مدة الدعوة في مكة
أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التوحيد. [٦٠]
стр. 247
جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [سورة القصص: ٥٩] ، والأم هي المرجع الذي يرجع إليه، الأصل الذي يرجع إليه، هذا هو الأم، قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة آل عمران: ٧] ، أي: الأصل الذي ترد إليه الآيات المتشابهات.
كذلك مكة شرفها الله، هي الأصل الذي يرجع إليه أهل الأرض، والمسلمون في أقطار الأرض يرجعون إلى مكة، فهي أم القرى بمعنى هي المرجع، ولذلك بعث الله نبيه ﷺ من مكة لأنها أم القرى، ومكث فيها ثلاث عشرة سنة، ينهى أهل مكة عن الشرك ويأمرهم بالتوحيد؛ لأن أهل مكة هم القدوة لغيرهم، ولهذا يجب أن تبقى مكة إلى قيام الساعة دارا للتوحيد ومنارا للدعوة إلى الله، وأن يبعد عنها كل ما يخالف ذلك، يبعد عنها الشرك والبدع والخرافات؛ لأن الناس ينظرون إليها دائما وأبدا، ما يفعل فيها ينتشر في العالم، فإن كان ما يفعل فيها خيرا انتشر الخير، وإن كان على عكس ذلك انتشر الشر.
فيجب أن تطهر مكة دائما وأبدا، ولهذا يقول جل وعلا:
«أم هانئ جاءه جبريل ﵊ ومعه دابة يقال لها: البراق، أقل من البغل وفوق الحمار، ويقع خطوه عند مد بصره، فأركبه ﵇ عليها وذهب به إلى بيت المقدس في الليل» .
أسرى: من السرى وهو السير بالليل، وهذا من خواصه ﷺ ومن معجزاته ﵊، فالتقى هناك مع الأنبياء في بيت المقدس، ثم إنه ﷺ عرج إلى السماء، يعني رفع من بيت المقدس إلى السماء بصحبة جبريل، ومعنى العروج الصعود، فأسري به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به من بيت المقدس إلى السماء، يعني صعد به جبريل ﵇ ومر بأهل السماوات، كل سماء يستفتح جبريل فيفتح له، ثم انتهى إلى السماء السابعة، ثم صعد فوق السماوات إلى سدرة المنتهى، وعندها كلمه الله من وحيه بما شاء، ففرض عليه الصلوات الخمس، فرضها في اليوم والليلة خمسين صلاة، ولكن موسى ﵇ أشار على نبينا محمد ﷺ بأن يسأل ربه التخفيف، فإن أمته لا تطيق خمسين صلاة في اليوم والليلة، فما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه يسأله التخفيف حتى انتهت إلى خمس.
стр. 250
فقال الله كما في حديث الإسراء والمعراج: «أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرا» وفي رواية أنس عن أبي ذر فقال: «هي خمس وهي خمسون» أي: خمس في العمل، وخمسون في الميزان.
خمس صلوات في اليوم والليلة تعادل خمسين صلاة في الميزان؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فالصلاة الواحدة عن عشر صلوات، فالإسراء ذُكر أول سورة سبحان، سورة بني إسرائيل، والمعراج ذكر أول سورة النجم. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٨] هذا في المعراج.
ثم إنه نزل من السماء إلى بيت المقدس ثم إنه رجع إلى مكة في ليلته، فلما أصبح وأخبر الناس بذلك، المؤمنون زاد إيمانهم، وأما الكفار فزاد شرهم، وفرحوا بهذا وراحوا يشهرون به، كيف يزعم صاحبكم أنه ذهب إلى بيت المقدس
стр. 251
ورجع منه في ليلة واحدة، ونحن نضرب أكباد الإبل إليها شهرا ذهابا، وشهرا إيابا، يقيسون قدرة الخالق بقدرة المخلوق، فكان الإسراء والمعراج امتحانا من الله للناس. المشركون زاد تندرهم وشرهم وتنقصهم للرسول ﷺ ، والمؤمنون زاد إيمانهم.
فلهذا لما قال المشركون لأبي بكر الصديق ﵁: انظر إلى صاحبك ماذا قال؟ قال: وماذا قال؟ قالوا: يزعم أنه ذهب به إلى بيت المقدس وَعُرِجَ به إلى السماء، وإنه جاء في ليلة واحدة. قال أبو بكر الصديق: إن كان قاله فهو كما قال. لقد صدق. قالوا: كيف ذلك؟ قال: أنا أصدقه في ما هو أعظم من ذلك، أنا أصدقه في خبر السماء ينزل عليه فكيف لا أصدقه في الإسراء إلى بيت المقدس. وهذا بقدرة الله لا بقدرة الرسول ﷺ إنما هو بقدرة الله وهذا من معجزات هذا الرسول ﷺ ومن كرامته عند ربه .
стр. 252
ولا بد من الاعتقادات بأنه ﷺ أسري وعرج بروحه وجسمه معًا يقظة لا منامًا، لأن بعض الناس يقولون: أسرى بروحه، وأما جسده فلم يبرح مكة وإنما أسري وعرج بروحه وهذا كلام باطل، بل أنه أسري بروحه وجسده ﵊ وحمل على البراق، وكان ذلك يقظة لا منامًا إذ لو كان بروحه فقط أو كان منامًا فما الفرق بينه وبين الرؤيا، والله جل وعلا يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
فالعبد يطلق على الروح والبدن جميعا لا يطلق على الروح وحدَها أنها عبد، ولا يطلق على البدن وحده أنه عبد، لا يطلق إلا على مجموع الروح والبدن، لم يقل: سبحان الذي أسرى بروح عبده، بل قال: أسرى بعبده، والعبد هو مجموع الروح والبدن، والله جل وعلا لا يعجزه شيء وهو القادر على كل شيء.
قال ﵀: وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثلاث سنين.
وكان يصليها ركعتين ركعتين فلما هاجر النبي ﷺ أتمت الرباعية إلى أربع إلا الفجر فإنها تطول فيها القراءة. فبقيت
стр. 253
ركعتين كما هي، وإلا المغرب فإنه ثلاث من أول ما فرضت لأنها وتر النهار، أما الظهر والعصر والعشاء وكانت في مكة ركعتين ركعتين فلما هاجر النبي ﷺ أتمت أربع ركعات.
كما في الحديث: «أول ما فرضت الصلاة ركعتين فلما هاجر النبي ﷺ أتمت صلاة الحضر وبقيت صلاة السفر» هذا بإجماع أهل العلم، أن الصلاة فرضت بمكة، وأن النبي ﷺ صلاها بمكة، لكن اختلفوا هل هي فرضت قبل الهجرة بثلاث سنين؟
هذا هو الراجح، كما ذكر الشيخ هنا، وقيل: قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: قبل الهجرة بسنة واحدة، وقيل: بسنة ونصف، لكن الراجح هو ما ذكره الشيخ أنها قبل الهجرة بثلاث سنين، وهل فرض مع الصلاة شيء آخر من أركان الإسلام؟ هذا محل خلاف بين العلماء، منهم من يرى أن الزكاة فرضت أيضا بمكة وإنما بينت أنصبتها ومقاديرها وأهل الزكاة في المدينة، أما أصل فرضيتها فهو في مكة.
стр. 254
الهجرة إلى المدينة
وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة. [٦٢]
стр. 255
وكان نصرانيا ولكنه كان عادلا، هاجر منهم نفر كثير، فلما علمت قريش بهجرتهم إلى الحبشة، أرسلوا في طلبهم مندوبين من دهاة قريش أحدهما: عمرو بن العاص، ومعهما الهدايا للنجاشي، وقالوا: إن هؤلاء فروا منا وهم أقاربنا نريد أن يرجعوا وإنهم أشرار، لا يفسدون في بلدك. . . إلخ.
وأعطوه الهدايا التي معهم ليغروه، ولكنه ﵀ استدعى المهاجرين وسمع منهم، وخيرهم فاختاروا البقاء في الحبشة، فرجع المندوبان خائبين وبقي من بقي في الحبشة من المهاجرين.
ثم إن الله مَنَّ على النجاشي فأسلم وَحَسُنَ إسلامه، فلما توفي صلى عليه الرسول ﷺ هو وأصحابه صلاة الغائب، فكان في هجرتهم إليه خير له أيضا هداه الله بسببهم فدخل في الإسلام.
ثم لقي النبي ﷺ نفرًا من الأنصار في منى في موسم الحج، وكان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج، يذهب إلى منازل العرب في منى ويدعوهم إلى الله، وصادف أن لقي أناسًا من الأنصار فدعاهم إلى الله فعرض عليهم ما عنده، فقبلوا من الرسول ﷺ دعوته، وبايعوه على
стр. 256
الإسلام، ورجعوا إلى قومهم من موسم الحج فدعوهم إلى الله ، فوافى في الموسم الذي بعده أكثر من الموسم الأول، جاء ناس من الأنصار وبايعوا النبي ﷺ بيعة العقبة الثانية أي: عند جمرة العقبة، بايعوه على الإسلام، وعلى أن يناصروه إذا هاجر إليهم، وأن يحموه مما يحمون منه أنفسهم وأولادهم.
فعند ذلك، أي: بعد هذه البيعة المباركة أمر النبي ﷺ من كان في مكة من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، وهاجر من هاجر إلى المدينة، وبقي الرسول وبعض أصحابه، ثم إن الله أذن لنبيه ﷺ بالهجرة. فلما علمت قريش بهجرة الصحابة إلى المدينة، وعلموا بالبيعة التي حصلت بينه وبين الأنصار، خافوا أن يلحق رسول الله ﷺ بأصحابه في المدينة، ويتكون له قوة، وتكون لهم منعة، ففي هذه الليلة التي أراد النبي ﷺ أن يخرج إلى الهجرة جاؤوا وحاصروا البيت، ووقفوا عند الباب معهم أسلحتهم يريدون الفتك برسول الله ﷺ ، فأخبر الله نبيه ﷺ فأمر النبي ﷺ عليا أن ينام على فراشه حتى يراه المشركون ويظنون أنه النبي ﷺ ، فنام علي ﵁ على فراش رسول الله ﷺ فتغطى
المهاجرين والأنصار، ومن يسلم يأتي إليهم، عند ذلك شرع الله بقية شرائع الدين، ففرض على نبيه ﷺ الصيام والزكاة في السنة الثانية من الهجرة، وفرض عليه الحج في السنة التاسعة من الهجرة على الصحيح، وبذلك تكاملت أركان الإسلام، أولها الشهادتان، وآخرها الحج إلى بيت الله الحرام.
والحاصل من هذا أن نعلم أن التوحيد هو المهمة الأولى في الدعوة إلى الله ، وأنه يبدأ الداعية به قبل أن يبدأ بالصلاة والصيام أو الزكاة أو الحج؛ لأن النبي ﷺ بقي عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وينهى عن الشرك، ولم يؤمر بصلاة، ولم يؤمر بزكاة ولا بحج ولا بصيام، وإنما فرضت عليه هذه الفرائض بعد أن تقرر التوحيد.
فالنبي ﷺ كان إذا بعث الدعاة يأمرهم أن يدعو الناس أول ما يدعون إلى التوحيد كما في حديث معاذ: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رسول الله، فإن هم أجابوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات. . .» إلخ الحديث.
стр. 259
وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أن تقوم الساعة [٦٤]
وفي هذه الآية شهادة من الله على كمال هذا الدين وشموله لمصالح العباد وحل قضاياهم ومشاكلهم إلى أن تقوم الساعة، وهو صالح لكل زمان ومكان لا يحتاجون بعده إلى شريعة أخرى، أو إلى كتاب ينزل أو إلى رسول يبعث بعد الرسول ﷺ ، فما من قضية تجد وما نازلة تنزل إلى يوم القيامة إلا وفي شريعة محمد ﷺ حلها والحكم فيها، ولكن الشأن فيمن يحسن الاستنباط والاستدلال في الأحكام والقضايا، فإذا توفر أهل العلم وأهل الاجتهاد الذين تتوفر فيهم شروط الاجتهاد فإن هذه الشريعة كاملة وفيها حل المشاكل كلها، وإنما يحصل النقص من ناحيتنا نحن، من ناحية قصور العلم وعدم إدراك ما أنزل الله ، أو من ناحية الهوى بأن يكون هناك هوى يصرف عن الحق، وإلا فهذا الدين صالح وشامل وكامل قد أغنى الله به الأمة الإسلامية إلى أن تقوم الساعة إذا ما عملت به حق العمل، ورجعت إليه في أمورها.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الرد إلى الله هو الرد إلى كتاب الله، والرد إلى الرسول بعد وفاته هو الرد إلى سنته، قال تعالى:
стр. 266
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فهذه الآية فيها رد على الذين يرمون الشريعة الإسلامية بالقصور أو النقص من الملاحدة والزنادقة أو أنصاف المتعلمين الذين قصرت أفهامهم عن إدراك أسرار هذه الشريعة، فنسبوا القصور إلى الشريعة ولم يعلموا أن القصور من عندهم هم، ففيها رد على من اتهم الشريعة بالنقص، وأنها لم تتناول حاجات العباد ومصالح العباد إلى أن تقوم الساعة، أو قال: إنها مخصوصة بالزمان الأول؛ لأن كثيرًا من الجهال إذا قيل لهم هذا الحكم الشرعي قالوا: هذا زمان الرسول والزمان الأول، أما الآن تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور، والأحكام الشرعية هذه لأناس مضوا ولمشاكل انتهت، يقولون هذا وهذا كفر بالله وتكذيب لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أكمل الله الدين لهذه الأمة إلى أن تقوم الساعة لكل زمان ولكل مكان ولكل جيل من الناس وفيها رد أيضا على المبتدعة الذين يحدثون عبادة من عند أنفسهم وينسبوها إلى الدين وليس لها دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وإنما ابتدعوها باستحسانهم أو بتقليدهم لمن يحسنون به الظن من المخرفين وأصحاب المطامع والشهوات، فيحدثون
стр. 267
في الدين عبادة ما أنزل الله بها من سلطان، وقد قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقال ﵊: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» .
فالذي يحدث عبادات ليس لها دليل من كتاب الله ولا من سنة رسول الله فإنه متهم لهذا الدين بعدم التمام، وهو يريد أن يكمل الدين من عنده، ولا يعترف بتكميل الله له، فما لم يكن دينًا في عهد النبي ﷺ فإنه لا يكون من بعده دينًا أبدًا، فهذا رد على هذه الطوائف، الطائفة التي تقول: إن الإسلام لا يصلح لكل زمان، أو الذين يبتدعون البدع المحدثات التي ليس لها دليل من كتاب الله وسنة رسوله وينسبونها إلى الدين ففي هذه الآية رد عليهم لأن الدين أكمله الله .
فلا مجال للزيادة فيه، ولا النقصان، ولا مجال للتشكيك والتلبيس بأنه لا يصلح لأهل الزمان المتأخر: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هذا كلام الله وهو أصدق القائلين
стр. 268
وقال تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ هذا آخر ما نزل على النبي ﷺ ، وهو شهادة من رب العاملين لهذا الدين بالكمال والشمولية والصلاحية لكل زمان ومكان.
فقوله تعالى خطاب لهذه الأمة من أولها إلى آخرها ليس خطابًا للجيل الأول فقط إنما هو خطاب لكل الأمة إلى أن تقوم الساعة.
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وفاته ﷺ لم يخالف في هذا إلا المخرفون الذين يقولون: إن الرسول ما مات، وينفون الموت عن الرسول ﷺ ، هذا كلام ساقط كلام مردود واضح، يرده الحس والواقع، فإن الرسول ﷺ توفي بين أصحابه وغسل وكفن وصلي عليه ودفن ﵊، هل هذه الأعمال تعمل مع إنسان حي؟ ! عومل ﷺ معاملة الأموات غسل وكفن وصلي عليه ثم دفن ﷺ في قبره.
هذه سنة الله في خلقه، ثم أين الرسل الذين من قبله؟ سنته سنة الرسل الذين من قبله وقد ماتوا وهو واحد منهم يموت، هذا بإجماع أهل السنة والجماعة ولم يخالف في هذا إلا المخرفون الذين يتعلقون على الرسول ﷺ ويستغيثون به من دون الله ويقولون: هو حي.
﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ هذا هو البعث، يخرجون من القبور ويسيرون إلى المحشر، قال تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] أي تحيون على ظهرها، وفيها تموتون ومنها تخرجون للبعث يوم القيامة.
هذه أدلة من القرآن على البعث، أيضا دليل عقلي من القرآن نفسه وهو أن الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة من باب أولى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] الذي قدر على إيجاد الناس من عدم قادر على إعادتهم بعد الموت من باب أولى، هذا دليل سمعي عقلي.
ومن الأدلة على البعث ما يحصل للأرض من الحياة بالنبات، أنت ترى الأرض ميتة ليس فيها نبات جرداء، ثم إن الله ينزل عليه المطر، ثم ينبت النبات الذي كان هشيما ميتا، كذلك الأجسام في الأرض كانت مخزنة في الأرض فينزل الله عليها مطرًا، ثم تنبت الأجسام وتتكامل، ثم تنفخ فيها الأرواح، فأنتم ترون الأرض كيف تكون قاحلة، ثم تحيا بما نبت فيها، الله جل وعلا هو الذي يحيي الأرض بعد
стр. 273
موتها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] فالذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها لأن الكل أحياء بعد الموت.
ومن الأدلة على البعث أنه لو لم يكن هناك بعث للزم أن يكون خلق الناس عبثا حيث إنهم يعيشون منهم المطيع المتقي المؤمن بالله ورسله، ومنهم الكافر الملحد والزنديق والجبار والمتكبر والعاصي، كلهم يعيشون ثم يموتون دون أن ينال هذا المؤمن شيئًا من جزائه أو ينال هذا الكافر وهذا الزنديق وهذا الملحد وهذا الطاغية المتجبر على الناس دون أن ينال جزاءه.
فهل يليق بالله أن يترك الناس هكذا دون أن يجازي أهل الإيمان بإيمانهم، وأهل الإحسان بإحسانهم، وأهل الإجرام والكفر بإجرامهم وكفرهم؟ هذا لا يليق بحكمة الله ، ولهذا قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] هذا لا يكون إلا في يوم القيامة وكذلك في قوله سبحانه:
стр. 274
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
وقال : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] وقال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦- ٤٠] ورد على الكافر الذي قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٨- ٨٠] الذي قدر على إخراج النار المحرقة من الشجر الأخضر الرطب الذي قدر على هذا ألا يقدر على إحياء الأموات.
ومن أدلة البعث الاستدلال بخلق السماوات والأرض فالذي خلق هذه المخلوقات الهائلة العظيمة الكبيرة قادر على أن يعيد الإنسان؛ لأن القادر على الشيء العظيم يقدر على ما دونه من باب أولى.
فالمسلمون على أقسام يوم القيامة:
القسم الأول منهم: من لا يحاسب ويدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب كما في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
القسم الثاني من الناس: من يحاسب حسابًا يسيرًا وهو العرض فقط، لا يحاسب حساب مناقشة وإنما يحاسب حساب عرض فقط، وهذا أيضا من السعداء، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] .
القسم الثالث: من يحاسب حساب مناقشة وهذا تحت الخطر لقوله ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» .
أما الكفار فقد اختلف العلماء فيهم هل يحاسبون أو لا يحاسبون، فمن العلماء من يقول: إن الكفار لا يحاسبون لأنهم ليس لهم حسنات وإنما يذهب بهم إلى النار لأنهم ليس
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الزعم هو الكذب، ﴿أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ فدلت الآية على أن إنكار البعث كفر، يقولون ليس بعد الموت بعث، المشركون وعبدة الأصنام في عهد النبي ﷺ كانوا يجادلون بالبعث: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١١- ١٢] وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . ومن مجادلتهم: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥، ٣٦] إلى غير ذلك من مقالات الكفار من الأمم السابقة ومن المشركين في عهد النبي ﷺ فمن كذب بالبعث فهو مع هؤلاء الكفرة.
لا ينكر البعث إلا كافر، ولقد أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ أن يقسم به على البعث، قال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ هذا قسم، ﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ هذه الآية إحدى الآيات الثلاث التي أمر الله نبيه فيها أن يقسم على البعث.
الآية الأولى: في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] .
الثانية في سورة سبأ:
تعبد في أول الأمر لوجود العلماء الذين يبينون للناس التوحيد وينكرون الشرك.
فلما مات العلماء وذهب الجيل الأول، جاء جيل متأخر وقد مات العلماء، جاء الشيطان إليهم فقال لهم: إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلا ليعبدوها، وبها كانوا يسقون المطر، فزين لهم عبادتها فعبدوها من دون الله، ومن ثم حدث الشرك في الأرض، فبعث الله نبيه نوحًا ﵊ يدعوهم إلى الله ويردهم إلى التوحيد الذي هو دين أبيهم آدم ﵇ لكنهم عاندوا واستكبروا: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين، صوروا صورهم ونصبوها على مجالسهم فآل بهم الأمر إلى أن عبدوها من دون الله.
فلما جاءهم نوح ﵊ ونهاهم عن عبادتها، وأمرهم بعبادة الله، قالوا: لا تذرون آلهتكم، لا تطيعوا نوحا، واستمروا على كفرهم وطغيانهم وعنادهم.هذا أول شرك حدث في الأرض، وسببه الصور ولذلك قال النبي ﷺ : «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة»
стр. 283
«المصورون» وقال ﷺ : «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» يؤمرون بنفخ الروح في هذه الصور من باب التعجيز والتعذيب لهم والعياذ بالله؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك كما حصل لقوم نوح.
فأول الرسل نوح، وأما خاتم الرسل وآخرهم فهو محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال ﷺ : «وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» .
فبه ﷺ ختمت الرسالات السماوية فلا يبعث بعده نبي إلى أن تقوم الساعة، ولكن شريعته باقية إلى أن تقوم الساعة، ودينه باق إلى أن تقوم الساعة كما سبق، فمن ادعى النبوة
стр. 284
وكل أمة بعث الله إليهم رسولا من نوح إلى محمد يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾