Полный текст (1 553 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الجواب الخامس: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن كل أمر خارق للعادة ليس من الكرامة ولا دليلا على الولاية، بل قد يكون الأمر الخارق للعادة من قبيل الاستدراج الشيطاني، والأحوال الشيطانية التي تصدر من الفسقة والفجرة، بل من الكفرة والمشركين، حتى أمثال فرعون، والسامري، والدجال؛ فلا يدل الأمر الخارق للعادة على أنه كرامة، ولا على أن صاحبه من أولياء الله؛ فإن الدجال يقول للسماء: أمطري، فتمطر، وللأرض: أنبتي، فتنب، وللخربة: أخرجي كنزك فتخرج؛ ومع هذا فإنه دجال، أبتر، كذاب، ملعون؛ فلا اعتداد بمخاريقهم وإن طاروا في الهواء، ومشوا على الماء.
قلت: فلم يبق مستمسك للقبورية بالخوارق على الاستغاثة بالأموات عند الكربات.
الجواب السادس: أن كثيرا مما يظنه القبورية كراماتٍ- هي في الحقيقة ليست بكراماتٍ لأولياء الرحمن؛ بل الحقيقة أن الشياطين قد تظهر لهم بصورة شيوخهم وأوليائهم، وأتوا بغرائب من الخوارق إضلالا لهم واستدراجا لهم، فيظنون أن هذه من كرامات الأولياء، وتتمثل لهم الشياطين فيظنون أن الولي الفلاني قد حضر للإغاثة،
стр. 912
وأن فلانا الولي قد خرج من القبر، وأن الولي الفلاني قد كلمه أو عانقه، والشيطان ربما يقضي بعض حاجته، فيظن أن هذه من كرامات الولي مع أن هذه أحوال شيطانية تصدر من هؤلاء الشياطين.
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية لتحقيق هذا المرام:
١ - قال الإمام محمد البركوي (٩٨١هـ) ﵀، والعلامتان السهسواني (١٣٢٦هـ) ، وشكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) واللفظ للأول:
(وهذه الأمور المبتدعة عند القبور على مراتب:
أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب في بعض الأزمان، كما يتمثل لعباد الأصنام؛ فإنه يدعو من يعظمه فيتمثل له الشيطان ويخاطبه ببعض الأمور الغائبة ... ، وكذلك يوجد بعباد القبور عند القبور أحوال يظنونها كرامات، وهي من الشيطان؛ مثل أن يوضع عند قبر من يظن كرامته مصروع، فيرون أن الشيطان قد فارقه، فإنه يفعل ليضل) .
وفي تمثل الشياطين للقبورية وتلاعبهم بهم واستدراجهم وإضلالهم- كلام مهم للإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) أحد كبار الحنفية وللشيخين سبحان بخش الهندي وإبراهيم السورتي.
٢ - وقال الإمام صنع الله الحلبي (١١٢٠هـ) :
(لأن غالب من يتكلم في هذه العصور بالولاية ممن خلا عن العلم،
стр. 913
وجعل تقواه في الخلوات وترك الجماعات ... ، ليتصل بإخوانه من الجن ويتكلم بطامات يظنونها من كرامات) .
٣ - وقال الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) ، وابنه نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) واللفظ للأول: (ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته، فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه ، فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات.. هيهات،!؟!؛ إنما هو شيطان أضله وأغواه* وزين له هواه* وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام* ليضل عبدتها الطغام* وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته، كرامة له، ولقد ساء ما يحكمون) .
ومثله كلام للإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخين سبحان بخش الهندي وإبراهيم السورتي.
٤ - وقد ذكر العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : أن كثيرا ممن يزعم القبورية أنهم أولياء الرحمن، وأن لهم كرامات هم في الحقيقة أولياء الشيطان، ولهم اتصال بالجن والشياطين، فيصدر منهم أمور شيطانية يظنونها كرامات الأولياء،
стр. 914
فمنهم من يحمل إلى مكان ثم يعود، ومنهم من يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين ونأتيه به، ومنهم من تدل الشياطين على السراق، وبعضهم قد لا يريدون الكذب، ولكن يتخيل لهم أشياء وهمية يظنونها أمورا واقعة في الخارج ويظنون أنها كرامات الأولياء، وتكون من تلبيسات الشياطين.
٥ - وقال ﵀ في بيان تمثل الشياطين للقبورية لإغوائهم:
(وهؤلاء مستندهم على العادة قول طائفة: قبر معروف، أو غيره ترياق مجرب، ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء، وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان، فإن الشياطين تتمثل لهم، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال المقام) .
٦ - وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) في بيان أن الشياطين تتمثل للقبورية فيظنون أن الولي قد أتى بالكرامة لإغاثتهم: (وقد يتمثل الشيطان بصورة المستغاث به ويخاطبه ويقضي بعض حوائجه، ويخبره ببعض الأمور الغائبة،
стр. 915
فيغتر الغر أنه المستغاث به فيقع في الضلال- نعوذ بالله منه) .
وللإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، والشيخين سبحان بخش الهندي، وإبراهيم السورتي كلام في غاية الأهمية.
٧ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧هـ) :
(ومعلوم أن المشركين من عباد الأصنام وغيرهم كانت الشياطين تضلهم فتكلمهم وتقضي لهم بعض حوائجهم وتخبرهم بأمور غائبة عنهم ... ، وهكذا المشركون في زماننا الذين يدعون غير الله كالشيوخ الغائبين والموتى- تتصور لهم الشياطين في صور الشيوخ، حتى يظنوا أن الشيخ حضر، وأن الله صور على صورته ملكا، وأن ذلك من بركة دعائه؛ وإنما يكون الذي تصور لهم شيطان من الشياطين ... ، وهذه الخلوات قد يقصد أصحابها الأماكن التي ليس فيها أذان ولا إقامة، ولا مسجد تصلى فيه الصلوات الخمس، إما مساجد مهجورة، وإما غير مساجد، مثل الكهوف، والغيران التي في الجبال ومثل المقابر، ولا سيما قبر يحسن به الظن، ومثل المقابر التي يقال إن بها أثر نبي أو رجل صالح، ولهذا يحصل لهم في هذه المواضع أحوال شيطانية يظنونها كرامات رحمانية، فمنها: أن صاحب القبر قد جاء إليه- وقد مات من سنين كثيرة ... ، والشياطين كثيرا ما يتصورون بصور الإنس في اليقظة والمنام،
стр. 916
وقد يأتي لمن لا يعرفه فيقول: أنا الشيخ الفلاني، والعالم الفلاني، وربما قال: أنا أبو بكر، وعمر، وربما قال: أنا المسيح، أنا موسى، أنا محمد ﷺ ... ، ومن هؤلاء من يظن أنه حين يأتي إلى قبر نبي أن النبي ﷺ يخرج من قبره في صورته فيكلمه، ومن هؤلاء من رأى في دائرة الكعبة صورة شيخ قال: إنه إبراهيم الخليل ﷺ ، ومنهم من يظن أن النبي ﷺ خرج من الحجرة وكلمه، وجعلوا هذا من كراماته، ومنهم من يعتقد أنه إذا سئل المقبور أجابه، وبعضهم كان يحكي أن ابن منده كان إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية ودخل فسأل النبي ﷺ عن ذلك فأجابه، وآخر من أهل الغرب حصل له مثله وجعل ذلك من كراماته، حتى قال ابن عبد البر لمن قال ذلك:
ويحك، أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟
стр. 917
فهل كان في هؤلاء من سأل النبي ﷺ بعد الموت فأجابه؟ وقد تنازع الصحابة رضوان الله عليهم في أشياء، فهلا سألوا النبي ﷺ فأجابهم؟؟؟ وهذه ابنته فاطمة ﵂ تنازعت في ميراثها، فهلا سألته ﷺ فأجابها؟؟؟) .
٨ - وقال ﵀ في بيان تمثل الشياطين للقبورية:
(هكذا كان المشركون يعوذون برجال من الجن وقد يتمثل لهم الجن، وقد يخبرهم ببعض المغيبات ويحصل لهم نوع من التصرفات، وكذلك كانت الشياطين تضل المشركين وتدخل في الأصنام فتكلمهم، فهكذا المشركون [القبوريون] يستغيثون بالمشائخ فيحصل لهم قضاء الحوائج) .
٩ - وذكر شيخ القرآن الفنجفيري أيضا:
أن القبورية لما استغاثوا بغير الله تعالى، وعظموا القبور والمشائخ، وطلبوا منهم الحوائج- أطاعهم الشياطين ليكفروا بالله،
стр. 918
فمنهم من تطير به الشياطين في الهواء إلى مكة أو إلى بيت المقدس أو غيرهما من البلاد ... ، وقد يرى أحدهما القبر قد انشق وخرج منه الميت، فعانقه أو صافحه، أو كلمه، وهو يظن أنه الولي صاحب القبر، ويكون ذلك شيطانا تمثل على صورة صاحب القبر ليضله، وهذا يوجد كثيرا عند قبور الصالحين.
١٠ - وقال ﵀ أيضا:
(وكثير من الناس يعظمون قبور الكافرين والمنافقين، وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل هو قبر كافر، وعندها شياطين تضل بها من تضل، ومنهم من يرى شخصا في المنام يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته أو بغير صورته كالشياطين الذين يكونون للأصنام وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين، وهذا كثير في زماننا وغيره ويخرج الشيطان فيقضي حوائجه ومثل هذا كثير في شيوخ الكفار) .
١١ - وقال العلامة الرباطي، مبينا وجه تمثل الشياطين للقبورية:
(لا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشائخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: يا سيدي فلان. أغثني، وانصرني، وادفع عني. أنا في
стр. 919
حسبك ... ، ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرَّم الله ورسوله، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم- لما كانوا من جنس عباد الأوثان- صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأصنام ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان، وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذي جاء من الغيب حتى فعل ذلك أو يظن أن الله صوَّر ملكا على صورته فعل ذلك.
ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله، وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به..
كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب، وهو اليوم موجود في المشركين من الشرك والهند وغيرهم) .
الجواب السابع: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن القبورية كثيرا ما ينادون الفسقة والفجرة، وتارة يطلبون المدد من الزنادقة والملاحدة، وأخرى يستغيثون بأعداء الله الكفرة،
стр. 920
فهل هم أولياء الله؟؟؟، وهل ما صدر منهم يعد من الكرامات؟؟؟، كلا بل هم من أولياء الشيطان* وهم من أعداء الرحمن * وأن خوارقهم من استدراج الشياطين* ليضلوا بها هؤلاء القبورية المساكين* ولكن القبورية الحمقى، وصلوا في السفاهة إلى حد يستغيثون بالفساق الفجار الكفار عند الملمات* ويعدون خوارقهم من ولاية الله والكرامات* وفيما يلي نصوص بعض علماء الحنفية لتحقيق هذا المطلوب:
١ - قال الإمام أحمد الرومي (١٠٤٣هـ) ، وتبعه الشيخان سبحان بخش الهندي وإبراهيم السورتي، واللفظ للأول:
(ومنهم من يستغيث بالمخلوق سواء كان المخلوق حيا أو ميتا، أو مسلما أو غير مسلم، ويتصور الشيطان بصورته، ويقضي حاجة من يستغيث به، فيظن أنه هو الذي استغاث به؛ وليس كما يظن، بل إنما هو الشيطان أضله؛ لما أشرك بالله؛ فإن الشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته ... ؛ فإنه إذا أعانهم على مقاصدهم- فهو يضرهم أضعاف ما ينفعهم،
стр. 921
فإذا كان منتسبا إلى الإسلام- إذا استغاث بمن يحسن به الظن من شيوخ المسلمين، يجيء إليه الشيطان في صورة ذلك الشيخ، فإن الشيطان كثيرا ما يجيء على صورة الصالحين، ولا يقدر أن يتمثل بصورة رسول رب العالمين، ثم إن ذلك الشيخ المستغاث به- إن كان ممن له علم- لا يخبره الشيطان بأقوال أصحابه المستغيثين به، وإن كان ممن لا علم له- يخبره بأقوالهم، وينقل إليهم كلامه- فيظن أولئك الجهلة: أن الشيخ سمع أصواتهم، وأجابهم مع بعد المسافة، وليس كذلك، بل إنما هو بتوسط الشيطان، وقد روي عن بعض المشائخ الذين قد جرى لهم مثل ذلك ... ، أنه قال: يرى لي شيء بَرَّاق مثل الماء أو الزجاج، ويمثل لي فيه ما يطلب مني من الأخبار، فأخبر الناس به، وبهذا الوجه يصل إليَّ كلام من يستغيث بي من أصحابي، فأجيبه، فيصل إليه جوابي، وكثير من هذه الخوارق يحصل لكثير من الشيوخ الذين لا يعلمون الكتاب والسنة ولا يعلمون بهما،
стр. 922
فإن الشيطان كثيرا ما يلعب بالناس ويريهم الأشياء الباطلة في صورة الحق ... ) .
٢ - قال الإمام صنع الله الحلبي (١١٢٠هـ) :
(وإذا قضى الله حاجة لهم، نصبوا لمشائخهم رايات، وعَدُّوا ذلك لهم كرامات، وهذا من زخارف الشيطان للإنسان، قال جل ذكره ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦- ٣٧] .
وقال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] ، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي، أو غير ذلك في كشف ضر، أو قضاء حاجة تأثيرا- فقد وقع في وادي جهل خطير* فهو على شفا حفرة من السعير* وأما كونهم مستدلين على أن ذلك من الكرامات- فحاشا الله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، وأن يظن بهم أن دفع الضر وجلب النفع منهم كرامة- فهذا ظن أهل الأوثان) .
٢ - وقال ﵀ مبينا أن غالب من يستغيث بهم القبورية هم فسقة فجرة:
(لأن غالب من يتكلم في هذه العصور بالولاية، ممن خلا عن العلم
стр. 923
وجعل تقواه في الخلوات وترك الجماعات ... ، ليتصل بإخوانه من الجن، ويتكلم بطامات يظنونها منه كرامات) .
٤ - وقال ﵀ أيضا:
(كما يقع لبعض الظلمة والفساق والجهال والكفرة أحيانا استدراجا لهم زيادة في غيهم ... ؛ فمنهم من يحمل في الهواء، ومنهم من يؤتى بالأموال المسروقة، ومنهم من يدب على السرقة ليحتال على أخذ أموال الناس بالولاية، ونحو ذلك من الشعوذات التي يسمونها كرامات ... ، فلا يكون مثلها كرامات ... ، فإن أولياء الرحمن هم المتقون) .
٥ - وقال ﵀ أيضا، ردا على القبورية، مبينا أن ما يسمونه كرامات هي في الحقيقة ليست بكرامات لأولياء الرحمن؛ بل هي تلبيسات تصدر من هؤلاء الفسقة أولياء الشيطان:
(وأثبتوا التصرف لأرواحهم لأنها باقية، وقالوا بزعمهم ما لم يأذن به الله افتراء على الله، ولم يفرقوا بين كرامات الرحمن لأوليائه وتلبيسات الشيطان لأعدائه، فتركوا حقائق الإيمان، وأعرضوا عن نصوص القرآن،
стр. 924
و " ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ "، " ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ") .
٦ - وقد رثى حال هؤلاء الملاحدة القبورية الوثنية، العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، أحد كبار علماء الحنفية (١٢٣٧هـ) ، مبينا ما يحدث في مولد العفيفي من الفسق والفجور جهارا دون حياء باعتقاد أن هذا قربة وعبادة لله ، وأنهم أبادوا أموالا هائلة في سبيل الشيطان، وأن العلماء يشاركونهم فيقرونهم على هذا الفسق والفجور:
(وبنوا على قبره قبة معقودة، وعملوا له مقصورة، ومقاما في داخلها، وعليه عمامة كبيرة، وصيّروه مزارا عظيما يقصد للزيارة، ويختلط به الرجال والنساء، ثم أنشأوا بجانبه قصرا عاليا، عمّره محمد كتخذا أباظه، وسوروا له رحبة متسعة مثل الحوش لموقف الدواب من الخيل والحمير، ودثروا بها قبورا كثيرة بها كثير من الأولياء والعلماء والمحدثين وغيرهم من المسلمين والمسلمات،
стр. 925
ثم إنهم ابتدعوا له موسما وعيدا في كل سنة يدعون إليه الناس من البلاد القبلية والبحرية، فينصبون خياما كثيرة وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي، والملاعب، والغوازي، والبغايا، والقرادين، والحواة.
فيملأون الصحراء والبستان فيطأون القبور، ويوقدون عليها النيران، ويصبون عليها القاذورات، ويبولون، ويتغوطون، ويزنون، ويلوطون، ويلعبون، ويرقصون، ويضربون بالطبول والزمور ليلا ونهارا، ويستمر ذلك نحو عشرة أيام أو أكثر، ويجتمع لذلك أيضا الفقهاء والعلماء وينصبون لهم خياما أيضا، ويقتدي بهم الأكابر من الأمراء والتجار، والعامة، من غير إنكار، بل ويعتقدون ذلك قربة وعبادة، ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء فضلا عن كونهم يفعلونه،
стр. 926
فالله يتولى هدايتنا أجمعين) .
٧ - وقد حقق العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) : أن القبورية أشنع شركا من الوثنية الأولى من ناحية أنهم كثيرا ما يدعون الفسقة والفجرة والزنادقة والكفرة عند الملمات بحجة أنهم أولياء، وأن لهم كرامات، قال رحمه الله تعالى:
(والأمر الثاني: أن الأولين كانوا يدعون مع ربهم أناسا مقربين عند الله، إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة ... ، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنى، والسرقة، وترك الصلاة وغير ذلك، ومن يعتقد في الصالحين ومن يعبد ما لا يعصي كالخشب والحجر- أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به) .
٨ - وقد صرح العلامة شكري الآلوسي بأن كثيرا من أئمة القبورية زنادقة وإباحية، بل منكرون للمعاد، وأنه لا جنة ولا حساب ولا نار ولا كتاب.
وصرح بأن غالب من يظنون فيهم الولاية والكرامة هم وجودية وحلولية ملاحدة، أمثال: ابن عربي (٦٣٨هـ) ،
стр. 927
وابن الفارض (٦٣٢هـ) ، وذكر نماذج من كفرهم وزندقتهم وكفرياتهم في الحلول والاتحاد والإلحاد، وذكر أن القبوريين مع ذلك يجعلونهم من أولياء الله تعالى، ويستغيثون بهم في الملمات* بحجة أنهم أولياء أصحاب الكرامات* مع أنهم أولياء الشيطان * وخوارقهم من تلبيسات الشيطان* ٩- وقال العلامة شكري الآلوسي، مبينا أن غالب من يستغيث بهم القبورية، ويزعمون أنهم أولياء الله، وأن لهم كرامات- هم في الحقيقة من إخوان الشياطين، وخوارقهم ليست كرامات، بل هي من الأحوال الشيطانية: والكلام على بدع الطرائق وأهلها مفصل في غير هذا الموضع، وفي كتاب " كشف أحوال المشائخ الأحمدية، وبيان أحوالهم
стр. 928
الشيطانية " ما يشفي صدور المؤمنين وتقر به عين الموحدين) ، ثم ذكر ﵀ أن هذه الطرق الصوفية:
من الخلوتية، والشاذلية، والقادرية، والرفاعية، والنقشبندية- ليست طرقا علية، بل هي طرق البدع والضلالات* ولا بركة في هذه الخزعبلات* ١٠- وقد قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ﵀ في الصيادي إمام الرفاعية ووليهم في عصره:
стр. 929
إنه دجال العصر، وشيخ الضلال، ومنبع الكذب والافتراء، وكم له من المكائد والدسائس، وكم انتحل لأحمد الرفاعي كتابا وافترى له دعاوى باطلة، وإنه خبيث له من المكائد والحيل ما يعجز الشيطان عن مثلها، وإن شر هذا الزائغ قد سرى إلى جميع مردته ومنهم هذا النبهاني الزائغ؛
لقد جربتهم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن نستجير
وهذا اللعين لعله من نسل ابن صياد اليهودي؛ لأن أفعاله تؤيد هذه النسبة،
وإن فاتكم أصل امرئ ففعاله ... تنبيكم عن أصله المتناهي
وهو اليوم أعظم بلاء على المسلمين، وقد أضر الدولة والملة، وبواسطته قد وسد الأمر إلى غير أهله، وأضر ببيت مال المسلمين؛
ولو كان هذا موضع القول لاشتفى ... به القلب لكن للمقال مواضع
ذكره تصفيق ورقص وضرب دفة، وإباحة المحرمات، والمنكرات،
وسل منه غداة يهز رأسا ... بحلقة ذكره ويدير دبرا
أقال الله صفق لي وغن ... وقل كفرا وسم الكفر ذكرا
فويلك قد كفرت ولست تدري ... ولم تبرح على هذا مصرا
١١ - وقال ﵀ في الكشف عن ديانة النبهاني وشيخه الصيادي رئيس الرفاعية ووليهم، وعامة المتصوفة الذين يظن بهم القبورية أنهم من أولياء الله، وهم في الحقيقة من أولياء الشيطان:
стр. 930
أين زهد النبهاني وورعه وتقواه؟ وقد صرف عمره في الأحكام القانونية الوضعية الكفرية، والحكم بغير ما أنزل الله! أما يستحي من هذا حاله أن يدخل نفسه في عداد المسلمين؟ فضلا عن أولياء الله؟ وشيخه وشيطانه الصيادي مقتدى الدجالين، خبيث النفس والأفعال، أبي البدع وعنوان الضلال!، وهكذا غالب متصوفة زماننا، فإنهم يتهافتون على الشهوات تهافت الفراش على النار.
١٢ - وقد شنع شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧هـ) على القبورية: بأنهم كثيرا ما يعظمون قبور الكافرين المنافقين على ظن أنهم أولياء الله، وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل هو قبر كافر، وذكر أن القبورية كثيرا ما لا يذهبون إلى قبور أولياء الله صدقا، بل يذهبون إلى قبور أمثال الإسماعيلية الباطنية، بحجة أنهم أشراف علويون، وإلى قبور النصارى.
وذكر أن فيمن يستغيث بهم القبورية على ظن أنهم أولياء الرحمن- هم في الحقيقة أولياء الشيطان، فمنهم من تطير به الشياطين في الهواء حملا له من مكان إلى مكان، فتارة تذهب به إلى مكة، وتارة إلى بيت المقدس، وغيرهما من
стр. 931
البلاد، ويكون زنديقا كافرا، فاقترن به الشياطين وخدموه لما فيه من الكفر والزندقة والفسوق والعصيان.
ولما كان كثيرٌ من أصحاب الخوارق فسقةً وفجرةً، بل كفرةً- حذر علماء الحنفية من الاغترار بكل صاحب الخوارق، وحذروا منهم فقالوا: (ولو نظرتم إلى رجل أعطي نوعا من الكرامات حتى تربع في الهواء، ومشى على الماء- فلا تغتروا به- حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الأحكام الشرعية) .
قلت: لقد صدق هؤلاء العلماء من الحنفية، فقد وصلت القبورية إلى حد لم يكتفوا بالاستغاثة بالصالحين، بل عدوا كثيرا من الفسقة والفجرة والزنادقة والملاحدة والاتحادية، والحلولية في عداد الأولياء؛ وعدوا فسقهم وفجورهم وخروجهم على شرع الله من الكرامات، واستغاثوا بهم؛ بل
стр. 932
استغاثوا بالكلاب، والحرباء أيضا!، وفيما يلي أذكر بعض الأمثلة لتكون شاهدة لما قاله هؤلاء العلماء من الحنفية:
المثال الأول:
أن الشعراني أحد كبار أئمة القبورية، بل أحد الزنادقة الصوفية، ذكر من كرامات علي وحيش المجذوب (٩١٧هـ) أنه كان يفعل الفاحشة بحمارة أمير البلد في الشارع العام أمام الناس جهارا بدون حياء؛ فكان يأمر الأمير أن يمسك رأس حمارته ليفعل بها الفاحشة، وفي ذلك يقول الشعراني: (وكان إذا رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة ويقول له أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها، فإن أبى شيخ البلد تسمر في الأرض لا يستطيع يمشي خطوة وإن سمع حصل له خجل عظيم، والناس يمرون عليه، وكان له أحوال غريبة، وقد أخبرت عنه سيدي محمد بن عنان ﵁ فقال: هؤلاء يخيلون للناس هذه الأفعال وليس لها حقيقة) ! قلت: انظر أيها المسلم إلى هؤلاء الزنادقة الفسقة الفجرة!
المثال الثاني:
أن الصيادي ذكر أن أحد المشائخ كان يضاجع زوجته ويجامعها أمام تلميذه امتحانا واختبارا له.
стр. 933
المثال الثالث:
أن الحسين الخزرجي (٦٥٧هـ) ذكر في أحد ممن يزعمونه وليا صاحب المكاشفات أنه كان يدخل الجامع، فكان لا يرى يصلي، ويفطر في رمضان، وكان للناس به شغل ﵁.
قلت: لعنة الله وغضبه على من يلعب بشرع الله، ويعد أعداء الله، وأحباء الشيطان في عداد أولياء الله.
المثال الرابع:
أن شمس الدين محمد الحنفي الملقب بالسلطان (٨٤٧هـ) الذي جعلته القبورية إلها يستغيثون به وحكوا له عجائب وغرائب من الكرامات- كان تكبسه النساء الأجنبيات جهارا دون حياء، وهذا من أعظم الفسق والفجور.
المثال الخامس:
أن الحسين الخزرجي (٦٥٧هـ) قال: " إن الموله أحمد كان كثير الضحك يصلي ويضحك في الصلاة ".
المثال السادس:
أن الحسين الخزرجي (٦٥٧هـ) قال: " رأيت مولها بالقاهرة مقعدا
стр. 934
يُعَظّمُ ولا يصلي، وكان يسمى بالحلبي ﵁ ".
قلت: الذي لا يصلى لا يكون من أولياء الرحمن، بل يكون من أولياء الشيطان.
المثال السابع:
أن من أعظم زندقة هؤلاء الصوفية الذين جعلتهم القبورية أولياء الرحمن: أنهم يشترطون للولاية ارتكاب الموبقات التي لا يقرها عقل ولا نقل، فلا يكون الشخص عندهم وليا إلا إذا ارتكب الزندقة، وفي ذلك يقول الشعراني أحد مشاهير أئمة القبورية الوثنية:
(لا يبلغ الرجل عندنا مبلغ الرجال حتى يشهد فيه ألف صديق من علماء الرسوم بأنه زنديق؛ وذلك لأن أحوالهم وراء النقل والعقل) .
قلت: نعم! العقل والنقل لا يقران فسقهم وفجورهم.
المثال الثامن:
أن هؤلاء الزنادقة الملاحدة يرتكبون الفسق والفجور أمام الناس جهارا دون حياء، ومع ذلك ترى أتباعهم ومردتهم يعللونها ويعتذرون عنها بأنها ليست على الحقيقة، فقد قال الشعراني أحد هؤلاء الزنادقة القبورية الوثنية - بعدما ذكر قصة فاحشة وليه علي وحيش بالحمارة في الشارع أمام الناس جهارا دون حياء-:
(وقد أخبرت عنه سيدي محمد بن عنان ﵁. فقال:
стр. 935
هؤلاء يخيلون للناس هذه الأفعال وليس لها حقيقة) .
قلت: انظر أيها المسلم إلى زندقة هؤلاء الزنادقة الملاحدة، كيف يبرئون الفحشاء والفسق والفجور؟؛ وإذا ارتكب الولي الزنى - قالوا: إنما زنى رحمة بمريده!؟!، فهل هؤلاء أولياء الرحمن؟ أم هم من أعظم أولياء الشيطان؟؟؟؛ وهكذا يبرؤون أولياءَهم بأنهم يرتكبون المعاصي لغرض صحيح، وإذا شرب الولي خمرا- تتحول لبنا في فيه!؟!.
المثال التاسع:
أن الشاه نقشبند إمام النقشبندية (٧٩١هـ) كان يأمر مريديه بطاعته التامة المطلقة، حتى كان يأمرهم بالسرقة.
المثال العاشر:
أن الشاه نقشبند كان يتمثل بقول الحلاج الكافر الملحد الزنديق المقتول على زندقته (٣٠٩هـ) :
стр. 936
كفرت بدين الله والكفر واجب ... لدي وعند المسلمين قبيح
ويستدل به ويؤمن به.
قلت: هل من يكفر بدين الله يكون من أولياء الله؟ حتى يكون الغوث الأعظم محييا، مميتا، متصرفا مطلقا في الكون؟ إلها يعبد من دون الله؟؟؟
المثال الحادي عشر:
أن الشاه نقشبند كان يخدم الكلاب ويعظمها ويطلب منها المدد.
فهل وصلت الكلاب إلى منزلة صارت بها من أولياء الله حتى يستغيث بها هؤلاء الوثنية؟؟؟
المثال الثاني عشر:
أن الشاه نقشبند كان يطلب الشفاعة من الحرباء.
فهل كانت الحرباء من الأولياء والأغواث والأقطاب أيضا حتى يطلب منه الشفاعة؟؟؟.
المثال الثالث عشر:
أن الشعراني أحد مشاهير الزنادقة، وكبار الملاحدة، وأئمة القبورية الوثنية:
стр. 937
قد فض بكارة زوجته فاطمة فوق ركن قبة قبر وليه وإلهه أحمد البدوي (٦٧٥هـ) ، وجمع لوليمته الأولياء كلهم شرقا وغربا، أحياءً وأمواتا، وسجل هذه المخازي في كتابه مفتخرا بها، مجاهرا بها دون حياء من العباد* ولا من رب العباد* أقول: بالله عليك أيها المسلم ... هل هؤلاء أولياء الرحمن* أم هم أولياء الشيطان؟؟؟ *
المثال الرابع عشر:
أن بعض هؤلاء الصوفية الزنادقة كانوا يخرجون إلى الشوارع عراة، جهارا دون حياء ويقول شيخهم في تعليل ذلك مبررا فعلهم الفاحش: " ما أمرتهم إلا ليكونوا عراة من الذنوب ".
سبحان قاسم العقول!! فهل أمثال هؤلاء أولياء الله؟؟ أم هم فسقة فجرة أعداء الله!! * إذا فاتك الحياء فافعل ما شئت!
стр. 938
المثال الخامس عشر:
ما قيل: إن كثيرا من هؤلاء الإباحية قد ارتكبوا الفاحشة بالنساء المريدات وباتوا معهن حتى السحر.
فهل هذا وصف أولياء الله؟!؟
المثال السادس عشر:
ما ذكره ابن الجوزي من فسق كثير منهم، وفجورهم، واختلاطهم بالنساء الأجنبيات والمردان واشتغالهم بالغناء.
المثال السابع عشر:
أن الشبلي (٢٣٤هـ) قد حلق لحيته بعد ما مات ولده.
هل هذه سيرة أولياء الرحمن؟؟؟.
المثال الثامن عشر:
أن كثيرا من الصوفية، ومنهم حجة إسلامهم الغزالي إمام الغزالية (٥٠٥هـ) : يفضلون سماع الغناء على تلاوة القرآن من سبعة أوجه.
المثال التاسع عشر:
ما يوجد قديما وحديثا من اختلاط الرجال والنساء وارتكاب المناهي
стр. 939
عند قبور عظمائهم، ولا سيما وقت احتفالهم بمواليدهم على قبورهم، خصوصا ما يقع في مولد البدوي حتى باعترافهم، وما يقع في الهند، وباكستان، وأفغانستان، ولا سيما في مزار؟!؟، وإذا أنكر عليهم منكر هذه الفواحش والفسق والفجور- قال البدوي في تبريرها: " ذلك واقع في الطواف [بالكعبة] ولم يمنع أحد منه "؛ ثم قال: " وعزة ربي ما عصى في مولدي إلا وتاب وحسنت توبته، وإذا كنت أرعى الوحوش والسمك في البحار، وأحميهم من بعضهم بعضا، أفيعجزني الله عن حماية من يحضر مولدي؟!؟ ".
المثال العشرون:
ما قاله الشعراني أحد أئمة الزنادقة الوثنية القبورية، والملاحدة الدجالين الكذابين في سياق كرامات يوسف العجمي الكوراني (٧٦٨هـ) :
(وكان ﵁ إذا خرج من الخلوة يخرج وعيناه كأنهما قطعة جمر تتوقد!، فكل من وقع نظره عليه انقلبت عينه ذهبا خالصا!، ولقد وقع بصره يوما على كلب فانقادت إليه جميع الكلاب، إن وقف وقفوا، وإن مشى مشوا،.
стр. 940
فأعلموا الشيخ بذلك، فأرسل خلف الكلب وقال: اخسأ، فرجعت عليه الكلاب تعضه حتى هرب منها،.
ووقع له مرة أخرى أنه خرج من خلوة الأربعين، فوقع بصره على كلب فانقادت إليه جميع الكلاب،.
وصار الناس يهرعون إليه في قضاء حوائجهم،.
فلما مرض الكلب اجتمع حوله الكلاب يبكون ويظهرون الحزن عليه، فلما مات أظهروا البكاء والعويل، وألهم الله بعض الناس فدفنوه، فكانت الكلاب تزور قبره حتى ماتوا؛ فهذه نظرة إلى كلب فعلت ما فعلت، فكيف لو وقعت على إنسان) .
وذكر الشعراني من كرامات هذا العجمي أنه كان يحول الاسطوانة ذهبا خالصا، وأن النهر انقلب له لبنا خالصا فشرب منه.
قلت: أيها المسلم!! تدبر قول هذا البدوي كيف يدعو جهال البدو والأعراب إلى الفسق والفجور والانحلال تحت ستار الولاية والكرامة؟!؟؛
стр. 941
فأشركوا حتى استغاثوا بالكلاب! وأقول: هذه صفحات سوداء لهؤلاء القوم!! ومع ذلك كله إذا أنكر عليهم منكر- يهولون ويجولون ويقومون ويقعدون ويصرخون ويقولون له: أتنكر على الأولياء؟، ويقولون: لعنة الله على من ينكر على أوليائه!! ويرفعون بذلك أصواتهم حتى تصير لهم ضجة!! بل يخوفون من ينكر عليهم هذه الطامات والفواحش، ويقولون: من أنكر على الأولياء يسلب منه الإيمان والقرآن والعلم، ويخشى عليه سوء الخاتمة، ويصاب بكذا، ولهم في ذلك حكايات وأساطير للتخويف حتى لا ينكر عليهم منكر ويستمروا في ارتكاب الفواحش.
ويقولون: إن قوما قطعت ألسنتهم، وآخرين عذبوا في قدر أغلي فيها الماء حتى تطاير منها الشرر إلى أن تهرى لحومهم وعظامهم لأجل أنهم ينكرون على أولياء الله، أمثال ابن الفارض، وابن عربي.
وإن القاضيَ عياضا كان ينكر على إحياء الغزالي فدعا عليه فمات في الحمام، وفلان كان ينكر عليه فأمر ابن سهلة به فضربه.
الحاصل:
أن هذه الأمثلة ومعها آلاف الآلاف تدل على أن كثيرا من هؤلاء
стр. 942
الذين يستغيث بهم القبورية بحجة أنهم أولياء الرحمن، وأن لهم كرامات يغيثون من استغاث بهم- ليسوا من أولياء الرحمن، بل هم من أعظم أولياء الشيطان، فلا ولاية لهم ولا كرامة، فزالت شبهة الكرامة من أصلها؛ لأن هؤلاء زنادقة ملاحدة فسقة فجرة أهل الخيانة* فلا كرامة ولا ديانة* الجواب الثامن:
أن هؤلاء القبورية أكذب الناس في نقل تلك الحكايات التي افتعلوها لإثبات الكرامات لأوليائهم الأموات الذين يستغيثون بهم عند الكربات * فهذه الأساطير التي ذكروها في كتبهم محض الأباطيل، وخالص الأكاذيب، فلا اعتماد على حكاياتهم، ولا تقبل رواياتهم؛ لأنهم ساقطون عن العدالة والصدق والديانة* إلى دركات الكذب والفسق والخيانة* فإنهم أكذب الناس، وبيوت الكذب، ومعادن البهت؛ كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
الشبهة الثالثة: شبهة المجاز العقلي:
لقد تشبثت القبورية لتبرير شركهم، وتجويز استغاثتهم بالأموات*
стр. 943
عند نزول النوازل وإلمام الملمات، لجلب الخيرات ودفع المضرات* بشبهة أخرى:
وهي: أنهم يقولون: إن تصرف الأولياء في الكون، وشفاءَهم للأمراض، وكونهم يدمرون الأعداء، وينصرون الأولياء، ويغيثون المستغيثين- إنما نقصد بذلك كله المجاز العقلي! فالمتصرف في الكون هو الله في الحقيقة، والشافي للأمراض هو الله في الحقيقة، والناصر والمغيث هو الله في الحقيقة، وهو النافع الضار في الحقيقة، وهو الفاعل في الحقيقة، ولكن نسبة ذلك كله إلى الولي نسبة المجاز العقلي، لا على وجه الحقيقة.
هذه هي شبهة المجاز العقلي، وهي من أعظم شبهات القبورية عامة، قديما وحديثا.
стр. 944
الجواب:
لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بعدة وجوه، أذكر بعضها:
الوجوه الأول إلى الخامس:
ما قاله شيخ القرآن ابن آصف الفنجفيري (١٤٠٧هـ) رحمه الله تعالى:
(ومن شبهاتهم [أي القبورية] : ما يقولون: ... ، فقول المسلم إذا استغاث بالميت من قبيل المجاز العقلي، كقولهم: بنى الأمير المدينة.
والجواب أولا:
لو فتح هذا التأويل لما يصح الشرك، وحكم الكفر على أحد من الناس؛ وإن سب الله تعالى، وسب الأنبياء ﵈ نعوذ الله
стр. 945
من ذلك، و [لو] أنكر البعث، والحشر، والنشر، وأباح الفواحش، وادعى الألوهية؛ مثلا يكون معنى قول القائل: " الرسول خالق السماوات والأرض ": " رب الرسول"- بحذف المضاف، ومعنى قول فرعون: " أنا ربكم الأعلى "-: " أنا أقول: ربكم الأعلى "، بتقدير القول:
وكذلك يكون معنى من يدعو الأصنام ويتضرع إليهم: أنه يدعو الله الذي هو مالك الأصنام، ويتضرع إليه تعالى.
فما قال أحد من المسلمين بهذه التأويلات الفاسدة في الاعتقاد.
وثانيا:
أن عباد القبور أكثرهم [عوام جهال] لا يدرون المجاز العقلي [الذي اصطلح عليه هؤلاء المجازيون] ، ولا يعرفون هذه المسألة.
وثالثا:
أنهم [أي القبورية] يعتقدون في أهل القبور التصرف والإعطاء،
стр. 946
ولا يفهمون إلا أنهم أهل للإعطاء والإيجاد، ويسمونهم أقطابا [وأغواثا] .
ورابعا:
أنهم [أي القبورية] إذا نذروا للأموات وتأخروا فيه، فيصيبوا في ذلك بأمر الله.
يقولون: إن الشيخ الفلاني أصابني بالمصيبة، لأني لم أوف بنذره، و [هكذا] يحذرون من شرهم.
стр. 947
وخامسا:
إن المشركين الذين أنزل الله فيهم القرآن- إنما كانوا يدعونهم شفعاء [لهم] إلى الله، وكانوا يقولون: إنما ندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى، أي منزلة ودرجة، ويشفعوا لنا في حاجاتنا ... ) .
قلت: هذه الوجوه كلها قاطعة لأدبار القبورية * وقالعة لشبهاتهم القرمطية*
الوجه السادس:
ما قاله العلامة جوهر الرحمن من كبار علماء الحنفية المعاصرة الرادين على القبورية:
إن النسبة المجازية [على فرض وجود المجاز] :
стр. 948
هي نسبة الفعل إلى غير الفاعل الذي صدر منه ذلك الفعل، لكونه ظرفا للفعل، كقول القائل: " أنبت الربيع البقل "، أي: " أنبت الله البقل في وقت الربيع "، أو لكونه سببا في صدور ذلك الفعل، كقول القائل: " بنى الأمير المدينة "، أي: " بنى المعماريُ المدينة بأمر الأمير ونفقته "، وإذا عرفت هذا- فاعلم: أن الذي ينادي ميتا، أو حيا غائبا، ويستغيث به، ويقول: يا فلان.. أغثني، أو اشفني، أو أنجني- لا ينطبق عليه أنه ناداه واستغاث به مجازا من ناحية كونه ظرفا للفعل، لأن الميت، والغائب، ليسا بظرف للفعل، فلا يقال: إن الميت أو الغائب ظرف للنداء أو الإغاثة أو الشفاء أو الإنجاء، حتى يقال: إن هذه النسبة نسبة مجازية، والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، فهذا المجاز لا يتصوره أحد، ولا يصح في مثل هذه الصورة ألبتة، بقيت الصورة الثانية من المجاز، وهي: أن هذا المنادِيَ المستغيث يقصد: أن الشافيَ والناصرَ والمنجيَ والمغيثَ هو الله تعالى في الحقيقة، ولكن يرى أن الوليَّ الفلانيَّ الذي يستغيث به ويناديه- هو مجرد سبب لذلك.
نقول: هذا الاحتمال أيضا غير وارد، ولا يصح المجاز في هذه الصورة أيضا؛.
لأن هذا المنادِي المستغيث بهذا الولي الميت، أو الحي الغائب-
стр. 949
لا بد له من أن يعتقد فيه عقائدَ ثلاثا:
الأولى:
أن يعتقد: أن هذا الولي الميت أو الحي الغائب يسمع صوته ونداءه ودعاءه فوق الأسباب العادية.
الثانية:
أن يعتقد فيه: أنه يعلم بحاله ويطلع على مصيبته.
الثالثة:
أن يعتقد فيه أنه يقضي حاجته بأن يشفع له عند الله تعالى.
نقول: لا بد من هذه العقائد الثلاث، وإلا لا يمكن جعله سببا.
وإذا تحقق: أنه لا بد من أن يعتقد هذا المنادِي المستغيثَ في ذلك المنادي المستغاثِ الميتِ أو الحي الغائبِ- نقول: إن السمع المطلق، والعلم المطلق، والقدرة المطلقة، كلها من صفات الله تعالى الخاصة به.
فالميت، أو الحي الغائب لا يسمع نداء المستغيث، ولا يعلم بحاله ولا يطلع على مصيبته؛ فقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ، فبطل دعوى المجاز؛ على أن من يعتقد أن الميت أو الحيَّ الغائبَ يشفع له عند الله تعالى - فهو على طريقة المشركين السابقين،
стр. 950
فعقيدته هذه هي بعينها عقيدة الوثنية الأولى؛ وقد قال : ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ؛ وإذا بطل المجاز في هذه الصور كلها بطلت هذه التأويلات كلها، على أننا نقول: إن مثل هذه التأويلات مع بطلانها وفسادها- قد يتشبث بها من كان له علم بنكات علم البيان ودقائق علم المعاني؛ أما العوام الجهلة- فهم لا يخطر بقلوبهم مثل هذه التأويلات ودعوى المجاز؛ لأنهم بمعزل عن معرفة هذه الدقائق البيانية؛.
فالذي يدافع عن القبورية ويحاول تصحيح أقوالهم الشركية وتصويب أفعالهم الكفرية وتجويز عقائدهم الوثنية- بمثل هذه التأويلات الفاسدة البعيدة الباطلة- فهو في الحقيقة يدفع هؤلاء العوام الجهلة إلى مهاوي الإشراك بالله تعالى؛ فهلا يعلمهم تلك الأدعية المأثورة الصافية الخالصة عن الشرك وشوائبه- بدل أن يرغبهم في الشركيات والكفريات بمثل هذه التأويلات.
الشبهة الرابعة: شبهة الكسب والسب:
تشبثت القبورية بهذه الشبهة، لتبرير إشراكهم بالله تعالى،
следующие страницы →