← Акыда

Акыда · id 8594

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية

شمس الدين الأفغاني

Полный текст (1 553 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الأول في تعريف التوحيد لغة عند علماء الحنفية لقد اهتم علماء الحنفية بتعريف التوحيد لغة، فهو عندهم - لغة -: ١ - مصدر من باب التفعيل من مادة ((وح د)) مثال واوي؛ بمعنى الانفراد. ٢ - قال الرازي الحنفي (٦٦٦هـ) : (ويقال: وحده وأحده بتشديد الحاء فيهما؛ كما يقال: ثناه وثلثه) . ٣ - وقال الجرجاني: (٨١٦هـ) :

стр. 72

(التوحيد في اللغة: الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد) . ونحوه قاله آخرون من الحنفية. ٤ - وقال الزبيدي (١٢٠٥هـ) : (وحده توحيدًا: جعله واحدًا، وكذا أحده؛ كما يقال: ثناه وثلثه) . قلت: بناء على ما ذكره هؤلاء العلماء من الحنفية من معنى التوحيد لغة، فالتوحيد يطلق على ثلاثة معان: الأول: جعل الشيء واحدًا. الثاني: الحكم على الشيء بأنه واحد. الثالث: العلم والاعتقاد بأن هذا الشيء واحد. أي: نسبة الشيء إلى الانفراد، ونفي الشركاء عنه،

стр. 73

فخاصة باب التفعيل هاهنا: التعدية مع النسبة إلى أصل الفعل. هذا كان معنى ((التوحيد)) لغة؛ وأما معناه اصطلاحًا عند علماء الحنفية - فبيانه في المطلب الآتي. *****

стр. 74

المطلب الثاني في معنى التوحيد اصطلاحًا إن علماء الحنفية قد عرفوا ((التوحيد)) بعدة تعريفات ولكنها متقاربة المعاني، وإن كانت عبارتها شتى، أذكر منها ما يلي: ١ - قال الإمام أبو جعفر الطحاوي إمام الحنفية في عصره (٣٢١هـ) - مبينًا عقيدة الأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق: أبو حنيفة (١٥٠هـ) ، وأبو يوسف (١٨٢هـ) ، ومحمد بن الحسن

стр. 75

الشيباني (١٨٩هـ) ، رحمهم الله تعالى، معرفًا للتوحيد: (نقول في توحيد الله - معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره) . ٢ - وقال الإمام البدر العيني (٨٥٥هـ) والعلامة أبو الطيب السندهي (١١٤٠هـ) ، واللفظ للأول: (توحيد الله تعالى - هو الشهادة بأن الله إله واحد، والتوحيد في الأصل مصدر ((وحد، يوحد)) ، ومعنى: ((وحدت الله)) : اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته، لا نظير له * ولا شبيه له، وقيل: التوحيد: إثبات ذات غير مشبهة بالذوات * ولا معطلة من الصفات *) .

стр. 76

٣ - وقال الشيخ برخور دار علي: (التوحيد: أن نقول: لا إله إلا الله، مع اعتقاد القلب، والتصديق به، وإفراد الله بالعبادة، فلا يعبد غيره) . ٤ - وقال التفتازاني الملقب عند الحنفية بالعلامة الثاني (٧٩٢هـ) : (حقيقة التوحيد: اعتقاد عدم الشريك في الألوهية وخواصها) . ٥ - ٦ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) وتبعه الفتني (١٣٢٧هـ) : (التوحيد: اعتقاد حصر وجوب الوجود، وقصر خلق السماوات والأرض وسائر الجواهر لله ، واعتقاد حصر تدبير السماوات والأرض وما بينهما له تعالى؛ فلا يكون غيره سبحانه واجبًا ولا خالقًا ولا مدبرًا، وأنه لا يستحق العبادة غيره جل وعلا) . ٧ - وقال الإمام ولي الله أيضًا:

стр. 77

(توحيد الله تعالى: الإقرار بوحدانيته، واتصافه بالمحامد، وتنزيهه عن النقائص، وطرد الإشراك به عبادة واستعانة وذبحًا ونذرًا وحلفًا) . ٨ - ١٠ - وذكر الناصري (٦٥٢هـ) وابن أبي العز (٧٩٢هـ) والقاري (١٠١٤هـ) : أن التوحيد يتضمن ثلاثة أمور: ربوبية الله، وصفاته، وعبوديته. ١١ - ١٢ - وقال الجرجاني (٨١٦هـ) في بيان أركان التوحيد التي هي تعريف له وتبعه الشيخ البركتي: (وهو ثلاثة أشياء: معرفة الله بالربوبية، والإفراد بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة) . ١٣ - وقال الشيخ عبد الحميد الآلوسي (١٣٢٤هـ) :

стр. 78

(التوحيد نفي العبد الآلهة الباطلة، والتصديق بأن الله تعالى وحده لا شريك له واحد في ذاته، واحد في صفاته) . ١٤ - وقال الأستاذ أبو الأعلى المودودي (١٩٧٧م) . (معنى لا إله إلا الله: أنه ليس ... أحد جدير بأن يعبده الناس ويسجدوا له بالطاعة والعبادة إلا الله. فما لهذا الكون من مالك ولا حاكم إلا هو وحده، وكل شيء مفتقر إليه، مضطر إلى استعانته) . الحاصل: أنه تبين لنا من هذه التعريفات:

стр. 79

أن التوحيد: اعتقاد العبد: أن الله واحد في ذاته وملكه؛ لا ند له، وواحد في صفاته وأفعاله لا مثل له، وواحد في إلهيته وعبادته؛ لا شريك له. وهذا التعريف للتوحيد هو الحق الجامع المانع طردًا وعكسًا بخلاف تعريف القبورية للتوحيد كما سيأتي. وبعد هذا ننتقل إلى المطلب الآتي لنعرف كلام علماء الحنفية في إبطال تعريف القبورية للتوحيد. *******

стр. 80

المطلب الثالث في إبطال تعريف القبورية للتوحيد لقد ذكرت في المطلب السابق بعض نصوص علماء الحنفية في تعريف التوحيد اصطلاحًا؛ وحاصل هذه التعريفات: أن ((التوحيد)) هو ((الاعتقاد والشهادة بأن الله منفرد بذاته وصفاته وربوبيته وإلهيته، وعبادته، لا شريك له في ذلك كله)) . وأقول: إن هذا التعريف هو الصحيح الجامع المانع، الموافق لما عرفه به كثير من أئمة السنة غير الحنفية؛ وإليك بعض التعريفات للتوحيد التي ذكرها علماء أهل السنة غير الحنفية: ١ - هو اعتقاد (أن الله واحد في ملكه، وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له) . ٢ - اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له،

стр. 81

ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة، وأنه منفرد في ذاته وصفاته، فلا رب غيره، ولا مشارك له في صفاته، ولا إله غيره. ٣ - علم العبد واعترافه واعتقاده بتفرد الرب بكل صفة كمال، وأنه لا شريك في كماله، وفي أنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. قلت: هذه كلها تعريفات صحيحة؛ جامعة لأفراد التوحيد وأنواعها؛ مانعة عن دخول غيره فيه؛ فهذه الأقوال لهؤلاء الحنفية في تعريف التوحيد، تبطل تعريف القبورية للتوحيد، كما تزهق تعريف الكلامية له. وفيما يلي تعريفات القبورية والكلامية للتوحيد ليظهر جيدًا جليًّا للقراء المتدبرين في هذه التعريفات صحة تعريف علماء الحنفية الذي ذكرته عنهم للتوحيد وبطلان تعريف القبورية الكلامية له. فأقول: وبالله التوفيق: أولًا: تعريف القبورية للتوحيد:

стр. 82

١ - اعتقاد انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير وأنه لا فاعل إلا الله تعالى. ٢ - (نفي التشبيه والتعطيل) . ٣ - (إفراد القديم من المحدث) . ثانيًا: تعريف الكلامية للتوحيد: ١ - إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا نظير له وواحد في أفعاله لا شريك له. ٢ - إن الله واحد في ذاته، واحد في صفاته، وخالق لمصنوعاته. ٣ - التوحيد: (هو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه مرجع كل كون، ومنتهى كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ ... ) . أقول: انتبه أيها المسلم الذي ضالته الحق وفكر في تعريفات هؤلاء القوم من القبورية والكلامية الذين تحالفوا وتآخوا في تعريفاتهم للتوحيد الذي هو أعظم مطلب في الإسلام؛ كيف ضلوا عن الجادة المستقيمة وانحرفوا عن الصراط السوي في معرفة المقصد الأسمى في الإسلام، فقد عرفوا التوحيد بتعريفات ناقصة

стр. 83

غير جامعة لأنواعه. فتعريفاتهم هذه فيها بعض الحق لا كله؛ لأنها في الحقيقة تعريفات لتوحيد الربوبية وتوحيد الصفات، أما توحيد الألوهية والعبادة - فلا شائبة له في هذه التعريفات ألبتة. وهذا الانحراف السافر عن الجادة الصحيحة في معرفة التوحيد والجهل الواضح بحقيقة التوحيد الكامل الخالص - هو السبب الوحيد لانخراطهم في مهاوي أنواع من الشركيات بسبب عبادة القبور وأهلها وتأليه المشايخ وجعلهم أربابًا يعبدونهم من دون الله؛ حيث غفلوا عن حقيقة الألوهية، وفسروا توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية وجعلوه هو الغاية العظمى، مع أن توحيد الربوبية لم ينازع فيه أمثال أبي جهل من صناديد الكفرة والمشركين. ولما كانت الأشياء تعرف بأضدادها، وتبين أن تعريف القبورية والكلامية للتوحيد باطل مزيف وأن الصحيح هو تعريف علماء الحنفية - الموافق لكلام بقية علماء السنة - وأن هذا التعريف يشمل عدة من الأنواع - ننتقل إلى المبحث الثاني لنعرف أنواع التوحيد. *****

стр. 84

المبحث الثاني في أنواع التوحيد عند علماء الحنفية وردهم على القبورية في ذلك وفيه مطالب ثلاثة: - المطلب الأول: في أن القبورية لا يرون تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية ورد علماء الحنفية عليهم. - المطلب الثاني: في التقسيم الثنائي للتوحيد عند علماء الحنفية. - المطلب الثالث: في التقسيم الثلاثي للتوحيد عند علماء الحنفية.

стр. 85

المطلب الأول في بيان أن القبورية لا يرون تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية ورد علماء الحنفية عليهم لقد سبق أن علماء الحنفية قد عرفوا التوحيد بحيث يدل على أنواعه من توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية. فتعريفهم للتوحيد يدل دلالة قاطعة واضحة على أن توحيد الألوهية من أهم أنواع التوحيد وأنه غير توحيد الربوبية؛ بخلاف القبورية؛ فإنهم عرفوا التوحيد بحيث لا يفهم من تعريفهم له أن هناك توحيدًا يسمى توحيد الألوهية، وأنه نوع من أنواع التوحيد العام المطلق. فالذي يفهم من تعريفات القبورية للتوحيد - هو عين ما يفهم من تعريفات الكلامية له: وهو أن التوحيد ثلاثة أنواع: الأول: توحيد الذات. والثاني: توحيد الصفات. والثالث: توحيد الأفعال. وهذا الأخير هو توحيد الربوبية؛

стр. 86

وزعموا أنه هو الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ . ولذاك نرى القبورية ينكرون تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية أشد الإنكار. بل قال بعضهم مسفسطًا: إن التوحيد مصدر والمصدر معنى من المعاني لا يمكن تقسيمه لذاته. بل جازف بعضهم إلى حد قال: إن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أنواع: الربوبية، الصفات، الألوهية، ليس من دين السلف؛ بل هو من دين النصارى وأقانيمهم الثلاثة؛

стр. 87

فتوحيدهم أشبه بتوحيد النصارى؛ فهم يقولون: التوحيد ثلاثة أنواع، والنصارى يقولون: الأب والابن وروح القدس إله واحد. وقد طعنوا في هذا الصدد في شيخ الإسلام، ومجدد الدعوة الإمام، أنواعًا من الطعون وسبوهما أنواعًا من السباب والشتائم - التي لا تصدر إلا من الفسقة الفجرة الرعاع الأوباش. إبطال علماء الحنفية قول القبورية هذا: وقد أجاب علماء الحنفية عن هذيان القبورية هذا بأجوبة سيأتي تفصيلها إن شاء الله. ولكن أذكر هاهنا جوابًا واحدًا ذكره كثير من علماء الحنفية وهو أن هذا الذي ذكرتم من التوحيد الذي ليس فيه توحيد العبادة - وجعلتموه غاية عظمى للبعثة - هو توحيد الربوبية الذي اعترف به المشركون السابقون فليس هذا هو مفترق الطرق بين المسلمين وبين المشركين فدل هذا دلالة قاطعة لا تحتمل النقيض -: أن ما ذكرتم من التوحيد ليس هو كل التوحيد الكامل الخالص المتضمن لتوحيد الألوهية - الذي دعت إليه الرسل وأنزلت لأجله الكتب.

стр. 88

وبناء على ما سبق - صرح علماء الحنفية بأن تقسيم القبورية وكذا المتكلمة للتوحيد إلى أنواع ثلاثة: ١- توحيد الذات. ٢- توحيد الصفات. ٣- توحيد الأفعال؛ وهو أشهر أنواع التوحيد عندهم، وهو توحيد الربوبية الذي اعترف به المشركون - باطل؛ لخلو هذه الأقسام عن أهم هذه الأنواع، وهو توحيد الألوهية والعبادة - الذي دعت إليه الرسل ونزلت لتحقيقه الكتب. وإنما الحق والصواب ما سيأتي في المطلبين الآتيين: *****

стр. 89

المطلب الثاني في التقسيم الثنائي للتوحيد عند علماء الحنفية لقد تبين مما سبق في المطلب الأول: أن تقسيم القبورية والكلامية للتوحيد - كان باطلًا مزيفًا؛ لعدم شموله لأهم أنواعه؛ ألا وهو توحيد العبادة، وإذا عرفنا بطلان تقسيمهم - للتوحيد - فما هو التقسيم الصحيح للتوحيد الجامع لأنواعه جميعًا؟ والجواب: أن التقسيم الصحيح للتوحيد - هو ما ذكره علماء الحنفية؛ موافقًا لكلام بقية أئمة السنة، من تقسيم التوحيد إلى أنواعه التي يدخل فيها توحيد الألوهية الذي هو أهم أنواع التوحيد. فأقول: لعلماء الحنفية تقسيمان للتوحيد: الأول: تقسيم ثنائي. والثاني: تقسيم ثلاثي.

стр. 90

ولا منافاة بين هذين التقسيمين؛ لأن مرجعهما واحد. أما التقسيم الثنائي؛ فلعلماء الحنفية فيه طريقان: الطريق الأول: أن التوحيد قسمان: ١ - توحيد المرسل. ٢ - توحيد المتابعة. لقد قسم علماء الحنفية التوحيد إلى قسمين رئيسين: الأول: توحيد المرسل وهو توحيد الله تعالى - بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل. والثاني: توحيد متابعة الرسول ﷺ بكمال التسليم والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق؛ كأنه سمع رسول الله ﷺ مباشرة يقوله. وعدم معارضته بالقياس والعقول، وعدم تقديم أقوال الأئمة على أمره وقوله؛ وعدم عرض قوله وخبره على قول المشائخ والأئمة؛ فلا يفعل ما يفعله كثير ممن أخل بهذا التوحيد - من المتكلمة والمقلدة -؛ حيث يعرضون قول الرسول ﷺ وأمره وخبره على أقوال المشائخ والأئمة. فإن وافق قولهم - قبلوه ونفذوه؛ وإلا فوضوا فيه وأعرضوا عنه؛ أو حرفوه عن مواضعه، وسموا تحريفه تأويلًا وحملًا؛ بل الغرض والواجب المبادرة إلى امتثال قوله ﷺ من غير التفات إلى

стр. 91

سواه) . قلت: النوع الأول: وهو توحيد المرسل - يتنوع عند علماء الحنفية: إلى ثلاثة أنواع ومتضمن لها ومستلزم لها وهي: ١ - توحيد الربوبية. ٢ - توحيد الصفات. ٣ - توحيد العبادة. فلا يتناقض هذان التقسيمان الثنائي والثلاثي. قلت: هذا النوع من التوحيد (توحيد المرسل) - هو الأصل، وقد أشار الإمام ابن القيم ﵀ إلى هذين النوعين في التوحيد بقوله: هذا وثاني نوعي التوحيد تو ... حيد العبادة منك للرحمن إلى أن قال: والسنة المثلى لسالكها فتو ... حيد الطريق الأعظم السلطاني فلواحد كن واحدًا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان

стр. 92

وأما النوع الثاني: وهو توحيد المتابعة - فهو أيضًا في غاية الأهمية عند علماء الحنفية الذين عرفوا مكانة هذا النوع من التوحيد؛ فقد صرحوا بأن من أخل بهذا النوع من التوحيد؛ فقد اتخذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله؛ وعبد المشايخ والأئمة؛ وأشرك بالله تعالى؛ وأنه مشرك كافر يستتاب - وإلا قتل، كما يفعله الغلاة المقلدة للمشايخ والأئمة. قلت: لقد صدق هؤلاء العلماء الحنفية في أن بعض المقلدين من الغلاة الجامدين - يرفعون الأئمة فوق منزلتهم؛ كأنهم رسل وأنبياء؛

стр. 93

بل يجعلهم أربابًا يعبدونهم من دون الله - بالطاعة المطلقة؛ فيعرضون نصوص الكتاب والسنة على أقوالهم؛ فما وافق قولهم قبلوه وما خالفه أولوه أو ردوه؛ بل وصل ببعضهم الحال إلى حد اعتراف بأن الحق كذا؛ ولكن اتباع المذهب واجب. فرد الحق بعد ما عرفه لأجل المذهب، وهذا نوع من دأب اليهود نسأل العافية. وقد وصل الغلو بالشيخ محمود الحسن الملقب عند الديوبندية بشيخ الهند وصدر المدرسين بجامعة ديوبند وأحد كبار أئمتهم (١٣٣٩هـ) ، - إلى هاوية، قال بلسانه وشهد على نفسه ببنانه: (إن مسألة الخيار: ((خيار المجلس للمتعاقدين)) من مهمات المسائل؛ وخالف أبو حنيفة فيه الجمهور، وكثير من الناس المتقدمين

стр. 94

والمتأخرين وصنفوا رسائل في ترديد مذهبه في هذه المسألة؛ ورجع مولانا الشاه ولي الله المحدث الدهلوي قدس سره في رسائل مذهب الشافعي؛ من جهة الأحاديث والنصوص؛ وكذلك قال شيخنا من ظله بترجيح مذهبه، وقال: الحق والإنصاف: أن الترجيح للشافعي في هذه المسألة، ونحن مقلدون يجب علينا تقليد إمامنا أبي حنيفة) !؟ وقد وصل في الغلو والتعصب للحنفية إلى حد حرف في القرآن؛ وزاد فيه ما لم يقله ربنا الرحمن. وجازف بعض غلاة الديوبندية في التعصب للحنفية إلى أن قال: (وقالوا: المنتقل من مذهب إلى مذهب آخر باجتهاد وبرهان - آثم يستوجب التعزير؛ فبلا اجتهاد وبرهان أولى) . قلت: لقد ارتكب هذا القائل طامتين: الأولى: أنه وصل في الغلو في المذهب وللمذهب إلى حد - هو شرك وإخلال بتوحيد المتابعة عند محققي الحنفية كما سبق آنفًا.

стр. 95

والثانية: أنه أحال على فتح القدير للإمام ابن الهمام (٨٦١هـ) . مع أن الإمام ابن الهمام قد رد على هذه الخرافة. هذه كانت الطريقة الأولى في التقسيم الثاني: وأما الطريقة الثانية فيأتي بيانها الآن بإذن الله وتوفيقه: الطريق الثاني للحنفية في تقسيم الثنائي للتوحيد: لعلماء الحنفية طريق ثان في تقسيم التوحيد إلى نوعين؛ فقد قالوا: التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه - نوعان: الأول: توحيد في الإثبات والمعرفة. والثاني: توحيد في الطلب والقصد. وبعبارة أخرى: توحيد المعرفة والإثبات. وتوحيد القصد والعمل. ويسمون الأول أيضًا: التوحيد العلمي الخبري، والثاني التوحيد الإرادي الطلبي.

стр. 96

كما يسمون الأول: التوحيد في العلم والتوحيد العلمي. والثاني: التوحيد في الإرادة والقصد، والتوحيد القصدي الإرادي. تعريف هذين النوعين للتوحيد. لقد عرف علماء الحنفية هذين النوعين للتوحيد؛ فقالوا: الأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله؛ كما أخبر عن نفسه وأخبر رسوله ﷺ ؛ وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح؛ كما في أوائل سورتي الحديد، وطه، وآخر سورة الحشر، وأوائل سورتي السجدة وآل عمران، وسورة الإخلاص وغيرها. وأما النوع الثاني: فهو قصد الله تعالى وطلبه سبحانه بعبادته وحده لا شريك له في ذلك؛ وذلك مثل ما تضمنته سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] ،

стр. 97

وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام. وجه الحصر في هذين النوعين: لقد ذكر علماء الحنفية وجه الحصر لهذين النوعين للتوحيد؛ فقالوا: القرآن كله: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله - فهو التوحيد العلمي الخبري. وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه - فهو التوحيد الإرادي الطلبي. وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته - فهو من حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد في الدنيا والآخرة - فهو ثواب التوحيد. وإما خبر عن أهل الشرك وما حل بهم من النكال في الدنيا وما يحل بهم من العذاب في العقبى - فهو جزاء من خرج عن التوحيد. تنبيه: لقد صرح علماء الحنفية -

стр. 98

بأن التوحيد في المعرفة والإثبات - يشمل النوعين من التوحيد وهما: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. وأما توحيد القصد والعمل - فهو النوع الثالث وهو: توحيد الألوهية. فلا منافاة لهذا التقسيم الثنائي للتوحيد، وبين التقسيم الثلاثي الآتي. ****

стр. 99

المطلب الثالث في التقسيم الثلاثي للتوحيد عند الحنفية لقد سبق أن علماء الحنفية يقسمون التوحيد إلى نوعين، ولكنهم تارة يقسمونه إلى ثلاثة أنواع؛ فيقولون: التوحيد أنواع ثلاثة: الأول: توحيد الأسماء والصفات. الثاني: توحيد الربوبية. الثالث: توحيد الألوهية ((توحيد الإلهية)) . قلت: هذه الأقسام الثلاثة للتوحيد التي ذكرها علماء الحنفية لا تختلف في المعنى عن النوعين اللذين ذكرهما هؤلاء العلماء الحنفية في التقسيم الثنائي السابق. وإنما الفرق في المباني لا في المعاني؛ فإن النوعين السابقين في المعنى لا يختلفان عن هذه الثلاثة كما

стр. 100

سبق، غير أن الفرق في الإجمال والتفصيل؛ فمن أجمل ذكر النوعين ومن فصل ذكر الثلاثة. وهذا التقسيم الثلاثي الذي ذكره علماء الحنفية - أيضًا موافق لما قاله سائر أئمة السنة؛ فقد ذكر هذه الأنواع الثلاثة كثير منهم غير الحنفية أيضًا. وبعدما ذكرت تقسيم الحنفية التوحيد إلى الأنواع الثلاثة يحسن أن أذكر عنهم تعريف كل نوع على حدة؛ لتتضح المحجة وتقام الحجة: الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات: هو اعتقاد إثبات ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ له تعالى من غير تشبيه ولا تكييف ولا تأويل.

стр. 101

الثاني: تعريف توحيد الربوبية: هو الاعتقاد بأن الله هو وحده الخالق الرازق والمدبر والنافع والضار والمجير والمحيي والمميت: فلا خالق ولا رازق ولا مدبر ولا نافع ولا ضار ولا مجير غيره سبحانه. الثالث: تعريف توحيد الألوهية: هو الاعتقاد بإفراد العبادة لله الواحد الصمد؛ لأن ((الإله)) من يقصد للعبادة. قلت: هذه الأنواع للتوحيد التي ذكرها علماء الحنفية كما ذكرها غيرهم من أئمة السنة - هي الحق الصواب الذي لا يحتمل النقيض؛ لأن توحيد العبادة - الذي هو أهم هذه الأنواع - هو في الحقيقة مفترق الطرق بين المسلمين وبين المشركين، ولأجل تحقيقه أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، وهو المتضمن المستلزم لتوحيد الربوبية وتوحيد الصفات، أما ما ذكره القبورية والكلامية - فناقص؛ لأنه بعض الحق لا كله؛

стр. 102

لعدم شموله توحيد العبادة الذي هو المقصود الأعلى الأسمى والغاية العظمى، فإن توحيد الربوبية لا خلاف فيه للمشركين؛ قال العلامة محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، والإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) ، واللفظ للأول: (توحيد الربوبية هو الذي أقرت به الكفار جميعهم؛ ولم يخالف أحد منهم في هذا الأصل إلا الثنوية والمجوس. وأما غيرهما من سائر فرق الكفر والشرك - فقد اتفقوا على أن خالق العالم ورازقهم، ومدبر أمرهم ونافعهم وضارهم، ومجيرهم واحد، لا رب ولا خالق ولا رازق ولا مدبر ولا نافع ولا ضار ولا مجير غيره؛ كما قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ،

стр. 103

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٥] . ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] ....، وإذا علمت هذا - تبين لك أن المعركة بين أهل التوحيد والمشركين - في الألوهية فقط....، وجميع الرسل من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى توحيد الله وعبادته) . قلت: إذا كان الأمر على ما ذكره علماء الحنفية من اعتراف المشركين كافة بتوحيد الربوبية؛ وأن المعترك كان توحيد الألوهية؛ وأن الله قد أنزل لتحقيقه الكتب وأرسل للدعوة إليه الرسل - كيف يصح للقبورية إنكارهم لتقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية؟ وكيف يتم لهم أن توحيد الربوبية هو الغاية؟ وبهذه التحقيقات النفيسة تبين إبطال جميع ما هذوا به في الطعن في تقسيم التوحيد إلى هذه الأنواع الثلاثة، كيف لا وقد اعترف بهذا كله أحد كبار من له صلة بالقبورية ألا وهو الشيخ أبو غدة الكوثري الحنفي:

стр. 104

وفيما يلي نصه بحرفه وفصه ليكون فيه عبرة للمعتبرين ونكال للمعاندين وإتمام الحجة على القبورية وإلقام الحجر في أفواه الخرافية عامة، والكوثرية خاصة؛ قال بعد ذكر توحيد الأسماء والصفات: (وأما تقسيم التوحيد إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية - فهذا تقسيم اصطلاحي استقاه العلماء مما جاء في الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى؛ مما رد الله تعالى به على المشركين الذين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية؛ وفي سورة الفاتحة التي يقرأها المسلم في صلاته مرات كل يوم - دليل على ذلك؛ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ) .

стр. 105

قلت: لقد أنطق الله هذا الكوثري ببعض الحق؛ فقد حقق وأثبت أن تقسيم التوحيد إلى هذه الأنواع الثلاثة من صميم الإسلام ومستقى من القرآن ولا سيما أم القرآن؛ فقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : توحيد الربوبية. وقوله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ : توحيد الأسماء والصفات. وقوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ : توحيد الألوهية. فهل يبقى عذر للقبورية بعد شهادة هذا الكوثري بلسانه واعترافه ببيانه؟!!؟ . وبعدما عرفنا التوحيد وأنواعه - ننتقل إلى الفصل الآتي لنعرف أهمية توحيد الألوهية، وكونه هو الغاية العظمى عند علماء الحنفية، وردهم على القبورية؛ لأنه من موضوع هذه الرسالة. ****

стр. 106

الفصل الثالث في أهمية توحيد الألوهية وكونه هو الغاية عند علماء الحنفية لقد تبين مما سبق أهمية شأن العقيدة في الإسلام بصفة عامة كما سبق تعريف التوحيد وأنواعه وأهميته بين العقائد بصفة خاصة. وفي هذا الفصل أتحدث عن جهود علماء الحنفية في بيان أهمية توحيد العبادة بين سائر أنواع التوحيد بصفة أخص؛ لأن غالب انحراف القبورية إنما كان عن توحيد العبادة حيث أشركوا بالله ، وعبدوا القبور وأصحابها بأنواع العبادات؛ فأخلوا بهذا النوع من التوحيد إخلالًا واضحًا سافرًا، وناقضوه فناسب ذلك أن أذكر جهود علماء الحنفية في بيان أهمية توحيد الألوهية؛ وكونه هو الغاية العظمى والمقصد الأسمى من الخلق وإرسال الرسل وإنزال الكتب ليعرف المسلمون مدى ضلال القبورية عن أهم نوع من أنواع التوحيد وإخلالهم بالمقصد الأسنى، ومناقضتهم للهدف الأسمى وانحرافهم عن الغاية العظمى التي هي توحيد العبادة المتضمن لبقية أنواع التوحيد. وبيان ذلك في عدة وجوه: الوجه الأول: وجه إجمالي يجمع ميزات توحيد العبادة على وجه الإجمال، والوجوه التي بعده تفصيل وشرح له، فهو أم الوجوه:

стр. 107

قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) والعلامة القاري (١٠١٤هـ) واللفظ للأول: (اعلم أن التوحيد [توحيد العبادة] : ١ - أول دعوة الرسل. ٢ - وأول منازل الطريق. ٣ - وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله . قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] . وقال هود ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥، هود: ٥٠] . وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣، هود: ٦١] . وقال شعيب ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥، هود: ٨٤] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وقال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» . ٤ - ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف ((شهادة

стр. 108

أن لا إله إلا الله)) . لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك. كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم. بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان. ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك ولم يوجب أحد منهم على وليه: أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين؛ وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبًا باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجود الصلاة؛ لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك ... ٥ - فالتوحيد أول ما يدخل [المرء] به في الإسلام. ٦ - وآخر ما يخرج به من الدنيا؛ كما قال النبي ﷺ : «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» . ٧ - وهو أول واجب وآخر واجب.

стр. 109

٨ - فالتوحيد أول الأمر وآخره؛ أعني: توحيد الإلهية؛ فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: أحدها: الكلام في الصفات. والثاني: توحيد الربوبية. وبيان أن الله وحده خالق كل شيء. والثالث: توحيد الإلهية؛ وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له) . الوجه الثاني: أن توحيد العبادة هو المطلب الأعلى والهدف الأسمى والمقصد الأسنى المطلوب من الناس والمأمور به؛ قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) - بعدما أبطل مزاعم المتكلمين في كون توحيد الربوبية هو الغاية، محققًا أن توحيد الربوبية أمر فطري مركوز مستقر في فطر الناس وأن المشركين كانوا معترفين به. وأن مفترق الطرق والمعترك إنما هو توحيد الألوهية -: (فعلم أن المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية ... ) .

стр. 110

وقد استدل علماء الحنفية لتحقيق هذا المطلوب بعدة آيات أذكر منها آيتين على سبيل المثال مع أقوالهم في تغييرها: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . قال الإمام أبو الثناء محمود بن عبد الله الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) : (والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في الكتب الإلهية على ألسنة الأنبياء ﵈: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ : جليل الشأن وهو الله سبحانه، ويطيعوا أمره ولا يطيعوا أمر غيره؛ فإن ذلك مناف لعبادته جل شأنه......) . وقال الإمام أبو السعود العمادي (٩٨٢هـ) :
следующие страницы →