← Акыда

Акыда · id 8600

شرح ثلاثة الأصول لصالح الفوزان

صالح الفوزان

Полный текст (304 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة، وهي أن الله سبحانه يشاء الشيء ويريده، فما من شيء يحدث إلا وقد شاءه الله وأراده كما في اللوح المحفوظ، وكما علمه ، يشاء كل شيء في وقته، ويريد كل شيء في وقت حدوثه، لا يقع شيء بدون مشيئة الله، أو بدون إرادة الله، فمن قال: إن الأشياء تحدث بدون أن يشاءها الله أو يريدها فهذا كافر. المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد، الله خالق كل شيء، إذا شاءه وأراده خلقه وأوجده، فكل شيء هو مخلوق لله ، وهو من خلق الله، وهو فعل العباد وكسب العباد. فهذه المراتب الأربع لا بد من الإيمان بها، وإلا لم يكن الإنسان مؤمنا بالقدر مرتبة العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق والإيجاد، كل هذه لا بد من الإيمان بها، فمن جحد شيئا منها فإنه كافر مرتد عن دين الإسلام؛ لأنه جحد ركنا من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر.

стр. 212

الدليل على أركان الإيمان وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] . [٤٤]

стр. 213

من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، استنكروا هذا وجحدوه مع العلم أنهم يعلمون أنه حق، لكن جحدوه من باب العناد والمكابرة والحسد للنبي ﷺ ولهذه الأمة. يقول الله: ليس البر أن تولوا وجوهكم جهة من الجهات من غير أمر من الله، ولكن البر طاعة الله ، إذا أمركم بأمر وجب عليكم امتثاله، هذا هو البر، فإذا أمركم باستقبال بيت المقدس فالبر في ذاك الوقت هو استقبال بيت المقدس؛ لأنه طاعة لله ، ثم إذا أمركم أن تستقبلوا الكعبة فالبر هو استقبال الكعبة، فالبر يدور مع أمر الله . أنتم عبيد يجب عليكم الامتثال، إذا أمركم الله أن تستقبلوا جهة من الجهات وجب عليكم الامتثال، أما أن تتعصبوا لجهة معينة وتقولوا: لا يصح إلا استقبالها فهذا معناه اتباع الهوى والعصبية، والعبد الصادق يدور مع أوامر الله حيث دارت، ولا يعترض على أمر الله؛ لأن استقبال جهة بعد نسخ استقبالها لا يكون طاعة لله ، فالعمل بالمنسوخ وترك الناسخ ليس طاعة لله ، وإنما هو طاعة للهوى والعصبية، فالبر متعلق بطاعة الله، فحيث وجهك تتوجه إن كنت محقا في عبوديتك لله :

стр. 214

ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . [٤٥] . المرتبة الثالثة: الإحسان تعريف الإحسان المرتبة الثالثة: الإحسان، ركن واحد، وهو " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". [٤٦]

стр. 215

ثالثا: إحسان الصنعة وإتقانها، إذا صنع الإنسان شيئا أو عمل عملا فإنه يجب عليه أن يتقنه ويتمه. النوع الأول: وهو الإحسان بين العبد وربه، بينه الرسول ﷺ «لما سأله جبريل بحضرة الصحابة كما يأتي، فقال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . فالإحسان بين العبد وبين ربه هو إتقانه العمل الذي كلفه الله به، بأن يأتي به صحيحا خالصا لوجه الله ، عمل الإحسان بين العبد وربه ما توفر فيه الإخلاص لله ، والمتابعة للرسول ﷺ ، وقد بين النبي ﷺ أن الإحسان على مرتبتين، واحدة أعلى من الأخرى. الأولي: أن تعبد الله كأنك تراه، بأن يبلغ بك اليقين والإيمان بالله كأنك تشاهد الله عيانا، ليس عندك تردد أو أي شك، بل كأن الله أمامك تراه عيانا، فمن بلغ هذه المرتبة فقد بلغ غاية الإحسان، تعبد الله كأنك تراه من كمال اليقين وكمال الإخلاص، كأنك ترى الله عيانا، والله جل وعلا لا يرى في الدنيا، وإنما يرى في الآخرة، ولكن تراه بقلبك حتى كأنك تراه بعينيك، ولذلك يجازى أهل الإحسان بالآخرة بأن يروه ، لما عبدوه وكأنهم يرونه

стр. 216

في الدنيا جازاهم الله بأن أفسح لهم المجال بأن يروه بأبصارهم في دار النعيم. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ، الزيادة هي النظر لوجه الله، السبب أنهم أحسنوا في الدنيا، فأعطاهم الله الحسنى، وهي الجنة، وزادهم رؤية الله ، تعبد الله كأنك تراه على المشاهدة، والمحبة والشوق إلى لقائه ، تتلذذ بطاعته، وتطمئن إلى طاعته ، تشتاق إليها، هذه طريقة المحسنين. المرتبة الثانية: إذا لم تبلغ هذه المرتبة العظيمة فإنك تعبده على طريقة المراقبة، بأن تعلم أن الله يراك، ويعلم حالك، ويعلم ما في نفسك، فلا يليق بك أن تعصيه، وأن تخالف أمره، وهو يراك ويطلع عليك، وهذه حالة جيدة، ولكنها أقل من الأولى، وما دمت أنك تعلم أنه يراك فإنك تحسن عبادته وتتقنها؛ لأنك تعلم أن الله يراك، ولله المثل الأعلى لو كنت أمام مخلوق له منزلة وأمرك بأمر، وأنت تنفذ هذا الأمر أمامه وينظر إليك، هل يليق بك أن يقع منك إخلال بهذا الفعل؟

стр. 217

الحاصل: أن الإحسان على مرتبتين: مرتبة المشاهدة القلبية: وهي أن تعبد الله كأنك تراه من شدة اليقين والإيمان، كأنك ترى الله عيانا. والمرتبة الثانية: وهي أقل منها، أن تعبد الله وأنت تعلم أنه يراك ويطلع عليك، فلا تعصيه ولا تخالف أمره . هذه مرتبة الإحسان، وهي أعلى مراتب الدين، من بلغها فإنه بلغ أعلى مراتب الدين، وقبلها مرتبة الإيمان، وقبلها مرتبة الإسلام. فالدين دوائر: الدائرة الأولى: الإسلام، وهي واسعة حتى إنه يدخل فيها المنافق، ويقال له مسلم ويعامل معاملة المسلمين؛ لأنه استسلم في الظاهر، فهو داخل في دائرة الإسلام، ويدخل فيها ضعيف الإيمان الذي ليس معه من الإيمان إلا مثقال حبة خردل. الدائرة الثانية: وهي أضيق من الأولى وأخص، دائرة الإيمان، وهذه لا يدخل فيها المنافق النفاق الاعتقادي أبدا،

стр. 218

دليل الإحسان وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧-٢٢٠] ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] . [٤٧]

стр. 219

وهم الذين عبدوا الله كأنهم يرونه، فإن الله معهم معية خاصة، معية النصرة والتأييد والتوفيق. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ هذا دليل المرتبة الثانية، هذا دليل قوله: " فإنه يراك ". وتوكل: أي: فوض أمورك. على العزيز الرحيم: وهو الله . حين تقوم: تقوم للعبادة والصلاة. وتقبلك في الساجدين: يراك وأنت راكع، وأنت ساجد، يراك في جميع أحوال العبادة قائما وراكعا وساجدا، فهو يراك . إنه هو السميع العليم: السميع لأقوالك، العليم بأقوالك ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ هذا دليل المرتبة الثانية، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ ، في أي شأن من أمورك، من أمور العبادة أو من غيرها، جميع أفعالك وتحركاتك ما تكون في شأن من الشئون.

стр. 220

﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي: من الله لأن القرآن من عند الله ، أو الضمير راجع إلى الشأن، أي: ومن الشأن الذي تكون فيه تلاوة القرآن. ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ﴾ هذا لجميع الأمة، للرسول ﷺ وغيره. ﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ أي: عمل من الأعمال خير أو شر. ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ نراكم ونبصركم ونشاهدكم، هذا دليل لقوله ﷺ : " فإنه يراك ". ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ تباشرونه وتعملونه، فهذا يعطي دليلا على المرتبة الثانية من مراتب الإحسان، وأنه جل وعلا شهيد على كل عامل بعمله، يراه ويعلمه ويبصره، ولا يغيب عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] . وأما الإحسان بين العبد والخلق فمعناه: بذل المعروف لهم، وكف الأذى عنهم، بأن تطعم الجائع، وتكسو العاري، وتعين بجاهك المحتاج، وتشفع لمن احتاج الشفاعة، تبذل المعروف، جميع وجوه المعروف، تكرم الضيف، تكرم الجار، لا يصدر منك إلا خير لجارك، وتكف أذاك عنه أيضا

стр. 221

فلا يصدر منك أذى له ولا لغيره، من الناس من لا يصدر منه إلا أذى، ومن الناس من يصدر منه أذى وخير، ومن الناس من لا يصدر منه إلا خير، فهذا في أعلى الطبقات. بذل الخير للناس وكف الأذى عنهم هو الإحسان للناس: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، حتى البهائم يجب أن تحسن إليها بأن تهيئ لها ما تحتاج إليه، وتمنع الأذى عنها، وترفق بها، هذا من الإحسان إلى البهائم، حتى المستحق للقتل لا تعذبه، بل تقتله قتلة حسنة ومريحة، من وجب عليه القصاص، ومن وجب عليه الحد، فإنه ينفذ فيه برفق، لا تمثيل، ولا تعذيب، ولا صبر. قال ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح» في القصاص أو غير ذلك مما يلزم الحد. فإذ ذبحتم: أي، ذبحتم الحيوانات المأكولة، فأحسنوا الذبحة، «وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» ، فتحسن حتى للبهائم، وقد «غفر الله للبغي من بني إسرائيل بسبب أنها سقت كلبا رأته يلهث من العطش، فسقته فشكر الله لها، فغفر الله لها»

стр. 222

وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورُ عَنْ عمر ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عند رسول الله ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ» . [٤٨]

стр. 223

القرآن، وهذا كله تقدم وانتهى، ثم ذكر الشيخ ﵀ دليل هذه المراتب من السنة، سنة الرسول ﷺ ، فذكر حديث جبريل وأنه أتى النبي ﷺ وهو مع أصحابه، أتاهم في صورة رجل، وجلس إلى النبي ﷺ ، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم سأله عن الساعة، وسأله عن أماراتها، هذا ما يسمى بحديث جبريل أو حديث عمر، وهو حديث ورد من عدة طرق عن جماعة من الصحابة، فهو حديث صحيح، وذكر الشيخ ﵀ رواية عمر بن الخطاب في هذا الحديث مع اختلاف في ألفاظ الحديث في طرق أخرى، ولكن المعنى واحد. قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ » ، كان من عادتهم ﵃ أنهم يجتمعون عند النبي ﷺ في المسجد، ويتلقون عنه العلم، ويستمعون إلى أجوبته ﷺ على ما يرده من الأسئلة، فبينما هم كذلك على عادتهم «إذ دخل عليهم رجل من الباب، رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ» ، أي: أن جبريل ﵇ تمثل في صورة هذا

стр. 224

«لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ منا أحد، حتى جلس إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام» . [٤٩]

стр. 225

«قال: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا، فقال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه» . [٥٠]

стр. 226

«قال: فأخبرني عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشره، قال: صدقت» . [٥١]

стр. 227

«قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل» . [٥٢] .

стр. 228

الله، أو يعبده على المراقبة، وهو يعلم أن الله يراه فيحسن العمل؛ لأن الله مطلع عليه، فالمحسن يعبد الله إما على المشاهدة في القلب، وهذا أكمل، وإما على المراقبة، وأن يعلم أن الله يراه في أي مكان، أو في أي عمل يعمله، هذا هو الإحسان. قال: صدقت، فأخبرني عن الساعة، أي: عن قيام الساعة متى؟ ولما كان هذا السؤال لا يعلم أحد الجواب عنه إلا الله ؛ لأن قيام الساعة لا يعلم تحديده إلا الله . نحن نعلم أنها ستقوم الساعة لا نشك في هذا، من شك في هذا فهو كافر، نعلم أنها ستقوم الساعة ولا بد، ولكن الوقت الذي تقوم فيه الساعة الله لم يخبرنا عنه، ولم يبينه لنا، واستأثر بعلمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] ، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ، هو الذي يعلمها سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] ، ومنها وقت قيام الساعة.

стр. 229

«قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأمة ربتها» . [٥٣]

стр. 230

«وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البنيان» . [٥٤]

стр. 231

«قَالَ: فَمَضَى، فَلَبِثْنَا مَلِيَّا، فَقَالَ: يَا عُمَرُ أتدري من السائل؟ قلت: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يعلمكم أمر دينكم» . [٥٥]

стр. 232

صورة رجل كما وصف لغرض تعليم الحاضرين أمور دينهم على طريق السؤال والجواب. فدل هذا الحديث على مسائل عظيمة: الأولى: أن الدين ينقسم إلى ثلاثة مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، كل مرتبة أعلى من التي قبلها، وأن كل مرتبة لها أركان: أركان الإسلام، وأركان الإيمان والإحسان ركن واحد. الثانية: فيه التعليم بطريق السؤال والجواب، وهذه طريقة تعليمية ناجحة؛ لأنها أدعى للانتباه وتلقي العلم، كونه يسأل ويتهيأ ذهنه يتطلب الجواب، ثم يلقي عليه الجواب وهو يتطلع إليه، يكون هذا أثبت. الثالثة: في الحديث دليل على أن من سأل عن علم وهو لا يدري أن يقول: الله ورسوله أعلم، يكل العلم إلى عالمه، فلا يتكلم بالجواب وهو لا يعرفه ويتخرص، هذا لا يجوز، والرسول ﷺ لما سئل عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولما قال للصحابة: أتدرون من السائل؟ وهم لا يعرفونه قالوا: الله ورسوله أعلم.

стр. 233

فدل ذلك على أن مسائل الشرع ومسائل الدين لا يجوز التخرص فيها؛ لأن هذا من التكلف، ولكن من كان عنده علم فإنه يجيب، ومن ليس عنده علم يقول: الله أعلم، ومن قال: لا أدري فقد أجاب. قد سئل الإمام مالك ﵀ عن أربعين مسألة فأجاب عن ست منها، وقال في الباقية: لا أدري، فقال له السائل: أنا جئت من كذا وكذا، وسافرت وأتعبت راحلتي، وتقول: لا أدري، قال: اركب راحلتك، واذهب إلى البلد الذي جئت منه، وقل: سألت مالكا فقال: لا أدري، هذا ليس عيبا أن الإنسان إذا كان لا يعرف الجواب في الأمور الشرعية أنه يقول: لا أدري ولو كان عالما، الرسول ﷺ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. وكان ﷺ إذا سئل في بعض الأسئلة ولم يكن عنده وحي من الله ، انتظر حتى ينزل الوحي من الله ، ألستم تقرءون: يسألونك عن كذا، يسألونك عن كذا، قل كذا؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .

стр. 234

فالرسول ﷺ كان إذا سئل ولم يكن عنده جواب ينتظر حتى ينزل عليه الوحي من الله، وكذلك غيره من باب أولى ينتظر حتى يسأل غيره، أو غيره يبحث عن المسألة في كتب أهل العلم ليتحصل على جواب، أما أن يستعجل فهذا فيه خطورة عظيمة، وفيه سوء أدب مع الله ؛ لأن الذي يجيب يجيب عن شرع الله، يقول: الله أحل كذا أو حرم كذا أو شرع كذا، فالأمر فيه خطورة جدا. المسألة الرابعة: في الحديث دليل على آداب المتعلم، جبريل وهو سيد الملائكة يجلس بين يدي الرسول ﷺ وهو يسند ركبتيه إلى ركبتي الرسول ﷺ ، ويضع يديه على فخذيه، يسأل بأدب، هذا من أجل أن يعلم الناس كيف يتأدبون مع العلماء. هذا بعض ما يدل عليه الحديث وفيه: مسألة خامسة: وهي بيان بعض علامات الساعة، ذكر علامتين: أن تلد الأمة ربتها، وبعض العلماء يقول: معنى أن تلد الأمة ربتها أنه يكثر العقوق في آخر الزمان حتى تصبح البنت كأنها سيدة على والدتها، تأمرها وتنهاها وتغلظ عليها.

стр. 235

الأصل الثالث: معرفة نبينا محمد ﷺ اسمه ونسبه ونشأته الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ . [٥٦]

стр. 236

وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المطلب بن هاشم مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ وَعَلَى نبينا أفضل الصلاة والسلام. [٥٧]

стр. 237

[الأحزاب: ٤٠] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ٢] ، فذكر الله اسمه محمدا في عدة آيات. ومن أسمائه أحمد، قد ذكره الله في قوله في بشارة المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ، فهو محمد وأحمد، ومعنى ذلك أنه كثير المحامد ﵊، وكثير الصفات التي يحمد عليها، ومن أسمائه نبي الرحمة، ونبي الملحمة -يعني الجهاد في سبيل الله-، والحاشر، والعاقب عليه الصلاة السلام الذي يحشر الناس بعد بعثته؛ لأنه آخر الرسل ﷺ ، فليس بعده إلا قيام الساعة، فبعد رسالته تقوم الساعة، ويحشر الناس للجزاء والحساب، ومن أراد أن يلم بهذه الأمور فليرجع إلى كتاب " جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام " للإمام ابن القيم ﵀. وأما نسبه فهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.

стр. 238

وهو من قبيلة قريش التي هي أشرف القبائل، وقريش من ذرية إسماعيل ﵊، والعرب على قسمين في المشهور: العرب العاربة، وهم القحطانية والعرب المستعربة، وهم العدنانية من ذرية إسماعيل ﵇ بن إبراهيم الخليل ﵇، سموا بالمستعربة لأنهم تعلموا العربية من العرب العاربة لما جاءت جرهم، ونزلوا في مكة عند هاجر أم إسماعيل وابنها إسماعيل وهو صغير لما وجدوا ماء زمزم نزلوا، واصطلحوا مع هاجر أن ينزلوا عندها، وأن تسمح لهم أن يستقوا من الماء، فإسماعيل ﵇ كان رضيعا في ذلك الوقت، ثم إنه تربى ونشأ وأخذ العربية عن جرهم وهي من العرب العاربة، وتزوج من جرهم، وجاءه ذرية تعلموا العربية ونشئوا مع العرب، فصاروا عربا مستعربة وهي العدنانية، أما العاربة فهم القحطانية أصلها من اليمن. وبعض العلماء يقول: العرب العاربة على قسمين: عرب بائدة، وعرب باقية، العرب البائدة هم الذين هلكوا، وهم قوم نوح وعاد وثمود وشعيب، أما العرب الباقية فهم الذين ينقسمون إلى عرب عاربة، وعرب مستعربة وهي

стр. 239

العرب الباقية، والنبي من بني هاشم، وهاشم من ذرية إسماعيل ﵊، واسمه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وعبد المطلب ليس هذا اسمه، اسمه شيبة، ولكن سمي عبد المطلب لأن عمه المطلب بن عبد مناف جاء به من المدينة وهو صغير من أخواله بني النجار، فلما رآه الناس أسود من السفر ظنوا أنه عبد مملوك للمطلب، فقالوا: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وعبد مناف له أربعة أولاد: هاشم جد الرسول ﷺ ، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل. بنو هاشم يقال لهم: الهاشميون، وبنو المطلب يقال لهم: المطلبيون، وأما عبد شمس فمنهم عثمان ﵁ ومنهم بنو أمية، هؤلاء من بني عبد شمس. ونوفل كذلك له ذرية منهم: جبير بن مطعم وحكيم بن حزام، وإبراهيم ﵊ له إسماعيل وهو الأكبر، وهو جد العرب العدنانية، وإسحاق وهو جد بني إسرائيل، وجميع الأنبياء كلهم من ذرية إسحاق إلا نبينا ﵊ فهو من ذرية إسماعيل خاتم النبيين.

стр. 240

أما مولده فقد ولد ﷺ عام الفيل، وهو العام الذي جاء فيه أبرهة ملك اليمن، انتدبه ملك الحبشة ليهدم الكعبة ومعه فيه فيل عظيم، فلما وصل إلى مكان يقال له: المغمس، ولم يبق إلا أن يدخل مكة ويهدم الكعبة، وتفرق أهل مكة وصعدوا الجبال؛ لأنهم لا طاقة لهم به، فأراد أن يتوجه إلى الكعبة، فانحبس الفيل وأبى أن يقوم من الأرض، حبسه الله، فإذا وجهه إلى غير جهة مكة قام وهرول، وإذا وجهه إلى جهة مكة انحبس ولم يستطع المشي، وبينما هم كذلك رأوا فرقان طير من قبل البحر معها حجارة، كل طائر معه حجران: حجر في منقاره وحجر في رجليه، فرمتهم فصارت الحصاة تضرب هامة الرجل، فتخرج من دبره وتشقه نصفين، فأهلكهم الله ، فأنزل الله في ذلك يذكر قريشا سورة الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ من جهنم والعياذ بالله ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل] ، أصبحوا مثل التبن الذي أكلته الدواب وراثته. هذه قصة الفيل، حمى الله بيته الحرام، وأهلك هذا الجبار، وفي هذا العام ولد محمد ﷺ ، وظهر مع ولادته

стр. 241

وله من العمر ثلاث وستون سنة، أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا، نبئ بـ ( ﴿اقْرَأْ﴾ ) . [٥٨]

стр. 242

إلى غار حراء ويتعبد فيه الأيام ذات العدد، يعبد الله على ملة إبراهيم على التوحيد، ثم لما بلغ الأربعين من عمره ﵊ نزل عليه الوحي، بأن «جاءه جبريل وهو في غار حراء وقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ - أي: لا أحسن القراءة -، فضمه ضمة شديدة، ثم أرسله وقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، ثم ضمه مرة ثانية، ثم أرسله وقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، فقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ » [العلق ١ ـ ٢] . هذه هي نبوته ﷺ ، نبأه الله باقرأ: أي جعله نبيا بذلك، ثم ذهب إلى بيته يرتجف من الخوف؛ لأنه لقي شيئا ما كان يعرفه من قبل، أمرا هائلا، فوجد زوجه خديجة ﵂ فغطته وهدأته، وقالت له: كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، فوطأته وذهبت به إلى عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تحنث وقرأ في الكتب السابقة تعبدا لله ، فلما أخبره بما رأى قال: هذا هو الناموس الذي كان ينزل على موسى، يعني: جبريل ﵊.

стр. 243

نزول الوحي عليه وأرسل بـ " المدثر "، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١-٧] . [٥٩]

стр. 244

أي: طهر أعمالك من الشرك، فالأعمال تسمى الثياب، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [سورة الأعراف: ٢٦] ، سمى التقوى لباسا. والرجز: الرجز معناه الأصنام. فاهجر: أي: اتركها وابتعد عنها. فبعثه الله على رأس الأربعين، وبقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام، وحصلت مداولات بينه وبين المشركين، حصل عليه أذى وعلى من آمن به واتبعه، وحصلت مضايقات من المشركين في خلال ثلاث عشرة سنة، وقبل الهجرة بثلاث سنوات أسري به إلى بيت المقدس وعرج بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ فصلى بمكة ثلاث سنين، ثم تآمرت قريش على قتله وعلى الفتك به، فأذن الله له بالهجرة إلى المدينة فهاجر إلى المدينة، بعدما التقى بالأنصار في بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية. هاجر إلى المدينة وأقام بها عشر سنوات، فالمجموع ثلاث وعشرون سنة، بعد النبوة عاش ﷺ ثلاثا وعشرين سنة، ثلاث عشرة في مكة يؤسس دعوة التوحيد، وعشر

стр. 245

سنوات في المدينة، ثم توفاه الله على رأس الثالثة والستين من عمره ﵊، فمدة عمره في الرسالة ثلاثة وعشرون سنة، وهذه البركة التي أنزلها الله عليه وهذا العلم الغزير، وهذا الجهاد، وهذا التمكين في هذه المدة الوجيزة ثلاث وعشرين سنة، هذا من آيات الله ، ومن بركات هذا النبي ﷺ ، وبركات دعوته، وبركات الوحي الذي أنزل إليه، وقبل هذا كله بإعانة الله ، وهو الذي أعانه، وهو الذي حماه وأيده ونصره حتى بلغت دعوته المشارق والمغارب، والحمد لله رب العالمين. قوله: بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد: هذه دعوته ﷺ : النذارة عن الشرك والدعوة إلى التوحيد، وهذا الذي يجب أن يسير عليه الدعاة في دعوتهم، أن يركزوا على الإنذار عن الشرك، والدعوة إلى التوحيد قبل كل شيء، وإلا لم تكن دعوتهم على منهج الرسول ﷺ . الرسول ﷺ بعثه الله بالنذارة عن الشرك والدعوة إلى التوحيد، فلا بد من تأصيل هذا الشيء أولا، ثم بعد ذلك يتجه إلى بقية الأمور؛ لأنها لا تصلح الأمور إلا بوجود التوحيد، لو أن الناس تركوا الزنا والخمر والسرقة واتصفوا بكل فضيلة

стр. 246

مدة الدعوة في مكة أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التوحيد. [٦٠]

стр. 247

جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [سورة القصص: ٥٩] ، والأم هي المرجع الذي يرجع إليه، الأصل الذي يرجع إليه، هذا هو الأم، قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة آل عمران: ٧] ، أي: الأصل الذي ترد إليه الآيات المتشابهات. كذلك مكة شرفها الله، هي الأصل الذي يرجع إليه أهل الأرض، والمسلمون في أقطار الأرض يرجعون إلى مكة، فهي أم القرى بمعنى هي المرجع، ولذلك بعث الله نبيه ﷺ من مكة لأنها أم القرى، ومكث فيها ثلاث عشرة سنة، ينهى أهل مكة عن الشرك ويأمرهم بالتوحيد؛ لأن أهل مكة هم القدوة لغيرهم، ولهذا يجب أن تبقى مكة إلى قيام الساعة دارا للتوحيد ومنارا للدعوة إلى الله، وأن يبعد عنها كل ما يخالف ذلك، يبعد عنها الشرك والبدع والخرافات؛ لأن الناس ينظرون إليها دائما وأبدا، ما يفعل فيها ينتشر في العالم، فإن كان ما يفعل فيها خيرا انتشر الخير، وإن كان على عكس ذلك انتشر الشر. فيجب أن تطهر مكة دائما وأبدا، ولهذا يقول جل وعلا:

стр. 248

الإسراء والمعراج وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سنين. [٦١]

стр. 249

«أم هانئ جاءه جبريل ﵊ ومعه دابة يقال لها: البراق، أقل من البغل وفوق الحمار، ويقع خطوه عند مد بصره، فأركبه ﵇ عليها وذهب به إلى بيت المقدس في الليل» . أسرى: من السرى وهو السير بالليل، وهذا من خواصه ﷺ ومن معجزاته ﵊، فالتقى هناك مع الأنبياء في بيت المقدس، ثم إنه ﷺ عرج إلى السماء، يعني رفع من بيت المقدس إلى السماء بصحبة جبريل، ومعنى العروج الصعود، فأسري به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به من بيت المقدس إلى السماء، يعني صعد به جبريل ﵇ ومر بأهل السماوات، كل سماء يستفتح جبريل فيفتح له، ثم انتهى إلى السماء السابعة، ثم صعد فوق السماوات إلى سدرة المنتهى، وعندها كلمه الله من وحيه بما شاء، ففرض عليه الصلوات الخمس، فرضها في اليوم والليلة خمسين صلاة، ولكن موسى ﵇ أشار على نبينا محمد ﷺ بأن يسأل ربه التخفيف، فإن أمته لا تطيق خمسين صلاة في اليوم والليلة، فما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه يسأله التخفيف حتى انتهت إلى خمس.

стр. 250

فقال الله كما في حديث الإسراء والمعراج: «أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرا» وفي رواية أنس عن أبي ذر فقال: «هي خمس وهي خمسون» أي: خمس في العمل، وخمسون في الميزان. خمس صلوات في اليوم والليلة تعادل خمسين صلاة في الميزان؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فالصلاة الواحدة عن عشر صلوات، فالإسراء ذُكر أول سورة سبحان، سورة بني إسرائيل، والمعراج ذكر أول سورة النجم. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٨] هذا في المعراج. ثم إنه نزل من السماء إلى بيت المقدس ثم إنه رجع إلى مكة في ليلته، فلما أصبح وأخبر الناس بذلك، المؤمنون زاد إيمانهم، وأما الكفار فزاد شرهم، وفرحوا بهذا وراحوا يشهرون به، كيف يزعم صاحبكم أنه ذهب إلى بيت المقدس
следующие страницы →