Полный текст (1 553 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ولقد استدل علماء الحنفية بهذا الحديث على إبطال عقيدة القبورية في التصرف في الكون للأولياء؛ حيث: إن هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي تثبت التصرف في الكون لله وحده لا شريك له، وتنفي عن غيره تعالى، ويدل على أن الأنبياء والأولياء وغيرهم من المخلوقين- لا يملكون لأنفسم نفعا ولا ضرا؛ فضلا عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتا ولا حياةً ولا نشورا، وأن غيره تعالى غير قادر على العطاء والمنع * ودفع الضر وجلب النفع*
стр. 877
وللملا علي القاري (١٠١٤هـ) كلام مهم في شرح هذا الحديث، يقطع دابر القبورية.
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن حوالة الأزدي:
قال: «بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا فرجعنا فلم نغنم شيئا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: اللهم لا تكلهم إليّ فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم» .
ولقد استدل علماء الحنفية بهذا الحديث على إبطال عقيدة القبورية في زعمهم التصرف في الكون للأنبياء والأولياء؛ فإنه صريح، ونص على أن النبي ﷺ لا يملك نفعا ولا ضرا، وأنه عاجز عن حفظ نفسه، فكيف يملك حفظ غيره؟؟؟؛ كما دل هذا الحديث على أن حفظ الخلق صفة خاصة بالله
стр. 878
تعالى.
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة ﵁:
قال: «قام فينا النبي ﷺ ، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: " لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله، أغثني!، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، وعلى رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله.. أغثني!؛ فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، أو على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله! أغثني!؛ فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك "» .
ولقد استدل بهذا الحديث علماء الحنفية على إبطال عقيدة القبورية من أن الأنبياء والأولياء يتصرفون في الكون ويملكون النفع والضر؛ فإن هذا الحديث صريح في أن سيد البشر، وأفضل الأنبياء لا يملك نفعا ولا ضرا حتى لأصحابه، فما بالك بغيره؟؟؟.
стр. 879
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁:
قال: «قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
قال: " يا معشر قريش - أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم.. لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي! لا أغني عنك من الله شيئا "» .
ولقد استدل علماء الحنفية بهذا الحديث على إبطال عقيدة القبورية في زعمهم التصرف في الكون للأنبياء والأولياء.
وبينوا: أن هذا الحديث صحيح صريح، بل نص على أن النبي ﷺ لا يملك نفعا ولا ضرا لبنته، وعمه، وعمته، وأقاربه، وأنه لا يستطيع أن يخلصهم من بطش الله وعذابه ... فما ظنك بغيره!؛ فلو كان ﷺ يملك القدرة والتصرف والنفع والضر- لكان أقاربه أحق الناس بأن يدفع عنهم الضر ويجلب لهم الخير، ولم يقل لهم: " إني لا أملك لكم، ولا أغني عنكم من الله شيئا ".
стр. 880
قلت: هذه كانت عدة أمثلة من تلك الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي استدل بها علماء الحنفية على إبطال عقيدة القبورية في زعمهم التصرف في الكون للأنبياء والأولياء، فقد عرفت أن هذه الآيات والأحاديث تدل دلالة قاطعة على ان الأنبياء والأولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا؛ فكيف يملكون ذلك لغيرهم ... ؟؛ فضلا عن أن يملكوا الإحياء، والإماتة، والإقطاع في الجنة، والإغناء، والشقاء، والسعادة، والهداية، والشقاء، والإعطاء.
وأقول: بعد هذا ننتقل إلى المبحث الآتي، لنطلع على نصوص الحنفية على أن هذه العقيدة شركية.
стр. 881
المبحث الثالث
في نصوص علماء الحنفية ردا على عقيدة القبورية
في زعمهم التصرف في الكون للصالحين
وبيان أن هذه العقيدة عقيدة شرك وكفر
لقد صرح علماء الحنفية بأن التصرف في الكون من صفات الله تعالى الخاصة به، وأنه لا متصرف في الكون غير الله تعالى، كما أنه لا رب، ولا خالق للكون غيره تعالى.
وأن من يعتقد في الأموات والأرواح أنها تتصرف في الكون فقد كفر؛ فما ظنك بمن يعتقد أن فلانا يملك الجنة والنار..، وأن السماوات والأرض كالخلخال في رجله..، وأنه يحيي ويميت، وأن بيده الهداية والشقاء ... ، وأنه يملك الإقطاع من الجنة، ونحو ذلك من الكفريات التي ذكرتُها عن القبورية في غلوهم في الصالحين.
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية على إبطال هذه العقيدة وتكفير أهلها:
١ -٨- فتوى جمع من فقهاء الحنفية وأئمتهم في تصرف الأموات:
(ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك شيئا، ومنها أن ظن
стр. 882
أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى، واعتقاد ذلك كفر) .
قلت: هذا النص نص صريح ناطق حاكم على القبورية بأن عقيدتهم في التصرف في الكون للأولياء: عقيدة باطلة، بل كفر صريح.
٩ -١٧- فتوى جماعة من فقهاء الحنفية وكبارهم في تصرف الأرواح وتشكلهم وإتيانهم وحضورهم:
قالوا: (من قال أرواح المشائخ حاضرة تعلم يكفر) .
قلت: في هذا النص عبرة بالغة للقبورية عامة، وللديوبندية خاصة.
١٨ -٢٣- كلام جمع من كبار علماء الحنفية في الرد على القبورية، واللفظ للألوسي (١٢٧٠هـ) قالوا: (وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم في بر أو بحر:
دعوا من لا يضر ولا ينفع * ولا يرى ولا يسمع *) .
٢٤ -٢٨- قول جمع من كبار علماء الحنفية في الرد على القبورية: واللفظ للإمام صنع الله الحلبي الحنفي (١١٢٠هـ) :
стр. 883
(هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين [من القبورية] جماعات * يدعون أن للأولياء تصرفاتٍ في حياتهم وبعد الممات * ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهم تكشف المهمات* فيأتون قبورهم، وينادونهم في قضاء الحاجات * مستدلين على أن ذلك منهم كرامات * ... ، أما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات *- يرده قوله جل ذكره: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤] .
[وقوله سبحانه] : ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
[وقوله تعالى] : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤، آل عمران: ١٠٩، ١٢٩، النساء: ١٢٦، ٢٣١، ١٣٢، النجم: ٣١] .
وما هو نحوه من الآيات الدالة على أنه [ هو] المنفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شركة لغيره في شيءٍ منها بوجه من الوجوه؛ فالكل تحت ملكه، وقهره، تصرفا، وملكا،وإحياءً، وإماتةً، وخلقا؛ وعلى هذا اندرج الأولون ومن بعدهم، وأجمع عليه المسلمون، ومن تبعهم، وفاهوا به كما فاهوا بقولهم: لا إله إلا الله؛
стр. 884
وتمدح الرب تعالى بانفراده في ملكه بآيات من كتابه العزيز، كقوله: ... ، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] .
[وقوله] : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤] .
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] ..، إلى غير ذلك من الآيات التي لا تستقصي؛ فقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ في هذه الآيات كلها: أي من غيره تعالى، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته: من شيطان وولي- تستمده.
فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره؟ ... ؛ إن هذا من السفاهة لقول وخيم، وشرك عظيم..؛ فكيف حال من كذب على أولياء الله بهذا السؤال [الاستغاثة] ، وجعلهم متصرفين في الأفعال؟؛ فهذا من أقبح الضلال وأشنع * وأجرى في الفرية على الرب وأبدع* وأما القول بالتصرف بعد الممات * فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة * قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:
стр. 885
٣٠] ، [وقال سبحانه] : ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ ... [الزمر: ٤٢] ... ؛ فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت؛ وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة..؛ فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته، فضلا عن [التصرف في] غيره بحركة؛ وأن روحه محبوسة مرهونة بعملها من خير وشر،.
فإذا عجز عن حركة نفسه، فكيف يتصرف في حق غيره؟؛ فالرب يخبر: أنه يمسك الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون [القبوريون] يقولون: إن الأرواح مطلقة!!!؛ ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ .
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وأما ما ذكروه عن فلان وفلان [من الحكايات، كزعمهم:] أنهم
стр. 886
رأوه [أي الولي] بعد الموت يتصرف- فهو من التصرفات الدجالية * والزخرفات الخيالية الشيطانية * ... ؛ أما اعتمادهم بأن هذه التصرفات لهم من الكرامات- فهو من المغلطة؛ لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم به أولياءه..؛ لا عن قصد لهم فيه ولا تحدي ولا قدرة ولا علم، كما في قضية مريم بنت عمران ... ؛ فلا يقال: إنه من تصرفاتهم ... ؛ وأما قولهم [أي القبورية] : ويستغاث بهم في الشدائد والبليات * وبهم تنكشف المهمات * فهذا أقبح مما قبله وأبدع * وأفظع في الأسماع وأشنع * لمصادرته قوله جل ذكره ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٢] ..؛ [وقوله سبحانه] : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] ، وما هو نحو ذلك من الآيات؛ فإنه جل ذكره قرر أنه [هو] الكاشف للضر لا غيره، وأنه المتعين لكشف الشدائد والكرب، وأنه [هو] المنفرد لإجابة دعاء المضطرين لا غيره، وأنه المستعان لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر ... وأنه القادر
стр. 887
على إيصال الخير، فهو المنفرد بذلك؛ فإذا تعين هو جل ذكره- خرج غيره من ملك، ونبي، وولي، وغيره [أي الجن] ؛ كما فسر به قوله جل ذكره: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] .
بدليل ما بعدها، [وهو قوله تعالى] : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧] ؛ فإنه صريح في أن الأنبياء لا يستطيعون كشف ضر أحد، فكيف بغيرهم ممن هو أدنى منهم؟؟؟؛ ولكن ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ... ؛ وأما كونهم [أي القبورية] معتقدين التأثير منهم، وأن لهم التصرف في قضاء حوائجهم، وكما تفعله جاهلية العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم، ويستنجدون بهم- فهذا من المنكرات؛ لأن الأحياء إذا انتفى عنهم التصرف كما مرّ- فكيف يثبت للأموات!؟!؛ قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠] ،
стр. 888
[وقال جل وعلا] : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] ، فهل على الله استدراك ... ؟ فإنه تعالى أخبر بأن أهل القبور لا تسمع..؛ وأما ما ذكروه من تصرف الأرواح- فهو من الأقوال القباح، ... ؛ وقد قال جل ذكره: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] .
أي فلا يردها، وتبقى عنده، وينقطع تعلقها عن الأحياء، وتصرفها في الأبدان ... ؛ فكيف لهؤلاء القوم [أي القبورية] التصرف بما أرادوه، وأن أرواح أشياخهم متصرفة؟ وإذا قضى الله حاجة لهم- نصبوا لمشائخهم رايات، وعدوا ذلك لهم كرامات؛ وهذا من خرافات الشيطان للإنسان؛ قال جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٧] .
[وقال ] : ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] ؛ فمن اعتقد أن لغير الله: من نبي، أو ولي، أو غير ذلك في كشف [ضر] ، أو قضاء حاجة تأثيرا- فقد وقع في وادي جهل خطير * فهو على شفا حفرة من السعير *
стр. 889
وأما كونهم مستدلين على أن ذلك من كرامات- فحاشا الله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة؛ أو يظن بهم: أن دفع الضر وجلب النفع منهم كرامة؛ فهذا ظن أهل الأوثان، كما أخبر الرحمن: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] .
[وقالوا] : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ؛ وأما أهل الإيمان فليس لهم غير الله دافع* ومنه تحصل المنافع*..
قال جل ذكره ... ، [حكاية عن ولي من أوليائه] :
﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣] ؛ فإنه ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وملك وولي، [فطلب] الأمداد [منهم] إشراك مع الله،
стр. 890
إذ لا قادر على الدفع غيره* ولا خير إلا خيره* ... ؛ فمن اعتقد: أن جلب المنافع، ودفع المضار من غير الله، أو ممن أشركه مع الله- فقد افترى في دينه فرية* ما مثلها بلية* [واعلم] : أن الكرامة لا تجدي فيها، ولا هي عن قصد حتى تكون من تصرفاتهم؛ وفي التنزيل: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٠٩، العنكبوت:٥٠] ، [وفي التنزيل أيضا] : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨] ، فهذا خطاب لأكبر رسل الله!!!؛ فكيف بغيره من أولياء ... ) .
٢٩ -٣٢-قول الإمام البزازي (٨٢٧هـ) ، وغيره من كبار أئمة الحنفية:
стр. 891
(سئل الزعفراني: عمن يزعم: أنه رأى ابن أدهم يوم التروية بكوفة ورآه أيضا في ذلك اليوم بمكة.
قال: كان ابن مقاتل يكفر ... ؛ وقال محمد بن يوسف: يكفر، وعلى هذا ما يحكيه جهلة خوارزم: أن فلانا كان يصلي سنة الفجر بخوارزم، وفرضه بمكة) .
قلت: هذا النص صريح في تكفير هؤلاء القبورية الذين يزعمون أن الولي يصلي صلاة كذا وكذا في مكان كذا وكذا، ويصلي صلاة كذا وكذا مثلا
стр. 892
في مكة أو المدينة، إلى غير ذلك من خرافاتهم.
كما هو صريح في تكفير هؤلاء القبورية الذين يزعمون وجود شخص واحد في عدة أمكنة متباعدة في آن واحد.
٣٣ -٣٤- قول الإمام ابن أبي العز أحد أئمة الحنفية (٧٩٢هـ) ، وبعض الحنفية:
(وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم [الصوفية] و [بين] أهل الاستقامة فحرك - تَرَ [أي جَرِّبْ- تَعْرِفْ] ، وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا!!! فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله ﷺ حين أحصر عنها؟؟؟ وهو يود منها نظر!!! وهؤلاء [الصوفية القبورية] لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث يقول:
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] إلى آخر السورة) .
стр. 893
قلت: في هذا النص عبرة ونكال للقبورية الذين زعموا مثل هذه الخرافات.
٣٥ - كلام العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في إبطال مزاعم القبورية في الغوث:
(أما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع- فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام؛ مثل تفسير بعضهم: أن الغوث الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم؛ حتى قد يقولون: إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته؛ فهذا من جنس قول النصارى في المسيح، والغالية في علي؛ وهذا كفر صريح يستتاب صاحبه؛ فإن تاب، وإلا قتل ... ) .
٣٦ - قول العلامة الخجندي (١٣٩٧هـ) بعد ذكر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ الآية [الحج:٧٣] :
(يخاطب الله تعالى عامة الناس: عربهم وعجمهم، ذكرهم وأنثاهم، عالمهم وجاهلهم، ويأمرهم بالاستماع له وتفهم ما يقول من المثل:
إن الذين تدعون في عباداتكم* أو طلباتكم، وقضاء حاجاتكم*
стр. 894
من دون الله من الملائكة أو الكروبيين * أو الروحانيين، أو الأنبياء والأولياء [والصالحين] * أو أي مدعو كان- لن يستطيعوا أبدا، ولا يقدرون قطعا أن يخلقوا ذبابا، ولو اجتمع أولهم وآخرهم لأجل ذلك، والحال أنه أصغر المخلوقات وأضعفها، وإنما خلقه الله تعالى لإذلال الجبارين والمتكبرين ... ؛ فيا أيها الناس!! إن كان الأمر هكذا- كيف ظننتم في بعض المخلوقين واعتقدتم أنه يضركم أو ينفعكم أو ينقذكم من عذاب الله؟!؟؛ فعبدتموهم، ونذرتم له، أو توجهتم إليه، فاتخذتم هذه الأنداد، وهذه الأصنام، وهذه الأوثان، وهذه القبور التي بنيتم عليها القبب والبنيان الشامخات، وجلستم متوجهين إليها راجين منهم، وسائلين إياهم وخائفين منهم، وقد أخذ الشيطان عقولكم وزين لكم الشرك بالله، فأشركتم بربكم وأنتم لا تشعرون؛ لأنكم جهلتم معاني كتاب ربكم الحكيم العليم، وأخرجتم أنفسكم عن حيز الإنسانية* إلى حضيض الحيوانية بل إلى سعير الشيطانية * ... ، فلا تلوموا إلا أنفسكم أيها
стр. 895
المجرمون ... ) .
قلت: بعد ما عرفنا بعض جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة القبورية في علم الغيب والتصرف لغير الله- ننتقل إلى الفصل الآتي لنعرف جهودهم في إبطال شبهات القبورية في ذلك.
стр. 896
الفصل الثالث
في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية
التي تثبتوا بها لدعم عقيدتهم في علم الغيب
والتصرف في الكون لغير الله تعالى
للقبورية شبهات كثيرة تشبثوا بها، تشبث الغريق لدعم عقيدتهم الفاسدة في زعمهم علم الغيب والتصرف في الكون لغير الله.
أذكر منها أشهرها مع كلام علماء الحنفية في إبطالها:
الشبهة الأولى: شبهة الاستقلال والعطاء.
زعمت القبورية: أن الشرك هو اعتقاد أن غير الله تعالى يعلم الغيب علما ذاتيا استقلاليا، وأما إذا اعتقد الإنسان أن الأنبياء، والأولياء يعلمون الغيب بإعطاء الله تعالى لا بالاستقلال - فهذا لا يدخل في باب الشرك؛ فكل ما ورد من النصوص التي فيها نفي علم الغيب من غير الله تعالى- فالمراد: نفي علم الغيب على سبيل الاستقلال، لا على سبيل الإعطاء من الله تعالى.
стр. 897
الجواب:
لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بعدة وجوه:
الوجه الأول: أن يقال: لا ريب أن وجود النبي ﷺ وجود عطائي لا ذاتي وكذا رسالته ﷺ أمر عطائي لا ذاتي، وهكذا القرآن الكريم عطاء من الله تعالى لرسوله ﷺ ، فجميع علومه ﷺ عطائية لا ذاتية، وإذا ثبت ذلك- فلا يمكن أن يعتقد أحد أن النبي ﷺ يعلم علم الغيب علما ذاتيا بالاستقلال، لأن الموصوف إذا كان عطائيا- فلا يعقل أن تكون صفاته ذاتية بالاستقلال دون العطاء، وهذا أمر ضروري معلوم ببداهة العقول.
الوجه الثاني: أن يقال: إن من قال: إن الله تعالى إله وخالق ورازق بالاستقلال وبالذات، ولكن النبي ﷺ إله، وخالق، ورازق بالعطاء، لا بالذات ولا بالاستقلال- فلا شك أنه كافر خارج عن ملة الإسلام، مرتد عن الدين، ومشرك شركا صراحا، وكافر كفرا بواحا؛ مع أنه لم يدع أن رسول الله ﷺ خالق ورازق وإله بالذات
стр. 898
والاستقلال، فهكذا حكم من اعتقد أن الله تعالى عالم الغيب بالذات والاستقلال، وأن الأنبياء والأولياء يعلمون الغيب بالعطاء.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الله تعالى لم يعط أحدا علم الغيب كله فالله هو وحده يعلم المغيبات كلها؛ أما غيره تعالى فلا يعلم الغيب كله لا استقلالا ولا عطاء؛ وقد صرح علماء الحنفية بأن الله تعالى لم يشرك أحدا في علم غيبه على سبيل العطاء.
وقد صرح علماء الحنفية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] :
بأن النبي ﷺ لم يعد علم الشعر؛ فبطلت شبهة العلم العطائي من أصلها.
ونص علماء الحنفية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] :
على أن النبي ﷺ لم يعط علم أخبار الرسل كلهم، بل الله تعالى أعطاه علم بعض أخبار بعض الرسل؛ فهذا دليل قاطع على أن النبي ﷺ لم يعط علم الغيب كله،
стр. 899
فلم يعلم الغيب كله حتى على سبيل العطاء من الله تعالى.
الشبهة الثانية: شبهة الكرامة:
لقد تشبثت القبورية لجواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات بكرامات يذكرونها عن أوليائهم الذين يستغيثون بهم عند الشدائد، ويقولون بجواز الاستغاثة بهم عند الملمات بحجة أن الله تعالى أكرمهم بالكرامات التي بها يقتدرون على كشف المكروبين، وإجابة دعاء المضطرين، وبها يتصرفون في الكون، وبها يعلمون حال الداعين، وبها يسمعون نداءهم.
وهذه الشبهة من أهم الشبهات التي يذكرها عامة القبورية في كتبهم.
ويقولون: إن الكرامة تظهر من الولي بقصده وبغير قصده.
стр. 900
وقصدهم بذلك أن الأولياء لهم قدرة على التصرف في الكون، وأن ذلك منهم كرامة، وأن الكرامة تصدر منهم بقصد منهم أيضا، ويقولون: إن الكرامة لا تنقطع بعد الموت، وجازف بعض أئمة القبورية كالكوثري وغيره فقالوا:
" الولي في الدنيا كالسيف في غمده فإذا مات تجرد منه، فيكون أقوى في التصرف ".
وهكذا نرى أئمة القبورية يصرحون أن الأولياء أقوى تصرفا وقدرة بعد الموت منهم في حياتهم؛
стр. 901
ولذلك يقولون: الاستمداد من الموتى أسرع في قضاء الحاجة.
وإنه أنجح لمقصوده، وأقرب إلى الإجابة.
ويقولون جهارا دون إسرار بلا حياء من رب العباد ولا من العباد: اعتناء الولي باللائذين به بعد موته يكون أكثر من اعتنائه بهم في حياته؛ لأنه كان مشغولا بالتكليف، وبعد موته يطرح عنه الأعباء وتجرد؛ ولأن الحي فيه بشرية وخصوصية، والميت ليس فيه إلا الخصوصية فقط، فالولي لم يفقد في قبره شيئا من علمه وعقله وقواه الروحانية، بل يزداد علما وحياةً وروحانيةً وتوجها، فينفع بعد مماته أكثر مما ينفع في حياته.
هكذا اهتم أئمة القبورية بكرامات الذين يستغيثون بهم في الشدائد ليحتجوا بها على جواز الاستغاثة بهم، بل على وجوبها.
فنراهم قد أفردوا لها مباحث وفصولا وأبوابًا، بل رسائل ومؤلفاتٍ، وقد أتوا في هذا الباب بأعجب العجب من الأكاذيب والأساطير. وإذا أنكر عليهم أحد وقال لهم: إن هذه الخوارق بعد موت الأولياء باطلة لا أصل لها- قاموا عليه وهولوا وجولوا وصاحوا وصرخوا وهاجوا وماجوا قديما
стр. 902
وحديثا.
الجواب: لقد أجاب علماء الحنفية عن شبهة الكرامات، وأبطلوا تشبث القبورية بها بعدة أجوبة جعلوها كأمس الدابر، أذكر منها ثمانية:
الجواب الأول: أنه لا ملازمة بين الكرامات وبين الاستغاثة بأصحابها، لأن الكرامة لا تقتضي جواز الاستغاثة بصاحبها ولا تبيحها، بل الاستغاثة بأصحاب الكرامات ليست إلا طريقة أهل الأوثان؛ قال الإمام صنع الله الحلبي:
(وأما كونهم مستدلين على أن ذلك من الكرامات، فحاشا الله أن يكون أولياء الله بهذه المثابة، وأن يظن بهم أن دفع الضر وجلب النفع منهم كرامة، فهذا ظن أهل الأوثان، كما أخبر الرحمن [عنهم بقوله] : ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾
стр. 903
[يونس: ١٨] .
وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] .
وأما أهل الإيمان فليس لهم غير الله دافع* ومنه تحصل المنافع، قال جل ذكره: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤٠-٤١] ... ، فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وملك وولي وغيره على وجه الإمداد إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره* ولا خير إلا خيره) .
وقال العلامة شكري الآلوسي في الرد على ابن جرجيس البغدادي مبينا أن الكرامة لا تبيح الاستغاثة بأهلها، ومحققا أن ثبوت الكرامة لا يستلزم جواز الاستغاثة:
(ثم ساق كلاما طويلا يتعلق بإثبات كرامات الأولياء، ظنا منه أن ثبوته يبيح له ولأمثاله دعاء الصالحين ونداءهم في الملمات، والاستغاثة بهم في الشدائد، فسبحان الله العظيم ما أشغف هذا الرجل بكل ما يخالف الشريعة الغراء* ويألفه العوام والجهلاء * فلذلك أفتى بكل نكير * ولم يعترف بوجود منكر في العالم بتقرير ولا تحريم، وأثقل ما يكون عليه الأمر بالمعروف، ما وردت به السنة، وإذا ذكر الله وحده اشمأز قلبه * واكفهر وجهه* وصار في أعظم محنة،
стр. 904
وخلاصة الكلام * أنه أحد إباحية الطغام*) .
الجواب الثاني: أن الكرامة أمر خارق للعادة يظهرها الله تعالى على يد ولي من أوليائه بدون اختياره، وهي من فعل الله ولا يد للولي فيها، بل ليس للولي كسب في الكرامة.
وقد صرح بذلك كثير من أئمة القبورية، وكلامهم حجة على إخوانهم من أهل مشربهم؛ بل صرح النابلسي أحد كبار مشاهير أئمة القبورية (حنفي ١١٤٣هـ) بأن الكرامة بمحض قدرة الله تعالى وإرادته، ولا مدخل لقدرة العبد فيها، ولا لإرادته، ومن زعم أن للولي تأثيرا فيها فقد كفر.
بل صرّح علماء الحنفية بأن المعجزة أيضا ليست إلا فعلا لله سبحانه.
وقال الإمام صنع الله الحلبي مبطلا شبهة الكرامة ومبينا أن الكرامة ليست في قدرة الولي واختياره:
(وأما اعتمادهم بأن هذه التصرفات لهم من الكرامات- فهو من المغلطة..
стр. 905
لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم به من أولياءه وأنبياءه، لا عن قصد لهم ولا تحدي، ولا قدرة ولا علم ... ، فلا يقال: إنه من تصرفهم أو يطلق عليه ما قالوه من التصرف، " وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا "؛ فالمؤمنون المخلصون مبرأون من مثله) .
وقال ﵀ أيضا: (والكرامة ليست من هذا الباب لأنها من إظهار التكرم لأهل تقواه بدون الإذن لهم ودون التحدي والقصد منهم) .
وقال ﵀ أيضا: (وهي أمر خارق للعادة كالمعجزة غير أنها لا تقرن بدعوى نبوة ولا بتحدي، ولا فيها قصد بحيث كلما أراد جرت، لأنها من الآيات وهي على وفق إرادته تعالى؛ قال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٠٩، العنكبوت: ٥٠] .
وليس للمخلوق فيها تصرف بما أراد، ومن أراد، وأن لا تكون مصادمة للشريعة الغراء) .
قال العلامة شكري الآلوسي مبطلا شبهة المستغيثين بالأموات
стр. 906
المتشبثين بالكرامات:
(وأما الجواب عن مسألة الكرامات- فيقال: إن كرامات الأولياء حق لا شبهة فيها ... ؛ ولكن الكرامة فعل الله لا فعل للولي فيها، ولا قدرة له عليها، ولا تأثير، وكل من يذكر تعريف الكرامة وحدها يقول: " هي خرق الله العادة لوليه، لحكمة ومصلحة تعود عليه أو على غيره "، وعلى هذا التعريف لا فعل للولي فيها ولا إرادة، فقد تكون سببا يقتضي دعاء من قامت به أو فعلت له، ومن أي وجه دلت الكرامة على هذا، وأفضل الناس الرسل، والملائكة من أفضل خلق الله، ولهم من المعجزات والكرامات ما ليس لغيرهم، فقد جاء عيسى ابن مريم بما هو أعجب المعجزات والكرامات:
يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم من الغيب بما يأكلون وما يدخرون، وقد أنكر الله تعالى على من قصده ودعاه في حاجته وملماته، وأخبر أن فاعل ذلك كافر بربه ضال بعبادة غيره؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ ... [آل عمران: ٨٠] الآية، والأرباب هم المعبودون المدعوون، وقال تعالى فيمن عبدوا المسيح: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] ،.
وسيأتيك أن الدعاء والنداء بما لا يقدر عليه إلا الله داخل في مسمى
стр. 907
العبادة فتنبه، فأخبر تعالى عن المسيح أنه لا يملك لمن دعاه نفعا ولا ضرا،.
وإن قل؛ كما يفيده التنكير، وأبطل عبادته، وأنكرها أشد الإنكار* ومعجزاته أوضح من الشمس في وسط النهار) .
وقال ﵀ أيضا: (لا يستغاث بالمخلوق فيما يختص بالخالق، ولو كان المخلوق قد ثبت له من الكرامة ما ثبت، فالكرامة فعل الله لا فعل غيره، والمستغاث هو الله لا غيره؛ ولم يكن الصحابة يستغيثون ويسألون من ظهرت له كرامة أو حصلت له خارقة من الخوارق؛ فهذا الكلام الذي قاله الغلاة جهل مركب يليق بقائله، وكل إناء بالذي فيه ينضح) .
الحاصل: ما قاله العلامة خرم علي البلهوري (١٢٧٣هـ) .
(نتأسف على حال المسلمين حيث إنهم نسوا واجباتهم التي أمروا بها في القرآن واتبعوا الحكايات الكاذبة والأساطير الواهية، وبنوا اعتقادهم عليها، وليس المراد أننا ننكر كرامات الأولياء، فإن كراماتهم حق ثابتة، يظهرها الله على أيدي أوليائه، ولكن الكرامة لا تصدر منهم كل وقت، ولا هم قادرون عليها، ولا اختيار لهم في صدور الكرامات بحيث يفعلونها ما يشاءون،
стр. 908
فإذا ثبت أن الكرامة ليست في اختيار الأولياء، ولا لهم قدرة عليها فالاستغاثة بهم بحجة الكرامات سفه محض، وإن لم يكن هذا سفه، فما هو السفه؟) .
الجواب الثالث: أن علماء الحنفية قد صرحوا: بأن الكرامة بمعنى صدور أمر خارق للعادة تسلب بعد موت الولي.
قلت:
وذكر علماء الحنفية أن الحكمة في صدور الكرامة من الولي بمعنى أمر خارق للعادة هو التثبت على الحق واليقين والاجتهاد في العبادة والاحتراز عن السيئات.
قلت: هذا لا يُحتاج إليه بعد موت الولي، لأن عين اليقين يحصل بعد الموت، وما بعد الموت ليس وقت التكليف، ولأجل هذا صرح علماء الحنفية بأن الكرامة ليست مقصودة، بل المقصود هو الاستقامة، وقالوا: إن الكرامة الحقيقية هي الاستقامة، وقالوا: إن الاستقامة جزء من ألف كرامة؛
стр. 909
بل قالوا: " وأما الكرامة فعندهم حيض الرجال"، وقالوا: " كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة؛ فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب شكر الاستقامة "، وقالوا في فضل الاستقامة على الكرامة وبيان الحكمة في صدور الكرامة:
(والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج من دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة فهي كالكرامة) .
قلت: هذه حقيقة قد اعترف بها بعض أئمة القبورية أيضا؛ فقد قال محمد بن سليمان البغدادي الحنفي النقشبندي (١٢٣٤هـ) :
(والكرامة أمر خارق للعادة على يد ولي غير مقارن لدعوى النبوة منه، وفيها تثبيت له، ولهذا ربما وجدها أهل البدايات في بداياتهم، وفقدها أهل النهايات
стр. 910
في نهاياتهم، لأن ما هم عليه من الرسوخ والتمكن لا يحتاجون معه إلى تثبت، ولذلك قل ظهورها على يد السلف من الصحابة والتابعين، وصاحب الكرامة لا يستأنس بها بل يشتد خوفه، مخافة أن يكون ذلك استدراجا) .
وقد ذكر العلامة اللكنوي المعظم لدى الحنفية عامة، والكوثري والكوثرية خاصة الفائدة والحكمة من الكرامة، ثم قال: (وإذا كانت هذه هي الحكمة من الكرامة بمعنى خرق العادة- علم أن الكرامة لا تكون بعد الممات؛ لأنه لا معنى لازدياد اليقين بعد الموت) .
الجواب الرابع: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأنه لو ثبتت الكرامة بمعنى خرق العادة لشخص من الأولياء- فإنه يجتهد في إخفائها ولا يركن إليها، ويخاف أن تكون من قبيل الاستدراج، ويسعى في أن لا يطلع عليه أحد، ويحاول كتمانه، خوفا من الاغترار والاشتهار.
قلت: فعلى هذا لا يمكن للولي أن يجعل كرامته سلاحا يحارب به، ولا آلة للتصرف في الكون، ولا سببا لإغاثة المستغيثين به.
стр. 911
الجواب الخامس: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن كل أمر خارق للعادة ليس من الكرامة ولا دليلا على الولاية، بل قد يكون الأمر الخارق للعادة من قبيل الاستدراج الشيطاني، والأحوال الشيطانية التي تصدر من الفسقة والفجرة، بل من الكفرة والمشركين، حتى أمثال فرعون، والسامري، والدجال؛ فلا يدل الأمر الخارق للعادة على أنه كرامة، ولا على أن صاحبه من أولياء الله؛ فإن الدجال يقول للسماء: أمطري، فتمطر، وللأرض: أنبتي، فتنب، وللخربة: أخرجي كنزك فتخرج؛ ومع هذا فإنه دجال، أبتر، كذاب، ملعون؛ فلا اعتداد بمخاريقهم وإن طاروا في الهواء، ومشوا على الماء.
قلت: فلم يبق مستمسك للقبورية بالخوارق على الاستغاثة بالأموات عند الكربات.
الجواب السادس: أن كثيرا مما يظنه القبورية كراماتٍ- هي في الحقيقة ليست بكراماتٍ لأولياء الرحمن؛ بل الحقيقة أن الشياطين قد تظهر لهم بصورة شيوخهم وأوليائهم، وأتوا بغرائب من الخوارق إضلالا لهم واستدراجا لهم، فيظنون أن هذه من كرامات الأولياء، وتتمثل لهم الشياطين فيظنون أن الولي الفلاني قد حضر للإغاثة،
стр. 912
وأن فلانا الولي قد خرج من القبر، وأن الولي الفلاني قد كلمه أو عانقه، والشيطان ربما يقضي بعض حاجته، فيظن أن هذه من كرامات الولي مع أن هذه أحوال شيطانية تصدر من هؤلاء الشياطين.
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية لتحقيق هذا المرام:
١ - قال الإمام محمد البركوي (٩٨١هـ) ﵀، والعلامتان السهسواني (١٣٢٦هـ) ، وشكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) واللفظ للأول:
(وهذه الأمور المبتدعة عند القبور على مراتب:
أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب في بعض الأزمان، كما يتمثل لعباد الأصنام؛ فإنه يدعو من يعظمه فيتمثل له الشيطان ويخاطبه ببعض الأمور الغائبة ... ، وكذلك يوجد بعباد القبور عند القبور أحوال يظنونها كرامات، وهي من الشيطان؛ مثل أن يوضع عند قبر من يظن كرامته مصروع، فيرون أن الشيطان قد فارقه، فإنه يفعل ليضل) .
وفي تمثل الشياطين للقبورية وتلاعبهم بهم واستدراجهم وإضلالهم- كلام مهم للإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) أحد كبار الحنفية وللشيخين سبحان بخش الهندي وإبراهيم السورتي.
٢ - وقال الإمام صنع الله الحلبي (١١٢٠هـ) :
(لأن غالب من يتكلم في هذه العصور بالولاية ممن خلا عن العلم،
стр. 913
وجعل تقواه في الخلوات وترك الجماعات ... ، ليتصل بإخوانه من الجن ويتكلم بطامات يظنونها من كرامات) .
٣ - وقال الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) ، وابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) واللفظ للأول: (ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته، فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه ، فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات.. هيهات،!؟!؛ إنما هو شيطان أضله وأغواه* وزين له هواه* وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام* ليضل عبدتها الطغام* وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته، كرامة له، ولقد ساء ما يحكمون) .
ومثله كلام للإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخين سبحان بخش الهندي وإبراهيم السورتي.
٤ - وقد ذكر العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : أن كثيرا ممن يزعم القبورية أنهم أولياء الرحمن، وأن لهم كرامات هم في الحقيقة أولياء الشيطان، ولهم اتصال بالجن والشياطين، فيصدر منهم أمور شيطانية يظنونها كرامات الأولياء،
стр. 914
فمنهم من يحمل إلى مكان ثم يعود، ومنهم من يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين ونأتيه به، ومنهم من تدل الشياطين على السراق، وبعضهم قد لا يريدون الكذب، ولكن يتخيل لهم أشياء وهمية يظنونها أمورا واقعة في الخارج ويظنون أنها كرامات الأولياء، وتكون من تلبيسات الشياطين.
٥ - وقال ﵀ في بيان تمثل الشياطين للقبورية لإغوائهم:
(وهؤلاء مستندهم على العادة قول طائفة: قبر معروف، أو غيره ترياق مجرب، ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء، وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان، فإن الشياطين تتمثل لهم، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال المقام) .
٦ - وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) في بيان أن الشياطين تتمثل للقبورية فيظنون أن الولي قد أتى بالكرامة لإغاثتهم: (وقد يتمثل الشيطان بصورة المستغاث به ويخاطبه ويقضي بعض حوائجه، ويخبره ببعض الأمور الغائبة،
стр. 915
فيغتر الغر أنه المستغاث به فيقع في الضلال- نعوذ بالله منه) .
وللإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخين سبحان بخش الهندي، وإبراهيم السورتي كلام في غاية الأهمية.
٧ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧هـ) :
(ومعلوم أن المشركين من عباد الأصنام وغيرهم كانت الشياطين تضلهم فتكلمهم وتقضي لهم بعض حوائجهم وتخبرهم بأمور غائبة عنهم ... ، وهكذا المشركون في زماننا الذين يدعون غير الله كالشيوخ الغائبين والموتى- تتصور لهم الشياطين في صور الشيوخ، حتى يظنوا أن الشيخ حضر، وأن الله صور على صورته ملكا، وأن ذلك من بركة دعائه؛ وإنما يكون الذي تصور لهم شيطان من الشياطين ... ، وهذه الخلوات قد يقصد أصحابها الأماكن التي ليس فيها أذان ولا إقامة، ولا مسجد تصلى فيه الصلوات الخمس، إما مساجد مهجورة، وإما غير مساجد، مثل الكهوف، والغيران التي في الجبال ومثل المقابر، ولا سيما قبر يحسن به الظن، ومثل المقابر التي يقال إن بها أثر نبي أو رجل صالح، ولهذا يحصل لهم في هذه المواضع أحوال شيطانية يظنونها كرامات رحمانية، فمنها: أن صاحب القبر قد جاء إليه- وقد مات من سنين كثيرة ... ، والشياطين كثيرا ما يتصورون بصور الإنس في اليقظة والمنام،
следующие страницы →