← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال: ((ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلده فيه ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالًا عن مقلده)) . وقال: ((لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد لمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين؛ فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدًا له فيما قال كأنه نبي أرسل)) . وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب، لا يرضى به أحد من أولي الألباب.... وفيمن يكون عاميا ويقلد رجلًا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ، وأن ما قاله هو الصواب ألبتة، وأضمر في قلبه أن لا يترك تقليده، وإن ظهر الدليل على خلافه، وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم؛ أنه قال: «سمعته - يعني رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه» .

стр. 247

وفيمن لا يجوز أن يستفتي الحنفي مثلًا فقيهًا شافعيا وبالعكس، ولا يجوز أن يقتدي الحنفي بإمام شافعي مثلًا، فإن هذا قد خالف إجماع القرون الأولى وناقض الصحابة والتابعين ... فإن بلغنا حديث من الرسول المعصوم الذي فرض الله علينا طاعته بسند صالح يدل على خلاف مذهبه وتركنا حديثه واتبعنا ذلك التخمين، فمن أظلم منا وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين) . فإن قيل: ما النكتة في إطلاق كلمة ((الرب)) على من يتخذ مطاعًا مطلقًا في التحليل والتحريم؟ قلت: كلمة ((الرب)) تدل على السيادة والمالكية والتصرف في الملك، فمن أطاع مخلوقًا طاعة مطلقة بدون أمر الله تعالى بطاعته وأذعن لتحليله وتحريمه فقد جعله متصرفًا في التشريع متصفًا بصفات الله معبودًا بطاعته المطلقة، فصح إطلاق ((الرب)) عليه. قال الإمام ولي الله مبينًا هذه النكتة اللطيفة: (وسر ذلك أن التحليل والتحريم عبارة عن تكوين نافذ في الملكوت أن الشيء الفلاني يؤاخذ به أو لا يؤاخذ به، فيكون هذا التكوين سببا للمؤاخذة وتركها، وهذا في صفات الله تعالى) . قلت: لا شك أن من أطاع أحدًا دون الله تعالى طاعة مطلقة بدون أمر من الله تعالى بطاعته المطلقة وأذعن له في التحليل والتحريم وحد

стр. 248

الحدود وفرض الفرائض فقد أشركه بالله تعالى في التشريع وعبده، كما قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١] . قال الأستاذ المودودي ﵀ (١٩٧٩م) في تفسير هذه الآية: (ليس المراد من الشركاء في هذه الآية الشركاء الذين يدعونهم وينادونهم في الكربات وينذرون لهم في البليات، بل المراد من الشركاء في هذه الآية المطاعون الذين جعلوا أفكارهم وعقائدهم وضوابطهم وطرقهم ومذاهبهم شريعة يطاعون فيها بدون إذن من الله تعالى، فهذا العمل لا شك أنه شرك كما أن السجود لغير الله ودعاء غير الله شرك) . قلت: مثل قول هؤلاء الأجلة من الحنفية صرح كثير من أئمة السنة بأن من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، لأن مثل هذه الطاعة المطلقة من أنواع العبادة. وصرحوا أيضًا أن هذا النوع من الشرك موجود في هذه الأمة حيث إن كثيرًا من المقلدة المتعصبة يعبدون الأئمة باسم الفقه والعلم؛ لأن من أطاع مخلوقًا غير رسول الله ﷺ في التحليل والتحريم فهو مشرك. وقد سبق فتوى جمع من الحنفية بأن هذا النوع من المقلد مشرك كافر يستتاب وإلا قتل.

стр. 249

الشبهة الحادية عشرة: تشبثهم بقوله تعالى حكاية عن يوسف ﵊: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩] . استدل بهذه الآية الدجوي أحد أئمة القبورية (١٣٦٥هـ) على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين كانوا مشركين بالله في الخالقية والمالكية والتدبير والربوبية، ثم قال: (فإذا ليس عند هؤلاء الكفار ((توحيد الربوبية)) كما قال ابن تيمية وما كان يوسف ﵇ يدعوهم إلا إلى توحيد الربوبية؛ لأنه ليس هناك شيء يسمى توحيد الربوبية وشيء آخر توحيد الألوهية عند يوسف ﵇. فهل هم أعرف بالتوحيد منه أو يجعلونه مخطئًا في التعبير بالأرباب دون الآلهة) . واستدل بها أيضًا القضاعي أحد رؤساء القبورية (١٣٧٦هـ) حيث قال: (وقول هؤلاء المغرورين \ يعني السلفيين \: ((إن الكافرين الذين بعث لهم الرسول كانوا قائلين بتوحيد الربوبية وأن آلهتهم لا تستقل بنفع ولا ضر، وإنما كان شركهم بتعظيمهم لغير الله بالسجود له والاستغاثة به والنداء له والذبح له)) : إنما قول من لم يعرف التوحيد ولا الإشراك ولا المعقول ولا المنقول في كتاب الله وسنة رسوله، ولا ألم بتاريخ الأمم قبل البعثة. ألم يحك الله

стр. 250

في كتابه عن يوسف ﵊ قوله في إرشاد صاحبي السجن: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ، هل يقال ذلك إلا لمن اعتقد أربابًا؟ ألا يكون هذا كفرًا بتوحيد الربوبية ... ) . الجواب: لقد وقف العلامة السهسواني لقمع هذه الشبهة بمرصاد فذكرها ثم جعلها كأن لم تغن بالأمس حيث قال: (وهذا ليس فيه تصريح أنهما كانا يطلقان لفظ الأرباب على الأصنام حتى يلزم إنكار ((توحيد الربوبية)) ، بل يحتمل أن يكون المقصود بيان بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام بأن القول بالأرباب المتفرقة باطل قطعًا لا يتأتى إنكاره من أحد عند أهل العقل، وما لا يصلح للربوبية لا يصلح للعبودية، دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ.... أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ... ) . قلت: لا يبعد أن يكون قول زيد بن عمرو بن نفيل: أربًا واحدًا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور عزلت اللات والعزى جميعًا ... كذلك يفعل الجلد الصبور

стр. 251

فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أزور ولا غنمًا أدين وكان ربا ... لنا في الدهر إذ حلمي يسير من قبيل قول يوسف ﵊؛ فيكون هذا وذاك حجة يعترف بها المشركون فيكون حجة عليهم حجة مفحمة مسكتة وملزمة لهم وتضطرهم إلى أن يعترفوا بتوحيد الألوهية. الشبهة الثانية عشرة: استدلالهم بالبيت الآتي: أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب

стр. 252

على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين كانوا مشركين بالله في الربوبية. قال القضاعي أحد أعناق القبورية (١٣٧٦هـ) مستدلا بهذا البيت: (فانظر إلى قوله: ((أرب)) ، ولم يقل: أإله) . الجواب: أنه قد تقدم في كلام العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) أن المراد من ((الرب)) في مثل هذا السياق هو ((الإله)) لا الخالق الرازق المدبر لهذا الكون. فلا يصح تمسك القبورية بهذا البيت. وقال الشيخ الرستمي: (قال القرطبي: الرب بمعنى المالك والسيد والمصلح والمدبر والقائم والمعبود، كما قال موحد الجاهلية) . ثم ذكر البيت. قلت: ولا يبعد أيضًا أن يكون هذا البيت لبيان ذكر الحجة على المشركين، كما سبق في الجواب عن الشبهة السابقة. الشبهة الثالثة عشرة: استدلالهم بقوله تعالى حكاية عن المشركين العاديين حيث قالوا لرسول الله هود ﵊: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] .

стр. 253

قال القضاعي أحد أئمة القبورية (١٣٧٦هـ) مستدلا بهذه الآية: (فهذا صحيح اعتقادهم باستقلالها بالضر والنفع) . وقال الدجوي أحد أعناق القبورية (١٣٦٥هـ) متشبثًا بهذه الآية: (فكيف يقول ابن تيمية إنهم يعتقدون: ((أن الأصنام لا تضر ولا تنفع)) إلى آخر ما يقول) . الجواب: أن هؤلاء القبورية مفترون في تقرير استدلالهم بهذه الآية على الله تعالى وعلى كتابه وعلى شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى المشركين من قوم هود ﵊؛ فإن الله لم يشر إلى أنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم الاستقلال بالضر والنفع فضلًا عن التصريح. كما أن شيخ الإسلام لم يقل قط: إن المشركين كانوا يعتقدون أن آلهتهم لا تضر ولا تنفع. غاية ما في هذه الآية أن المشركين كانوا يعتقدون في آلهتهم أنها تضر وتنفع. ولكن تقدم عدة نصوص لعلماء الحنفية، ولا سيما الإمام ولي الله دالة على أن المشركين كانوا معترفين بأن الله هو الخالق لهذا الكون المدبر للأمور العظام والرازق وحده. ولم يعتقدوا في آلهتهم أنها تنفع وتضر استقلالًا، وإنما كانوا يعتقدون أن الله تعالى فوض إليهم تدبير أمورهم وجعلهم متصرفين في بعض الأمور الخاصة والجزئية في غير الأمور العظام.

стр. 254

فليس في هذه الآية أنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم الاستقلال بالنفع والضر. فلم يقل أحد من المفسرين ولا سيما الحنفية أنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم الاستقلال بالنفع والضر والانتقام. ومن هذا التصرف الجزئي عقيدة المشركين من عاد هذه وقولهم هذا لرسول الله هود ﵊. ومثله عقيدة مشركي العرب من تخويفهم رسول الله ﷺ من أن تضره آلهتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] مع اعترافهم بأن الله هو الخالق المدبر للكون وأن الله إذا أراد بأحد ضرا أو نفعًا فآلهتهم لا تكشف الضر ولا تمسك النفع. ونظيره ما سمعنا ونسمع كثيرًا من القبورية يقولون في حق الموحدين: إن الولي الفلاني قد أصابهم بكذا وكذا. وفي كلام العلامة محمود شكري الآلوسي إشارة إلى ذلك. بل القبورية قد فاقوا المشركين السابقين وتجاوزوا حدهم في الإشراك بالله تعالى وإثبات التصرف لأهل القبور كما صرح بذلك علماء الحنفية.

стр. 255

الحاصل: أن استدلال القبورية بهذه الآية على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية منهار * لأنه مبني على شفا جرف هار*. الشبهة الرابعة عشرة: تشبثت القبورية بقول أبي سفيان يوم أحد: (اعل هبل) . قال الدجوي أحد أئمة القبورية (١٣٦٥هـ) مستدلا به: (فانظر إلى هذا ثم قل لي ماذا ترى في ذلك التوحيد الذي ينسبه إليهم ابن تيمية ويقول: ((إنهم فيه مثل المسلمين سواءً بسواء، وإنما افترقوا بتوحيد الألوهية)) ) . وزعم المالكي: أن المشركين كانوا يعتقدون في تلك الأحجار التي كانوا يعبدونها أنها شريكة لله تعالى في الخلق وأن الله ليس الخالق وحده عندهم، وأنهم لم يكونوا جادين في قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، كما لم يكونوا جادين في قولهم: إن الله هو الخالق وحده، بل كان الله أقل منزلة عندهم من حجارتهم.... ثم ذكر قول أبي سفيان هذا، ثم قال: (ينادي صنمهم المسمى بهبل أن يعلو في تلك الشدة رب السماوات والأرض ويقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب آلهتهم. هذا مقدار ما كان عليه أولئك المشركون مع تلك الأوثان ومع الله

стр. 256

رب العالمين؛ فليعرف حق المعرفة، فإن كثيرًا من الناس لا يفهمونه كذلك ويبنون عليه ما يبنون) . الجواب عن هذه الشبهة: أن هؤلاء القبورية كذابون أفاكون بهاتون في مزاعمهم هذه لوجوه: أما الأول: فهو أن شيخ الإسلام ابن تيمية ولا أحدًا غيره من أئمة الإسلام لم يقل: إن المشركين مثل المسلمين سواء بسواء وإنما افترقوا بتوحيد الألوهية. كيف؟ والمشركون كانوا منكرين لرسالة رسول الله ﷺ ، كما كانوا كافرين بكتاب الله، وكثير منهم بالبعث أيضًا. وإنما قال شيخ الإسلام وغيره من أئمة الإسلام: إن المشركين كانوا معترفين بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ومدبر الكون والأمور العظام. وكانوا يقرون بتوحيد الربوبية إلى حد أكبر. وهذا ما حكاه الله تعالى عنهم واحتج عليهم باعترافهم بذلك مع إشراكهم في توحيد الألوهية وبعض جزئيات توحيد الربوبية وبعض تفاصيله. ومما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قوله: (لكن المتكلمون إنما انتصبوا لإقامة المقاييس العقلية على توحيد الربوبية، وهذا مما لم ينازع في أصله أحد من بني آدم؛ وإنما نازعوا في بعض تفاصيله.... وأما توحيد الإلهية فهو الشرك العام الغالب الذي دخل من أقر أنه لا خالق إلا الله ولا رب غيره من أصناف المشركين، كما قال تعالى:

стр. 257

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ، كما بسطنا هذا في غير هذا الموضع) . أقول: تقدمت نصوص علماء الحنفية وخلاصتها: من المعلوم بالاضطرار أن المشركين مع اعترافهم بأن الله هو الخالق المالك الرازق وحده المدبر لهذا الكون المتصرف فيه كيف يشاء كانوا يعتقدون في آلهتهم أن لهم بعضًا من القدرة على النفع والضر وشيئًا من التصرف والتدبير، ولكن هذا كله بإذن الله تعالى، فالله هو الذي خلع عليهم هذه الخلعة، وأن الله قد فوض إليهم بعض التدبير، وجعلهم متصرفين في بعض الأمور الخاصة الجزئية غير الأمور العظام، ولم يعتقدوا قط في آلهتهم أنهم ينفعون أو يضرون أو يدبرون بالاستقلال من دون إذن من الله وبدون تفويض منه، وليس على سبيل مغالبتهم لله وقهرهم له. كما أنهم لم يعتقدوا فيهم أيضًا أنهم شركاء مع الله في خلق هذا الكون وتدبيره والتصرف فيه حيث يشاءون. ومثل هذا الشرك موجود في القبورية بل شركهم أشنع وأبشع من شرك مشركي العرب. وصرح به كثير من علماء الخنفية. فالقبورية مشركون في توحيد الربوبية فضلًا عن توحيد الألوهية. وأما الثاني: فهو أن المشركين كانوا معترفين بأن الله هو الخالق الرازق المدبر

стр. 258

المحيي المميت وحده؛ كما حكى الله ذلك عنهم في عدة مواضع من كتابه واحتج عليهم بسبب اعترافهم وإقرارهم هذا حيث أفحمهم وأسكتهم، وقد كانوا يقولون: إن الله تعالى هو المالك لهم وهو المالك لآلهتهم وإن آلهتهم لا تملك شيئًا دون إذن من الله وتفويض منه، دل على ذلك تلبيتهم: ((تملكه وما ملك)) . وقد سقنا كثيرًا من نصوص علماء الحنفية في بيان اعتقاد المشركين في آلهتهم أنهم كانوا يعتقدون أن الله تعالى هو الذي خلع عليهم خلعة وفوض إليهم تدبير بعض الأمور الصغيرة الجزئية وجعلهم متصرفين في غير الأمور العظام. وبسبب ذلك كانوا يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى، ويتوسلون بهم عند الله، إلى آخر ما ذكرنا من نصوص علماء الحنفية التي فيها عبرة للقبورية. فكيف يقول هذا المالكي إن المشركين لم يكونوا جادين في اعترافهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت وحده دون تلك الأحجار، ولم يكونوا جادين في قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وإنهم يقربونا إلى الله زلفى. فتأويلات هذا المالكي ليست إلا تحريفات باطنية وتخريفات قرمطية. وأما الثالث: فهو أن هذا المالكي غير صادق في قوله: إن أبا سفيان إنما نادى صنمه هبلًا ليعلو رب السماوات ويقهره، بل هو كذاب أفاك في كلامه هذا

стр. 259

مفتر متقول على المشركين، مقول إياهم ما لم يقصدوا؛ لأن أحدًا من المشركين لم يعتقد في صنمه أنه يقتدر أن يغالب الله تعالى أو يمانعه أو يستطيع أن يغلب رب السماوات والأرض ويعلوه ويقهره لا أبا سفيان ولا غيره؛ كما سبق تحقيقه مرارًا وتكرارًا بنصوص علماء الحنفية الدامغة القامعة الساطعة القاطعة لأعناق القبورية ودابرهم. بل المشركون كانوا يعتقدون أن الله تعالى خالق هذا الكون كله ومالكه ومدبره والمتصرف فيه حيث يشاء. بل كانوا يعتقدون أن الله هو مالك آلهتهم وأن آلهتهم لا تملك شيئًا بالاستقلال بدون إذن من الله وتفويض منه، وأن آلهتهم مملوكة لله تعالى وأن الله تعالى مالكها، دل على ذلك قولهم في تلبيتهم المشهورة المعروفة: ((تملكه وما ملك)) ، وقد خرجناها وذكرنا تفسير علماء الحنفية في معناها. وقد ذكر كبار علماء الحنفية: أن المشركين كانوا يقولون: إن الله تعالى مالك الآلهة، ورب الأرباب، وإله الآلهة، وأن الله هو الإله الأكبر الأعظم، وأن آلهتهم شفعاء لهم عند الله ويقربونهم إلى الله زلفى. وقالوا: نحن نتقرب إليهم ونتقرب إلى الله بهم. وقد ذكر علماء الحنفية من أشعار المشركين ما يدل على اعتقادهم أن الله عندهم هو أكبر الآلهة. فقد قال أوس بن حجر يحلف باللات:

стр. 260

وباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبر وهذه حقيقة اعترف بها كبار القبورية أيضًا: فقد قال فضل رسول الحنفي القادري البدايوني أحد أئمة القبورية الهندية (١٢٨٩هـ) في بيان عقائد مشركي العرب: (إن المشركين قالوا: يجب عبادة المحبوب والشفيع لصيرورته إلهًا، لا عبادة الله العلي الأكبر، فإنها لا تعبد لكونه في غاية التعالي) . ولذلك لما قال رسول الله ﷺ في الجواب عن قول أبي سفيان هذا: «قولوا: الله أعلى وأجل» سكت أبو سفيان ومن معه من المشركين، وأفحموا، فبهت الذي كفر * حيث ألقي في فيه الحجر *. فهذا دليل قاطع قامع ساطع على أن أبا سفيان لم يكن يقصد بقوله ((اعل هبل)) أن هبلًا يغلب الله تعالى ويقهر رب السماوات والأرض أو يغالبه ويمانعه؛ لأنهم كانوا يعترفون بأن الله هو رب الأرباب وإله الآلهة وأكبرها وأعلاها وأجلها ومالكها وهي مملوكة له ، فلا يتصور التمانع والتغالب عندهم بينها وبين الله. هاهنا نكتة لطيفة عقلية أخرى يجب التنبيه لها؛ - وتؤخذ من كلام الحنفية -: وهي: أن هؤلاء المشركين كانوا يعتقدون أن رسول الله ﷺ وأصحابه على دين جديد باطل لا يرضاه الله تعالى ويرونهم خارجين عن الدين الحق

стр. 261

ولذا يسمون النبي ﷺ صابئًا، والصحابة صباة وأنهم فقط على دين صحيح وأن عبادتهم لآلهتهم مما يرضاها الله تعالى وأن هذا من دين الله تعالى وأن آلهتهم تشفع لهم عند الله وتقربهم إلى الله زلفى وأن آلهتهم من محبوبي الله والمقربين لديه كما سبق في نصوص علماء الحنفية. فبظهور دينهم وغلبة جندهم يغلب دين الله ويغلب جند الله، وبانهزام محمد وذهاب دينه ينتصر دينهم الذي هو دين الله في زعمهم الباطل لأنهم لم يعتقدوا صدق رسالة رسول الله ﷺ ولو صدقوا ذلك لما قاتلوه كما قال سهيل بن عمرو يوم الحديبية، وإذا كان الأمر كذلك كيف يتصور أن أبا سفيان يقصد بقوله: ((اعل هبل)) أن هبلًا يغلب رب السماوات والأرض ويقهره ويعلو دينه دين الله ؟ إذا لا يمكن عقلًا ولا نقلًا أن يقصد أبو سفيان التمانع والتغالب بين هبل وبين الله ، بل كان قصد أبي سفيان أن ((هبلا)) رفع الله أمره وأعلى شأنه وأعز دينه وأظهره بهزيمة محمد وأصحابه. صرح بذلك علماء الحنفية وغيرهم. وإليك بعض نصوص علماء الحنفية في تفسير مقالة أبي سفيان هذه: قال الإمام بدر الدين العيني إمام الحنفية في عصره (ت٨٥٥) : (قوله: ((اعل هبل)) ....، قال ابن إسحاق: معناه: ((ظهر دينك)) . قال السهيلي: ((معناه: زد علوا)) .

стр. 262

وفي التوضيح: ((أي ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت)) . قلت: كل هذا ليس معناه الحقيقي ولكن في الواقع يرجع معناه إلى هذه المعاني. قال الكرماني: ما معنى: ((اعل، ولا علو في هبل)) ؟ ثم أجاب بقوله: ((هو بمعنى: العلي، أو المراد: أعلى من كل شيء)) انتهى. قلت: ظن أنه ((أعلى هبل)) على وزن أفعل التفضيل، فلذلك سأل بما سأل وأجاب بما أجاب. وهو واهم في هذا، والصواب ما ذكرنا) . انتهى كلام العيني وما نقله عن غيره. الحاصل: أن أبا سفيان بل ومن معه من صناديد الكفر والشرك والأعداء الألداء لرسول الله ﷺ والإسلام والمسلمين لم يكونوا يقصدون بهذه المقالة ((اعل هبل)) المغالبة والتمانع بين هبل وبين الله. ولا قصدوا بها أن معبودهم ((هبلا)) يقهر الله ويغلب رب السماوات والأرض بل كل هذا من ترخصات هذا المالكي الآفك الباهت الساقط المتهافت الذي يرتكب في تأويلات النصوص تحريفات قبورية وتخريفات باطنية لأجل تبرير شرك حزبه القبوري وعبادتهم للقبور وأهلها من دعائهم وندائهم والاستعانة منهم والاستغاثة بهم والنذر لهم وقت نزول النوازل وحلول القلاقل والزلازل، واعتقاد التصرف في الكون وعلم الغيب فيهم،

стр. 263

وغيرها من الطامات الشركية والخرافات القبورية. وبالجملة: إن القبورية لا دليل لهم ولا شبه دليل يدل على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، ولا على أن المشركين كانوا مشركين آلهتهم بالله في الخالقية والرازقية والمالكية وتدبير هذا الكون، فإنهم لم يدعوا فيها أنها قادرة على النفع والضر بالاستقلال، بل كانوا يعترفون ويقدرون بأن الله تعالى هو الخالق لهذا الكون والمدبر له والمتصرف فيه كيف يشاء وأنه المحيي المميت الرازق والمالك وحده. غير أنهم غلوا في تعظيم بعض الصالحين الذين ظنوا أنهم وسائط بينهم وبين الله يصلون إلى الله بسببهم وشفاعتهم كالوزراء والندماء للملوك، فعبدوهم بأنواع من العبادة كالنذر لهم والاستغاثة بهم وندائهم وقت الكربات والبليات ليشفعوا لهم عند الله ويقربوهم إلى الله زلفى. واعتقدوا فيهم أن الله تعالى فوض إليهم تدبير بعض الأمور الخاصة وجعلهم متصرفين في بعض الجزئيات وأن الله مالكهم وأنهم لا يملكون شيئًا بدون إذن الله تعالى. وهذه الوسيلة الشركية هي أصل شركهم، والقبورية شاركوهم في ذلك حذو النعل بالنعل. وأقول: وبهذه الأجوبة راحت شبهات القبورية أدراج الرياح فصارت كأمس الدابر والحمد لله رب العالمين. وبعد هذا ننتقل إلى الفصل الآتي، لنعرف العبادة وأركانها وأنواعها وشروط صحتها عند الحنفية؛ وردهم على القبورية في ذلك كله. ****

стр. 264

الفصل الرابع في جهود علماء الحنفية في تعريف العبادة، وبيان أركانها، وأنواعها، وشروط صحتها، وإبطال عقيدة القبورية في ذلك كله وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: في عرض عقيدة القبورية في العبادة، وتعريفهم لها. - المبحث الثاني: في تعريف العبادة عند علماء الحنفية، وردهم على تعريف القبورية للعبادة. - المبحث الثالث: في أركان العبادة، وأنواعها، وشروط صحتها عند علماء الحنفية، وردهم على القبورية في ذلك كله.

стр. 265

المبحث الأول في عرض عقيدة القبورية في العبادة وتعريفهم لها. لقد انحرفت القبورية عن الجادة الصحيحة المستقيمة في مفهوم ((العبادة)) كما انحرفت في مفهوم ((التوحيد)) كما عرفت. وكذا انحرفت في مفهوم ((الشرك)) كما عرفت أيضًا. وكما ستعرف إن شاء الله. فحرفوا مصطلحات شرع الله تعالى ومفهومات دينه فغيروها وبدلوها؛ لتطابق عقائدهم الفاسدة، ويبرروا ما يرتكبونه من الشرك بالله ، بعبادة القبور وأهلها، فقالوا:- في كل ما يسمى عبادة شرعًا -: إنه لا يكون عبادة إلا باعتقاد الربوبية في المعبود؛ واعتقاد أنه مستقل بالنفع والضر، ونافذ المشيئة بذاته لا محالة بدون حاجة إلى الغير. وبناء على ذلك يرون: أن نداء الأموات * والاستغاثة بهم عند الكربات، والنذر لهم ونحو ذلك من أنواع العبادات * والأفاعيل الشركيات * ليست من قبيل العبادة لغير الله سبحانه؛ ولا من باب الإشراك

стр. 266

بالله تعالى. وبذلك قد برروا جميع أنواع إشراكهم بالله . كما جوزوا ارتكاب عدة أنواع من العبادات لغير الله جل وعلا. وبناء على ذلك أنكروا وجود الشرك في المنتسبين إلى الإسلام. بل يعتقدون في القبورية الوثنية الصرحاء: أنهم مؤمنون موحدون أبرياء من الشرك. ويحسن أن أسوق بعض نصوص القبورية المتعلقة بتعريفهم للعبادة؛ ليعرف المسلمون مدى انحرافهم عن الحق وتحريفهم لمصطلحات الشرع وجهلهم بأعظم المعارف الدينية المهمة: ١ - قالوا: (إن مسمى العبادة شرعًا لا يدخل فيه شيء من التوسل والاستغاثة وغيرهما؛ بل لا يشتبه بالعبادة أصلًا؛ فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم؛ أو صفة من صفاتها الخاصة بها) .

стр. 267

٢ - وقالوا: (إن الدعاء بمعنى النداء إن كان لمن لا يعتقده ربا فليس من العبادة في شيء ... ؛ وإن كان لمن يعتقد ربوبيته أو استقلاله بالنفع والضر، أو شفاعته عند الله بغير إذن الله، فهو عبادة لذلك المدعو؛ وقد يطلق الدعاء على العبادة. وقد علمت أن معناها: الخضوع التام لمن يعتقد فيه ربوبية أو خاصة من خواصها) . ٣ - وقالوا: (أي دليل بل أية شبهة فيها رائحة من دليل تجعل التوسل والاستغاثة بالعباد من جملة العبادات التي يكفر من فعلها؛ مع ما علمت: من أن العبادة شرعًا لا تكون إلا ممن اعتقد الربوبية فيمن عظمه وخضع له؛ والمسلمون بحمد الله بريئون من اعتقاد الربوبية بغير مولاهم . ٤ - ٥ - وقال القضاعي أحد مشاهير أئمة القبورية (١٣٧٦هـ) ؛ وتبعه ابن مرزوق، واللفظ للأول والغين في أغراض شيخ الإسلام وأئمة السنة الأعلام. (وإنما جر هذا المبتدع [ابن تيمية!] ومن انخدع بأباطيله: أنه لم يحقق معنى ((العبادة)) شرعًا ... ؛ فظن أن التوسل برسول الله ﷺ وسائر الصالحين، والاستغاثة بهم.... ظن أن ذلك وما إليه من الشرك المخرج عن الملة. ومن رافقه التوفيق، وفارقه الخذلان، ونظر في المسألة نظر الباحث المنصف، علم يقينًا لا تخالطه ريبة: أن مسمى ((العبادة)) شرعًا لا يدخل فيه شيء مما عده [ابن تيمية] من توسل واستغاثة وغيرهما؛ بل لا يشتبه بالعبادة أصلًا؛ فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من ((العبادة))

стр. 268

إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم، أو صفة من صفاتها الخاصة بها....) . ٦ - وقالا: (ولا يكون به [أي بالسجود لغير الله] كافرًا إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له) . ٧ - وقال القضاعي: (والمشركون إنما كفروا بسجودهم لأصنامهم ونحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع والضر ونفوذ المشيئة لا محالة مع الله) . ٨ - ثم القبورية قد صرحوا بحصر العبادة في بعض أمور الإسلام، حسب ما جاء في حديث جبريل الذي فيه تعليم لأركان الإسلام والإيمان، كل ذلك لإخراج عبادة القبور وأهلها كالاستغاثة والنذور ونحوها من تعريف العبادة، ليبرروا أعمالهم الوثنية. ٩ - وقالوا في معنى العبادة: (لا يخفى أن العبادة كما هو الظاهر من لفظها: هي الطرق المخصوصة لخضوع العبد لمن يعتقده إلهًا؛ وكذلك خضوع المملوك لمالكه والولد لوالده والتلميذ لأستاذه والجاهل للعالم لا يسمى عبادة. ولكن خضوع المجوسية للنار والوثنية للأصنام والثنوية للشمس عبادة عند

стр. 269

سائر أهل العرف....، وإذا علم أن كل خضوع وتعظيم ليس بعبادة بل العبادة هو الخضوع مع اعتقاد الألوهية [يعني الربوبية] ؛ فنقول: إن المسلمين الذين يزورون قبور الأنبياء والصالحين ويعظمونها ويقبلونها ويطوفون حولها ويتمسحون بها لا يخطر ببال أحد منهم أن هؤلاء الأنبياء والصالحين أو قبورهم آلهة يجب عبادتهم، أو شركاء لله سبحانه، أو أرباب من دون الله، بل يجدون من نفوسهم يقينًا لا مزيد عليه أنهم عباد مكرمون أطاعوا أحكامه وامتثلوا أوامره وبذلوا في سبيله وإعلاء كلمته نفوسهم وأموالهم، فأكرمهم بجنته وأعزهم بجوار قدسه فلذلك هم مستحقون منا بالتعظيم ومستأهلون للخضوع لهم والاستكانة، فهذا التعظيم في الحقيقة راجع إلى الله وهو عين التوحيد والاستسلام لعزة الله. وكذلك دعاؤهم ليس دعاءهم بالذوات بأن يحسبوا كافيين في قضاء الحاجة وإنجاح المأمول، بل لما علمنا أن لهم جاهًا ومنزلة عند الله بسبب طاعتهم وعبادتهم له واتباع سننه والجهاد في سبيله، فنسألهم أن يدعو الله لنا فيقضي الله حاجاتنا بواسطة دعائهم لنا ... ، وليس في ذلك من الكفر والشرك شيء) . ١٠ - وقالوا - هاذين في أئمة السنة وأعلام هذه الأمة - على طريقة ((رمتني بدائها وانسلت)) : (فمن أراد الله موالاته وسعادته ووقاه شر أولئك المبتدعة، وحفظه من الوقوع في شرائكهم وحبالهم، وبصره بما يحفظ عليه دينه، ووجهه وأرشده إلى كشف النقاب عن كل وصف مناقض للعبودية، مخالف للتوحيد والتفرد بالوحدانية؛ وإذا لاحظته عناية الله ولازمه التوفيق الرباني جعله لا

стр. 270

يفهم من معنى ((العبادة)) شرعًا إلا أنها الإتيان بأقصى الخضوع قلبًا باعتقاد الربوبية في المخضوع له أو قالبا مع ذلك الاعتقاد؛ و ((أو)) هنا بمعنى ((الواو)) ؛ فإذا انتفى ذلك الاعتقاد، ثم لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهر عبادة شرعًا. ومثل اعتقاد الربوبية اعتقاد خصيصة من خصائصها؛ كالاستقلال بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة لا محالة، ولو كان عن طريق الشفاعة لعابد عند ذلك الرب الذي هو أكبر من ذلك المعبود. وإنما كفر المشركون وخرجوا عن الحنيفية بسجودهم لأصنامهم وأوثانهم؛ لاعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، واستقلالهم بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة مع الله تعالى. فالتكريم والخضوع لأولياء الله الصالحين مجردا عن الاعتقاد المذكور لا يعتبر عبادة شرعًا.....) . ١١ - قلت: بل وصلت القبورية إلى حد قالوا في كل ما يرتكبونه من الشرك البواح وعبادة القبور وأهلها: - إنه ليس من الشرك، بل من باب التوحيد..... - وليس من قبيل عبادة غير الله، بل هو من عبادة الله تعالى.... - وإن كل ذلك مما أمر به الشارع، وإنه من سنن الأنبياء والمرسلين، وطريقة العلماء العاملين، ومسلك الأولياء المقربين. ١٢ - ومع هذا الجهل المركب المطبق المحيط بالقبورية لمعنى العبادة كجهلهم بمعنى التوحيد ومفهوم الشرك، ترى القبورية - من باب

стр. 271

رمتني بدائها وانسلت - يقدحون في أئمة التوحيد والسنة، والنحارير الجهابذة في هذه الأمة أمثال شيخ الإسلام ومحمد بن عبد الوهاب الإمام، ويسفهون أحلامهم، ويرمونهم بالجهل بمعاني العبادة والتوحيد والشرك: قال القضاعي أحد كبراء أئمة القبورية (١٣٧٦هـ) ، وتبعه ابن مرزوق أحد المجاهيل القبورية: (وإنما جرى هذا المبتدع [يعني شيخ الإسلام] ومن انخدع بأباطيله هذه أنه لم يحقق معنى العبادة شرعًا.....، فظن أن التوسل برسول الله ﷺ وسائر الصالحين والاستغاثة بهم مع استقرار القلب على أنهم أسباب لا استقلال لهم بنفع أو ضر، وليس لهم من الربوبية شيء، ولكن الله جعلهم مفاتيح لخيره ومنابع لبره وسحبًا يمطر منها على عباده أنواع خيره، ظن \ ابن تيمية \ أن ذلك وما إليه من الشرك المخرج عن الملة) . ١٣ - وقال أيضًا: (وقول هؤلاء المغرورين \ يعني أهل التوحيد والسنة \: إن الكافرين الذين بعثت لهم الرسل كانوا قائلين بتوحيد الربوبية وأن آلهتهم لا تستقل بنفع ولا ضر، وإنما كان شركهم بتعظيمهم لغير الله بالسجود له والاستغاثة به والنداء له والنذر والذبح له - إنما هو قول من لم يعرف التوحيد ولا الشرك ولا المعقول ولا المنقول في كتاب الله وسنة رسوله ولا ألم بتاريخ الأمم قبل البعثة) . ١٤ - والقبورية - بناء على تعريفهم الفاسد للعبادة - شنوا الغارة على أئمة السنة أعلام هذه الأمة، بكلام بذيء فاحش شأن من لا حياء له من

стр. 272

العباد ومن رب العباد، حتى قالوا جهارًا دون إسرار في تعريف شيخ الإسلام للعبادة: (وقوله [أي شيخ الإسلام] : ((العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والزاهرة)) : هراء ليس بتعريف للعبادة) . قلت: الحاصل أن تعريف العبادة عند القبورية كما تبين من نصوصهم هو: غاية الخضوع لمن يعتقد فيه الربوبية والاستقلال بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة لا محالة بقدرته الذاتية بدون الحاجة إلى غيره. وبعد أن عرفنا تعريف العبادة عند القبورية، ننتقل إلى المبحث الثاني لنعرف تعريف العبادة عند علماء الحنفية وردودهم على القبورية لإبطال تعريفهم العبادة، وبالله التوفيق. *****

стр. 273

المبحث الثاني في جهود علماء الحنفية لإبطال تعريف القبورية للعبادة وتحقيق التعريف الصحيح للعبادة وفيه ثلاثة مطالب: - المطلب الأول: رد علماء الحنفية على تعريف القبورية للعبادة . - المطلب الثاني: في تعريف العبادة لغة عند الحنفية. - المطلب الثالث: في تعريف العبادة اصطلاحا عند الحنفية.

стр. 274

المطلب الأول في إبطال علماء الحنفية تعريف القبورية للعبادة لقد تصدى علماء الحنفية للرد على القبورية؛ فأبطلوا تعريف القبورية للعبادة؛ وحكموا عليهم بالجهل بحقيقة العبادة؛ وبينوا: أن القبورية في حصرهم للعبادة في بعض الأعمال الإسلامية الظاهرة وبعض الإيمانيات الباطنة على باطل محض؛ لأنهم قد قصروا في تعريف العبادة؛ حيث جعلوها مقصورة في بعض أنواعها. فتعريفهم للعبادة تعريف باطل مزيف؛ لأنه غير جامع لأفرادها. بل تعريفهم للعبادة لا يصدق على عبادات المشركين لآلهتهم؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون فيها أنها خالقة، رازقة، مالكة، أرباب للكون، متصرفة في الخلق، مستقلة بالنفع والضر؛ نافذة المشيئة لا محالة بدون إذن من الله تعالى، وحاجة إليه؛ كما يزعم القبورية. بل كانوا يعبدون آلهتهم: بالنذر لهم، والاستغاثة بها، والاستشفاع بها؛ على أساس أنهم عباد مقربون يشفعون لهم عند الله تعالى. إذن تعريف الحنفية للعبادة لا يصدق على عبادات المشركين

стр. 275

لآلهتهم؛ لأن القبورية يشترطون في العبادة: أنها غاية التعظيم لمن يعتقد فيه الربوبية والاستقلال بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة لا محالة والقدرة الذاتية بدون الحاجة إلى الله. فالمشركون السابقون إذن ليسوا بمشركين عند هؤلاء القبورية؛ وليسوا عابدين لغير الله تعالى؛ لأنهم إنما عبدوا الصالحين على أساس الشفاعة، لا على أساس الربوبية والاستقلال بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة. فلو كان تعريف القبورية للعبادة صحيحًا - لزم منه كون المشركين غير مشركين، وغير عابدين لغير الله؛ لكن التالي باطل، فالمقدم مثله. أما وجه بطلان التالي فظاهر؛ لأن القبورية أيضًا يسلمون أن المشركين السابقين كانوا مشركين بلا ريب، وأنهم عباد غير الله بلا امتراء؛ وإذا ثبت بطلان التالي - حتى بشهادة الخصوم واعترافهم - ظهر بطلان المقدم؛ وهو أن تعريف القبورية للعبادة تعريف باطل مزيف فاسد غير جامع لأفراده؛ بل غير صادق على شيء من أفراده. هذا تقرير هذا البرهان على طريقة القياس الاستثنائي

стр. 276

الرفعي. وأما تقريره على طريقة القياس الاستثنائي الوضعي فهو أن يقال: لو كان المشركون الأولون مشركين بالله وعابدين لغير الله؛ لزم منه أن يكون تعريف القبورية للعبادة باطلًا مزيفًا غير جامع لأفرادها؛ بل غير صادق على شيء من العبادات. لكن المقدم حق؛ لأن المشركين السابقين مشركون حتى باعتراف القبورية، وعابدون لغير الله حتى بشهادة القبورية؛ فالتالي مثله؛ وهو بطلان تعريف القبورية، وكونه غير جامع لأفراده؛ بل كونه غير صادق على شيء من العبادات. لأن القبورية يشترطون في تحقيق العبادة شروطًا لم تتوفر في عبادة المشركين السابقين لآلهتهم، مع كونهم مشركين وعابدين لغير الله - حتى باعترافهم وشهادتهم -. قلت: هذا الذي ذكرت هو خلاصة رد علماء الحنفية على تعريف القبورية للعبادة وهذا هو تقرير ردهم عليهم. ولتنوير المقام أود أن أسوق بعض نصوص علماء الحنفية لتكون شاهدة لما ذكرت؛ فإليكم بعضها:

стр. 277

١ - قال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) مبينًا جهل القبورية بحقيقة العبادة ولا سيما جهالة ابن جرجيس أحد أئمتهم (١٢٩٩هـ) مبطلًا تلك الشروط التي اشترطوها في مفهوم العبادة؛ ومحققًا أن العبادة أوسع مما ذكروه وقصروه في بعض الأعمال الظاهرة والباطنة: (وبعضهم [أي بعض المشركين] أحذق من هذا العراقي وأمثاله الذين لم يفهموا من العبادة سوى الركوع والسجود، ولم يجدوا في معلومهم سواه. فأين الحب، والخضوع، والتوكل، والإنابة، والخوف، والرجاء، والرغب، والرهب، والطاعة، والتقوى؛ ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنية والظاهرة؟ فكل هذا عند العراقي - \ ابن جرجيس \ - يصرف لغير الله ولا يكون عبادة؛ لأن العبادة ما فسرها هو به فقط. بل عبارته في عدة مواضع تفهم: أن السجود لا يحرم إلا على زعم الاستقلال. وقد رأينا كثيرًا من المشركين، ولم نر مثل هذا الرجل في جهله ومجازفته وبلادته) . ٢ - وقال ﵀ أيضًا محققًا أن المشركين الأوائل إنما كان إشراكهم: التسبب والتشفع في آلهتهم، دون عقيدة الاستقلال؛ فهم غير مشركين بناء على تعريف القبورية لعبادة: (ومن بلغت به الجهالة والعماية إلى هذه الغاية فقد استحكم على قلبه الضلال والفساد * ولم يعرف ما دعت إليه الرسل سائر الأمم والعباد *؛

стр. 278

ومن له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل يعرف: أن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم، وآلهتهم التي عبدوها مع الله تعالى إلا التسبب، والتوسل، والتشفع؛ ولم يدعوا الاستقلال، والتصرف لأحد من دون الله، ولا قاله أحد منهم، سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . فهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده. قال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [يونس: ١٨] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ) . ٣ - ثم ذكر ﵀ عدة آيات في أن عبادة المشركين لآلهتهم إنما كانت على أساس الشفاعة؛ لا على أساس الاستقلال، ثم قال: (فأخبر تعالى: أنهم تعلقوا على آلهتهم ودعوهم مع الله للشفاعة والتقريب إلى الله بالجاه والمنزلة، ... ولم يريدوا منهم تدبيرًا، ولا تأثيرًا، ولا شركة، ولا استقلالًا؛ يوضحه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] ) .

стр. 279

٤ - ثم ذكر ﵀ عدة آيات في اعترافهم بتوحيد الربوبية والخالقية والمالكية؛ ثم قال: (فتأمل هذه الآيات وما فيها من الحجج والبينات تطلعك على جهل هذا العراقي وأمثاله؛ وأنهم ما عرفوا شرك المشركين * وما كانوا عليه من القصد والدين * ولم يعرفوا ما كان عليه أنبياء الله وأتباعهم من توحيد رب العالمين*) . ٥ - ثم ذكر ﵀ كلامًا مهما في تحقيق أن الله تعالى جعل توحيد الربوبية دليلًا على توحيد الألوهية، وأنه سبحانه احتج على المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليعترفوا بتوحيد الألوهية. ٦ - ثم قال: (فسبحان من جعل كلامه في أعلى طبقات البلاغة، والفصاحة، والجلالة، والفخامة، والدلالة، والظهور؛ فأي شبهة بعد هذا تبقى للمماحل المغرور؟) . ٧ - وقال رحمه الله تعالى أيضًا مبينًا أن تعريف القبورية للعبادة يستلزم أن لا يكون المشركون الأولون مشركين؛ لأن تعريفهم هذا لا يصدق على عبادة المشركين لآلهتهم؛ لأنهم لم يعتقدوا فيهم القدرة الذاتية والاستقلال بالنفع والضر: (وهذا الأحمق زاد في غير موضع من كتابه قيدًا فقال: ((لا يشرك إلا من قصد واعتقد الاستقلال من دون الله)) . مع أن في تلبية المشركين في الجاهلية: ((لبيك لا شريك لك إلا

стр. 280

شريكًا هو لك تملكه وما ملك)) . فهؤلاء لم يدعوا الاستقلال؛ وعلى زعم هذا [العراقي وأمثاله] فليسوا بمشركين. وأما قوله: ((إن نداء الصالحين ليس بعبادة)) : فهو من أدل الأشياء على جهله وعدم ممارسته لشيء من العلم وإن قل....) . ٨ - وقال ﵀ مبينًا جهل القبورية بحقيقة العبادة وحقيقة شرك المشركين وحقيقة التوحيد، وأن خبطهم في هذه المعارف جعلهم يعبدون غير الله ويشركون وهم لا يشعرون: (إنه [أي العراقي ابن جرجيس] لم يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فلذا خبط خبط عشواء؛ وإذا بسطنا ذلك يتبين فساد قوله وبطلانه؛ حتى لصغار المتعلمين؛ فنقول، وبالله التوفيق * وبيده أزمة التحقيق *: توحيد الربوبية هو الذي أقرت به الكفار جميعهم) . ٩ - ثم أقام عليه عدة آيات، ثم قال: (وأما توحيد الألوهية فهو إفراد العبادة لله الواحد الصمد ... ، وإذا علمت هذا تبين لك أن المعركة بين أهل التوحيد والمشركين في الألوهية فقط ... ؛ وجميع الرسل من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى توحيد الله وعبادته. وقد رد الله سبحانه على من خالف هذا الأصل *، وحكم على الوصل بحكم الفصل *، وهم المشركون الذين وحدوه بالربوبية * وأشركوا به في الألوهية * ١٠ - ... ؛ والحكم باتحاد التوحيدين نشأ من جهل هذا العراقي لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ... ؛ ولربما اعتقد أن أفعال إخوانه ومن على

стр. 281

شاكلته ليس شركًا في الألوهية، ولا عبادة لغير الله بناء على زعمهم: أنهم مصدقون بالرسول ﷺ وما جاء به من عند الله تعالى. فيقال له: لا يفيد ذلك الزعم الكاذب مع إظهار الأعمال الشركية الدالة على عقيدة الشرك، وما يصادم ما جاء به الرسول ﷺ ؛ وذلك كمن يقول: إني مصدق بما ذكر. ثم شد الزنار. وإن تصلف هذا العراقي وادعى: أن أفعال إخوانه عبدة القبور لا تشبه أفعال المشركين؛ فتلك عبادة، وأفعال إخوانه ليست عبادة!؟ يقال له: إنك لم تفهم معنى العبادة....) . وقال ﵀ رادا على ابن جرجيس حصره للعبادة في عدة أمور مبينًا جهله للعبادة: (والجواب أن كلامه هذا نشأ عن جهل باللغة والشرع، وما جاءت به الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم ... ؛ وهذا الغبي لم يعرف من أفراد العبادة غير الركوع والسجود والذبح والتقرب؛ مع أن دعاء المسألة من أفضل أنواعها وأجلها ... ) . ١١ - وقال الشيخ الرستمي بعد أن ذكر تعريف العبادة وأنواعها وأمثلة لها مبينًا جهل القبورية بحقيقة العبادة - محققًا أن تعريف القبورية للعبادة أمر ذهني لا حقيقة له في الخارج؛ لأنه لا يصدق على شيء من أفراد

стр. 282

العبادة: (فالأسف كل الأسف على حال من يسجد للقبور ويركع ويعين في الأنعام والحرث نذرًا لأهل القبور حصة معينة، ويقطع مسافة طويلة لزيارة القبر كالحج؛ مع أنه يقول في صلاته: ((إياك نعبد)) ؛ فما بال هؤلاء الجهلة!؟ ؛ أي معنى للعبادة عندهم؟!؟ ؛ هل للعبادة مصداق عندهم في الخارج أم لا؟!؟ . فهذا حال من لم يعرف حق الله وحق العباد ولم يميز بينها....) . ١٢ - وقد حقق جمع من علماء الحنفية الذين لهم علم بتاريخ الوثنية وعقائد المشركين السابقين، وصرحوا: أن عبادة المشركين لآلهتهم لم تكن باعتقاد الخالقية والرازقية والمالكية والربوبية والقدرة الذاتية والاستقلال بالنفع والضر والتصرف في الكون. وإنما كانت عبادتهم لآلهتهم بندائهم عند الكربات * والاستغاثة بهم عند إلمام الملمات والبليات * والتوجه إليهم بالنذور ونحوها لدفع المضرات وجلب الخيرات * والتوسل بهم والتشفع بهم إلى خالق البريات * لاعتقادهم أنهم عباد صالحون معظمون ذوو مكانة عند رب الكائنات *. الحاصل: لقد حصل لنا من نصوص علماء الحنفية التي ذكرتها في الرد على

стр. 283

تعريف القبورية للعبادة أحد عشر أمرًا: الأول: جهل القبورية بحقيقة الشرك. الثاني: جهلهم بتاريخ الوثنية وعقائد المشركين. الثالث: جهلهم بحقيقة التوحيد. الرابع: جهلهم بحقيقة العبادة. الخامس: بطلان تعريفهم للعبادة، وأنه تعريف مزيف فاسد، غير جامع لكثير من أنواع العبادة؛ بل غير صادق على شيء من العبادة. السادس: أن تعريفهم للعبادة لا يشمل عبادة المشركين لآلهتهم. السابع: حصرهم للعبادة في بعض الأعمال الظاهرة والباطنة. الثامن: أنه يلزم من تعريفهم للعبادة: أن يكون المشركون غير مشركين. التاسع: أنه يلزم من تعريفهم للعبادة: أن المشركين غير عابدين لغير الله. العاشر: ارتكاب القبورية أنواعًا من الشرك الأكبر وعبادتهم للقبور وأهلها بأنواع من العبادة تحت ستار التوسل والتشفع والولاية والكرامة وتعظيم الأولياء. الحادي عشر: رميهم أئمة السنة وأعلام هذه الأمة بدائهم من الجهل بحقيقة التوحيد والعبادة والشرك؛ وعدم الإلمام بتاريخ الوثنية، وعدم معرفة عقائد المشركين. وبهذه المناسبة أحب أن أنشد فيهم ما قيل: فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح وأقول بالنسبة إلى جهلهم المطبق المحيط بهم ورميهم أئمة الهدى

стр. 284

بأدوائهم: أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا وبعد أن عرفنا بطلان تعريف القبورية للعبادة، ننتقل إلى تحقيق تعريف العبادة لغة واصطلاحًا عند علماء الحنفية. ***

стр. 285

المطلب الثاني في تعريف العبادة لغة لعلماء اللغة من الحنفية كلام طويل في معنى ((العبادة)) لغة، حاصلها ما يلي: ((العبادة)) من مادة ((ع ب د)) . وهذه المادة إذا كانت على وزن ((نصر ينصر)) ، فلها خمسة معان: (١) الخضوع. (٢) الذلة. (٣) الطاعة. (٤) المملوكية. (٥) التنسك. وأما إذا كانت من باب ((فرح يفرح)) ، فلها ستة معان: (١) الغضب والكراهة والأنفة. (٢) الندامة والملامة. (٣) الحرص. (٤) الإنكار. (٥) القوة.
следующие страницы →