← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الله * وهذا لا يستريب أحد من أهل العلم والديانة: أنه عبادة لغير الله * وعبادة غير الله لا شك في كونها كفرًا؛ مع أنه لم يكفره أيضًا حتى عرفه الصواب * ونبهه [إلى طريقة السنة والكتاب] *. وأيضًا قد عرفت فيما مر: أن الشيخ ليس بمنفرد في هذا التكفير؛ بل جميع أهل العلم من أهل السنة والجماعة يشاركون فيه، لا أعلم أحدًا مخالفًا له ... ) . ثم عد جمعًا من العلماء بأسمائهم، أنهم كفروا القبورية بشركياتهم. وقد ساق العلامة السهسواني عدة نصوص لمجدد الدعوة الإمام، تنفي هذه التهمة الماكرة * وتكذب القبورية الكذابة الفاجرة. وذكر العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : أن المسلم، بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري، فيجب تنبيهه وتعليمه ليتوب، ولا يحكم بكفره لأجل جهله، وذلك إتمامًا للحجة * وإيضاحًا للمحجة *.

стр. 492

وذكر الآلوسي أن أهل التوحيد لا يكفرون إلا من حكم الله تعالى ورسوله ﷺ بكفره. قلت: هذا كما قال الإمام ابن القيم: من كان رب العالمين وعبده ... قد كفراه فذاك ذو الكفران قلت: لأجل عدم إتمام الحجة * وإيضاح المحجة * لم يحكم علماء الحنفية على القبورية بالكفر بمعنى خروجهم عن الملة والارتداد عن دين الإسلام. وأقول: إن عدم الحكم على القبورية - مع ارتكابهم الشرك الصريح الصراح * والكفر القبيح البواح * - بتكفيرهم وخروجهم عن الملة، وارتدادهم عن الإسلام - مثل عدم الحكم على الجهمية المعطلة بعدم الارتداد - مع ارتكابهم الكفر الواضح * والشرك الفاضح * -

стр. 493

لأجل خوف عدم إقامة الحجة عليهم * وعدم إيضاح المحجة لديهم * ولقد أجاد أبو غدة الكوثري أحد كبار الكوثرية * وأحد الموالين للقبورية * وأفاد في جمع نصوص العلماء الأعلام * ولا سيما نصوص شيخ الإسلام * في عدم تكفير الجهمية لأجل عدم إقامة الحجة عليهم * وعدم تنوير المحجة لديهم * وذكر فيها قول شيخ الإسلام: ((لو وافقتكم كنت كافرًا.....، وأنتم لا تكفرون؛ لأنكم جهال)) . فتبين أن أئمة السنة ليسوا متهورين في التكفير * وأن القبورية كاذبون في النكير *. الوجه العاشر: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن القبورية يستحقون وصف الخوارج فإنهم هم أشد الناس تكفيرًا، بل هم أشنع تكفيرًا من الخوارج، والخوارج خير منهم؛ لأن الخوارج كانوا يكفرون الناس بارتكاب الكبائر، أما القبورية - فهم يكفرون أهل التوحيد بتوحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة. قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (يوضحه الوجه الثاني: أن الخوارج إنما كفروا الأمة بمخالفة أمره ومعصيته، وتمسكوا بنصوص متشابهة لم يردوها إلى المحكم؛ وأما عباد القبور - فكفروا بموافقة الرسول [ ﷺ ] في نفس مقصوده، وجعلوا تجريد

стр. 494

التوحيد كفرًا وتنقصًا؛ فأين المكفر بالذنب من المكفر بموافقة الرسول [ ﷺ ] وتجريد التوحيد؟؟) . قلت: لقد ذكرني كلام الآلوسي هذا كلام ابن القيم (٧٥١هـ) ﵀، فقد قال مبينًا أن القبورية أشنع كفرًا من الخوارج: وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان ومن العجائب أنهم قالوا لمن ... قد دان بالآثار والقرآن أنتم بذا مثل الخوارج إنهم ... أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان فانظر إلى ذا البهت هذا وصفهم ... نسبوا إليه شيعة الإيمان سلوا على سنن الرسول وحزبه ... سيفين سيف يد وسيف لسان والله ما كان الخوارج هكذا ... وهم البغاة أئمة الطغيان كفرتم أصحاب سنته وهم ... فساق ملته فمن يلحاني إن قلت هم خير وأهدى منكم ... والله ما الفئتان مستويان شتان بين مكفر بالسنة ال ... عليا وبين مكفر العصيان الوجه الحادي عشر: وهو جواب عن تشبث القبورية بتلك الأحاديث المطلقة التي وردت في قول: ((لا إله إلا الله)) : والجواب: أن تلك الأحاديث لا تفيد القبورية شيئًا، ولا تدل على شيء من

стр. 495

مطلوبهم؛ فإن غاية ما في تلك الأحاديث وجوب الكف عن قتل من قال: ((لا إله إلا الله)) حتى يتبين أمره، وليس معناها أن من قال: ((لا إله إلا الله)) - فهو مسلم مؤمن موحد، وإن ارتكب كفرًا بواحًا * وشركًا صراحًا *!!! ؛ لما سبق تحقيقه: من أن هذه الأحاديث المطلقة مقيدة بقيود وردت في أحاديث أخرى، فلا يكفي مجرد قول كلمة التوحيد باللسان * دون تصديق معناها بالجنان *؛ قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (ولخصوم الحق، وأعداء الدين شبهة أخرى: وهي: أنهم يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: ((لا إله إلا الله)) ، وقال: «أقتلته بعدما قال: ((لا إله إلا الله)) ؟» ) . وكذلك قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» ... ، إلى أحاديث أخر في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة: أن من قالها - لا يكفر، ولا يقتل، ولو فعل ما فعل....؛ فيقال لهم:

стр. 496

من المعلوم: أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود، وسباهم، وهم يقولون: ((لا إله إلا الله)) ، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون: ((إن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)) ، ويصلون، ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار. وهؤلاء الجهلة يقرون: أن من أنكر البعث - كفر، وقتل ولو قال: ((لا إله إلا الله)) ، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام - كفر، وقتل ولو قالها؛ فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع!؟! ، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل، ورأسه؟؟؟ ؛ ولكن أعداء الله لم يفهموا معنى الأحاديث! ؛ فأما حديث أسامة - فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾

стр. 497

[النساء: ٩٤] . أي: تثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه، والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام - قتل؛ لقوله: ((فتبينوا)) ، ولو كان لا يقتل إذا قالها - لم يكن للتثبت معنى، وكذلك الأحاديث الأخر معناها ما ذكرنا وأن من أظهر التوحيد والإسلام - وجب الكف عنه إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك.....) . قلت: لقد بطلت شبهات القبورية كلها المتعلقة بالتكفير بحمد الله وحسن توفيقه، وتبين أنهم في جميع ذلك كذابون أفاكون، دجالون، مضلون * والآن ننتقل إلى عرض شبهتهم الأخرى لنعرف جهود علماء الحنفية في إبطالها: الشبهة الثالثة: شبهة تعظيم الأنبياء ومحبة الأولياء. زعم القبورية قديمًا وحديثًا - لتبرير كل ما يرتكبونه من الاستغاثة بالأموات عند الكربات * والنذور لهم، والسجدة لهم، واعتقاد التصرف وعلم الغيب لهم وغير ذلك من الشركيات والعبادات * -

стр. 498

أن كل ذلك ليس من باب الإشراك بالله ولا من قبيل عبادة غير الله *، بل ذلك من تعظيم أولياء الله، ومحبة أحباب الله *. الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بتحقيقات طويلة جعلوها كأمس الدابر. وحاصلها: أن تعظيم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومحبة الأولياء والصالحين - أمر مطلوب، وهو من الإيمان، ومن أعظم الأمور في الإسلام، ومن أجل العبادة لله تعالى، ولكن إذا كان في حدود الشريعة الغراء؛ بحيث لا يكون ذلك غلوًا ولا مفضيًا إلى الغلو، ولا يكون ذريعة إلى الإشراك بالله تعالى ولا وسيلة إلى عبادة غير الله تعالى، وأن لا يسمى الشرك الصريح، ولا عبادة الأموات باسم التعظيم والمحبة. ولا يرتكب الوثنية، ولا يعبد غير الله تحت ستار التعظيم والمحبة، وأما تعظيم الأنبياء والأولياء إذا كان بالغلو فيهم وإطرائهم ورفعهم عن منزلتهم، ويتذرع به إلى الاستغاثة بهم والنذور لهم واعتقاد التصرف وعلم الغيب فيهم، ونحوها من الكفريات والشركيات - فهو ليس بتعظيم، بل هو في الحقيقة تحقير لشأنهم، واستخفاف

стр. 499

بهم، بل هو استخفاف بالله تعالى أيضًا وتحقير لجنابه ، وإنه في الحقيقة مبالغة في الإشراك بالله وعبادة غير الله، وهو شرك صريح، وكفر قبيح تحت شعار التعظيم، وانسلاخ عن جملة الدين، وهذا النوع من التعظيم هو من أعظم أسباب الوثنية، والإشراك بالله، وعبادة غير الله قديمًا وحديثًا، وإنما التعظيم للأنبياء ﵈، والأولياء، ومحبتهم، وتوقيرهم، واحترامهم - يكون باتباع سنتهم، والتأسي بهم في أفعالهم وأقوالهم، وسلوك طريقهم، دون عبادتهم وعبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أوثانًا، وتعظيمهم لا يقتضي الاستغاثة بهم، وليس كل تعظيم جائزًا في الإسلام. قلت: إن ((التعظيم)) ، و ((المحبة)) ، و ((التوسل)) ، و ((الكرامة)) ، و ((العبادة)) ، و ((التوحيد)) ، و ((الشرك)) ، و ((الاستغاثة)) ، و ((النذر)) ، و ((الألوهية)) ، و ((الصفات)) ، و ((التشبيه)) ، ونحوها - مصطلحات شرعية يجب تفسيرها وشرحها وفق ما ورد في الكتاب

стр. 500

والسنة، وطبق مصطلحات الصدر الأول من الصحابة التابعين؛ فمن فسرها بغير تفسيرها، وحملها على مصطلحات أهل البدع من الروافض، والجهمية * والمعتزلة، والأشعرية، والماتريدية، والصوفية، والقبورية * وغيرهم من أصناف المبتدعة - فقد حرف الإسلام، وقلب الحقائق، وبدل الدين * وأتى بزندقة عظمى * وطامة كبرى * وإلحاد مبين * وتحريف قرمطي * وتخريف وثني * وتلاعب بالمصطلحات * وغير الحدود واللغات *. وهذه حقيقة واقعة اعترف بها أحد كبار أئمة القبورية * وأحد دعاة الجهمية * ذلكم الكوثري (١٣٧١هـ) ، فقد قال - عليه من الله ما يستحقه - مقرا ببعض الحق، شاهدًا على نفسه وأهله وذويه، ذابحًا للقبورية والجهمية في آن واحد بسيف لسانه * ومدية بنانه * وشفرة قوله، وسكين نصه وبيانه * وقانونه الكلي وتبيانه *: (أين التجليات التي اصطلح عليها الاتحادية؟ من تخاطب العرب، ومن تفاهم السلف والخلف بهذا اللسان العربي المبين؟ حتى يكون حمل النصوص والآثار على التجليات المصطلح عليها فيما بعد عهد التنزيل بدهور - استعمالًا لها في حقائقها؟ ومن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل

стр. 501

السلف الصالح، ومسلك أئمة أصول الدين، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعليل ... ) . قلت: بناء على شهادة هذا الكوثري، إمام القبورية الوثنية * والمعطلة الجهمية الماتريدية *وشيخ عصبة التعصبات المذهبية * - أقول، وأقلب حجته عليهم جميعًا: إن القبورية، والماتريدية * والأشعرية، والصوفية * وغيرهم من أهل البدع، قد حملوا كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة * ومصطلحات الصحابة والتابعين، وأئمة هذه الأمة *: كالتوحيد، والتشبيه، والصفات، والتوحيد، والشرك، والعبادة، والألوهية، والكرامة، والولاية، والتوسل، والتعظيم، والمحبة، وغيرها من المصطلحات الشرعية - على مصطلحات ومعان أحدثوها، وفسروها على ما يوافق مذهبهم البدعي والشركي القبوري، الوثني، الجهمي، الصوفي، الخرافي، كما تراه هاهنا مما فعلت القبورية الوثنية، حيث سمت الشرك الأكبر وعبادة الأموات * والاستغاثة بهم عند الكربات، والنذر لهم عند الملمات * - باسم التعظيم والمحبة، والولاية، والكرامة، والتوسل، ونحوها من المصطلحات التي كانت عند الصحابة والتابعين - على ضد ما تقصده القبورية، وتفعله وتقوله وتعتقده؛

стр. 502

فجاءت القبورية فعمدت إلى تلك المصطلحات القرآنية والسنية التي كانت لها معان أخرى عند الصحابة والتابعين - فحرفتها وحملتها على مصطلحات الوثنية الشركية الكفرية؛ إذن تحقق: أن القبورية - في حمل تلك المصطلحات على مصطلحاتهم - أبعد الناس من تخاطب العرب وتفاهم السلف، واللسان العربي المبين، وأنهم قد زاغوا - بهذا التحريف والتبديل والتغيير للمصطلحات - عن منهج الكتاب والسنة * وطريقة السلف أئمة هذه الأمة *، وأنهم بتخريفاتهم الوثنية هذه - تنكبوا سبيل السلف الصالح - باعتراف الكوثري وقانونه -. وأقول: إن الحمد لله الذي دفع أهل البدع بعضهم ببعض، وقطع دابر صغارهم بسيوف كبارهم، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] ، وقمعهم بسلاح كوثريهم؛ ومع ذلك ترى القبورية قديمًا وحديثًا في كل مكان وزمان * - يقاتلون أهل التوحيد والسنن بالسيف والسنان والبهتان * ولكن أهل التوحيد بتوفيق الرحمن * يقمعونهم بالحجة والبرهان * فإن عدت والله الذي فوق عرشه ... منحتك مسنون الغرارين أزرقا فإن دواء الجهل أن تضرب الطلى ... وأن يغمس العريض حتى يفرقا وبعد هذا ننتقل إلى شبهتهم الأخرى، وبالله التوفيق.

стр. 503

الشبهة الرابعة: شبهة تنقيص الأنبياء والأولياء: لقد تسلحت القبورية بسلاح فتاك * مسموم بسم قاتل سفاك * إضلالًا للعوام * وإغواء للأنام * قاتلت به أهل التوحيد والسنة قديمًا وحديثًا في كل مكان وزمان * بالظلم والبغي والعدوان والافتراء والبهتان * كما قاتلتهم بقوة السنان والسلطان * لعجزهم عن إقامة الحجة والبرهان * على استغاثتهم بالأموات وعبادتهم للأوثان * ولكونهم من أكذب الناس في البيان * وأقلهم خوفًا من الرحمن * وهو اتهامهم أهل التوحيد بأنهم يسيئون الأدب في حق الأنبياء والأولياء، ويستخفون بهم ويتنقصونهم، بل يحملون الضغينة، والبغض والطعن، والعداوة في قلوبهم لهم، وأنهم ينكرون الصلاة على رسول الله ﷺ وشفاعته كما أنهم ينكرون كرامات الأولياء. وأود أن أسوق كلام رجل لقبته الديوبندية بشيخ الإسلام * لتعرفوا حقيقة الديوبندية وتعلموا أن إمامهم هذا في هذا الاتهام * وطعنه في مجدد الدعوة الإمام والتقول عليه من أكذب الأنام *

стр. 504

ألا وهو الشيخ حسين أحمد الملقب بشيخ الإسلام أحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٧٧هـ) ، وهذا نص كلامه في تقرير هذه الأكذوبة: (٤- إن الوهابية يسيئون الأدب إلى شأن النبوة وحضرة الرسالة على صاحبها الصلاة والسلام بكلمات نابية؛ ويرون أنفسهم مماثلة لذات سيد الكائنات؛ ويعترفون له بفضيلة قليلة، ولكنهم يرونها محدودة بزمان تبليغ الرسالة، ولأجل شقاوة قلوبهم وضعف اعتقادهم - يرون: أنهم هداة العالم، ويزعمون: أنه لا حق لرسول الله ﷺ عليهم؛ كما أنهم يزعمون: أنه ﷺ لا تفيد ذاته فائدة ولا تحسن إحسانًا بعد وفاته ﷺ ؛ ولأجل ذلك لا يجوز التوسل بذاته ﷺ في دعائهم بعد وفاته ﷺ ولأكابر الوهابية مقالة معاذ الله معاذ الله! وحكاية الكفر ليست بكفر؛ وهي: أن العصا أنفع منه ﷺ ؛ لأننا ندفع بالعصا كثيرًا من الشر، والنبي ﷺ لا يدفع شيئًا) . إلى آخر تلك الأكاذيب السافرة * والأساطير الفاجرة الماكرة * التي لا تصدر إلا عن الفسقة الفجرة * فضلًا عن أن يكون من شيوخ الإسلام البررة * هذه هي ديانة هؤلاء الديوبندية * وأمانة هؤلاء الكذبة القبورية *

стр. 505

فهم كما قيل: عجبت لشيخ يأمر الناس بالتقى ... وما راقب الرحمن يومًا وما اتقى وبعد عرض هذه الشبهة الماكرة * لهؤلاء الكذبة القبورية الفاجرة * ننتقل إلى جواب علماء الحنفية عنها وقلعها من أصلها وقطع دابر أهلها. الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن تلك الشبهة الماكرة لهؤلاء القبورية الخونة الفجرة عامة وهؤلاء الديوبندية الكذبة الجائرة خاصة بعدة أجوبة: الجواب الأول: أن هؤلاء القبورية كذابون أفاكون في هذه الفرية وهذا الاتهام * بهاتون متقولون على أئمة الإسلام يقولونهم ما لا يقولوا من الكلام * وأنهم بهذه الأكاذيب ساقطون عن درجات الصدق والعدالة والأمانة * إلى دركات الظلم والعدوان والبهتان والفسق والكذب والخيانة * وإليكم بعض نصوص بعض علماء الحنفية * لتعرفوا خيانة هؤلاء القبورية وكذب الديوبندية *: ١ - قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في الرد على ابن جرجيس أحد أئمة القبورية العراقية (١٢٩٩هـ) خاصة وقبورية العالم عامة، مبطلًا هذه التهمة الفاجرة الماكرة: (والجواب أن يقال: إن هذا العراقي قد خلع - والعياذ بالله - جلباب الحياء عنه؛

стр. 506

ولم يراع وقوفه بين يدي مولاه * جل شأنه وعز علاه *؛ فأخذ يتكلم ما خطر على قلبه * وألقاه شيطانه على لسانه * ولم يستح من تكذيب الناس له؛ حتى أنه قد حدثني من أثق به: أن هذا الضال المبتدع - قد أخبره بخبر ظهر كذبه للعيان؛ فلما عاتبه على هذا الكذب - قال له: لأي شيء تعاتبني على الكذب؟ والحال أن الأنبياء يكذبون! انظر إلى تجاسر هذا المفتري! وإلى أي درجة وصل، وإلى أي حد انتهى؛ وما كفاه الافتراء على المؤمنين حتى ترقى إلى القدح برسل رب العالمين؛ فعياذًا بك اللهم؛ من هذا البلاء العظيم؛ وكم كان يقص في مجالسه على ضعفاء العقول من العوام قصصًا تقشعر منها جلود العقلاء؛ وكان يخبرهم أن القيامة تقوم سنة خمس وتسعين من المائتين والألف! ويبرهن لهم على ذلك؛ فلما مضى الوقت الذي عينه لهم -

стр. 507

تغافل عنه، وربما أبدى لهم بعض الأعذار الباردة؛ فمن كانت هذه صفته - كيف يستحي من الافتراء على أناس أظهروا شركه للعيان * وكفره بالبرهان *؛ وأعجب من هذا - تقول أمثال هذا العراقي من المبتدعة الغلاة- على أهل الحق * القاصرين الألوهية على خالق الخلق *: أنهم ينتقصون الرسول الأكرم * والنبي الأعظم * ﷺ ؛ وينسبون إلى جنابه * ما لا يليق بأعتابه *، وكذا ينسبونهم إلى الإنكار على خلص عباد الله * وبغض الأولياء وأهل الانتباه *! سبحان إله الخلق ما أحلمه؟! * وما أجل سلطانه وما أعظمه؟! * لا إله إلا أنت، تعاليت عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا - فاستمع ما كتبه الشيخ عبد الله ابن العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تغمدهم الله برحمته،

стр. 508

حين ذهب الأمير محمد بن سعود لفتح الحرمين الشريفين وقد قرئ هناك بمحضر علماء المذاهب الأربعة ... ؛ وذلك قوله: ((إن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريق السلف الصالح التي هي الطريق الأسلم؛ بل الأحكم......؛ وأما ما يكذب علينا سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق: بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأنه لا يعرف معنى: ((لا إله إلا الله)) حتى أنزل عليه، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب؛ لكون الحق والباطل فيها؛ وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق: أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه؛ ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد، إلا إذا أقر عليه بأنه كان مشركًا، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله، وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ،

стр. 509

ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقًا؛ وأنا لا نرى حقا لأهل البيت..؛ فجميع هذه الخرافات - وأشباهها - لما استفهمنا عنها من ذكرنا - كان جوابنا عليه في كل مسألة: سبحانك هذا بهتان عظيم! ؛ فمن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا - فقد كذب علينا وافترى؛ ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا - علم قطعًا: أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين، وإخوان الشياطين؛ تنفيرًا للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص الله على أن لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء؛ فإنا نعتقد: أن من فعل أنواعًا من الكبائر: كالقتل للمسلم بغير الحق، والزنى، والربا، وشرب الخمر؛ وتكرر منه ذلك - لا يخرج بفعل ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد في دار الانتقام؛ إذا مات موحدًا لله تعالى في جميع أنواع العبادة؛ والذي نعتقد: أن رتبة نبينا ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على

стр. 510

الإطلاق؛ وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل؛ إذ هو ﷺ أفضل منهم بلا ريب، وأن الله يسمعه سلام من يسلم عليه، وتسن زيارته إلا أنه لا يشد الرحال إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه؛ ومتى أنفق أنفس أوقاته بالصلاة عليه الواردة عنه - فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث، ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم؛ مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية؛ إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادة؛ لا حال الحياة ولا بعد الممات....؛ ونثبت الشفاعة لنبينا ﷺ يوم القيامة؛ حيثما ورد أيضًا ... ؛ ولا يلزم أن نكون مجسمة وإن قلنا بالجهة......؛ ولا نقول بكفر من صحت ديانته ... ؛ وإن كان مخطئًا في هذه المسألة، أو غيرها ... ؛ هذا ما نحن عليه مخاطبين من له عقل ودين وهو متصف بالإنصاف، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف؛ ينظر إلى ما يقال، ولا ينظر إلى من قال. وأما من شأنه لزوم مألوفه، وعادته -

стр. 511

سواء كان حقا أو غير حق مقلدًا - فهو ممن قال تعالى فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ، عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق؛ فلا نخاطبه وأمثاله؛ فجنود التوحيد بحمد الله منصورة وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة)) . انتهى كلامه ملخصا) . قلت: حاصل هذا الجواب: أن القبورية أكذب الناس وأشدهم تقولًا على أهل التوحيد. ولقد حقق علماء الحنفية في مباحث كثيرة سيأتي إن شاء الله: أن القبورية أكذب الناس وأشدهم تقولًا وافتراء على الله ورسوله ﷺ وعلى الناس، بل هم أشد كذبًا وتقولًا من الخوارج والروافض. الجواب الثاني: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن حقيقة اتهام هؤلاء القبورية لأهل التوحيد بتنقيص الأنبياء والأولياء - وهي عقيدتهم أن من لا يستغيث بهم عند الكربات * ولا ينذر لهم عند الملمات * ولا يطوف بقبورهم لقضاء الحاجات * - فقد استخف بهم وتنقصهم وهضمهم حقهم، وهذه بعينها شبهة المشركين والنصارى.

стр. 512

قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : (ومن المحن أن مشائخ المذاهب الأربعة وفقهاءهم - جزموا بوجوب هدم القباب، ونهوا عن الطواف بالقبور ودعاء أربابها بل دعاء الله عندها، ومنعوا من الذبح لها والغلو فيها، بل ومن عبادة الله بالصلاة عندها؛ فإذا عمل بمقتضى أقوالهم عامل، وألزم بها الناس - نسبه هؤلاء الجهال إلى الاستخفاف بالأنبياء والصالحين وإلى مخالفة العلماء) . الجواب الثالث: أن علماء الحنفية قد صرحوا: بأن القبورية هم الذين قد تنقصوا الأنبياء والأولياء بسبب مخالفة طريقتهم ومناقضتهم، وارتكابهم للإشراك بالله تعالى ونبذهم لأوامرهم، وتركهم لما جاءوا به. وبظنهم أن هؤلاء الأنبياء والأولياء راضون بشركهم وندائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم، أو أنهم أمروهم بذلك. الجواب الرابع: أن علماء الحنفية قد حققوا أن القبورية لم يكتفوا بتنقيص الأنبياء والأولياء ولم يستخفوا بهم فحسب، ولم يهضموا حقهم فقط؛

стр. 513

بل إنهم قد تنقصوا الله وهضموه حقه؛ قال الإمام البركوي (٩٨١هـ) : (وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية؛ وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، فإنهم ظنوا به ظن السوء؛ حتى أشركوا به، ولو أحسنوا الظن ((به)) - لوحدوه حق توحيده، ولم يرجوا شيئًا من غيره؛ ولهذا أخبر عنهم في ثلاثة مواضع من كتابه: أنهم ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ : أي ما عرفوه حق معرفته، وكيف يعرفه حق معرفته من يجعل له عدلًا وندا يحبه ويخافه ويرجوه ويذل له) . وقال العلامة الرباطي: (فعكس المشركون ((أي القبورية)) هذا، وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد؛ فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقيص بالأموات؛

стр. 514

وهم قد تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص؛ إذ ظنوا أنهم راضون منهم أو أنهم أمروهم به؛ وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان) . قلت: القبورية في الاستخفاف بالله تعالى على طريقة المشركين؛ فقد صرح الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] ، ونقل كلامه العلامتان: ابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) وحفيده محمود شكري (١٣٤٢هـ) ، وفضيلة الشيخ عبد السلام الرستمي أحد كبار علماء الحنفية المعاصرة -: أن القبورية على هذه الصفة التي وصف الله بها المشركين فإنهم يهشون ويطربون عند ذكر الأموات الذين يستغيثون بهم وذكر حكاياتهم الكاذبة، ويعظمون من يحكي لهم تلك الأكاذيب ولكنهم ينقبضون من توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ، ويتضايقون من سرد ما يدل على تعظيمه ، وينفرون من أهل التوحيد كل النفرة، ويكرهون من يذكر تعظيم الله تعالى وعظمته وجلاله وينسبونه إلى ما يكره، وقد رأيت يومًا رجلًا يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان

стр. 515

أغثني، فقلت له: قل: يا الله واستغث بربك! فغضب علي وقال: أنت منكر للأولياء. قلت: وللعلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) كلام مهم في هذا الصدد. وأقول: لقد تذكرت بهذه المناسبة كلام الإمام ابن القيم؛ حيث قال: وإذا ذكرت الله توحيدًا رأي ... ت وجوههم مكسوفة الألوان بل ينظرون إليك شزرًا مثل ما ... نظر التيوس إلى عصا الجوبان وإذا ذكرت بمدحة شركاءهم ... يتباشرون تباشر الفرحان والله ما شموا روائح دينه ... يا زكمة أعيت طبيب زمان الجواب الخامس: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن أهل التوحيد الذين لا يغالون في الأنبياء والأولياء - من عهد رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة - في الحقيقة هم المعظمون للرسل، الموقرون لهم، العارفون بحقوقهم، القائمون بما يجب لله، وما يجب لعباده من الحقوق فهم ليسوا بأهل شرك بهم ولا أهل المعصية لهم، ولا نبذوا أوامرهم، ولا تركوا ما جاءوا به من الحق،

стр. 516

فهم أهل التوحيد لله تعالى وأهل طاعة رسول الله ﷺ وأهل الإخلاص لله. فتركهم الاستغاثة بهم عند الكربات وترك الطواف بقبورهم عند الملمات هو عين التعظيم لهم، وتركهم النذور لهم، وترك السجود إليهم، وترك الغلو فيهم - هو عين التوقير لهم. قلت: هذه كانت أمثلة من شبهات هؤلاء القبورية الكذبة الخونة، ذكرتها وعرضت أجوبة علماء الحنفية لقلعها وقمع أصحابها ليعرف المسلمون: أنهم في تلك الشبهات أكذب الناس * * وأن دسائس هؤلاء القبورية هي من وساوس الخناس * وليعلم المنصفون: أن جدالهم إنما هو المكر والدجل والكذب والبهتان * ولذلك صرح الإمام ابن القيم بأن أولياء الرحمن لا يخافون شبهات أولياء الشيطان *: واصدع بما قال الرسول ولا تخف ... من قلة الأنصار والأعوان فالله ناصر دينه وكتابه ... والله كاف عبده بأمان لا تخش من كيد العدو ومكرهم ... فقتالهم بالكذب والبهتان فجنود أتباع الرسول ملائك ... وجنودهم فعساكر الشيطان شتان بين العسكرين فمن يكن ... متحيرًا فلينظر الفئتان

стр. 517

إلى أن قال ﵀: وادرأ بلفظ النص في نحر العدى ... وارجمهم بثواقب الشهبان لا تخش كثرتهم فهم همج الورى ... وذبابه أتخاف من ذبان وبعد هذا ننتقل إلى الباب الرابع لنعرف جهود علماء الحنفية في التحذير من الشرك وحماية حمى التوحيد وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك. * فنقول: وبربنا الرحمن المستعان نستعين * وبه نستغيث إذ هو المستغاث المغيث المعين *:

стр. 518

الباب الرابع في جهود علماء الحنفية في التحذير من الشرك، وحماية حمى التوحيد، وسد جميع الذرائع الموصلة إلى الشرك وردهم على القبورية في ذلك كله وفيه فصول ثلاثة: - الفصل الأول: في جهود علماء الحنفية في التحذير من الشرك. - الفصل الثاني: في ذكر القواعد الأصولية لعلماء الحنفية التي يستفاد منها في حماية حمى التوحيد وسد جميع الذرائع الموصلة إلى الشرك. - الفصل الثالث: في بيان عدة من ذرائع الشرك التي قد صرح علماء الحنفية بوجوب سدها لئلا يتذرع بها إلى الشرك وحماية لحمى التوحيد.

стр. 519

كلمة بين يدي هذا الباب لقد ذكرت في الفصلين الأولين من الباب السابق نصوص علماء الحنفية في تعريف الشرك وأنواعه وتحقيقهم في مصدر عبادة القبور ونشأة القبورية وانتشارها، كما ذكرت نصوصهم في الرد على القبورية، حيث حرفوا تعريف الشرك وبدلوا مفهومه وغيروا حقيقته، وتبين أن تعريف الشرك عند القبورية تعريف مزيف باطل غير صحيح وغير جامع لأفراده بل غير صادق على شرك عامة المشركين من قديم الدهر وحديثه. وفي هذا الفصل أتحدث عن جهود علماء الحنفية في التحذير من الشرك؛ حيث أذكر نصوصهم في تفسير بعض الآيات وشرح بعض الأحاديث التي تحذر من الشرك حماية لحمى التوحيد وسدا لجميع الذرائع الموصلة إلى الشرك، كما سأذكر بعض أقوالهم الأخرى في التحذير من الشرك إن شاء الله؛

стр. 520

ليعلم المسلمون أن أضرار الشرك ومفاسده وعواقبه وخيمة في أقصى نهاية الشرور والمفاسد؛ إذ الشرك يضادّ التوحيد؛ فكما أن منافع التوحيد وفوائده وثماره الطيبة في أعلى ما يتصور من المنافع والفوائد، كذلك مفاسد الشرك في أقصى المفاسد فكما لا يتصور خير بعد خير التوحيد كذلك لا يتصور شر بعد شر الشرك فالشر يعرف بالخير " وبضدها تتبين الأشياء". وبناء على هذا يقتضي طبيعة هذا الفصل أن يكون مشتملًا على ثلاثة مباحث فأقول وبالله التوفيق:

стр. 521

الفصل الأول في جهود علماء الحنفية في التحذير من الشرك وفي مباحث ثلاثة: - المبحث الأول: في ذكر بعض الآيات المباركة التي تحذر من الشرك مع أقوال علماء الحنفية في تفسيرها. - المبحث الثاني: في ذكر بعض الأحاديث التي تحذر من الشرك مع أقوال علماء الحنفية في شرحها. - المبحث الثالث: في ذكر بعض نصوص علماء الحنفية في التحذير من الشرك وعواقبه الوخيمة.

стр. 522

المبحث الأول في ذكر بعض الآيات الصريحة التي تحذر من الشرك مع نماذج من أقوال مفسري الحنفية في تفسيرها إن التالي لكتاب الله والمتدبر لآياته يعلم علما يقينا: أن القرآن الكريم كله في التوحيد ومكملاته وفي التحذير من الشرك وأسبابه؛ فالآيات في التحذير من الشرك كثيرة جدًا يصعب إحصاؤها. ولقد اهتم علماء الحنفية بذكر كثير من الآيات التي تحذر من الشرك وذكروا أنها كثيرة جدّا، حتى قالوا: إن موضوع القرآن الكريم إنما هو التوحيد والتحذير مما يضاده وهو الشرك والكفر. من المعلوم أن " الموضوع " في أي كتاب أو في أي علم إنما هو " المضمون " الأهم المركزي الذي يورد الأدلة لإثباته وتحقيقه والشواهد لتقريره وتصديقه والأمثلة لإيضاحه والشرح لأحواله؛ " كالكلمة والكلام " موضوع علم النحو فكل ما في علم النحو إنما يدور حول هذا الموضوع فإذا كان " موضوع القرآن الكريم ":

стр. 523

إنما هو " التوحيد والتحذير من الشرك " فيكون جميع ما في القرآن الكريم من الأدلة والشواهد والأمثلة والتبشير والتخويف والترغيب والترهيب والقصص وغيرها- إنما يؤتى به لتحقيق هذا الموضوع وإثباته ونقض الشبهات حوله وهذا الموضوع الذي هو مطلوب أساسي للقرآن الكريم إنما هو يتمثل في " التوحيد والتحذير من الشرك "؛ فالقرآن الكريم كله لتقرير التوحيد والتحذير من الشرك، وهذا أمر ذكره كثير من كبار علماء الحنفية: قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) والعلامة القاري (١٠١٤هـ) واللفظ للأول: (وغالب سور القرآن الكريم متضمنة لنوعي التوحيد [توحيد الربوبية وغيرها من الصفات وتوحيد الألوهية] . بل كل سورة من القرآن الكريم - فالقرآن الكريم إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله: وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه: فهذا التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة- فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرام أهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا والآخرة:

стр. 524

فهي جزاء توحيده؛ وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب: فهو جزاء من خرج من حكم التوحيد؛ فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه. وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. قلت: إذا كان الأمر كذلك يصعب حصر تلك الآيات الصريحة المحذرة من الشرك ولكن ما لا يدرك كله أو لا يدرك جله لا يترك بعضه. لهذا أكتفي بذكر بعض الآيات الصريحات * في التحذير من الشركيات* مع ذكر بعض النصوص الحنفيات* في تفسير تلك الآيات* فأقول والله المستعان: الآية الأولى: في ضرب مثل للمشرك بأنه هالك ما بعد هلاك وممزق كل ممزق. قال الله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] . قال الزمخشري (ت ٥٣٨) والنسفي (ت ٧١٠) والمهايمي (ت ٨٣٥) والعمادي (٩٥١) والبروسوي (١١٣٧) والباني بتي (١٢٢٥) والميرغني (١٢٦٨) والألوسي (١٢٧٠) وحسين علي (١٣٦٢) والمودودي (١٩٧٩م) والصابوني (؟) ، واللفظ للأول: (قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية؛

стр. 525

بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزقا في حواصلها؛ أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة) . الآية الثانية: في بيان أن الشرك أعظم الظلم وأظلمه وأكبر الكبائر على الإطلاق. قال : ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] . قال هؤلاء العلماء الحنفية الذين ذكرت أسماءهم في تفسير الآية الأولى واللفظ للمودودي (قال المودودي ما تعريبه) : إن الظلم في الأصل معناه هضم حق آخر والمعاملة بدون الإنصاف والشرك ظلم عظيم لأن فيه استواء أشخاص لا دخل لهم في الخلق والرزق والنعم بالله في العبادة. فالشرك ظلم لا يتصور بعده ظلم آخر؛ وللخالق سبحانه على عبده المخلوق حق العبادة فيعبده وحده لا شريك له ولكن المشرك يضيع حق الله فيعبد غيره؛ ثم هو في هذا الظلم يستخدم عدة من القوى التي أعطاها الله في جسمه وما سخر الله له من النعم في السماء والأرض مع أن الله وحده خالق لهذه القوى والنعم؛

стр. 526

فلا يستحق أحد أن يستعمل له تلك القوى والنعم دون الله الذي خلقها ثم للعبد على نفسه حق آخر وهو: أن لا يذل نفسه ولا يبذلها في عبادة غير الله تعالى لئلا يستحق أليم عقاب الله تعالى ولكن المشرك يذل نفسه بعبادة غير الله تعالى ويوقعها في عذاب الله الأليم بسبب هذا الظلم العظيم وهكذا المشرك يمضي جميع عمره في الظلم إلى أن لا يخلو نفس من نفساته من الظلم العظيم الذي هو الشرك بالله العظيم. الآيتان الثالثة والرابعة: في أن كل ذنب وظلم يرجى مغفرته بدون التوبة ما خلا الشرك. قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٦] ، وقال أيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ . قلت: هاتان الآيتان من قبيل القضايا التي قياساتها معها؛ فقد حذر الله تعالى المشركين بأنهم لا يغفر لهم بدون التوبة أبد الآبدين* وعوض العائضين* ودهر الداهرين * ثم علل ذلك بأن المشرك قد افترى على الله افتراء عظيما ما بعده افتراء وأنه ضل عن التوحيد ضلالا بعيدا ما بعده ضلال فاستحق بشركه الذي هو ظلم عظيم وذنب أكبر وافتراء أقبح

стр. 527

وضلال أبعد أن لا يغفر له بدون التوبة فيكون من الخالدين * في العذاب الأليم أبد الآبدين *. هذا حاصل ما ذكره المفسرون من الحنفية في تفسير هذه الآية ... وإليكم بعض نصوصهم: ١ - قال الإمام أبو الليث السمرقندي (٣٧٥) : (يعني اختلق على الله كذبا عظيما ويقال: فقد أذنب ذنبا عظيما) . ٢ - وقال النسفي (٧١٠) : (كذب كذبا عظيما استحق به عذابا أليما) . ٣ - وقال العمادي (٩٨٣) : (افترى واختلق مرتكبا إثما لا يقادر قدره ويستحقر دونه جميع الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا) . ٤ - وقال المهايمي (٨٣٥) : (وكيف يغفر للمشرك بالله تعالى ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى﴾ أي قصد ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ تقتضي الحكمة التعذيب عليه بأعظم الوجوه وهو التخليد في النار) . ٥ - وقال البروسوي (١١٣٧) : " افترى واختلق مرتكبا إثما فلا تتعلق به المغفرة قطعا "

стр. 528

٦ - وقال الباني بتي (١٢٢٥) : " يعني ارتكب الكذب والفساد كذبا وفسادا عظيما يستحقر دونه الآثام وهذا وجه الفرق بينه وبين سائر الآثام ". ٧ - وقال الميرغني (١٢٦٨) : " وأي إثم أكبر من الشرك فإنه لا يصح معه عمل ". ٨ - وقال الآلوسي: " استثناء مشعر بتعليل عدم غفران الشرك ... أي ارتكب ما يستحقر دونه الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا ". ٩ - وقال الأستاذ أبو الأعلى المودودي (١٩٧٩م) : " ليس القصد من هذه الآيات أن للإنسان أن يرتكب الذنوب ما خلا الشرك بل القصد منها: أن الشرك الذي صغروا وحقروا أمره هو أعظم من جميع الذنوب بحيث أن سائر الذنوب يرجى مغفرتها ما خلا الشرك فإنه ذنب لا يغتفر أبدا؛ وقد كان أحبار اليهود يهتمون بصغار المسائل الاجتهادية التي استنبطها أئمتهم ولكنهم يستخفون بشأن الشرك ويرونه هينا بحيث أنهم لم يكونوا يتنزهون من الشرك ولا ينهون أقوامهم من الخيالات الشركية وأعمالها؛ ولا يرون بأسا في تولي المشركين أيضا ". قلت: لقد صدق الأستاذ المودودي - رحمه الله تعالى - في التحذير

стр. 529

من الشرك وغفلة أحبار اليهود في الاستهانة بشأن الشرك واهتمامهم بصغار الأمور وتعصبهم لآراء أئمتهم؛ فلقد تبعهم في هذا علماء السوء المبتدعة المقلدة المتعصبة الذين اتخذوا أئمتهم في التشريع من التحريم والتحليل أربابا يقدمون أقوالهم وآراءهم الاجتهادية الفقهية على صريح الكتاب والسنة ويتعصبون لهم كأنهم أنبياء أرسلوا إليهم ووصلوا في طاعتهم إلى حد عبدوهم من دون الله؛ فترى هؤلاء المتعصبة المقلدة ولا سيما بعض من ينسب إلى الحنفية منهم: كالكوثرية والديوبندية يبغضون السنة أشد البغض؛ فرفع اليدين عندهم أشد من وقع السيوف والتأمين بالجهر أشد من الرصاصة في قلوبهم؛ فأخلوا بتوحيد العبادة ومتابعة الرسول ﷺ فإلى الله المشتكى وإليه الملتجى. الآية الخامسة: في بيان أنه لا يجوز الاستغفار للمشرك بعد موته لأن الله تعالى لا يغفر للمشرك فلا يجوز الاستغفار له إذ ليس له إلا النار. قال عز من قائل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] ، قال الأستاذ أبو الأعلى المودودي (١٩٧٩م) : (إن الاستغفار لأي شخص مذنب يتضمن لأمرين: (١) أن للمستغفر شفقة ورحمة ومحبة لهذا المذنب.

стр. 530

(٢) أن ذنبه قابل للمغفرة. وهذان الأمران لا يتحققان إلا في عبد وفى بتوحيد الله ولكنه ارتكب ذنبا دون الشرك، ولكن المشرك الذي هو باغ على الله بالعلانية، فالمحبة له وعد إجرامه قابلا للمغفرة- باطل أصلا؛ بل محبتنا له وعد شركه قابلا للمغفرة- يجعلان وفاءنا بالتوحيد مشوها؛ فلو أقدمنا للاستغفار للمشرك لمجرد أنه من أهل قرابتنا- لكان معناه أن القرابة عندنا أحق وأثمن من توحيد ربنا وتعظيمه والوفاء بحقه وأن محبتنا لله ولدينه ليس إلا سطحيا لم تخالط شيئا بشاشة قلوبنا ولم تصل إلى أعماقها؛ وبهذا كله تبين أن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى لا ينبغي أن يصدر عن عبد وحد الله لأن ذلك خلاف الوفاء بالتوحيد ومناف للإيمان؛ ويجب علينا أن نحب من يحبه الله وأن نعادي من عادى الله؛ ثم في الآية نكتة لطيفة وهي: أن الله تعالى لم يقل " لا تستغفروا للمشركين "بل قال " ما كان للنبي ... " أي لا ينبغي الاستغفار لهم فليس هذا يزين بكم. فأفاد هذا الأسلوب: أنكم لو امتنعتم عن الاستغفار لهم بعد المنع -
следующие страницы →