قد صرح علماء الحنفية في تفسير هذه الآية: أن المراد من التسوية هاهنا عند الكفار التسوية في العبادة واستحقاقها.

стр. 229

ولا شك أن من عبد غيره تعالى فقد جعله ندا لله سبحانه، وسواه به تعالى في العبادة، وليس المراد من التسوية هاهنا تسويتهم لآلهتهم بالله تعالى في الخلق والإيجاد والربوبية والخالقية والرازقية والتصرف في الكون والمالكية، لما سبق تحقيقه مرارًا وتكرارًا على لسان الحنفية: من أن المشركين كافة لم يكونوا يعتقدون في آلهتهم ذلك بل كانوا يعتقدون: أن آلهتهم عباد معظمون عند الله مملوكون له محترمون عنده وهم شفعاؤهم عند الله تعالى. ولا تنس ما ذكره الحنفية من تلبيتهم: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)) . وقد سبق تخريجها وتفسير علماء الحنفية لها. وأقول: إن هذه الآية بمثابة آية أخرى: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١، ١٥٠] ، مع قوله تعالى: ﴿أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] . فهذه الآية الأخيرة مفسرة لهاتين الآيتين، وتبين المراد بأنهم كانوا مشبهة يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم والخضوع والمحبة، وأن المراد التسوية والعدل في المحبة والطاعة والتعظيم والعبادة، لا في الخالقية والمالكية والرازقية والتصرف في الكون ونحوها.

стр. 230

الشبهة السابعة: استدلال القبورية بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . قال الطباطبائي أحد أئمة القبورية مستدلًا بهذه الآية: (ثم إنه سبحانه حكم بشركهم لاتخاذهم تلك الأصنام شريكًا لله في الخلق وتدبير العالم وجوزوا عبادتها خلافًا لله تعالى ... ) . ثم تشبث بهذه الآية ثم قال: (وأين هذا ممن لا يعتقد في الأنبياء والصلحاء الخلق والتدبير ولا يعتقد عبادتهم) . قلت: منشأ الشبهة في هذه الآية هو أن الله تعالى نهاهم عن جعل الأنداد لله، والأنداد جمع ند، وند الشيء مشارك له في جوهره، فهو أخص من المثل؛ فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت؛ فكل ند مثل، وليس كل مثل ندا. وفرق آخر بينهما: هو أن الند هو المثل المخالف. فدلت الآية على أن المشركين كانوا يعتقدون في آلهتهم أنها مساوية

стр. 231

لله في الربوبية، كما قالوا ذلك في الشبهة التي قبلها. ولكن أجاب المفسرون من علماء الحنفية بأن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم أنها مساوية لله أو مشاركة له في الربوبية والخالقية؛ لأن الآية خرجت مخرج التهكم والسخرية منهم، يدل عليه قوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . قال الزمخشري (٥٣٨هـ) والعمادي (٩٨٣هـ) والآلوسي (١٢٧٠هـ) ما حاصل كلامهم: فإن قلت: كيف سموا آلهتهم التي كانوا يعبدونها أندادًا؟ مع أنهم لم يكونوا يزعمون أنها تخالف الله أو تساويه أو تماثله في ذاته تعالى وفي صفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله، وإنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى. قلت: لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات مثله قادرة على مخالفته ومضادته، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله ، وتمنحهم ما لم يرد الله تعالى لهم من خير. فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم؛ فتهكم بهم وتشنع عليهم بأن جعلوا أندادًا لمن يستحيل أن يكون له ند واحد فضلًا عن أنداد كثيرة على سبيل الاستعارة التهكمية؛ حيث استعير النظير للمناسب المقرب؛ كما استعير التبشير للإنذار، والأسد للجبان، فإن المشركين جعلوا آلهتهم بحسب أفعالهم وأحوالهم مماثلة له تعالى في العبادة، وهي صفة شنعاء وصفة حمقاء، في ذكرها ما يستلزم تحميقهم والتهكم بهم. ولله در موحد الفترة؛ زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ حيث يقول في ذلك: أربًا واحدًا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور

стр. 232

تركت اللات والعزى جميعًا ... كذلك يفعل الرجل البصير وقوله تعالى في آخر هذه الآية: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال عن ضمير (لا تجعلوا) ؛ أي والحال أنكم تعلمون أن آلهتكم لا تماثل الله تعالى، وأنها لا تفعل مثل أفعاله تعالى، ولا تقدر على مثل ما يفعل سبحانه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] . وقال العلامة محمود شكري الآلوسي (ت ١٣٤٢) : (فالمشركون كانوا مشبهة يشبهون آلهتهم بالله تعالى في الإلهية؛ حيث غلوا في تعظيمهم وحبهم، وإن لم يشبهوهم بالله تعالى في كل وجه؛ فكل مشرك مشبه. وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام المشركين المشبهين العادلين بالله غيره. قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ، فهؤلاء جعلوا المخلوق مثلًا للخالق. والند: الشبه؛ يقال: فلان ند فلان، وند ونده أي شبهه ومثله. ومنه قول حسان: أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء وقال جرير:

стр. 233

أين ما تجعلون إلي ندا ... وما يتم لذي حسب نديد فتبين أن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم والخضوع والحلف به والنذر له والسجود له والعكوف عند بيته وحلق الرأس له والاستعانة به والتشريك بينه وبين الله تعالى في قولهم: ليس إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت، وهذا لله ولك، وأمثال ذلك، فهؤلاء هم المشبهة. فمن تدبر هذا الفصل حق التدبر تبين له كيف وقعت الفتنة في الأرض بعبادة الأصنام، وتبين له سر القرآن في الإنكار على هؤلاء المشبهة الممثلة) . الشبهة الثامنة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] . استدل الدجوي (١٣٦٥هـ) بهذه الآية على بطلان الفرق بين توحيدي الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية. وقال المالكي مستدلًا بهذه الآية على أن المشركين لم يعترفوا بربوبية الله تعالى، بل جعلوا الله أقل منزلة من أصنامهم: (فلولا أن الله تعالى في نفوسهم من تلك الحجارة ما رجحوها

стр. 234

عليه هذا الترجيح الذي تحكيه هذه الآية....) . الجواب: أقول: تسمية هذا المالكي القبوري آلهة المشركين بـ ((الأحجار)) غفلة فاحشة وكذب مكشوف؛ لأن المشركين كانوا يعبدون الأنبياء والصالحين، ولم يكونوا يعبدون الأحجار، غير أنهم جعلوا صور الأنبياء والصالحين قبلة لعبادتهم كما تقدم. وأما صنيعهم الذي ذمهم الله به في الآية، فلا شك أنهم في ذلك على ضلال، إذ لا شك أنهم رجحوا ما نذروه لآلهتهم على ما نذروه لله تعالى، ولكن هذا ليس لأجل أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم أرفع مكانة من الله، وليس فيه أنهم جعلوا آلهتهم شركاء لله في الخلق وتدبير العالم، غاية ما في الأمر أن المشركين كانوا ينذرون لله تعالى، وينذرون لآلهتهم الباطلة أيضًا، فما نذروه لآلهتهم لا ينفقونه على المساكين وأبناء السبيل والضيوف وغيرهم من الوجوه، وما نذروه لله ينفقونه على آلهتهم، وسدنتها وعاكفيها، ويعللون صنيعهم هذا بأن الله تعالى غني غير محتاج، وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها. صرح بذلك جمع من المفسرين الحنفيين. وقال الإمام أبو الليث السمرقندي (٣٧٥هـ) أحد أئمة الحنفية: (روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يسمون لله جزءًا من

стр. 235

الحرث، ولآلهتهم جزءًا، فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه، وما ذهبت به الريح من الجزء الذي سموه لله إلى جزء أوثانهم تركوه، وقالوا إن الله غني عن هذا) . وقال السدي: (ما خرج عن نصيب الأصنام أنفقوه عليها، وما خرج عن نصيب الله تصدقوا به، فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي لله قالوا لا بد من النفقة، فأخذوا الذي لله وأنفقوه على الأصنام، وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى له، فلا يزيدون عليه شيئا. فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ... ) . وقال القاضي الباني بتي أحد كبار الحنفية (١٢٢٥هـ) في تفسير هذه الآية: (حيث كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه له دون العكس. قال قتادة: كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جعلوه لله وأكلوا منه ووفروا ولم يأكلوا ما جعلوه للأوثان) . وقال الإمام ولي الله إمام الحنفية (١١٧٦هـ) : (كانوا ينفقون ما نذروه لله على المساكين والضعفاء، وينفقون ما نذروه لآلهتهم على سدنتها وعاكفيها، ولكن إذا اختلط بنذر آلهتهم شيء من نذر الله ضموه إلى نذر آلهتهم دون العكس، وقالوا: إن الله غني لا

стр. 236

يحتاج إليه وآلهتنا في حاجة إلى ذلك) . وكانوا يرجحون جانب نذر آلهتهم على جانب نذور الله تعالى خوفًا من آلهتهم لئلا تصيبهم بلية لو قصروا في حقهم. قلت: ونظير صنيع هؤلاء المشركين صنيع كثير من فسقة القبورية، فترى أحدهم لا يؤتي الزكاة المكتوبة، ولكن يهتم اهتمامًا بالغًا بإخراج ما ينذره لأهل القبور خوفًا من أن تصيبه بلية في ماله أو نفسه أو أهله أو ولده. الحاصل: أنه ليست أية إشارة في هذه الآية إلى أن المشركين كانوا بصنيعهم الفاحش هذا منكرين لخالقية الله ومشركين به آلهتهم في الخالقية والرازقية والربوبية، بل كانوا يعبدون الله وغيره من آلهتهم؛ فلا يصح التمسك بها. وهكذا ترى القبورية إذا أحاطت بهم بلية في البر أو البحر يدعون أهل القبور ولا يكادون يدعون الله حتى في تلك الحالة بخلاف مشركي العرب، فإنهم كانوا يخلصون في دعاء الله تعالى وينسون ما كانوا يعبدونهم من دون الله كما سيأتي تفصيله على لسان علماء الحنفية. بل تجاوز بعض القبورية إلى حد صار شركهم أشنع من شرك مشركي العرب، حيث يزعمون أن الولي أسرع إجابة من الله تعالى.... انظر إلى هذا النتن والغلو والإسراف. فإن كان صنيع مشركي العرب يقتضي الإشراك بالله في الخالقية

стр. 237

والرازقية والربوبية، فالقبورية أيضًا أشركوا بالله في الربوبية بالطريق الأولى. ولهذا قال الآلوسي ردا على القبورية وكشفًا لعوراتهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] : (وقد رأينا كثيرًا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ، وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات، وينادي يا فلان أغثني. فقلت له: قل يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ، فغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء. وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله . وهذا من الكفر بمكان نسأل الله أن يعصمنا من الزيغ والطغيان) . الشبهة التاسعة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨] . فقد استدل بعض أئمة القبورية بهذه الآية على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى بطلان أن المشركين كانوا يعترفون بربوبية الله

стр. 238

تعالى. فقد قال الدجوي (أحد أئمة القبورية) (١٣٦٥هـ) : (هذه الآية أدل الأدلة على هذا، فهل ترى للمشركين توحيدًا بعد ذلك. أما التيميون فيقولون بعد هذا كله: إنهم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية) . وقال المالكي أحد رؤساء القبورية في صدد أن المشركين لم يعترفوا بأن الله هو الخالق وحده، وإثبات أن المشركين أشركوا آلهتهم في خالقية الله تعالى مستدلًا بهذه الآية: (وإذا غضبوا قابلوا المسلمين بالمثل فيسبون الله تعالى غيرة على تلك الأحجار التي كانوا يعبدونها يعتقدون أنها تنفع وتضر، فيرمون الله بالنقائص. وهذا واضح جدا في أن الله تعالى أقل منزلة في نفوسهم من تلك الأحجار التي كانوا يعبدونها. ولو كانوا يعتقدون حقا أن الله تعالى هو الخالق وحده، وأن أصنامهم لا تخلق لكان على الأقل احترامهم له تعالى فوق احترامهم لتلك الأحجار) . أقول: هذه الآية لا تدل بحال على أن المشركين كانوا ينكرون خالقية الله وربوبيته أو أنهم كانوا يشركون آلهتهم بالله في الخالقية والرازقية والربوبية، بل لا تدل أيضًا على أنهم كانوا يسبون الله تعالى تدينًا غيرة على آلهتهم. فقد أجاب عن هذه الشبهة علماء الحنفية جوابين: حاصل الأول: أن المراد من سبهم الله سبهم رسول الله ﷺ بحيث

стр. 239

يفضي سبهم إلى الله من دون قصد وعلم، يدل عليه قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ؛ لأنهم كانوا يقرون بعظمة الله، وإنما عبدوا آلهتهم لتكون شفعاء لهم عنده. وحاصل الجواب الثاني: أنهم كانوا يسبون الله صريحًا وقت الغضب فالحمية الجاهلية تحملهم على ذلك لا لأجل التدين والاعتقاد، ومثل هذا قد يحدث عن المسلم أيضًا، فتحمله شدة الغيظ على التكلم بالكفر. فمثل هذا إن صدر عن شخص لا يصدر منه تدينًا واعتقادًا، بل فسقًا وحمية وغضبًا. قال الإمام الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) والعلامة حسين علي (١٣٦٢هـ) ، واللفظ للأول: (ومعنى سبهم لله إفضاء كلامهم إليه كشتمهم له ﷺ ولمن يأمره. وقد فسر ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بذلك أي فيسبوا الله تعالى بغير علم أنهم يسبونه، وإلا فالقوم كانوا يقرون بالله وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء لهم عنده سبحانه فكيف يسبونه؟ ويحتمل أن يراد سبهم له عز اسمه صريحًا ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد يحملهم على ذلك. ألا ترى أن المسلم قد تحمله شدة غيظه على التكلم بالكفر. ومما شاهدناه أن بعض جهلة العوام، أكثر الرافضة سب الشيخين - رضي الله تعالى عنهما - عنده فغاظه ذلك جدا، فسب عليا - كرم الله تعالى وجهه -، فسئل عن ذلك فقال: ما أردت إلا إغاظتهم، ولم أر شيئًا يغيظهم مثل ذلك. فاستتيب عن هذا الجهل العظيم. وقال الراغب: إن سبهم لله تعالى ليس أنهم يسبونه جل شأنه صريحًا، ولكن يخوضون في ذكره تعالى ويتمادون في ذلك بالمجادلة

стр. 240

ويزداون في وصفه سبحانه بما ينزه تقدس اسمه عنه. وقد يجعل الإصرار على الكفر والعناد سبا، وهو سب فعلي. قال الشاعر: وما كان ذنب بني مالك ... بأن سب منهم غلام فسب بأبيض ذي شطب قاطع ... يقد العظام ويبري العصب ونبه به على ما قاله الآخر: ونشتم بالأفعال لا بالتكلم وقيل: المراد بسب الله سب الرسول ﷺ ، ونظير ذلك من وجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . قلت: احتمال سبهم الله لأجل الغضب والانتقام والحمية دون التدين والاعتقاد واضح يدل عليه قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . قال الإمام بيان الحق أحد كبار علماء الحنفية (ت ٥٥٥هـ) : (العدو والعدوء والعدوان والعداء والاعتداء واحد) . أقول: وعلى هذا مشى الأستاذ المودودي ﵀ (١٩٧٩م) . قلت: لقد شاهدنا كثيرًا من فسقة المسلمين إذا غضبوا يسبون الله ورسوله والإسلام والقرآن، نعوذ بالله من كيد الشيطان، فليس معنى ذلك أنهم ينكرون وجود الله أو يسوون غيره به تعالى في الخالقية والمالكية

стр. 241

والرازقية والربوبية. الحاصل: أن هذه الآية لا تدل على أن المشركين كانوا منكرين لخالقية الله وربوبيته، أو أنهم كانوا مشركين آلهتهم بالله في الخلق وتدبير الكون. فسقط استدلال القبورية بهذه الآية على عدم الفرق بين توحيدي الربوبية والألوهية. والله المستعان، وعليه التكلان. الشبهة العاشرة: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾ [التوبة: ٣١] . قلت: لقد استدل القضاعي أحد أئمة القبورية (١٣٧٦هـ) بهذه الآية على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين كانوا مشركين آلهتهم بالله في الربوبية. وقال الدجوي أحد أعناقهم (١٣٦٥هـ) : (وإني لأعجب لتفريقهم بين توحيد الألوهية والربوبية مع قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فكيف يقولون إن عندهم توحيد الربوبية) . الجواب: لقد فسر علماء الحنفية هذه الآية بأن المراد من ((الرب)) في هذه الآية ليس ((الرب)) بمعنى مالك الكون وما فيه وخالقه والمتصرف فيه كيف شاء، بل إطلاق ((الرب)) في هذا السياق ونحوه يراد به ((المعبود)) ، وليس المراد به ((المعبود مطلقا)) أيضًا، بل المراد ((المعبود المقيد)) الذي يعبد بطاعته في

стр. 242

التحليل والتحريم في الأحكام الشرعية. وقد يعبد الشخص إمامه وشيخه ورئيسه بطاعته في التحريم والتحليل وهو لا يشعر أنه يعبده بهذه الطاعة. فالآية لا دليل فيها على أن اليهود والنصارى اعتقدوا في أحبارهم ورهبانهم أنهم شركاء لله في خلق هذا الكون وتدبيره وترتيبه. وإليكم بعض نصوص المفسرين من الحنفية في تفسير هذه الآية: ١ - قال الزمخشري (٥٣٨هـ) : (اتخاذهم أربابًا: أنهم أطاعوهم في الأمر بالمعاصي، وتحليل ما حرم الله وتحريم ما حلله كما تطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم) . ٢ - وقال العمادي (٩٨٣هـ) : (اتخذ كل واحد من الفريقين علماء لهم لا الكل الكل ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليل ما حرمه الله أو بالسجود لهم ونحوه ... ) . ثم ذكر حديث عدي بن حاتم) . ٣ - وقال البروسوي (١١٣٧هـ) : (والمعنى أطاعوا علماءهم وعبادهم فيما أمروهم به طاعة العبيد للأرباب فحرموا ما أحل الله وحللوا ما حرم الله. ومثاله: من اعتقد أن اللبس حرام يكون كمن اعتقد أن الخمر حلال. ومن اعتقد أن لحم الغنم حرام يكون كمن اعتقد أن لحم الخنزير حلال) .

стр. 243

٤ - وقال الآلوسي (١٢٧٠هـ) : (والمراد في الآية: اتخذوا كل من الفريقين علماءهم لا الكل الكل ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله تعالى، وتحليل ما حرم سبحانه، وهو التفسير المأثور عن رسول الله ﷺ ؛ فقد روى الشعبي وغيره عن عدي بن حاتم قال: «أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، فقلت له: يا رسول الله لم يكونوا يعبدونهم، فقال ﵊: أليسوا يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله فيستحلون. فقلت: بلى. قال: ذلك عبادتهم» . ونظير ذلك قولهم: ((فلان يعبد فلان)) إذا أفرط في طاعته فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة. أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة وهي

стр. 244

طاعة مخصوصة على مطلقها. والأول أبلغ. وقيل: اتخاذهم أربابًا بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب ، وحينئذ لا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﷺ . والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه وإن أخطأ اجتهاد مقلده) . ٥ - ولقد ساق العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) هذه الشبهة، ثم أجاب عنها بما حاصله: أن هذه الآية ليس فيها أنهم كانوا يقولون في أحبارهم ورهبانهم أنهم أرباب من دون الله، وإنما فيها أنهم اتخذوهم أربابًا. ثم قال: (وإنما في بعضها [أي بعض هذه الآيات] اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصا على أنهم مقرون بربوبيتهم؛ بل يحتمل أن يكون اتخاذهم الأرباب من صرف شيء من العبادة إليهم، أو بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام، لا أنهم كانوا يطلقون لفظ ((الرب)) عليهم) . الحاصل: أن اليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله بمعنى أنهم خالقون لهذا الكون مدبرون له متصرفون فيه حيث

стр. 245

يشاءون بدون إذن من الله، بل اتخذوهم أربابًا بمعنى أنهم كانوا يعبدونهم في التشريع من التحليل والتحريم. ومثل هذا يوجد بكثرة كاثرة في هذه الأمة، ولا سيما في المقلدة المتعصبة للأئمة الغلاة فيهم الذين رفعوا شأن الأئمة إلى منصب الرسالة بل إلى منزلة الألوهية، فيقعون في عبادة الأئمة بسبب هذه الطاعة المطلقة في التحليل والتحريم ويشركون بالله تعالى هؤلاء الأئمة بسبب تقليدهم الشركي، ويردون نصوص الكتاب الصريحة والسنة الصحيحة؛ كأن الإمام نبي أرسل إليهم، أو إله يعبدونه وهم لا يشعرون. ولذلك نرى الإمام الشاه ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في دهره (١١٧٦هـ) تصدى للرد على مثل هؤلاء المقلدة الغلاة، وكشف الستار عن أسرارهم، وجعلهم مصداق هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ حيث قال: (فما ذهب إليه ابن حزم حيث قال: ((التقليد حرام.....)) . إنما يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة، وفيمن ظهر عليه ظهورًا بينا أن النبي ﷺ أمر بكذا ونهى عن كذا وأنه ليس بمنسوخ ... فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي ﷺ إلا نفاق خفي أو حمق جلي. وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث

стр. 246

قال: ((ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلده فيه ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالًا عن مقلده)) . وقال: ((لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد لمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين؛ فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدًا له فيما قال كأنه نبي أرسل)) . وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب، لا يرضى به أحد من أولي الألباب.... وفيمن يكون عاميا ويقلد رجلًا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ، وأن ما قاله هو الصواب ألبتة، وأضمر في قلبه أن لا يترك تقليده، وإن ظهر الدليل على خلافه، وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم؛ أنه قال: «سمعته - يعني رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه» .

стр. 247

وفيمن لا يجوز أن يستفتي الحنفي مثلًا فقيهًا شافعيا وبالعكس، ولا يجوز أن يقتدي الحنفي بإمام شافعي مثلًا، فإن هذا قد خالف إجماع القرون الأولى وناقض الصحابة والتابعين ... فإن بلغنا حديث من الرسول المعصوم الذي فرض الله علينا طاعته بسند صالح يدل على خلاف مذهبه وتركنا حديثه واتبعنا ذلك التخمين، فمن أظلم منا وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين) . فإن قيل: ما النكتة في إطلاق كلمة ((الرب)) على من يتخذ مطاعًا مطلقًا في التحليل والتحريم؟ قلت: كلمة ((الرب)) تدل على السيادة والمالكية والتصرف في الملك، فمن أطاع مخلوقًا طاعة مطلقة بدون أمر الله تعالى بطاعته وأذعن لتحليله وتحريمه فقد جعله متصرفًا في التشريع متصفًا بصفات الله معبودًا بطاعته المطلقة، فصح إطلاق ((الرب)) عليه. قال الإمام ولي الله مبينًا هذه النكتة اللطيفة: (وسر ذلك أن التحليل والتحريم عبارة عن تكوين نافذ في الملكوت أن الشيء الفلاني يؤاخذ به أو لا يؤاخذ به، فيكون هذا التكوين سببا للمؤاخذة وتركها، وهذا في صفات الله تعالى) . قلت: لا شك أن من أطاع أحدًا دون الله تعالى طاعة مطلقة بدون أمر من الله تعالى بطاعته المطلقة وأذعن له في التحليل والتحريم وحد

стр. 248

الحدود وفرض الفرائض فقد أشركه بالله تعالى في التشريع وعبده، كما قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١] . قال الأستاذ المودودي ﵀ (١٩٧٩م) في تفسير هذه الآية: (ليس المراد من الشركاء في هذه الآية الشركاء الذين يدعونهم وينادونهم في الكربات وينذرون لهم في البليات، بل المراد من الشركاء في هذه الآية المطاعون الذين جعلوا أفكارهم وعقائدهم وضوابطهم وطرقهم ومذاهبهم شريعة يطاعون فيها بدون إذن من الله تعالى، فهذا العمل لا شك أنه شرك كما أن السجود لغير الله ودعاء غير الله شرك) . قلت: مثل قول هؤلاء الأجلة من الحنفية صرح كثير من أئمة السنة بأن من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، لأن مثل هذه الطاعة المطلقة من أنواع العبادة. وصرحوا أيضًا أن هذا النوع من الشرك موجود في هذه الأمة حيث إن كثيرًا من المقلدة المتعصبة يعبدون الأئمة باسم الفقه والعلم؛ لأن من أطاع مخلوقًا غير رسول الله ﷺ في التحليل والتحريم فهو مشرك. وقد سبق فتوى جمع من الحنفية بأن هذا النوع من المقلد مشرك كافر يستتاب وإلا قتل.

стр. 249

الشبهة الحادية عشرة: تشبثهم بقوله تعالى حكاية عن يوسف ﵊: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩] . استدل بهذه الآية الدجوي أحد أئمة القبورية (١٣٦٥هـ) على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين كانوا مشركين بالله في الخالقية والمالكية والتدبير والربوبية، ثم قال: (فإذا ليس عند هؤلاء الكفار ((توحيد الربوبية)) كما قال ابن تيمية وما كان يوسف ﵇ يدعوهم إلا إلى توحيد الربوبية؛ لأنه ليس هناك شيء يسمى توحيد الربوبية وشيء آخر توحيد الألوهية عند يوسف ﵇. فهل هم أعرف بالتوحيد منه أو يجعلونه مخطئًا في التعبير بالأرباب دون الآلهة) . واستدل بها أيضًا القضاعي أحد رؤساء القبورية (١٣٧٦هـ) حيث قال: (وقول هؤلاء المغرورين \ يعني السلفيين \: ((إن الكافرين الذين بعث لهم الرسول كانوا قائلين بتوحيد الربوبية وأن آلهتهم لا تستقل بنفع ولا ضر، وإنما كان شركهم بتعظيمهم لغير الله بالسجود له والاستغاثة به والنداء له والذبح له)) : إنما قول من لم يعرف التوحيد ولا الإشراك ولا المعقول ولا المنقول في كتاب الله وسنة رسوله، ولا ألم بتاريخ الأمم قبل البعثة. ألم يحك الله

стр. 250

في كتابه عن يوسف ﵊ قوله في إرشاد صاحبي السجن: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ، هل يقال ذلك إلا لمن اعتقد أربابًا؟ ألا يكون هذا كفرًا بتوحيد الربوبية ... ) . الجواب: لقد وقف العلامة السهسواني لقمع هذه الشبهة بمرصاد فذكرها ثم جعلها كأن لم تغن بالأمس حيث قال: (وهذا ليس فيه تصريح أنهما كانا يطلقان لفظ الأرباب على الأصنام حتى يلزم إنكار ((توحيد الربوبية)) ، بل يحتمل أن يكون المقصود بيان بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام بأن القول بالأرباب المتفرقة باطل قطعًا لا يتأتى إنكاره من أحد عند أهل العقل، وما لا يصلح للربوبية لا يصلح للعبودية، دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ.... أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ... ) . قلت: لا يبعد أن يكون قول زيد بن عمرو بن نفيل: أربًا واحدًا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور عزلت اللات والعزى جميعًا ... كذلك يفعل الجلد الصبور
следующие страницы →