Полный текст (1 553 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
(وأعظم من ذلك: أنهم يطلبون من أصحاب القبور نحو إشفاء المريض وإغناء الفقير ورد الضالة، وتيسير كل عسير) .
٣٢ - ٣٦ - وقال ﵀ وتبعه العلامتان: ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) والشيخان الرباطي والرستمي مبينين أن القبورية انتشرت في البر والبحر وأن شرك القبورية أشد وأعظم من شرك الوثنية الأولى:
واللفظ للأول:
(وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جم في بر أو بحر - دعوا من لا يضر ولا ينفع * ولا يرى ولا يسمع * ... ) .
إلى آخر كلامه القامع للقبورية القاطع لدابرهم والقالع لشبهاتهم.
٣٧ - ٣٨ - وقال ﵀ أيضًا وتبعه الشيخ الغلام الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن (١٩٨٠م) مبينين أن القبورية في كثرتهم الكاثرة أكثر من الدود، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] :
(إنهم من يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلًا، وكان مرتكبًا ما يعد شركًا كيفما كان،
стр. 422
ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله تعالى أعلم بحاله فيها، وهم اليوم أكثر من الدود) .
٣٩ - وقال ﵀ مبينًا أن أكثر العوام قد ارتكبوا شركًا أشد من شرك الوثنية الأولى، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] :
(وفي الآية ما يدل على أن صنيع أكثر العوام اليوم:
من الجؤار إلى غير الله....- سفه عظيم وضلال جديد، ولكنه أشد من الضلال القديم.....) .
٤٠ - ٤٥ - وقال ﵀، وتبعه العلامتان: ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) والعلام الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن (١٩٨٠م) والشيخان: الرباطي والرستمي، واللفظ للأول، مبينين أن القبورية يرتكبون أنواعًا من الإشراك بالله تعالى، وأنهم مفسدون للدين وضحكة لليهود والنصارى وأهل النحل والدهرية لسفاهتهم:
(وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ ....إلخ [الحج: ٧٣]- إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله، وينذرون لهم النذور....، قاتلهم الله! ما
стр. 423
أجهلهم! وأكثر افتراءهم! ......، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة:
من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية) .
٤٦ - ٤٩ - وقال ﵀ مبينًا كثرة القبورية المستغيثين بالأموات عباد القبور وأهلها بأنواع العبادات، وتبعه العلامتان ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) والشيخ الرستمي، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥] :
(وقد رأينا كثيرًا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله بها المشركين؛ يهشون لذكر أموات، يستغيثون بهم ويطلبون منهم ... ) .
إلى آخر كلامه القامع للقبورية القاطع لدابرهم القالع لشبهاتهم.
٥٠ - وقال ﵀ رادا على خرافات الغزالي حجة إسلام الصوفية والقبورية والأشعرية الجهمية (٥٠٥هـ) ، والرازي فيلسوف الأشعرية وأحد أئمة الجهمية المعطلة المشككة الغلاة (٦٠٦هـ) ، مبينًا كثرة
стр. 424
القبورية سخفة العقول:
وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥] :
(وكذا في حملها على النفوس الفاضلة المفارقة - إيهام صحة ما يزعمه كثير من سخفة العقول:
من أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد، على معنى أن الله فوض إليهم ذلك، ومنهم من خص ذلك بخمسة، والكل جهل، وإن كان الثاني أشد جهلا) .
٥١ - وقال العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) مبينًا أن القبورية قد عمت البلاد * وطمت العباد * إلا من رحمه رب العباد *، ولا سيما بلاد اليمن، أما بلاد الهند ونحوها فالأمر فيها أطم وأعم:
(ومن أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالًا - فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمانية؟ :
من قولهم:
((يا ابن العجيلي)) ، ((يا زيلعي)) ، ((يا ابن علوان)) ، ((يا فلان)) ،
стр. 425
((يا فلان)) ؛ هل ينكر هذا منكر؟ ويشك فيه شاك؟
وأما ما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم! ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم، حتى أنهم في حرم الله ينادون: ((يا ابن عباس)) ، ((يا محجوب)) ! فما ظنك بغير ذلك؟
فلقد تلطف إبليس وجنوده - أخزاهم الله تعالى - لغالب أهل الملة الإسلامية بلطفة تزلزل الأقدام عن الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون) .
٥٢ - وقال العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) مشتكيًا حال القبورية وإفراطهم وانتشارهم في هذا الزمان * وارتكابهم للشرك في كل مكان *:
(وقد تعاظم الأمر في هذه الأزمان * وظهرت البدع في كل مكان * وبنيت القبب المذهبة على القبور * ونذرت لها النذور * وجعلت عليها الشبابيك من العين * وسرجت عليها السرج وقناديل اللجين * ووضعت عليها الأسلحة المجوهرة * وصرفت على سدنتها وبنائها القناطير
стр. 426
المقنطرة * وطاف حولها الزائرون * وتبرك بتقبيلها والتمسح بأعتابها الداخلون * وطلبوا منهم قضاء الحاجات * وتفريج الكربات * وجعلوا ذلك من أعظم الطاعات * ورموا من زجرهم عن هذا الفعل الشنيع بأعظم الهنات * وأسمعوه ما يكره من الكلمات * ... ، فإنا لله وإنا إليه راجعون) .
٥٣ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) بعدما ذكر عقائد المشركين السابقين وبعض أنواع الشرك الأكبر مبينًا أن القبورية عمت البلاد * وطمت العباد * إلا من شاء الله:
(وهذا الجهل قد عمت به البلوى في زمن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وقبله وبعده، كما قال في الكافية الشافية:
ولقد رأينا من فريق يدعي ال ... إسلام شركًا ظاهر التبيان
جعلوا له شركاء والوهم وسو ... ووهم به في الحب لا السلطان
стр. 427
إلى آخر الأبيات) .
٥٤ - وقال ﵀ مبينًا أن القبورية عمت وطمت حتى ابتلي بها كثير من العلماء فضلًا عن العوام والصوفية:
(وقد رأيت - والله! - بعيني رأسي من سجد للأعتاب * معرضًا عن رب الأرباب *، ولا أقول: إن العوام فقط على هذا المنوال * فكم قد رأينا وسمعنا عمن يدعي العلم قد فعل هذه الفعال *، وأما من ينتسب إلى طريقة من الطرائق الكثيرة - فعنده: أن الاستمداد من روحانية المشائخ والاستغاثة بهم من الواجبات الشهيرة؛ فلا حفظ الله لهم حريمًا * ولا صان لهم أديمًا *
نسأله أن يطهر الأرض من أمثالهم * ويريح المسلمين من كفرهم وإضلالهم *) .
٥٤ - وقال ﵀ بعد ذكر فضائح القبورية وشركياتهم، وأن القبورية قد صنعوا ما صنع اليهود والنصارى والمشركون من عبادة القبور وأهلها، مبينًا أن القبورية قد عمت البلاد * وطمت العباد * إلا من عصمه
стр. 428
رب العباد *:
(وقد عم هذا البلاء جميع بلاد المسلمين إلا ما ندر وقل، ولا ينجح الإنكار على ذلك شيئًا، بل ربما أوقعوا المنكر في مهاوي الهلكة، وبدعوه وضللوه) .
٥٥ - وقال ﵀ بعد ذكر فضائح القبورية مبينًا كثرة القبورية العراقية، وأنهم على طريقة إخوانهم من المشركين الأولين، بل أشنع شركًا منهم:
(ومن ذهب إلى مشاهد أهل البيت وغيرهم من الأولياء في بغداد في مواسم الزيارات - تحقق ما ذكرناه، واستقل بالنظر إلى فعل هؤلاء ما كان يفعله المشركون عند آلهتهم، كاللات والعزى) .
٥٦ - وقد ذكر رحمه الله تعالى حديث:
«لتتبعن سنن من كان قبلكم» .... .
ثم قال:
(فلا بد أن يكون الذين يحذون حذوهم - هم من بدل وغير وابتدع وحرف وحاكى الذاهبين الأولين في أفعالهم وأعمالهم.
من بناء المشاهد والمساجد على قبور صالحيهم، وندائهم في
стр. 429
المهمات والملمات، وغير ذلك مما كان يفعله اليهود والنصارى والمشركون ... ) .
إلى آخر كلامهم الطيب المكذب للقبور القاطع لدابرهم القامع لدينهم والقاطع لشبهاتهم.
٥٧ - وله ﵀ كلام مهم في شرح الحديث المذكور وتحقيق عميق لإثبات أن دولة القبورية قد عادت فشب على الشرك الصغير وشاب عليه الكبير واتبعوا سنن اليهود والنصارى والمشركين، إلى آخر كلام يقطع دابر القبوريين.
٥٨ - ولقد ذكر ﵀ أن الجماهير من الناس ابتلوا بالشرك الأكبر من عبادة القبور وأهلها أنواعًا من العبادة.
ثم ذكر عجائب من كفريات القبورية وشركياتهم، وهي أمثلة تدل على أن من أهل اليمن والمغرب والعراق ومصر وغيرها قبورية وثنية.
٥٩ - وله ﵀ كلام آخر مهم جدا يحقق أن غالب الناس شرق الأرض وغربها قبورية تصديقًا لقول النبي ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» .
فأصبح الدين منهم في أنين * والإسلام في بلاء مبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
٦٠ - وله ﵀ كلام في غاية الأهمية في تحقيق أن القبورية
стр. 430
على عين ما كان عليه المشركون السابقون: من قولهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
ولقد تألم الشيخ مسعود الندوي (١٣٧٣هـ) : جدا مشتكيًا إلى الله تعالى فساد عقائد المسلم في العالم الإسلامي كله.
مبينًا: أن أكثر المسلمين في العالم قد عبدوا القبور بأنواع من العبادات بل قد عبدوا الأشجار والغارات، وقد ارتكبوا أنواعًا من الإشراك بالله تعالى.
حتى تمكنت العقائد الوثنية في قلوبهم، ووقعوا في سفاهات ليسخر منهم بسببها الكفار المستشرقون إلى آخر ما ذكره من الوثنيات القبوريات.
٦١ - وقال العلامة الخجندي ﵀ (١٣٧٩هـ)
بعد أن حقق أن الاستغاثة بالأموات * عند الكربات وإلمام الملمات * من أعظم العبادات * وأكبر الشركيات * مبينًا أن أكثر أهل بلاد
стр. 431
ما وراء النهر والبلاد التركية وبخارى والبلاد الهندية والبلاد الأفريقية - قبورية:
(فعلى كل طالب للحق بمطالعة تلك الكتب (كتب شيخ الإسلام وكتبه هو) ، ولا يكن كأكثر البخاريين والهنديين والأتراك والأفريقيين، عبادًا لأهل القبور والأرواح.
فإنهم بهذا الاعتقاد مشركون، ولا ينفعهم عند الله دعوى الإسلام، أو المجاورة في الحرمين، إلا إذا تابوا وأصلحوا وبينوا....) .
٦٢ - ولقد ذكر ﵀ عدة أسباب لعودة الوثنية الأولى وانتشار القبورية في العالم.
٦٣ - كما ذكر عدة قبور في العالم شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا جعلت أوثانًا تعبد من دون الله، فانتشر الشرك والقبورية بأوسع ما يكون في العباد والبلاد، من بخارى، وسمرقند، وتركستان، وخجند، وكاشغر، وكربلاء، ودمشق، والقاهرة، وطنطا، وقونية، وغيرها.
٦٤ - وقال ﵀ بعد ذكر مفاسد اتخاذ القبور مساجد في كلام قيم متين رصين، مبينًا كثرة القبورية في جميع العالم:
(وكم نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام.
стр. 432
منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظموها، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر فجعلوها مقصدًا يطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب....، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وهكذا في جميع أنحاء العالم الإسلامي عمومًا، وفي المدينة عند قبر الرسول ﷺ ، وبالجملة: أنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون ... ) إلى آخر كلامه القيم.
٦٥ - وقال ﵀:
(والعبد الضعيف في زياراتي الأربع للمدينة الطيبة قد أمعنت النظر فشاهدت في المسجد النبوي وعند قبره الشريف ما يضاد الإيمان ويهدم الإسلام، ويبطل العبادات:
من الشركيات والوثنيات * الصادرة من الغلو وتراكم الجهالات *) .
٦٦ - وقال ﵀ مشتكيًا إلى الله تعالى مبينًا أن غالب أهل بلاد بخارى، وأفغانستان، والهند، وأجمير، وبغداد، ومصر، والشام، وغيرها، قبورية يرتكبون الشرك الأكبر بالله تعالى:
(قلت: في هذه الآثار والأحاديث عبرة لمن اعتبر: أن تعظيم القبور وأصحابها، والعكوف عليها والتوجه إليها، والاستمداد منها - هو أصل الشرك.
فما يفعله الجهلة، بل من هو في زي الصالحين ولباس أهل العلم:
стр. 433
من العكوف على القبور والتوجه إليها والنذر لها والاستمداد منها، كغالب أهل بخارى، وأفغانستان، والهند، ... ، وأجمير، وبغداد، ومصر، ودمشق، وغيرها - فمصيبة عظيمة وبلاء جسيم موجبة لمقت الله وغضبه) .
٦٧ - وقد تألم ﵀ جدا مشتكيًا إلى الله تعالى لأجل أن جمهرة الناس في البلاد الروسية، وما وراء النهر، وبخارى، والتركستان، وأفغانستان، والصين، وعامة بلاد الهند قبورية يحجون إلى قبور المشائخ ويطوفون لها، وينذرون لهم النذور ويعتقدون فيهم أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يتعرفون في الكون وأنهم حراس البلاد، إلى غير ذلك من الوثنيات والكفريات والشركيات.
٦٨ - وقد ذكر ﵀ مبينًا كثرة القبورية في بلاد ما وراء النهر، والروسية وتركستان وبخارى، والبلاد الروسية -:
أن سبب غلبة البلاء الأحمر السوفييت على هذه البلاد إنما هو الشرك وعبادة القبور، ثم حذر ﵀ أهل الهند بقوله:
يا أهل الهند! إني أخاف أن ينزل الطوفان الأحمر (السوفييت) عليكم وعلى بلادكم بسبب عبادة القبور وأهلها، فعليكم أن تستيقظوا من رقدتكم وتنتبهوا من غفلتكم وتوبوا إلى ربكم.
٧٠ - وقال ابن آصف الفنجفيري (١٤٠٧هـ) الملقب عند الحنفية
стр. 434
بشيخ القرآن مبينًا أن القبورية قد عمت البلاد والعباد إلا من رحمه ربك:
(وقلما تجد بلدة إلا ولها آلهة تعبد وتستغاث بهم ويعتقدون أهلها فيهم أنهم يتصرفون فيها، جعلوهم للنصر، والرزق، والأولاد، ودفع الضر، وينذرون لهم.
وقد امتلأت بلاد الأفاغنة (أفغانستان وما والاها) منها، حتى جعلوا الأعباد، والعروس على قبورهم في كل سنة وكل شهر وخميس وأحد، وغير ذلك من الأيام.
فلذا قال الإمام ولي الله الدهلوي:
وما من بلدة إلا ولها آلهة تعبد.
стр. 435
فلذا ابتلوا بأنواع من الشرك، ولا سيما بالشرك الفعلي، ذكره في كتابه البدور البازغة ١٦٩) .
٧٠ - ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي مبينًا حالة جمهرة المسلمين في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨هـ) ﵀:
كانت العقائد الشركية قد نالت رواجًا بين عامة المسلمين بسبب اختلاطهم مع أصناف من المشركين ونفوذ الدولة الفاطمية الباطنية الإسماعيلية وانتشار الصوفية.
فكانوا يحملون من العقائد الشركية في الأولياء والصالحين والمشايخ - ما كان يعتقده اليهود والنصارى والمشركون:
من الطواف حول القبور والاستغاثة بأصحابها، والحج إليها، وبناء المساجد الفخمة عليها وعقد المهرجانات عليها عاما مقامًا، والنذور إلى القبور، وقد عمت وطمت هذه العقائد إلى أن جعلوا الميت كالإله، والشيخ الحي كالنبي، وكانوا قد عزلوا الله تعالى عن أن يتخذوه إلهًا، وعزلوا النبي ﷺ عن أن يكون رسولًا، وارتكبوا ما كان محض دين المشركين والنصارى، وقد وصلوا في عبادة القبور والسجود إليها ودعاء أصحابها وجعل القبور قبلة وكعبة -
стр. 436
إلى حد كان هؤلاء القبوريون المشركون بالقبور - يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله.
إلى أن كان الفسقة الفجرة أصحاب الكبائر من هؤلاء القبورية لا يتحاشون الكبائر.
ولكن إذا رأوا الميت أو الهلال فوق رأس قبة القبر المعبود خشوا من فعل الفواحش، فيخشون المدفون تحت الهلال ولا يخشون خالق الأكوان، وكانوا يحلفون بالله بالكذب ولا يحلفون بالميت كذبًا، فكانوا في الشرك كما كان قوم إبراهيم حيث قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام: ٨١] .
وكان بعضهم يفضل شيخه على الأنبياء والمرسلين ويعتقد فيه الإلهية كالنصارى إلى غير ذلك في الكفريات والشركيات التي تدل على أن القبورية الوثنية قد عمت العباد وطمت البلاد إلا من شاء الله تعالى.
٧١ - ولقد ذكر الشيخ محمد يوسف الهندي تاريخ الوثنية القديمة وعقائد المشركين الأولين، ثم ذكر أن الشرك قد عم وطم بعبادة القبور وأهلها في هذه الأمة إلا من ﵀، وذكر أنواعًا من الإشراك الأكبر المخرج عن الملة - التي يرتكبها القبورية.
بحيث عادت الجاهلية الأولى والوثنية الخرقاء إلى أن حصل الأمر
стр. 437
بهم أنهم صاروا أشد شركًا من المشركين السابقين؛ لأن السابقين كانوا لا يدعون الإله عند الكربات، وأما هؤلاء القبورية فيدعون غير الله عند الكربات فهم أضل من الكفار السابقين.
وقال: (وإذا عرفت هذا فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر ... ) .
٧٢ - (وهذا ملأ البر والبحر وشاع وذاع.
حتى أن كثيرًا ممن يفعله يقوم الليل ويصوم النهار..) .
٧٣ - ولقد اعترف الشيخ أحمد بن محمد الصديق الغماري أحد مشاهير القبورية بوجود الشرك الأكبر والكفر الصراح في القبورية مبينًا حالة القبورية المغربية، فقال:
(إن كثيرًا من العوام بالمغرب ينطقون بما هو كفر في حق الشيخ عبد القادر الجيلاني (٥٦١هـ) ، وكذلك نرى بعضهم يفعل ذلك مع من يعتقده من الأحياء، فيسجد له، ويقبل الأرض بين يديه في حال سجوده، ويطلب منه في تلك الحال الشفاء والغنى والذرية ونحو ذلك مما لا يطلب إلا من الله تعالى.
وإن عندنا بالمغرب من يقول في ابن مشيش (٦٦٢هـ) : أنه الذي
стр. 438
خلق الابن والدنيا.
ومنهم من قال - والمطر نازل بشدة -: يا مولانا عبد السلام! الطف بعبادك. فهذا كفر) .
قلت: الحمد لله، وله المنة على إتمام الحجة وإيضاح المحجة، فقد اعترف هذا الغماري أحد أئمة هؤلاء القبورية، بأن الشرك الصراح والكفر البواح قد وجدا في القبورية إلى حد جعلوا ابن مشيش ربًّا وخالقًا.
وبعد هذا أقول:
هذه كانت عدة نصوص لعلماء الحنفية وفي آخرها خاتم من شهادة ذلكم الغماري القبوري في وجود الشرك الأكبر في القبورية حتى في توحيد الربوبية فضلًا عن توحيد الألوهية.
وهي تكذب دعوى القبورية في إنكار وجود الشرك وتعمهم وتعلق شبهاتهم.
والآن ننتقل إلى مقارنة علماء الحنفية للقبورية بالوثنية الأولى وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق.
****
стр. 439
المبحث الثاني
في جهود علماء الحنفية
في المقارنة بين القبورية الحديثة وبين الوثنية القديمة
١ - لقد قام كثير من علماء الحنفية بالمقارنة والمقابلة بين القبورية الوثنية الحديثة في هذه الأمة وبين الوثنية القديمة من المشركين السابقين، فحققوا أن كلا منهم أهل الشرك وأن القبورية الحديثة على طريقة الوثنية القديمة في الشرك وعبادة غير الله، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة والشبر بالشبر.
٢ - وقد سبق كثير من نصوص علماء الحنفية في ذلك أيضًا.
٣ - وسيمر بالقارئ الكريم كثير من نصوصهم في ذلك أيضًا إن شاء الله تعالى.
٤ - بل للحنفية تحقيقات بديعة في أن القبورية الحديثة أشد شركًا من الوثنية القديمة.
стр. 440
٥ - وأن القبورية الحديثة أعظم خوفًا وعبادة للقبور وأهلها منهم عند الكربات * لرب البريات وخالق الكائنات.
وذلك بعرض علماء الحنفية لعقائد المشركين السابقين وأنهم كانوا معترفين بتوحيد الربوبية وإنما كان إشراكهم باستغاثتهم بآلهتهم والنذور لهم وجعلهم وسائط بينهم وبين الله.
بل صرح علماء الحنفية: بأن الشرك والقبورية قد عما وطما إلى حد - لم يقتصرا في العوام والطغام فحسب بل سريا في كثير من أهل العلم والفضل والعقل والزهد والفقه وهم لا يشعرون.
٦ - فوصل الأمر إلى أن:
(تعذر على العارفين الأمر بالعرف * وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف) .
(حتى نسج العالم الخبير على فيه من السكوت اللثام * وترك الأمر بالمعروف خوفًا من اللئام *) .
стр. 441
٧ - الحاصل: أن القبورية أهل الشرك صدقًا وهم وثنية حقًا، عباد الأوثان بلا شك، عبد الأنصاب بلا امتراء، وأنهم أتباع المشركين الأولين بلا ريب، وأن الشرك الأكبر الصراح موجود واقع فيهم، وبعدما عرفنا ذلك ننتقل إلى المبحث الثاني؛ لأذكر جواب علماء الحنفية عن شبهة القبورية التي تشبثوا بها في عدم وقوع الشرك في الأمة.
*****
стр. 442
المبحث الثالث
في جهود علماء الحنفية في الجواب عن شبهة القبورية
التي تشبثوا بها في إنكار وجود الشرك في هذه الأمة
لقد سبق أن ذكرت عدة شبهات للقبورية وسقت أجوبة علماء الحنفية عنها، منها شبهتهم في تعريف التوحيد.
ومنها ست شبهات لجعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية.
ومنها أربع عشرة شبهة لزعمهم أن المشركين كانوا مشركين في توحيد الخالقية والرازقية والمالكية والربوبية.
ومنها شبهة في تعريف العبادة.
ومنها شبهة في حصرهم للعبادة في عدة أعمال.
ومنها شبهة في عدم جعل القبور أوثانًا.
وقد سبق جواب الحنفية عنهما فصار كأن لم يغن بالأمس، بحمد الله وتوفيقه.
стр. 443
وللقبورية شبهات كثيرة سأذكرها مع أجوبة علماء الحنفية عنها إن شاء الله تعالى:
منها ما يتعلق بالشرك.
ومنها ما يتعلق بعلم الغيب.
ومنها ما يتعلق بالتعرف في الكون.
ومنها ما يتعلق بالاستغاثة بالأموات.
ومنها ما يتعلق بسماع الأموات.
ومنها ما يتعلق بالحياة البرزخية.
ومنها ما يتعلق بالتوسل.
ومنها ما يتعلق بالنذر للقبور.
وغيرها من الشبهات القبورية الوثنية.
وفي هذا المبحث أذكر أولًا شبهة القبورية التي تشبثوا بها في زعمهم أن الشرك لم يقع في هذه الأمة، ثم أذكر ثانيًا جواب علماء الحنفية عنها لإتمام الحجة وإيضاح الحجة.
стр. 444
أولًا: عرض هذه الشبهة:
لقد حاولت القبورية على عادتهم السيئة إخفاء وثنيتهم وستر إشراكهم الأكبر وتبرير عبادتهم لأموات ولا سيما عند الكربات بالتشبث بعدة شبهات قد سبق ذكر بعضها وسيأتي ذكر بعضها، ومن تلك الشبهات:
زعمهم أن الشرك لم يقع في هذه الأمة وتشبثوا بقول النبي ﷺ :
«إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» .
وغيره من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى، واستدلت القبورية بها، على أن الشرك غير واقع في جزيرة العرب ليأس الشيطان أن يعبده المسلمون.
وقد فسرت القبورية جزيرة العرب بأنها:
جنوبًا وشمالًا: من عدن إلى ديار بكر.
وشرقًا وغربًا: من العراق إلى مصر.
فتدخل فيها اليمن، والحجاز، ونجد، والعراق، والشام، ومصر.
قال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (توفي حوالي سنة ١٢١٠هـ) ،
стр. 445
في صدد تقرير استدلاله بهذا الحديث وأمثاله، ما حاصل كلامه:
إن هذا الحديث يقرر أن الشيطان لا يعبد في جزيرة العرب، مع أن ما تعدونه كفرًا وشركًا وعبادة القبور والأوثان، من الاستغاثة بالأولياء والنذر لهم ونحوها - ملأت مكة، والمدينة، واليمن، والحجاز، والعراق من سنين متطاولة.
ودل على أن الشرك لم يقع في الجزيرة فما بالك بغيرها.
الجواب:
ولقد أجاب علماء الحنفية بأجوبة:
منها: أن المراد من قوله ﷺ : ((المصلون)) في هذا الحديث: هم المؤمنون الكاملون العارفون للتوحيد والشرك المصلون صلاة صحيحة أمثال الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان من أهل السنة والحديث والأثر، وليس المراد من يصلي فقط وينتمي إلى الإسلام مع ارتكابه الشرك والكفر.
قال العلامة شكري الآلوسي:
стр. 446
(إن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدقون بما جاء به الرسول ﷺ من عند ربه المذعنون له الممتثلون لأوامره المنتهون عما نهى عنه.
ولا شك: أن من كان على هذه الصفة - فهو على بصيرة ونور من ربه.
فلا يطمع فيه الشيطان أن يعبده.
وأما من تسمى باسم الإسلام، وتعاطى كل ما نهى عنه النبي ﷺ فيما يسر ويعلن - فهو باسم المنافق أحق منه باسم المؤمن، وإن صام وصلى.
فمن التجأ إلى غير الله، وتوكل على غيره، ودعاه * في سره ونجواه * - لم يكن مؤمنًا برب العالمين * ولا مقرا بوحدانية إله السماوات والأرضين *
فوجود مثل هذا في جزيرة العرب - لا ينافي الحديث الصحيح * كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل رجيح * وإطلاق المصلين على المؤمنين * كثير في كلام العارفين*) .
وقال: (ويحتمل: أن يراد بالمصلين: ((أناس معلومون)) ؛ بناء على أن تكون ((ال)) للعهد، وأن يراد بهم الكاملون فيها، بناء على أن تكون للكمال: وهم خير القرون، ويؤيد ذلك قوله ﷺ في آخر الحديث:
стр. 447
«ولكن في التحريش بينهم» ... ) .
ولابن آصف الفنجفيري الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن (١٤٠٧هـ) كلام قريب من هذا.
الحاصل: أن الشرك قد وقع في القبورية من هذه الأمة، وهذا الحديث لا ينافي ذلك بحمد الله تعالى، وبعد هذا ننتقل إلى الفصل الثالث؛ لنعرف جهود علماء الحنفية في الرد على شبهات القبورية الأخرى.
*****
стр. 448
الفصل الثالث
في أجوبة علماء الحنفية عن شبهات القبورية الأخرى التي
تشبثوا بها لتبرير إشراكهم الأكبر وعبادتهم القبور وأهلها
للقبورية شبهات كثيرة لتبرير إشراكهم الأكبر بالله وعبادتهم القبور وأهلها من الاستغاثة بهم عند الكربات والنذر لهم عند الملمات وغيرها من أنواع العبادات.
وقد سبق أن ذكرت شيئًا كثيرًا من هذه الشبهات مع أجوبة علماء الحنفية عنها.
وسيمر بك أيها القارئ الكريم شيء كثير منها مع أجوبة علماء الحنفية عنها في مناسبات شتى إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الفصل أذكر شبهات تشبثت القبورية بها لتبرير إشراكهم بالله تعالى وعبادتهم القبور وأهلها:
الشبهة الأولى: شبهة الأحجار والأشجار والأصنام والأوثان .
زعم القبورية - لتبرير إشراكهم بالله وعبادتهم لغير الله: أن المشركين السابقين كانوا يعبدون الأصنام والأحجار * ويعتقدون فيها الربوبية ويعبدون الأوثان والأشجار * التي لا تضر ولا تنفع * ولا ترى ولا
стр. 449
تسمع * ولا مكانة لها عند الله ولا احترام لها عنده.
أما نحن فنستغيث بالأنبياء والمرسلين *
ونتوسل بالأولياء والصالحين إلى رب العالمين *
فهم أحياء يسمعون ويتصرفون ويعلمون *
ولهم مكانة عند الله تعالى، ويشفعون *
فجاء هؤلاء الوهابية الخوارج - فعمدوا إلى آيات نزلت في المشركين - فحرفوها وحملوها على المؤمنين الموحدين المتوسلين المستغيثين بالأنبياء والأولياء، كما أنهم حرفوا الآيات التي نزلت في الأصنام والأوثان والأحجار - فحملوها على الأنبياء والأولياء، فقاس هؤلاء الوهابية الخوارج - المؤمنين الموحدين الذين يستغيثون بالأنبياء والأولياء - على المشركين الذين كانوا يعبدون الأحجار والأصنام - في أن كلا منهم أهل الشرك.
وقاسوا الاستغاثة بالأنبياء والأولياء - على عبادة الأصنام، والأوثان - في أن كلا منها شرك.
كما قاسوا الأنبياء والأولياء - على الأصنام والأوثان -
стр. 450
في عدم النفع والضر وعدم الشفاعة.
مع أن هذه الأقيسة فاسدة؛ إذ لا يصح قياس موحد مؤمن يستغيث بالأنبياء والأولياء - الذين لهم مكانة عند الله، وينذرون لهم وينادونهم - على مشرك يعبد الأحجار والأصنام والتماثيل التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعقل ولا تسمع.
كما لا يصح قياس الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ودعائهم والنذر لهم - على عبادة الأصنام والأحجار والأوثان - التي لا مكانة لها ولا احترام لها عند الله ولا تضر ولا تنفع؛ لأن المشركين كانوا يعبدونها على أساس أنها تستقل بالنفع والضر وأن لها تأثيرًا وشرفًا ذاتيا واختيارًا وتدبيرًا وأما نحن فنستغيث بالأنبياء والأولياء - الذين لهم مكانة عند الله تعالى، وهم أحياء يعلمون ويسمعون.
فأين هذا من ذاك؟!؟
الجواب:
أن هذه الشبهة تتضمن شبهات كثيرة:
منها: أن الاستغاثة بالأموات عند الكربات ليست من العبادة فليست
стр. 451
من الشرك بالله تعالى.
وسيأتي الجواب عنها مفصلًا إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن الشرك لا يتحقق إلا باعتقاد الربوبية والخالقية والاستقلال بالنفع والضر في غير الله.
وقد سبق الجواب عنها بحمد الله وتوفيقه.
ومنها: أن المشركين السابقين كانوا يشركون آلهتهم بالله في الخالقية والرازقية والاستقلال بالنفع والضر.
وقد سبق الجواب عنها بما لا يزيد عليه.
ومنها: أن ((الوهابية)) (أهل التوحيد) خوارج يكفرون المؤمنين الموحدين وسيأتي الجواب عنها في إبطال شبهة التكفير.
بقيت شبهة: أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام والأحجار * والأوثان والأشجار * التي لا تضر ولا تنفع * ولا ترى ولا تسمع * ولا مكانة لها عند الله ولا تشفع * وقد أجاب عنها علماء الحنفية بعدة أجوبة:
الجواب الأول: أن المشركين الأولين - لم يكونوا يعبدون الأحجار والأشجار لذاتها، وإنما كانوا يعبدون الصالحين * على أساس أنهم من عباد الله المقربين * عند رب العالمين * فيكونون لهم عنده من الشافعين * وقد سبق مفصلًا محققًا أن بداية إشراكهم ونشأة القبورية والوثنية -
стр. 452
إنما كان على هذا الأساس * كل ذلك بحيل الشيطان الخناس *.
قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) محققًا أن إشراك المشركين قديمًا وحديثًا، إنما كان بعبادة الصالحين وجعلهم شفعاء عند الله:
(فإن الشرك بقبر الرجل المعروف بالصلاح أقرب إلى النفس من الشرك بالأحجار، لما للشيطان من وساوس يلقيها في قلوب بني آدم، وقد أدخلها في قوالب يريهم أنها بظواهرها شرعيات * وما هي إلا زخارف وتمويهات * ثم إذا ألفوها لم تكد أن تفارقها النفوس * ولو قطعت بالسيوف * فمما ألقاه إليهم بكيده:
أن قال: إن هؤلاء قوم صالحون * وعند الله مقربون *، ولهم عنده ما يشاءون * ولهم الجاه الأعلى * والمقام الرفيع الأسمى *
فمن قصدهم لا يخيب سعيه * ولا يطيش رأيه *، وأن ببركتهم تدفع البليات * وتقضى الحاجات *، وبشفاعتهم يتقرب زوارهم إلى الله الغفار * فتحط عنهم بشفاعتهم عند الله الأوزار * إلى غير ذلك من التمويهات التي يملأ بها قلوب أهل الأماني * بمثل هذه المعاني *؛ فيتلاعب بعقولهم السخيفة * وآرائهم الضعيفة * ويحسن لهم البدع والمنكرات * بما يلقيه إليهم من الحكايات والخرافات * ويحثهم على التقرب إلى أهل القبور * بما يقدرون عليه من النحر والنذور * والطواف وتزيينها بالزينة المحرمة من القصب والذهب وتعليق القناديل، وإيقاد شموع العسل وتصفيح الجدران *، والأعتاب، والسقوف، والأبواب بالفضة والذهب وغيرها مما يجاوز الحساب، ويفهمهم: أنهم في مثل ذلك أحسنوا كل الإحسان فدخلوا الجنان *.
стр. 453
ثم ما كفاه ذلك حتى استخفهم، فدعاهم إلى أن يطلبوا منهم النصر على الأعداء * والشفاء من عضال الداء *
فأجابوه إلى ما دعاهم (إليه) مسرعين * وزادوا على ذلك بأن طلبوا منهم بقاء الحياة لأولادهم، فتراهم يقولون *:
قد علقنا أولادنا عليهم.
ومنهم من يطلب منهم النسل إذا كان عقيمًا * والشفاء إذا كان سقيمًا * وكثير منهم يطلب منصبًا فيه أخذ أموال العباد * والسعي في الأرض بكل فساد * فيجيء إليهم ويلازمهم معتقدًا: أن من لازمهم قضيت حاجته *، ونجحت سعايته * واقتربت سعادته *، وإذا فتحت بيوت قبورهم المذهبة * ورفعت ستور الأبواب المطلية المطرزة * وفاحت تلك الروائح المسكية من الجدران المخلقة * - وجد هذا الزائر في فؤاده من الخشية والرهب - ما لا يجد معشار جزء من عشرة بين يدي خالق السماوات والأرضين * وإله جميع العالمين *؛ فيدخل إلى القبر خاشعًا * ذليلًا متواضعًا * لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله * منتظرًا فيض كرمه ونواله *.
فأقسم بالله! أنه لم يتصوره بشرًا قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا: أنه خطرت له - وهو عنده - تلك الخطرة - لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده.
ويا مصيبة من أنكر عليهم حالهم * ويا شناعة من رد عليهم أمرهم * ويا خسارة من علمهم وأرشدهم * فإن ذلك عندهم قد تنقص حق الأولياء * وهضمهم مرتبتهم من السمو والارتقاء *.
стр. 454
فبالله عليك أيها الناظر! إلا ما قابلت هذه مع ما ورد عن سيد الأنام ﷺ ، متأملًا كيفية إذنه بعد المنع.
وانظر إلى سبب المنع والإذن، وما علل النبي ﷺ به الإذن وجعله في حكم الغاية والشرط ... ) .
قلت: هذا النص يدل على أمور:
الأول: أن القبورية فرقة مشركة عباد القبور والأوثان.
الثاني: أن أصل شرك الوثنية الأولى والحديثة - هو عبادة الصالحين للتقرب بهم إلى الله تعالى وقضاء الحاجات.
الثالث: أن أهل الشرك قديمًا وحديثًا قصدهم عبادة الصالحين المقربين عند الله تعالى للشفاعة بهم عنده.
الرابع: أن أهل الشرك قديمًا وحديثًا لم يقصدوا عبادة الأوثان والأحجار * والأصنام والتماثيل والأشجار *
وإنما كان قصدهم عبادة الصالحين ليشفعوا لهم عند رب العالمين.
الخامس: أن أهل الشرك - لم يعتقدوا في آلهتهم أنهم شركاء في الخالقية والرازقية والمالكية والربوبية، والاستقلال بالنفع والضر.
السادس: أن الاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات * والنذر والذبح لهم عند الكربات * من أعظم أنواع العبادات * ومن أكبر الأمور الشركيات *.
السابع: أن الحكم على هؤلاء القبورية بالشرك - ليس من باب رمي الخوارج المسلمين بالكفر.
وإنما هو من باب الحقيقة وبيان الحق وحماية التوحيد.
стр. 455
وبذلك راحت شبهة القبورية هذه ومعها أمثالها أدراج الرياح.
الجواب الثاني:
أن علماء الحنفية قد حققوا: أن القبورية هم عبدة القبور، وعباد الأوثان والأنصاب والأشجار والأحجار.
فالقبورية كما أنهم وثنية أقحاح كذلك هم نصبية أجلاد حجرية أصلاب.
فلا فرق بينهم وبين المشركين السابقين إلا أن الأولين كانوا عبدة الأصنام أيضًا، وأما قبورية هذه الأمة - فليسوا عباد الأصنام؛ لأنهم لم ينقشوا ولم ينحتوا للأولياء الصور من الحجر، أو الخشب أو الحديد أو الصفر ونحو ذلك.
ولكن القبورية شاركوا المشركين الأولين في كونهم جميعًا عباد القبور وأهلها وعبدة الأوثان والأنصاب والأحجار والأشجار.
وامتازت قبورية هذه الأمة بأن شركهم أشد من شرك الأولين وأنهم أعظم عبادة وخوفًا ورجاء من الأموات منهم لخالق البريات.
وبذلك قد اجتثت شبهة القبورية:
من أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام والأحجار.
أما نحن فنستغيث بالأولياء المقربين عند الله!
فالقبورية كذبهم علماء الحنفية، كما كذبتهم أفعالهم.
стр. 456
وتحقق أن القبورية قديمًا وحديثًا - عباد الأحجار والأشجار وعبدة الأنصاب والأوثان، يعبدون القبور وأهلها.
الجواب الثالث:
أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن جل شرك المشركين إنما كان بإشراكهم الصالحين بالله تعالى ولذلك نرى أن أكثر آلهتهم إنما كانت من عباد الله الصالحين من الأنبياء والأولياء.
أمثال إبراهيم، وإسماعيل، والمسيح، وعزير ﵈، ومريم، وود، وسواع، ويغوث، ويعوق، واللات، ومناة، وهبل وغيرهم.
فإذا كان الأمر كذلك - فلا يصح للقبورية أن يقولوا:
إن المشركين الأولين كانوا يعبدون الأحجار التي لا كرامة لها، ونحن نستغيث بالأنبياء والأولياء الذين لهم كرامة عند الله!
فزالت شبهة من أصلها.
الجواب الرابع:
أن علماء الحنفية قد حققوا:
أن الله قد ذكر أوصاف العقلاء لآلهة المشركين في صدد الرد عليهم وعبر عن آلهتهم بصيغ العقلاء؛ فدل ذلك على أنهم إنما كانوا يعبدون الصالحين، ولم يكونوا
стр. 457
يقصدون الأحجار والأصنام بالعبادة لذاتها.
وتفصيل ذلك على ما ذكره كثير من علماء الحنفية:
أن الله تعالى قال في صدد الرد على المشركين مبينًا عجز آلهتهم:
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١] ، وقال جل وعلا:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٨-٢٩] . وقال :
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤] ، وقال :
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢] ، وقوله ﵎:
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣-١٤] ، وقال جل شأنه:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥-٦] ، وقال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] .
стр. 458
إلى غيرها من الآيات التي فيها ذكر آلهة المشركين بصيغ العقلاء وصفات ذوي العقول؛ فأنت ترى: أن هذه الآيات الكريمات مشتملة على صفات العقلاء؛ لآلهة المشركين والتعبير عنهم بصيغ العقلاء:
نحو: الذين، يخلقون، وأموات، وما يشعرون، ويبعثون، ونحشرهم، وقال شركاؤهم، ولغافلين، وعباد أمثالكم وفليستجيبوا، وعبادي، وما يملكون، ولا يسمعوا، و (لو سمعوا) ، وما استجابوا، و (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) ، و (هم) ، وغافلون، و (إذا حشر الناس كانوا لهم أعداء) ، و (كانوا بعبادتهم كافرين) ، و ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ، و (يرجون رحمته) ، و (يخافون عذابه) ، ونحو ذلك من الصيغ التي لا تستعمل إلا لذوي العقول عند العرب، وغيرهم والصفات التي لا توجد إلا في العقلاء في اللغة العربية، وغيرها؛ فإن الجمادات من الأصنام والأحجار والأشجار والتماثيل التي لا تعقل لا يقال فيها:
(الذين لا يخلقون) ، و (لا يشعرون) ، ولا يملكون، ولا يستجيبون، ولا يسمعون ... ، كما لا يقال فيها: ( ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ، وعباد أمثالكم، وأعداء، وعبادي، ونحشرهم، وغافلون، وغافلين، وكافرين، ويبعثون، ويبتغون، ويرجون، ويخافون) ... ؛ وهذه كلها براهين باهرة * وسلاطين قاهرة * وحجج ساطعة * وأدلة قاطعة * -
стр. 459
على أن آلهة المشركين السابقين إنما كانوا عقلاء، وأنهم كانوا من عباد الله تعالى وليسوا جمادات بحتة، ولا أحجار صرفة، ولا أصنام خالصة، كما تزعم القبورية.
وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ردا على ابن جرجيس خاصة * وعلى القبورية أتباع إبليس عامة * مجيبًا عن هذه الشبهة:
(فأقول: يريد العراقي بهذا الكلام إثبات المساواة بين الأموات * والأحياء! ؛ ليغري الناس على ندائهم في الملمات * والدعاء! .
وهذا يبطله ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢] .
وشبه بهم من لم ينتفع بسماع الهدى؛ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أموات ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
стр. 460
[النحل: ٢٠ - ٢١] ، وليست هذه الآية في الأصنام - كما يزعمه من لم يتدبر؛ لأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت ... ولا شعور لها.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الآية، وإنما هي فيمن يموت ويبعث: من أهل الكرامات، والمعجزات، وغيرهم؛ كما لا يخفى على من تدبرها، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ، وهذا إنما يستعمل فيمن يعقل؛ كما لا يخفى على من له معرفة باللغة العربية [بل بغيرها من اللغات أيضا] ؛ فالحمد لله على ظهور الحجة * وبيان المحجة) .
قلت:
بعد إتمام هذه الحجة * وإنارة هذه المحجة * لا يمكن للقبورية أن يقولوا: إن المشركين كانوا يعبدون الأحجار والأشجار، ونحن نستغيث بالأنبياء والأولياء.
ألم تر أن الحق تلقاه أبلجا ... وأنك تلقى باطل القول لجلجا
следующие страницы →