قوله: ولم يتركنا هملًا: الهمل: هو الشيء المهمل المتروك الذي لا يُعبأ به فالله خلقنا ورزقنا لحكمة، ما خلقنا عبثا ولا سدى قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٨] .
وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] .
الله إنما خلقنا وخلق لنا هذه الأرزاق والإمكانيات لحكمة عظيمة وغاية جليلة وهي أن نعبده ولم يخلقنا كالبهائم التي خلقت لمصالح العباد ثم تموت وتذهب؛ لأنها ليست مكلفة ولا مأمورة ولا منهية، إنما خلقنا لعبادته كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذريات: ٥٦ - ٥٨] ولم يخلقنا لهذه الحياة الدنيا فقط نعيش فيها، ونسرح ونمرح ونأكل ونشرب ونتوسع فيها، وليس بعدها شيء، وإنما الحياة
стр. 37
مزرعة وسوق للدار الآخرة نتزود فيها بالأعمال الصالحة، ثم نموت وننتقل منها ثم نبعث ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا.
هذه هي الغاية من خلق الجن والإنس، والدليل على ذلك آيات كثيرة تدل على البعث والنشور والجزاء والحساب، والعقل يدل على هذا، فإنه لا يليق بحكمة الله أن يخلق هذا الخلق العجيب، وأن يسخر هذا الكون لبني آدم ثم يتركهم يموتون ويذهبون بدون نتيجة، هذا عبث، فلا بد أن تظهر نتائج هذه الأعمال في الدار الآخرة.
ولهذا قد يكون من الناس من يفني عمره في عبادة الله وفي طاعته، وهو في فقر وفي حاجة، وقد يكون مظلومًا مضغوطًا عليه ومضيقًا عليه ولا ينال شيئًا من جزاء عمله في هذه الدنيا، وعلى العكس يكون من الناس كافر ملحد شرير يسرح ويمرح في هذه الحياة، ويتنعم ويعطى ما يشتهي ويرتكب ما حرم الله، ويظلم العباد ويعتدي عليهم ويأكل أموالهم، ويقتل بغير حق، ويتسلط ويتجبر ثم يموت على حاله، ما أصابه شيء من العقوبة، هل يليق بعدل الله وحكمته أن يترك هذا المطيع بدون جزاء، وأن يترك هذا الكافر بدون مجازاة، هذا لا يليق بعدله -
стр. 38
بل أرسل إلينا رسولًا [٤] .
стр. 39
كيف نعبده؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز أن يعبد الله بشيء إلا بما شرعه.
فالعبادات توقيفية على ما جاءت به الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، فالحكمة من إرسال الرسل أن يبينوا للناس كيف يعبدون ربهم، وينهونهم عن الشرك والكفر بالله هذه مهمة الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، ولهذا يقول ﵊: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» فالعبادة توقيفية، والبدع مردودة، والخرافات مردودة، والتقليد الأعمى مرفوض لا تؤخذ العبادات إلا من الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ .
قوله: بل أرسل إلينا رسولًا: هو محمد ﷺ خاتم النبيين أرسله ليبين لنا لماذا خلقنا؟ ويبين لنا كيف نعبد الله ، وينهانا عن الشرك والكفر والمعاصي، هذه مهمة الرسول ﷺ وقد بلَّغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة، ونصح الأمة ﵊، وبين ووضح، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وهذا كما في قوله
стр. 40
فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النار [٥]
شاهدًا عليكم: أي عند الله يوم القيامة بأنه بلغكم رسالة الله وأقام الحجة عليكم كما قال تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فلا أحد يوم القيامة يقول: أنا لم أَدْرِ أني مخلوق للعبادة، أنا لم أَدْرِ ماذا يجب علي، ولم أَدْرِ ماذا يحرم علي، لا يمكن أن يقول هذا، لأن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - قد بلغتهم، وهذه الأمة المحمدية تشهد عليهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
فهذه الأمة تشهد على الأمم السابقة يوم القيامة أن رسلها بلغتها رسالات الله، بما يجدونه من كتاب الله لأن الله قص علينا نبأ الأمم السابقة والرسل وما قالوه لأممهم. كل هذا عرفناه من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
ويكون الرسول: وهو محمد ﷺ عليكم، يا أمة محمد شهيدًا، يشهد عليكم عند الله أنه أقام عليكم الحجة وبلغكم الرسالة، ونصحكم في الله فلا حجة لأحد يوم القيامة بأن يقول: ما بلغني شيء، ما جاءني من نذير، حتى الكفار
стр. 43
يعترفون عندما يلقون في النار، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩] يقولون للرسل: أنتم في ضلال فهم يكذبون الرسل ويضللونهم.
هذه الحكمة في إرسال الرسل؛ إقامة الحجة على العباد، وهداية من أراد الله هدايته، الرسل يهدي الله بهم من يشاء، ويقيم الحجة على من عاند وجحد وكفر.
كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا: الرسول هو موسى ﵊، وفرعون هو الملك الجبار في مصر الذي ادعى الربوبية، وفرعون: لقب لكل من ملك مصر يقال له فرعون، المراد به هنا فرعون الذي أدعى الربوبية: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] .
فعصى فرعون الرسول: هو موسى، كفر به فرعون كما قص الله في كتابه ما جرى بين موسى وفرعون، وما انتهى إليه أمر فرعون وقومه.
فأخذناه، أي: أخذنا فرعون بالعقوبة وهو أن الله أغرقه هو وقومه في البحر ثم أدخلهم النار: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾
стр. 44
[نوح: ٢٥] . فصار في النار في البرزخ، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . هذا في البرزخ قبل الآخرة، يعرضون على النار صباحًا ومساء إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليل على عذاب القبر، والعياذ بالله، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] هذه ثلاثة عقوبات:
الأولى: أن الله أغرقهم ومحاهم عن آخرهم في لحظة واحدة.
الثاني: أنهم يعذبون في البرزخ إلى أن تقوم الساعة.
الثالثة: أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يدخلون أشد العذاب، والعياذ بالله.
وكذلك من عصى محمدًا ﷺ فإن مآله أشد من مآل قوم فرعون؛ لأن محمدًا هو أفضل الرسل فمن عصاه تكون عقوبته أشد.
أخذًا وبيلا، أي: شديدًا قويا لا هوادة فيه، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] .
стр. 45
اللَّه لا يَرْضَى أنْ يُشْرَك معه في عِبَادَته أَحَد
المسألة الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ معه أحد غيره في عبادته [٧]
стр. 46
فإذا خالطها شرك فسدت كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] . فالعبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا خالط الشرك العبادة أفسدها، كما أن الطهارة إذا خالطها ناقض من نواقض الوضوء أفسدها وأبطلها، ولهذا يجمع الله في كثير من الآيات بين الأمر بعبادته والنهي عن الشرك.
قال تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] . وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] ، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . فقوله تعالى: لا إله إلا أنا، فيه أمران: فيه نفي الشرك، وفيه إثبات العبادة لله تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] . ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . قرن بين عبادة الله واجتناب
стр. 47
الطاغوت؛ لأن عبادة الله لا تكون عبادة إلا مع اجتناب الطاغوت وهو الشرك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
فالإيمان بالله لا يكفي إلا مع الكفر بالطاغوت، وإلا فالمشركون يؤمنون بالله لكنهم يشركون به، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] . بين سبحانه أن عندهم إيمان بالله ولكن يفسدونه بالشرك والعياذ بالله.
هذا معنى قول الشيخ، أن من عبد الله وأطاع الرسول فإنه لا يشرك بالله شيئًا، لأن الله لا يَرْضَى أَنْ يُشرك مَعَهُ أَحَدُ في عبادته.
قال ﷺ فيما يرويه عن ربه قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» هناك قوم يصلون ويشهدون أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويكثرون من ذلك ويصومون ويحجون لكنهم يدعون الأضرحة، ويعبدون الحسن والحسين والبدوي
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ المساجد هي بيوت الله، وهي المواطن المعدة للصلاة، وهي أحب البقاع إلى الله، وهي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يجب أن تكون هذه المساجد مواطنا لعبادة الله وحده لا يحدث فيها شيء لغير الله، فلا يبنى عليها القبور والأضرحة لأن النبي ﷺ لعن من فعل ذلك، وأخبر أن هذا هو فعل اليهود والنصارى، ونهانا عن ذلك في آخر حياته، وهو في سكرات الموت ﵊ بقوله: «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد» [هذا يقوله وهو في سياق الموت] «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» ويقول ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
فالمساجد يجب أن تطهر من آثار الشرك والوثنية، وألا تقام على القبور أو يدفن فيها الأموات بعد بنائها بل تكون مواطن عبادة الله وحده، تقام فيها الصلاة ويذكر فيها اسم
стр. 51
الله، ويتلى فيها القرآن، وتقام فيه الدروس النافعة، ويعتكف فيها للعبادة هذه هي وظيفة المساجد.
أما أن تقام فيها أوثانًا تعبد من دون الله فهذه ليست مساجد، هذه مشاهد شرك وإن سماها أهلها أنها مساجد، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ أي: لا لغيره؛ ولأن المساجد هي محل اجتماع الناس وتلاقيهم، فيجب أن تكون طاهرة من الشرك والبدع والخرافات، لأن الناس يتلقون فيها العلم والعبادة، فإذا وجدوا في المساجد شيئًا من الشرك والخرافات تأثروا بذلك ونشروه في الأرض، فيجب أن تكون المساجد مطهرة من الشرك.
وأعظمها المسجد الحرام كما أمر الله - جل وعلا - بتطهيره قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] . طهره من ماذا؟ طهره من الشرك والبدع والخرافات كما أنه أيضًا يُطهر من النجاسات والقاذورات.
فقوله تعالى: لا تدعوا: لا ناهية، وتدعو: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون لأن أصله تدعون فدخل عليه الجازم وهو لا الناهية.
стр. 52
فلا تدعوا أيها الناس مع الله أحدًا، لا تستغيثوا بأحد مع الله؛ كأن يقول: يا الله يا محمد، يا الله يا عبد القادر، أو يقول: يا عبد القادر يا محمد، أو ما أشبه ذلك، فإن الله لا يرضى بذلك ولا يقبله.
وقوله تعالى: " أحدًا ": نكرة في سياق النهي فتعم كل أحد، لا يستثنى أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صنم ولا وثن ولا قبر ولا شيخ ولا ولي ولا حي ولا ميت كائنًا من كان.
فهي تعم كل من دعي من دون الله ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ فدلت هذه الآية على أن العبادة لا تنفع إلا مع التوحيد، وأنها إذا خالطها الشرك فإنها تبطل وتكون وبالًا على صاحبها، ثم قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ يجب أن تبنى بنية خالصة لا يكون القصد من بنائها الرياء والسمعة وتخليد الذكر كما يقولون وتكون آثارا إسلامية هذا كله باطل.
المساجد تبنى للعبادة وبقصد العبادة وتكون النية فيها خالصة لله ، وأيضًا تبنى من كسب طيب، لا تبنى من
стр. 53
الوَلاء وَالبَرَاء
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، وَوَحَّدَ اللهَ، لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله ولو كان أقرب قريب [١٠]
стр. 54
فالمسلم يوالي أولياء الله بمعنى أنه يحصر محبته على أولياء الله ويناصرهم، فالمسلم يكون مع المسلمين بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] . فالتعاقل في ديات الخطأ يكون بين المسلمين، وهو ما يسمى بالتكافل، كل هذا يدخل في الولاء، فلا يكون بين مسلم وكافر، والمحبة والنصرة والميراث والعقل وولاية النكاح وولاية القضاء إلى غير ذلك، فلا يكون بين مسلم وكافر؛ وإنما يكون هذا بين المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] . هكذا يجب أن يتميز المؤمنون عن الكفار، فلا يجوز لمن وحد الله وأطاع الرسول ﷺ موالاة من حاد الله.
والمحادة معناها: أن يكون الإنسان في جانب، والله ورسوله والمؤمنون في جانب، ويكون المحاد في جانب الكفار هذه هي المحادة.
قوله: ولو كان أقرب قريب: أي نسبًا، فإذا كان قريبك محادا لله ورسوله فيجب عليك محادته ومقاطعته، ومن كان وليا لله ورسوله وجب عليك أن تحبه وتواليه، ولو كان
قال ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك بإمكان
وكذا تعادي جاهدًا أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان
فهذا لا يمكن أبدًا أن يحب الكفار، يقول: أنا أحب الله ورسوله لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] . وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] . هذه ملة إبراهيم تبرأ من أبيه، أقرب الناس إليه لما تبين له أنه عدو الله.
ودلت الآية أيضًا على أن محبة الكافر تتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر، إما مع أصله أو مع كماله، لكن إن كانت محبتهم معها تأييد لمذهبهم وكفرهم فهذا خروج عن
стр. 57
الإسلام، أما إن كان مجرد محبة من غير مناصرة لهم فهذا يعتبر منقصًا للإيمان وفسقًا ومضعفًا للإيمان.
قيل: إن هذه الآية نزلت في أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنه - لما قتل أباه يوم بدر؛ لأن أباه كان على الكفر، وكان يريد أن يقتل ابنه أبا عبيدة، فقتله أبو عبيدة ﵁ لأنه عدو الله ولم يمنعه أنه أبوه، لم يمنعه ذلك من قتله غضبًا لله .
قوله تعالى: ( ﴿أُولَئِكَ﴾ ) : أي الذين يبتعدون عن محبة ومودة من حاد الله ورسوله.
قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ : أي أثبت الله في قلوبهم ورسخ الله في قلوبهم الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ : التأييد معناه التقوية، قواهم بروح منه، والروح لها عدة إطلاقات في القرآن، منها الروح التي هي النفس التي بها الحياة، ومنها الوحي كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ومنها جبريل ﵇ أنه روح القدس، والروح الأمين.
стр. 58
قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ومنها ما في هذه الآية وهي القوة.
فأيدهم بروح منه أي بقوة منه ، قوة إيمان في الدنيا، وفي الآخرة ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ جمع جنة، والجنة في اللغة البستان، سمي جنة لأنه مجتن بالأشجار، أي: مستتر ومغطى بالأشجار الملتفة، لأن الجنة ظلال وأشجار وأنهار وقصور وأعلاها وسقفها عرش الرحمن .
قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ : أي باقين فيها لا يتحولون عنها قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] لا يخافون من موت ولا يخافون من أحد يخرجهم ويطردهم، مثل ما في الدنيا، قد يكون الإنسان في الدنيا في قصور لكن لا يسلم من الموت فيخرج منها، ولا يسلم من الأعداء يتسلطون عليه ويخرجونه، الإنسان في الدنيا دائمًا خائف.
стр. 59
قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ : لما أغضبوا أقرباءهم من الكفار وعادوهم منحهم الله الرضا منه جزاءً لهم، فهم عوضوا بإغضابهم لأقاربهم الكفار، عوضوا برضا الله ، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ : أي جماعة الله، وأما الكفار فهم حزب كما قال الله تعالى عنهم: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٩] أي جماعة الشيطان وأنصار الشيطان، أما هؤلاء فهم أنصار الرب.
فهذه المسألة تتعلق بعداوة الكفار وعدم موالاتهم، وهي لا تقتضي أننا نقاطع الكفار في الأمور والمنافع الدنيوية، بل يستثنى من ذلك أمور:
الأول: أنه مع بغضنا لهم وعداوتنا لهم يجب أن ندعوهم إلى الله ، يجب أن ندعوهم إلى الله ولا نتركهم ونقول هؤلاء أعداء الله وأعداؤنا، يجب علينا أن ندعوهم إلى الله لعل الله أن يهديهم، فإن لم يستجيبوا فإنا نقاتلهم مع القدرة، فإما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يبذلوا الجزية إن كانوا من اليهود والنصارى أو المجوس
стр. 60
وهم صاغرون، ويخضعون لحكم الإسلام، ويتركون على ما هم عليه، لكن بشرط دفع الجزية وخضوعهم لحكم الإسلام، أما إن كانوا غير كتابيين وغير مجوس ففي أخذ الجزية منهم خلاف بين العلماء.
الثاني: لا مانع من مهادنة الكفار عند الحاجة، إذا احتاج المسلمون لمهادنتهم لكون المسلمين لا يقدرون على قتالهم ويخشى على المسلمين من شرهم، لا بأس بالمهادنة إلى أن يقوى المسلمون على قتالهم أو إذا طلبوا هم المهادنة ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] فيهادنون، لكن ليس هدنة دائمة، إنما هدنة مؤقتة مؤجلة إلى أجل حسب رأي إمام المسلمين، لما فيه من المصلحة.
الثالث: لا مانع من مكافأتهم على الإحسان إذا أحسنوا للمسلمين، لا مانع أنهم يكافئون على إحسانهم قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] .
стр. 61
رابعًا: الوالد الكافر يجب على ولده المسلم أن يبر به، لكنه لا يطيعه في الكفر لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥] الوالد له حق وإن كان كافرًا، لكن لا تحبه المحبة القلبية، بل تكافئه على تربيته لك، وأنه والد وله حق تكافئه على ذلك.
خامسًا: تبادل التجارة معهم والشراء منهم، شراء الحاجات منهم واستيراد البضائع والأسلحة منهم بالثمن لا بأس بذلك، وقد كان النبي ﷺ يتعامل مع الكفار وكذلك عامل ﷺ أهل خيبر وهم يهود على أن يزرعوا الأرض بجزء مما يخرج منها، ليس هذا من الموالاة والمحبة، وإنما هو تبادل مصالح. يجب أن نعرف هذه الأمور، وأنها لا تدخل في الموالاة، وليس منهيا عنها.
كذلك الاستدانة منهم، النبي ﷺ «استدان من اليهودي طعامًا، ورهن درعه عنده ومات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بطعام اشتراه لأهله» ، لا مانع من هذا؛ لأن هذه أمور
стр. 62
اعلم أرشدك الله لطاعته [١٢]
стр. 63
التي تضمنتها سورة العصر، والرسالة الثانية: المسائل الثلاث التي سبقت، والرسالة الثالثة: هي هذه، وستأتي الرسالة الرابعة وهي ثلاثة الأصول، فقوله ﵀: اعلم: تقدم الكلام على لفظها وبيان معناها، والمقصود من الإتيان بها.
قوله: أرشدك الله: هذا دعاء من الشيخ ﵀ لكل من يقرأ هذه الرسالة متفهمًا لها يطلب العمل بها بأن يرشده الله، والإرشاد هو الهداية إلى الصواب والتوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، والرشد ضد الغي، قال تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] والرشد هو دين الإسلام، والغي دين أبي جهل وأمثاله.
قوله أرشدك الله لطاعته: هذا دعاء عظيم، فإن المسلم إذا أرشده الله لطاعته فقد سعد في الدنيا والآخرة، والطاعة هي امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه، هذه هي الطاعة، أن تطيع الله في أوامره فتفعلها، وفي نواهيه فتجتنبها امتثالا لأمر الله وابتغاء وجه الله ترجو ثوابه، وتخاف عقابه، فمن وفق لطاعة الله، وأرشد لطاعة الله فإنه يسعد في الدنيا والآخرة.
стр. 64
الرسالة الثالثة
الحَنِيفِيَّة مِلَّة إِبْرَاهِيم
تعريف الحنيفية
إن الحنفية ملة إبراهيم [١٣]
стр. 65
سبحانه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] .
هذه أوصاف إبراهيم ﵇ العظيمة، منها أنه كان حنيفا، وأن ملته الحنيفية هي الملة الخالصة لله التي ليس فيها شرك، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يتبع هذه الملة بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وأمرنا نحن كذلك أن نتبع ملة إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] وهي دين جميع الرسل.
ولكن لكون إبراهيم ﵊ أفضل الأنبياء بعد نبينا محمد ﷺ لاقى في سبيل الدعوة إلى التوحيد من التعذيب ومن الامتحان ما لم يلقه غيره، فصبر على ذلك، ولكونه أبا الأنبياء فإن الأنبياء الذين جاءوا من بعده كلهم من ذريته ﵊ فالحنيفية ملة جميع الأنبياء، وهي الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك، هذه ملة جميع الرسل، لكن لما كان لإبراهيم مواقف خاصة نحو هذه الملة نسبت إليه ولمن جاء بعده، والأنبياء كلهم من بعده
стр. 66
أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدين [١٤]
стр. 67
خلط عمله بشيء من الشرك كالدعاء لغير الله، والاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله، فإن هذا لم يكن مخلصا في عبادته، بل هو مشرك، وليس على ملة إبراهيم ﵊.
كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام اليوم يقعون في الشرك الأكبر، من دعاء غير الله وعبادة القبور والأضرحة والذبح لها والنذر لها والطواف بها والتبرك بها، والاستغاثة بالأموات، وغير ذلك، وهم يقولون إنهم مسلمون، هؤلاء لم يعرفوا ملة إبراهيم ﵊ التي عليها نبيهم محمد ﷺ لم يعرفوها، أو عرفوها وخالفوها على بصيرة والعياذ بالله، وهذا أشد.
فملة إبراهيم لا تقبل الشرك بأي وجه من الوجوه، ومن خلط عمله بشرك فليس على ملة إبراهيم، وإن كان ينتسب إليها ويزعم أنه مسلم، فالواجب أن تعرف ملة إبراهيم، وأن تعمل بها، وأن تلتزمها بأن تعبد الله مخلصا له الدين، لا يكون في عبادتك شيء من الشرك الأصغر أو الأكبر.
هذه ملة إبراهيم ﵇: الحنيفية التي أعرضت عن الشرك بالكلية، وأقبلت على التوحيد بكليتها، أن تعبد الله مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ.
هذا معنى قول الشيخ: خلقهم لها وأمرهم بها، جمع الأمرين في قوله: وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
فقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾ الله هو الخالق، هو الذي خلق الأشياء كلها، ومن ذلك أنه خلق الجن والإنس، وأعطاهم العقول، وكلفهم بعبادته وحده لا شريك له، خصهم بالأمر بعبادته؛ لأن الله أعطاهم عقولا، وأعطاهم ما يميزون به بين الضار والنافع، والحق والباطل، وخلق الأشياء كلها لمصالحهم ومنافعهم، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] كل مسخر لبني آدم من أجل أن يستعينوا به على ما خلقوا من أجله، وهو عبادة الله ، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
والجن عالم من عالم الغيب لا نراهم، وهم مكلفون بالعبادة، ومنهيون عن الشرك وعن المعصية مثل بني آدم، لكن يختلفون عن بني آدم في الخلقة.
أما من ناحية الأوامر والنواهي فهم مثل بني آدم مأمورون ومنهيون، والجن عالم من عالم الغيب لا نراهم لكنهم
стр. 70
موجودون، والإنس هم بنو آدم، سموا بالإنس لأن بعضهم يأنس ببعض، يجتمعون ويتآلفون، والجن سموا جنا من الاجتنان وهو الاختفاء، ومنه الجنين في البطن، لأنه مختف، وجنه الليل إذا ستره، والمجن الذي يتخذ دون السهام، فالاجتنان والجنان هو الشيء الخفي المستتر، فالجن مستترون عنا لا نراهم.
وهم عالم موجود من أنكرهم فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله ولإجماع المسلمين، فقد بين الله أنه لم يخلق الجن والإنس لشيء إلا لعبادته، فهو لم يخلقهم لأجل أن ينفعوه أو يضروه، أو يعتز بهم من ذلة، أو يتكثر بهم من قلة، لأنه غني عن العالمين، وما خلقهم لحاجة إليهم، ما خلقهم لأجل أن يرزقوه أو يكتسبوا له الأموال: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧] .
فالله ليس بحاجة إلى الخلق، وإنما خلق الجن والإنس لشيء واحد فقط وهو أن يعبدوه، وهو ليس بحاجة إلى عبادتهم، وإنما هم المحتاجون إليها؛ لأنهم إذا عبدوا الله
стр. 71
ومعنى يعبدون: يوحدون [١٦] .
стр. 72
أعظم ما أمر الله به التوحيد
وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ إفراد الله بالعبادة [١٧]
стр. 73
( ﴿وَالْيَتَامَى﴾ ) الأيتام من المسلمين، وهم كل من مات أبوه وهو صغير ولم يبلغ وصار بحاجة إلى من يسد مسد أبيه في رعاية هذا الطفل تربية وإنفاقا والقيام بمصالحه، ورفع ما يضره؛ لأنه ليس له أب يحميه وينفق عليه ويدافع عنه، فهو بحاجة إلى من يساعده، لأنه فقد أباه وعائله، وله حق في الإسلام.
المهم أن الله بدأها بحقه قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ لم يقتصر على قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ لأن العبادة لا تصح مع الشرك ولا تنفع، ولا تسمى عبادة إلا إذا كانت خالصة لله ، إن كان معها شرك فإنها لا تكون عبادة مهما أتعب الإنسان نفسه فيها، قرن الأمر بالعبادة بالنهي عن الشرك، إذ لا تصح العبادة مع وجود الشرك أبدا.
هذا دليل على قول الشيخ: أعظم ما أمر الله به التوحيد، حيث إن الله بدأ به في آيات كثيرة منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] فبدأ بالتوحيد، وهذا يدل على أنه أعظم ما أمر الله به.
стр. 74
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
هذا دليل على ما يأتي أن أعظم ما نهى الله عنه الشرك، إذا كان أعظم ما أمر الله به التوحيد فإنه يجب أن يبدأ الإنسان بتعلم العقيدة قبل كل شيء، العقيدة هي الأساس، فيجب أن يبدأ بها بالتعلم والتعليم، وأن يداوم على تدريسها وبيانها للناس؛ لأنها هي أعظم ما أمر الله به، فليس من المناسب أن تجعلها آخر الأشياء، أو لا يؤبه بها، لأن الآن هناك دعاة يزهدون في تعليم التوحيد والعقيدة، فهناك أناس ابتلوا بهذا، ولأن الإخلال بها إخلال بالدين كله فيجب العناية بها.
وما هو التوحيد؟ هل هو أن تقر بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؟ لا؛ التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، لأن الله قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال أهل التفسير: يعبدون أي يوحدون، ففسروا التوحيد بالعبادة.
إذًا فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة وليس، هو الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، لأن هذا
стр. 75
أعظم ما نهى الله عنه الشرك
وأعظم ما نهى عنه الشرك [١٨]