Полный текст (1 553 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فلا يستحق أحد أن يستعمل له تلك القوى والنعم دون الله الذي خلقها ثم للعبد على نفسه حق آخر وهو:
أن لا يذل نفسه ولا يبذلها في عبادة غير الله تعالى لئلا يستحق أليم عقاب الله تعالى ولكن المشرك يذل نفسه بعبادة غير الله تعالى ويوقعها في عذاب الله الأليم بسبب هذا الظلم العظيم وهكذا المشرك يمضي جميع عمره في الظلم إلى أن لا يخلو نفس من نفساته من الظلم العظيم الذي هو الشرك بالله العظيم.
الآيتان الثالثة والرابعة: في أن كل ذنب وظلم يرجى مغفرته بدون التوبة ما خلا الشرك.
قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٦] ، وقال أيضا:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ .
قلت: هاتان الآيتان من قبيل القضايا التي قياساتها معها؛ فقد حذر الله تعالى المشركين بأنهم لا يغفر لهم بدون التوبة أبد الآبدين* وعوض العائضين* ودهر الداهرين * ثم علل ذلك بأن المشرك قد افترى على الله افتراء عظيما ما بعده افتراء وأنه ضل عن التوحيد ضلالا بعيدا ما بعده ضلال فاستحق بشركه الذي هو ظلم عظيم وذنب أكبر وافتراء أقبح
стр. 527
وضلال أبعد أن لا يغفر له بدون التوبة فيكون من الخالدين * في العذاب الأليم أبد الآبدين *.
هذا حاصل ما ذكره المفسرون من الحنفية في تفسير هذه الآية ...
وإليكم بعض نصوصهم:
١ - قال الإمام أبو الليث السمرقندي (٣٧٥) :
(يعني اختلق على الله كذبا عظيما ويقال: فقد أذنب ذنبا عظيما) .
٢ - وقال النسفي (٧١٠) :
(كذب كذبا عظيما استحق به عذابا أليما) .
٣ - وقال العمادي (٩٨٣) :
(افترى واختلق مرتكبا إثما لا يقادر قدره ويستحقر دونه جميع الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا) .
٤ - وقال المهايمي (٨٣٥) :
(وكيف يغفر للمشرك بالله تعالى ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى﴾ أي قصد ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ تقتضي الحكمة التعذيب عليه بأعظم الوجوه وهو التخليد في النار) .
٥ - وقال البروسوي (١١٣٧) :
" افترى واختلق مرتكبا إثما فلا تتعلق به المغفرة قطعا "
стр. 528
٦ - وقال الباني بتي (١٢٢٥) :
" يعني ارتكب الكذب والفساد كذبا وفسادا عظيما يستحقر دونه الآثام وهذا وجه الفرق بينه وبين سائر الآثام ".
٧ - وقال الميرغني (١٢٦٨) :
" وأي إثم أكبر من الشرك فإنه لا يصح معه عمل ".
٨ - وقال الآلوسي:
" استثناء مشعر بتعليل عدم غفران الشرك ... أي ارتكب ما يستحقر دونه الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا ".
٩ - وقال الأستاذ أبو الأعلى المودودي (١٩٧٩م) :
" ليس القصد من هذه الآيات أن للإنسان أن يرتكب الذنوب ما خلا الشرك بل القصد منها:
أن الشرك الذي صغروا وحقروا أمره هو أعظم من جميع الذنوب بحيث أن سائر الذنوب يرجى مغفرتها ما خلا الشرك فإنه ذنب لا يغتفر أبدا؛ وقد كان أحبار اليهود يهتمون بصغار المسائل الاجتهادية التي استنبطها أئمتهم ولكنهم يستخفون بشأن الشرك ويرونه هينا بحيث أنهم لم يكونوا يتنزهون من الشرك ولا ينهون أقوامهم من الخيالات الشركية وأعمالها؛ ولا يرون بأسا في تولي المشركين أيضا ".
قلت: لقد صدق الأستاذ المودودي - رحمه الله تعالى - في التحذير
стр. 529
من الشرك وغفلة أحبار اليهود في الاستهانة بشأن الشرك واهتمامهم بصغار الأمور وتعصبهم لآراء أئمتهم؛ فلقد تبعهم في هذا علماء السوء المبتدعة المقلدة المتعصبة الذين اتخذوا أئمتهم في التشريع من التحريم والتحليل أربابا يقدمون أقوالهم وآراءهم الاجتهادية الفقهية على صريح الكتاب والسنة ويتعصبون لهم كأنهم أنبياء أرسلوا إليهم ووصلوا في طاعتهم إلى حد عبدوهم من دون الله؛ فترى هؤلاء المتعصبة المقلدة ولا سيما بعض من ينسب إلى الحنفية منهم: كالكوثرية والديوبندية يبغضون السنة أشد البغض؛ فرفع اليدين عندهم أشد من وقع السيوف والتأمين بالجهر أشد من الرصاصة في قلوبهم؛ فأخلوا بتوحيد العبادة ومتابعة الرسول ﷺ فإلى الله المشتكى وإليه الملتجى.
الآية الخامسة: في بيان أنه لا يجوز الاستغفار للمشرك بعد موته لأن الله تعالى لا يغفر للمشرك فلا يجوز الاستغفار له إذ ليس له إلا النار.
قال عز من قائل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] ، قال الأستاذ أبو الأعلى المودودي (١٩٧٩م) :
(إن الاستغفار لأي شخص مذنب يتضمن لأمرين:
(١) أن للمستغفر شفقة ورحمة ومحبة لهذا المذنب.
стр. 530
(٢) أن ذنبه قابل للمغفرة.
وهذان الأمران لا يتحققان إلا في عبد وفى بتوحيد الله ولكنه ارتكب ذنبا دون الشرك، ولكن المشرك الذي هو باغ على الله بالعلانية، فالمحبة له وعد إجرامه قابلا للمغفرة- باطل أصلا؛ بل محبتنا له وعد شركه قابلا للمغفرة- يجعلان وفاءنا بالتوحيد مشوها؛ فلو أقدمنا للاستغفار للمشرك لمجرد أنه من أهل قرابتنا- لكان معناه أن القرابة عندنا أحق وأثمن من توحيد ربنا وتعظيمه والوفاء بحقه وأن محبتنا لله ولدينه ليس إلا سطحيا لم تخالط شيئا بشاشة قلوبنا ولم تصل إلى أعماقها؛ وبهذا كله تبين أن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى لا ينبغي أن يصدر عن عبد وحد الله لأن ذلك خلاف الوفاء بالتوحيد ومناف للإيمان؛ ويجب علينا أن نحب من يحبه الله وأن نعادي من عادى الله؛ ثم في الآية نكتة لطيفة وهي:
أن الله تعالى لم يقل " لا تستغفروا للمشركين "بل قال " ما كان للنبي ... " أي لا ينبغي الاستغفار لهم فليس هذا يزين بكم.
فأفاد هذا الأسلوب:
أنكم لو امتنعتم عن الاستغفار لهم بعد المنع -
стр. 531
فهذا ليس فيه كبير عمل؛ بل الكمال في أن تمتنعوا عما لا يليق بكم ولا يزين لكم؛ بحيث يكون محرك محبتكم لله ووفاءكم له - مثيرا لشعوركم وإحساسكم - على أن لا تحبوا المشرك الباغي على الله، وأن لا تعدوا إجرامه قابلا للمغفرة.
الآية السادسة: في بيان أن جميع أعمال الشرك حابطة وهباء منثورا.
قال ﷻ :
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
ولقد ذكر الله تعالى ثمانية عشر من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٣-٨٨] .
قال الزمخشري (٥٣٨هـ) والنسفي (٧١٠هـ) :
واللفظ للأول: ( ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدس: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ) .
وقال أبو السعود العمادي (٩٥١هـ) والألوسي (١٢٧٠هـ) واللفظ للثاني:
стр. 532
( ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ أي [أولئك الأنبياء والرسل] المذكورون، ﴿لَحَبِطَ﴾ أي لبطل وسقط عنهم مع فضلهم وعلو شأنهم ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي ثواب أعمالهم الصالحة؛ فكيف بمن عداهم وهم هم وأعمالهم أعمالهم) .
وقال البروسوي (١١٣٧هـ) والباني بتي (١٢٢٥هـ) والصابوني واللفظ للأول:
(أي ولو أشرك هؤلاء الأنبياء مع فضلهم وعلو شأنهم ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ أي بطل وذهب ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال المرضية الصالحة فكيف بمن عداهم؟ وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص) .
وقال الشيخ حسين علي (١٣٦٢) : (الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ يرجع إلى جميع هؤلاء الأنبياء والمرسلين الذين سبق ذكرهم صراحة أو كناية؛ فصدور الشرك من الأنبياء محال، ولكن لو فرض ذلك المحال وأشركوا بالله لضاع جميع أعمالهم الصالحة، والقصد من هذا التعبير بيان غاية شناعة الشرك ونهاية قباحته) .
وقال الأستاذ المودودي ﵀ (١٩٧٩م) :
(يعني لا قرار للعمل الصالح البتة مع الشرك؛
стр. 533
فالذي أشرك بالله وعمل أعمالا كثيرة وظن أنها صالحة ونافعة له فهو ليس بمستحق لأجرها، وأن حياته تمضي كلها في خسران على خسران) .
الآية السابعة: في بيان أن المشرك قد حرمت عليه الجنة أبد الآبدين* ومخلد في النار دهر الداهرين* قال عز من قائل:
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
قال الزمخشري (٥٣٨هـ) والنسفي (٧١٠هـ) والعمادي (٩٥١هـ) والبروسوي (١١٣٧هـ) والباني بتي (١٢٢٥هـ) والألوسي (١٢٧٠هـ) واللفظ للأخير:
(إنه أي الشأن ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي شيء في عبادته سبحانه أو فيما يختص به من الصفات والأفعال؛ كنسبة علم الغيب وإحياء الموتى بالذات إلى عيسى ﵊ [أو إلى غيره] .
﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ لأنها دار الموحدين والمراد يمنع دخولها كما يمنع المحرم عليه من المحرم.
﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ فإنها معدة للمشركين؛ وهذا بيان لابتلائهم بالعقاب * أثر بيان حرمانهم الثواب *؛ ولا يخفى ما في هذه الجملة من الإشارة إلى قوة المقتضي؛
стр. 534
لإدخاله النار) .
الآية الثامنة: في بيان أن المشرك نجس؛ قال جل من قائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] .
قال العلامة الآلوسي (١٢٧٠هـ) مفتي الحنفية ببغداد:
( ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أخبر عنهم بالمصدر للمبالغة كأنهم " عين النجاسة ". أو المراد: (ذو نجس) لخبث بواطنهم وفساد عقائدهم؛ أو لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ... ؛ ويجوز أن يكون (نجس) صفة مشبهة؛ وإليه ذهب الجوهري.
ولا بد حينئذ من تقدير " موصوف " مفرد لفظا مجموع معنى؛ ليصح الإخبار به عن الجمع:
أي " جنس نجس " ونحوه) .
ثم ذكر أن أكثر الفقهاء ذهبوا إلى أن أعيانهم طاهرة، ثم قال:
стр. 535
(وروى عن ابن عباس ﵄: " أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ".
قال: " وإلى ما روي عن ابن عباس ﵄ مال الإمام الرازي ".
وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية ولا يعدل عنه إلا بدليل منفصل؛ قيل: " على ذلك فلا يحل الشرب في أوانيهم ولا مؤاكلتهم ولا لبس ثيابهم "؛ ولكن صح عن النبي ﷺ والسلف خلافه.
واحتمال كونه قبل نزول الآية -فهو منسوخ- بعيد والاحتياط لا يخفى "، ثم قال:
( ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ تفريع على نجاستهم؛ والمراد النهي عن الدخول إلا أنه نهى عن القرب للمبالغة) .
стр. 536
قلت: وعلى هذا المنوال فسر الآية كثير من مفسري الحنفية.
الحاصل: أن هذه الآيات تحذر من الشرك غاية التحذير لعواقبه الوخيمة.
* * *
стр. 537
المبحث الثاني
في ذكر بعض الأحاديث الصحيحة التي تبين عواقب الشرك الوخيمة مع ذكر بعض الأقوال الصريحة في شرحها لشارحي الحنفية
لقد ذكرت في المبحث السابق ثماني آيات من الذكر الحكيم مع بعض أقوال مفسري الحنفية في تفسيرها في بيان شناعة الشرك وعواقبه الوخيمة؛ وفي هذا المبحث أذكر بعض الأحاديث الصحيحة التي تبين عواقب الشرك الوخيمة ومصير أصحابه مع ذكر بعض أقوال علماء الحنفية في شرحها؛ ليكون من أبلغ رد على القبورية الذين يباشرون العقائد الشركية والأعمال الخرافية والأقوال الوثنية مع دعواهم الإيمان وانتسابهم إلى الإسلام.
فأقول وبالله التوفيق:
الحديث الأول: في بيان أن " الشرك " أكبر الكبائر على الإطلاق.
عن أبي بكرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر - ثلاثا -، قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: " الإشراك بالله.... "» .
стр. 538
وفي رواية «أكبر الكبائر الإشراك بالله ... » .
وهذا اللفظ عن أنس ﵁ أيضا.
قال الإمام البدر العيني أحد كبائر أئمة الحنفية (٨٥٥هـ) :
(وجه تخصيص هذه الأربعة بالذكر لأنها أكبر الكبائر والشرك أعظمها) .
وقال ابن الملك وهو من أكابر الحنفية (٧٩٧) :
" إذ لا ذنب فوقه فيكون أكبر الكبائر ".
الحديث الثاني: في بيان أن الشرك أعظم الذنوب على الإطلاق * وأكبرها دون شقاق*.
«عن عبد الله قال سألت النبي ﷺ : أي ذنب أعظم عند الله؟.
قال: " أن تجعل لله ندّا وهو خلقك "» .
وفي رواية عن عبد الله «قال رجل يا رسول الله:
أي ذنب أكبر عند الله؟ قال: " أن تدعو لله ندّا وهو خلقك "» .
قال الإمام البدر العيني (٨٥٥) :
" قوله: (أن تجعل لله ندّا قدمه لأنه أعظم الذنوب؛
стр. 539
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣.
وقال العلامة القاري (١٠١٤) :
والمراد أن أكبر الكبائر مع الشرك بالله بل الكفر مطلقا وإنما خص لأن الشرك لظلم عظيم ".
وقد بوب الشيخ العثماني (١٣٦٩) على هذا الحديث مثل ما بوب عليه النووي؛ حيث قال: " باب بيان كون الشرك أقبح الذنوب ... ".
الحديث الثالث: في أن الشرك أعظم موبق من الموبقات وأكبر مهلك من المهلكات.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «" اجتنبوا السبع الموبقات ".
قالوا: يا رسول الله تعالى وما هن؟ قال: " الشرك بالله تعالى ... "» .
وفي رواية: " أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله تعالى ... » .
قال الإمام البدر العيني (٨٥٥) :
стр. 540
(قوله: " الموبقات ": أي المهلكات: أحدها الشرك بالله ".
وقال: (لا إثم أعظم من الشرك) .
وقال العلامة القاري (١٠١٤) ثم الكاندهلوي (؟) :
" قوله: (اجتنبوا) أي احذروا فعلها " الموبقات " أي المهلكات ".
وقال ابن الملك (٧٩٧هـ) : " أي احذروا عن فعل الذنوب السبع المهلكة لمن ارتكبها؛ أو معنى " الموبقات " الحابسات على الصراط ".
وقال الإمام الفتني (٩٨٦) :
(" الموبقات " أي الذنوب المهلكات) .
* * * * *
стр. 541
المبحث الثالث
في نصوص علماء الحنفية في التحذير من الشرك
١ - قال الإمام محيي الدين البركوي أحد عظماء الحنفية (٩٨١) : (فإن الشرك ملزوم للتنقيص " لله تعالى " والتنقيص لازم له ضرورة شاء المشرك أو أبى؛ ولكون الشرك منقصا للربوبية اقتضى حكمته تعالى وكمال ربوبيته أن لا يغفره ويخلد صاحبه في النار؛ ولا تجد مشركا قط إلا وهو منتقص لله تعالى؛ وإن زعم أنه يعظمه؛ كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو منتقص للرسول ﷺ وإن زعم أنه معظم بالبدعة) .
٢ - وقال رحمه الله تعالى:
" فإن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكر- كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى وأكرهها له؛ ولذلك رتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب آخر سواه وأخبر أنه لا يغفره وأن أهله نجس ومنعهم قربان حرمه وحرّم
стр. 542
ذبائحهم ومناكحتهم وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين وجعلهم أعداء له ولملائكته ورسله والمؤمنين؛ وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم؛ وأن يتخذوهم عبيدا؛ وهذا لأن الشرك هضم لحقوق الربوبية وتنقيص لعظمة الإلهية وسوء ظن برب العالمين فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به ولو أحسنوا الظن لوحدوه حتى توحيده ولم يرجوا شيئا من غيره؛ ولهذا أخبر عنهم في ثلاثة مواضع من كتابه:
أنهم ما قدروا الله حق قدره) .
٣ - وقال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢) :
في بيان أن المشرك هو المنتقص لجناب الله تعالى وهو المسيء للظن بالله :
(الوجه الثامن:
أنه من أعرض عن الله وقصد غيره وأعد ذلك الغير لحاجته وفاقته واستغاث به ونذر له ولاذ به فقد أساء الظن بربه؛ وأعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به؛ فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس؛ فظن به ما يناقض أسماءه وصفاته؛ ولهذا توعد الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به
стр. 543
غيرهم؛ كما قال تعالى ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦] .
وقال تعالى ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] .
وقال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧- ٨٨] ؛ أي فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه وعبدتم غيره؛ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؛ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم؛ وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشرك فيه غيره؛ والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه؛ والكافي لهم وحده لا يحتاج إلى معين والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه [لما عبدتم غيره ولما استعنتم بغيره ولما جعلتم بينه وبينكم وسائط وشفعاء] .
وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم من الوسطاء الذين يعينونهم على قضاء حوائجهم وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم؛ فأما القادر على كل شيء الغني بذاته عن كل شيء العالم بكل شيء
стр. 544
الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء- فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده وظن به ظن السوء؛ وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده؛ ويمنع في العقول والفطر؛ وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح؛ ويوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده متأله له خاضع ذليل له والرب ﵎ وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل؛ وهذا في خالص حقه؛ فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره ويشرك بينه وبينه فيه ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه؛ كما قال تعالى:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] ؛ أي إذا كان أحدكم يأنف أن مملوكه شريكه في رزقه فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به وهي:
الإلهية التي لا تنبغي لغيري ولا تصلح لسواي؛ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقي فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره كما قال تعالى
стр. 545
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ، فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك به في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة بل هو أعجز شيء وأضعفه؛ فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل) .
ثم قال بعد كلام طويل رد فيه على الجهمية المعطلة من الماتريدية والأشعرية وغيرهم:
(فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟) ، ثم قال بعد كلام:
(فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله تعالى، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه؛ وأنه يوجب الخلود في النار؛ وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه؛ بل يستحيل على الله أن يشرع عبادة إله غيره كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله؛ وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ".
٤ - وقد بوب الإمام الدهلوي (١٢٤٦) للتحذير من الشرك فقال: (باب الاجتناب عن الإشراك) ؛
стр. 546
ثم ذكر عدة آيات صريحات * وأحاديث صحيحات* في التحذير عن الشرك وبيان عواقبه الوخيمات* ٥-٦- وقال الإمام المجاهد الدهلوي (١٢٤٦) والشيخ أبو الحسن الندوي واللفظ له:
(الفصل الأول في التحذير عن الشرك:
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦] ، الفرق بين الشرك وسائر الذنوب:
اعلم أن هنالك أنواعا من الذنوب والآثام يقترفها الناس إذا جمحت بهم النفوس وغلبهم الهوى؛ فمنهم من لا يميز بين حلال وحرام ومنهم من يقترف سرقة أو عملا من أعمال الفسوق؛ ولكن الذي تورط في الشرك فقد أسرف وظلم ظلما مبينا؛ لأنه قد جنى جناية لا يغفرها الله " بدون التوبة "، الشرك الجلي ثورة وخروج يحرك الغيرة الإلهية:
الشرك الجلي الذي هو من آخر درجات الشرك ويكفر به الإنسان؛ يبقى صاحبه في النار خالدا مخلدا لا يخرج منها؛ ومثل ذلك أن الملك قد يعفو عن أناس من رعيته، يرتكبون سرقة وعن أناس يقطعون الطريق على قوافل؛ أو يشنون غارة ومنهم من يتكاسل عن الحراسة أو الخفارة فينام
стр. 547
عنها؛ ومنهم من يتخلف عن حضور مجلس الملك ... ؛ ومنهم من يتولى يوم الزحف ويتسلل عن الحرب ... ؛ ولكل جناية من هذه الجنايات عقوبات محددة عند الملك إن شاء أخذ بها وإن شاء عفا عنه.
وتقابل هذه الجنايات جنايات تنم عن الثورة على الملك والخروج عليه؛ مثلا يبايع بالملك لأمير أو وزير أو دهقان أو مرزبان؛ أو عمدة قرية أو موظف حكومي من أصحاب النباهة وأهل النبل؛ أو لكناس أو إسكاف من أهل المهن الوضيعة والطبقات السافلة فيضع له تاجا أو إكليلا ويهيئ له عرشا أو سريرا؛ أو يخلع عليه الألقاب الملوكية ويخاطبه بجلالة الملك وظل الله في الأرض ... ؛ فهذه الجناية أكبر من كل الجنايات وصاحبها لا محالة لاق جزاءه؛ وكل ملك يستهين بشأن هذه الجنايات ويغفل عن معاقبة هؤلاء المجرمين كان في ملكه وهن ونسبه العقلاء إلى قلة الغيرة وضعف الرأي وسقوط الهمة، أما مالك الملك ﵎ فهو أغير من كل غيور وأقوى من كل قوي فيجب أن يخشى بأسه ويتقي سطوته فكيف يعقل أن يتغافل عن المشركين وكيف لا يوفيهم حسابهم؛ لطف الله بالمسلمين ووقاهم آفات الشرك؛ الشرك ظلم ووضع للشيء في غير محله:
стр. 548
قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
ولقد هدت لقمان الحكمة العميقة التي أكرمه الله تعالى وخصه بها؛ إلى أفحش الظلم أن يجود الإنسان على أحد بحق غيره؛ فمن أعطى حق الله لأحد خلقه فقد عمد إلى حق أكبر كبير؛ فأعطاه أذل ذليل وكان كرجل وضع تاج الملك على مفرق إسكاف؛ وأي جور أكبر من هذا الجور وأي ظلم أفحش من هذا الظلم؟ وليعلم يقينا أن كل مخلوق كبيرا كان أو صغيرا هو أذل من إسكاف أمام عظمة الله وجلالته؛ وقد دلت الآية وشهد بها الشرع والعقل السليم أن الشرك أقبح العيوب؛ وما زال الناس يعتبرون إساءة الأدب مع كبرائهم وسادتهم- أكبر عيب وأعظم خرق؛ فلما كان ﵎ أكبر من كل كبير كانت إساءة الأدب إليه والإشراك معه عيبا ليس فوقه عيب؛ وخرقا لا يفوقه خرق؛ وقد اتفقت جميع الشرائع على المنع من الشرك والأمر بالتوحيد وهو الصراط المستقيم وطريق النجاة؛ وكل ما عداها من طرق وسبل، فهي طرق الضلال والسبل المردية ... ؛ إن الله تعالى لا يقبل إلا خالصا مخلصا ليس لأحد فيه نصيب كما
стр. 549
أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه وأنا منه بريء» .
وقد دل هذا الحديث على أن الله تعالى لا يقبل عملا أشرك فيه معه غيره فلا يقبل عبادة المشرك بل يتبرأ منها؛ وليس شأنه شأن الذين يأخذون نصيبهم من الشيء المشترك بينهم وبين غيرهم؛ فإنه أغنى من كل غني وأغير من كل غيور فلا يقبل إلا خالصا مخلصا ليس لأحد فيهم سهم أو نصيب "، ثم ذكرا حديث الميثاق في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] ؛ فقالا: (وقد تبين من الحديث أنه سبق أمر الله بالتوحيد؛ والنهي عن الشرك لكل نسمة في عالم الأرواح وما بعث الرسل ونزلت الصحف إلا لتبين ذلك وتؤكده؛ وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ : «لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت» .
فيجب على المسلم أن يصبر على ما يصيبه من الأذى؛ ولا ينبغي أن تحمله هذه الفتنة على وهن في الدين أو فساد في
стр. 550
العقيدة فيحبط بذلك عمله ويخسر بذلك دينه الذي هو ملاك أمره ورأس ماله؛ وقد دل هذا الحديث على أن من مقت الشرك ونبذ الآلهة وكره تقديم النذور والقرابين إليها؛ وحارب العادات الجاهلية والتقاليد الباطلة فأصابته خسارة في المال أو رزية في الأولاد ... - فيجب عليه أن يصبر على ذلك ويستقيم على دينه؛ وأخرج الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: «قال رجل يا رسول الله أي الذنب أكبر؟ قال: أن تدعو لله ندّا وهو خلقك» .
وقد دل على هذا الحديث أن إشراك العبد أحدا بالله تعالى في علمه المحيط وقربه من كل أحد وقدرته على كل شيء فيستغيث به ويستصرخه- أكبر الكبائر؛ لأنه ليس في إمكان أحد أن يسعف بحاجته مثله وأن يكون [علمه] :
في كل مكان لا يغيب عنه شيء.
ثم إن كان الواقع أن الله تعالى هو الذي خلقنا وربنا ونحن نقر بذلك وجب علينا أن لا ننادي إلا إياه؛ ولا نستعين إلا به،
стр. 551
وما لنا ولغيره؟ فمن كان من جملة عبيد ملك وصنائعه انقطع إليه كليّا؛ وأطبق عينه عن ملك ورئيس فضلا عن وضيع أو خسيس، أيجمل بنا أن نكون أقل غيرة أو أضعف وفاء من المملوك لمولاه المجازي؟ الموحد المذنب حري بأن يتوب وتدركه رحمة الله ولطفه بخلاف المشرك العابد؛ وأخرج الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: «يا ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» .
وقد دل هذا الحديث أن الإنسان مهما أتى به من الذنوب واقترف من آثام وإن كانت تعدل ذنوب أكبر العصاة والمجرمين كفرعون وهامان ولكنه سلم عن الإشراك بدل الله سيئاته حسنات وأتاه بقراب هذه الذنوب مغفرة؛ فظهر أن الذنوب تتضاءل أمام عقيدة التوحيد؛
стр. 552
وأن بركتها تغشى المذنب فتمحو خطاياه؛ كما أن للشرك شؤما وظلمة تغطي على جميع الحسنات؛ وتحبط جميع العبادات؛ فكان الموحد الفاسق خير من المتقي المشرك ألف مرة؛ كما أن الوفي المقصر من الرعية كان خيرا من الثائر المتملق؛ لأن الأول نادم على تقصيره؛ والثاني معجب بخديعته ونفاقه مدل بنفسه يحسب أنه يحسن صنعا) .
* * * * *
стр. 553
الفصل الثاني
في عدة قواعد وضوابط فقهية لعلماء الحنفية يستفاد منها في حماية حمى التوحيد وسد جميع الذرائع الموصلة إلى الشرك
كلمة بين يدي هذا الفصل:
لقد جرت عادة الإنسان على حفظ الأشياء الثمينة من الضياع ودل على ذلك النقل الصحيح* والعقل الصريح*.
وكلما كان الشيء أثمن وأغلى* وأنفع وأعظم وأعلى* كان التدبير لحفظه وحمايته أشد وأمتن وأكثر* وأدق وأحكم وأوفر*.
ولما كان شأن التوحيد بتلك المكانة التي ذكرت نبذة منها من أنه الغاية من خلق الجن والإنس ولأجل تحقيقه أرسلت الرسل وللدعوة إليه أنزلت الكتب، وهو أعظم ما يحبه الله ويرضاه؛ وهو الغاية العظمى* والمقصد الأسمى * والهدف الأسنى*
стр. 554
وكان الشرك بعكس ذلك أعظم ما يكرهه الله ويبغضه ويحبط به الأعمال ويخلد صاحبه في النار- استحكم تحذير الله تعالى ورسوله ﷺ من الشرك ومن كل ما يخل بالتوحيد، أو يكون سببا في الوقوع في ما يضاد التوحيد من الشرك فأوجب الله ورسوله حماية حمى التوحيد وسد كل ذريعة تفضي إلى الشرك؛ ونهى الله ورسوله عن كل ما يضاد التوحيد من الشرك ووسائله.
ولما كان الأمر كما وصفت- سعى أئمة السنة* وأساطين هذه الأمة* سعيا حثيثا وشمروا عن ساق الجد والجهد في التحذير من كل ما يكون سببا للشرك من قريب أو بعيد؛ فحموا حمى التوحيد وسددوا جميع ما يضاده من الشرك وذرائعه.
ولعلماء الحنفية رحمهم الله تعالى أيضا جهود في هذا السبيل فلهم قواعد عامة يمكن الاستفادة منها في هذا الباب من سد ذرائع الشرك.
كما أن لهم أقوال خاصة في التحذير من وسائل الشرك بالله تعالى وفي كل ذلك عبرة للقبورية عامة والحنفية منهم خاصة.
القاعدة الأولى:
١ - " درء المفاسد أولى من جلب المنافع ".
٢ - " دفع المضرة أولى من جلب المنفعة ".
стр. 555
أقول: حاصل كلام علماء الحنفية في ضوء هذه القاعدة المهمة:
أن الأفعال التي لا تخلو من بعض المنافع ينظر في ارتكابها إلى مضارها.
ويجب اجتنابها لأجل مضارها وإن كانت مشتملة على بعض المنافع فكيف إذا لم يكن في فعلها منفعة؟ بل يكون ارتكابها محض الضرر وخالص الشر.
فزيارة القبور على الطريقة القبورية التي سيأتي شرحها وتوسلهم المتضمن للاستغاثة بالذوات والاستعانة منهم ونحو ذلك؛ كل ذلك يجب اجتنابها لما في ذلك من المفاسد ما لا يخفى.
القاعدة الثانية:
" اختيار أهون البليتين ".
ولهم في ذلك عدة نصوص:
١ - " الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ".
٢ - " المبتلى بين الشرَّين يتعين عليه أهونهما ".
٣ - " يختار أهون الشرين ".
٤ - " إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب
стр. 556
أخفهما ".
٥ - " إذا اجتمع للمضطر محرمان كل منهما لا يباح بدون الضرورة وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضررا لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا يباح ".
٦ - ونحوها " إن المبتلى في أمرين يختار أهونهما ".
٧ - " دفع الضرر العام واجب بإثبات الضرر الخاص ".
٨ - " ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ".
هذه القواعد الثمان ترجع إلى قاعدة واحدة:
وهي: اختيار أهون البليتين إذا ابتلي الإنسان بين الشرين كل ذلك لدفع الشر الأكبر.
فلو فرضنا أن هدم القباب والمساجد التي بنيت على القبور ونحوها فيه شيء من الشر- وهو إهدار الأبنية وما قد يتوهمه بعض الناس أن فيه إهانة للقبور- فبقاؤها على حالها وانتياب الناس إليها أفواجا بقصد الاستغاثة بأصحابها ونحوها من المفاسد العظمى * والبلايا الكبرى* التي هي إما شرك صراح * وكفر بواح* أو موصلة إلى الشرك الصريح * والكفر القبيح* وضرر أشد ومفسدة أعظم فلا بد من هدمها وإزالتها وتسوية تلك القبور * درءا لتلك الأضرار والشرور*.
стр. 557
القاعدة الثالثة:
" يتحتم ترك الحلال خشية الوقوع في الحرام ".
١ - " إذا اجتمع حظر وإباحة غُلّب جانب الحظر ".
٢ - " إذا اجتمع ما يوجب الحل والحرمة في ذات واحدة ترجح الحرمة ".
٣ - " إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام ".
٤ - " ما اجتمع محرم ومبيح إلا غلب المحرم ".
٥ - " الأصل الإباحة والحظر مقدم ".
٦ - " وعند الاجتماع يغلب الحظر ".
٧ - " إذا تحقق المعارضة رجح جانب الحرمة على الحل ".
٨ - " وإذا تعارض الدليلان ... - قدم التحريم ".
قلت: هذه النصوص الثمانية حاصلها:
أن الترجيح للحرام؛
стр. 558
ومعناه: إذا تردد الأمر بين الحلال والحرام- تعين تركه خشية الوقوع في الحرام.
وقد فرع على هذه القاعدة علماء الحنفية أن أفاعيل القبورية من توسلاتهم وزياراتهم معرضة لهم للوقوع في الشرك الصريح فتحتم عليهم التجنب منها.
هذا لو فرضنا أن زيارتهم وتوسلاتهم مترددة بين الحظر والإباحة مع أن توسلاتهم وزياراتهم متضمنة للشرك الصريح* والكفر القبيح* والبدع الظلماء* والمنكرات الشنعاء*.
القاعدة الرابعة:
إذا تردد الأمر بين كونه سنة وبين كونه بدعة فتركه محتم.
هذه القاعدة من أعظم القواعد التي بنى عليها علماء الحنفية مسائل كثيرة وجعلوها أصلا أصيلا وفرعوا عليه فروعا عديدة.
١ - قال ابن نجيم الملقب بأبي حنيفة الثاني (٩٧٠هـ) :
" ما تردد بين بدعة وواجب اصطلاحي فإنه يترك كالسنة ".
٢ -٤- وقال العلامة أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) والشيخ سبحان بخش الهندي والشيخ محمد إبراهيم السورتي؛ واللفظ للأول:
(قال ابن الهمام:
стр. 559
وما تردد بين البدعة والسنة يتركه؛ لأن ترك البدعة لازم وأداء السنة غير لازم؛ وفي الخلاصة: مسألة تدل على أن البدعة أشد ضررا من ترك الواجب ... ثم عللوا ذلك بأن المعاصي يتاب عنها والبدعة لا يتاب عنها؛ لأن صاحب المعاصي يعلم أنه مرتكب المعصية فيرجى له التوبة والاستغفال وأما صاحب البدعة فيعتقد أنه في طاعة الله وعبادته فلا يتوب ولا يستغفر وهذا ما يريده إبليس فإن إبليس قصم ظهر بني آدم بالمعاصي وهم قصموا ظهره بالتوبة فاحتال عليهم إبليس فأحدث لهم البدع التي لا يتوبون منها) .
٥ - قال العلامة اللكنوي:
" والأمر إذا دار بين الكراهة والإباحة ينبغي الإفتاء بالمنع لأن دفع مضرة أولى من جلب منفعة ".
التفريع:
٦ - قال شيخ القرآن الفنجفيري ردّا على بدع القبورية بعدما فصل القول في تحقيق هذه القاعدة وطول النفس فيها:
التفريع:
فالبدعات المروجة في ديارنا كلها متروكة بهذا الأصل؛ وحجة المبتدعة بشيوع الفعل أو بعمل الشيوخ داحضة على أن المحققين من العلماء صرحوا في كتبهم على ذمها.
стр. 560
كالميلاد وحيلة الإسقاط الوس والختمات للموتى أو على القبور ... ؛ وفي الشامي (ص٢١٠) :
" ترك الشيء من لدن الصحابة إلى الآن حجة واتباع المنقول واجب ".
القاعدة الخامسة:
" متابعة النبي ﷺ كما تكون في الفعل كذلك تكون في الترك ".
هذه قاعدة مهمة بنى عليها علماء الحنفية كثيرا من المسائل؛ وأصل أصيل فرعوا عليه عدة فروع، وميزوا بذلك بين كثير من البدع من السنن.
١ -٤- قال العلامة الملا علي القاري (١٠١٤هـ) والشيخ عبد الحق محدث الحنفية في الهند (١٠٥٢هـ) .
والعلامة محمد عابد السندي أحد كبار علماء الحنفية (١٢٥٧هـ) ؛ والشيخ قطب الدين الدهلوي (١٢٨٩هـ) ، واللفظ للأول:
стр. 561
(والمتابعة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضا.
فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع فهو مبتدع) .
٥ -٧- وقال الإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) والشيخ سبحان بخش الهندي والشيخ محمد إبراهيم السورتي.
واللفظ للأول:
(وأما ما كان المقتضي لفعله في عهده ﷺ موجودا من غير وجود المانع منه؛ ومع ذلك لم يفعله ﷺ ؛ فإحداثه تغيير لدين الله تعالى؛ إذ لو كان فيه مصلحة لفعله ﷺ أو حثّ عليه؛ ولما لم يفعله ﷺ ولم يحث عليه- علم أنه ليس فيه مصلحة بل هو بدعة قبيحة سيئة؛ مثاله: الأذان في العيدين؛ فإنه لما أحدثه بعض السلاطين أنكره العلماء وحكموا بكراهيته؛ فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهيته؛ لقيل: " هذا ذكر الله تعالى ودعاء الخلق إلى عبادة الله تعالى؛ فيقاس على أذان الجمعة "؛ أو يدخل في العمومات التي من جملتها قوله تعالى:
﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١] ،
стр. 562
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] ، لكن لم يقولوا ذلك؛ بل قالوا: " كما أن فعل ما فعله ﷺ كان سنة كذلك ترك ما تركه ﷺ مع وجود المقتضي وعدم المانع منه كان سنة أيضا؛ فإنه ﷺ لما أمر بالأذان في الجمعة دون العيدين كان ترك الأذان فيهما سنة؛ وليس لأحد أن يزيده ويقول:
" هذا زيادة العمل الصالح لا يضر زيادته "؛ فيقال له: " هكذا تغيرت أديان الرسل وتبدلت شرائعهم، فإن الزيادة في الدين لو جازت؛ لجاز أن يصلي الفجر أربع ركعات والظهر ست ركعات؛ ويقال: " هذا زيادة عمل صالح لا يضر زيادته "؛ لكن ليس لأحد أن يقول ذلك؛ لأن ما يبديه المبتدع من المصلحة والفضيلة؛ إذا كان ثابتا في عصره ﷺ ، ومع هذا لم يفعله ﷺ فيكون ترك مثل هذا الفعل سنة مقدمة على كل عموم وقياس؛ فمن عمل به مع اعتقاده أنه غير مشروع في الدين؛ يكون فاسقا غير مبتدع؛ وإن عمل به مع اعتقاده أنه مشروع في الدين؛ يكون فاسقا ومبتدعا؛ لأن الفسق أعم من البدعة؛ فكل بدعة فسق من غير عكس؛
стр. 563
وكذلك قيل: " البدعة شر من الفسق؛ فإن من يفعل البدعة فهو يتنقص الرسول " ﷺ "، وإن كان في زعمه أنه يعظمه بالبدعة؛ حيث يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب؛ فيكون مشاقا لله ولرسوله " ﷺ "؛ لاستحسانه ما كرهه الشرع ونهى عنه؛ وهو الإحداث في الدين؛ وإنه تعالى قد شرع لعباده من العبادات ما فيه كفاية لهم؛ وأكمل دينهم وأتم عليهم نعمته كما أخبر به في كتابه الكريم.
٨ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري:
(الأصل الثالث في الاتباع) .
والاتباع كما يكون في الفعل كذلك يكون في الترك؛ لأنه قد ثبت أن عدم النقل يدل على الكراهة؛ وأن ما لا دليل عليه فهو مردود ... ؛ وقد نهى النبي ﷺ عن الإحداث في الدين ... ؛ واعلم أن سنة النبي ﷺ كما تكون في الفعل تكون في الترك؛ وكما نتقرب إلى الله تعالى بفعل ما فعله النبي ﷺ كذلك نتقرب إلى الله تعالى بترك ما تركه النبي ﷺ فالفاعل لما ترك كالتارك لما فعل؛ والكلام مفروض في ترك شيء لم يكن في زمن النبي ﷺ مانع منه وتوفرت الدواعي على فعله؛
стр. 564
وذلك كتركه الأذان للعيدين والغسل لكل صلاة وصلاة ليلة النصف من شعبان والأذان للتراويح والدعاء بعد السنن بهيئة الاجتماع والختم للموتى؛ وقد ثبت أن أكبر الكبائر التقول على الله تعالى.
٩ - وقال: (وقال الإمام ابن تيمية: فأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا؛ ولا أمرنا به ولا فعله فعلا سن لنا أن نتأسى به فيه- فهذا ليس من العبادات والقرب فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ مجموعة الرسائل ٥\٩٨-) .
وقال أيضا:
(وقال الحافظ ابن القيم:
فإن تركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة؛ فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق ... ) .
стр. 565
١٠ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري:
(التفريع على هذه القاعدة:
هذه القاعدة ينفعك في رد جميع ما أحدثوه من البدعات وألفت النفوس بها منذ قرون متطاولة؛ مثل الدعاء بعد السنة بهيئة الاجتماع وتقسيم الفدايا في القبور؛ وتداول الأيدي بها والدعاء بعد الجنازة [بهيئة اجتماعية] والذكر أمام الجنازة والذكر الجهري فيما لم ينقل عن الشارع ونهيقهم في السحور؛ على رأس المنبر.
وعلى أبواب المساجد: " الصلاة رحمكم الله ".
وخلف المشائخ في السكك؛ والصلاة المسماة بالقضاء العمري، وصلاة الرغائب،
следующие страницы →