← Акыда

Акыда · id 8600

شرح ثلاثة الأصول لصالح الفوزان

صالح الفوزان

Полный текст (304 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومعنى يعبدون: يوحدون [١٦] .

стр. 72

أعظم ما أمر الله به التوحيد وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ إفراد الله بالعبادة [١٧]

стр. 73

( ﴿وَالْيَتَامَى﴾ ) الأيتام من المسلمين، وهم كل من مات أبوه وهو صغير ولم يبلغ وصار بحاجة إلى من يسد مسد أبيه في رعاية هذا الطفل تربية وإنفاقا والقيام بمصالحه، ورفع ما يضره؛ لأنه ليس له أب يحميه وينفق عليه ويدافع عنه، فهو بحاجة إلى من يساعده، لأنه فقد أباه وعائله، وله حق في الإسلام. المهم أن الله بدأها بحقه قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ لم يقتصر على قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ لأن العبادة لا تصح مع الشرك ولا تنفع، ولا تسمى عبادة إلا إذا كانت خالصة لله ، إن كان معها شرك فإنها لا تكون عبادة مهما أتعب الإنسان نفسه فيها، قرن الأمر بالعبادة بالنهي عن الشرك، إذ لا تصح العبادة مع وجود الشرك أبدا. هذا دليل على قول الشيخ: أعظم ما أمر الله به التوحيد، حيث إن الله بدأ به في آيات كثيرة منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] فبدأ بالتوحيد، وهذا يدل على أنه أعظم ما أمر الله به.

стр. 74

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] . هذا دليل على ما يأتي أن أعظم ما نهى الله عنه الشرك، إذا كان أعظم ما أمر الله به التوحيد فإنه يجب أن يبدأ الإنسان بتعلم العقيدة قبل كل شيء، العقيدة هي الأساس، فيجب أن يبدأ بها بالتعلم والتعليم، وأن يداوم على تدريسها وبيانها للناس؛ لأنها هي أعظم ما أمر الله به، فليس من المناسب أن تجعلها آخر الأشياء، أو لا يؤبه بها، لأن الآن هناك دعاة يزهدون في تعليم التوحيد والعقيدة، فهناك أناس ابتلوا بهذا، ولأن الإخلال بها إخلال بالدين كله فيجب العناية بها. وما هو التوحيد؟ هل هو أن تقر بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؟ لا؛ التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، لأن الله قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال أهل التفسير: يعبدون أي يوحدون، ففسروا التوحيد بالعبادة. إذًا فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة وليس، هو الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر، لأن هذا

стр. 75

أعظم ما نهى الله عنه الشرك وأعظم ما نهى عنه الشرك [١٨]

стр. 76

أعظم الجرائم، وأعظم ما نهى الله عنه، فيقول: الربا هو أعظم المحرمات، الزنا هو أعظم المحرمات؛ ولذلك يركزون على النهي عن الربا، وعن الزنا، وعن فساد الأخلاق، ولكن لا يهتمون بأمر الشرك، ولا يحذرون منه، وهم يرون الناس واقعين فيه، فهذا من الجهل العظيم بشريعة الله . فأعظم ما نهى الله عنه هو الشرك، فهو أعظم من الربا، وأعظم من شرب الخمر، وأعظم من السرقة، وأعظم من أكل أموال الناس بالباطل، وأعظم من القمار والميسر، هو أعظم المحرمات، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخر الآيات، وهذه الآيات تسمى بالوصايا العشر، ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١، ١٥٢] .

стр. 77

هذه المحرمات بدأها الله بقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فدل على أن الشرك هو أعظم ما نهى الله عنه. وفي سورة الإسراء قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] . بدأ بالنهي عن الشرك، وختمها بالنهي عن الشرك فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] . فدل على أنه أعظم ما نهى الله عنه، هذا يدل على قول الشيخ: وأعظم ما نهى الله عنه الشرك. وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ «سئل: أي الذنب أعظم قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قيل ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك» وأنزل الله تصديق ذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] . فبدأ بالشرك

стр. 78

في قوله: أن تجعل لله ندا - أي شريكا - وهو خلقك، وقال: هو أعظم الذنوب؛ لأنه سئل أي الذنب أعظم؟ فبدأ بالشرك. وقال ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات! قيل وما هن يا رسول الله؟ ! قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.» " إلخ الحديث بدأها بالشرك، فدل على أن الشرك هو أعظم الذنوب، ولذلك المشرك لا يدخل الجنة أبدا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] . المشرك لا يغفر الله له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . فدل ذلك على تحريم الجنة على المشرك، وأيضا أن الله لا يغفر له، ودل هذا على أن الشرك أعظم الذنوب، لأن الذنوب ما عدا الشرك قابلة للمغفرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فالزنا والسرقة وشرب الخمر والربا كله داخل تحت المشيئة، إن شاء الله غفر لصاحبه، وإن شاء عذبه.

стр. 79

أما الشرك فإنه لا يغفر، حكم الله أنه لا يغفره، وكذا العاصي وإن كان عنده كبائر دون الشرك فإنه لا تحرم عليه الجنة، مآله إلى الجنة، إما أن يغفر الله له من أول وهلة ويدخله الجنة، وإما أن يخرج من النار بعد تعذيبه ويدخل الجنة، المؤمن مهما كان منه من الفسق والمعاصي التي دون الشرك فإنه لا يقنط من رحمة الله، ولا يحرم من الجنة، وهو داخل تحت المغفرة بمشيئة الله . أما المشرك فإنه محروم من ذلك كله والعياذ بالله، فدل على أن الشرك هو أعظم الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] . ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] كل هذا يدل على أن الشرك أعظم الذنوب، وإذا كان الشرك أعظم الذنوب فإنه يجب على العلماء والمتعلمين النهي عنه والتحذير منه، وألا يسكتوا عن التحذير من الشرك، وأنه يجب جهاد المشركين مع القدرة كما جاهدهم رسول الله ﷺ .

стр. 80

وهو دعوة غيره معه [١٩]

стр. 81

نبي من الأنبياء أو صالح من الصالحين أو بنية من البنيات أو غير ذلك من كل المخلوقات، فمن صرف شيئا من العبادة لغير الله فهذا هو أعظم ما نهى الله عنه، هذا هو الشرك. فاعرفوا تفسير التوحيد وتفسير الشرك، لأن هناك من الناس من يفسر التوحيد بغير تفسيره، ومن يفسر الشرك بغير تفسيره. من الناس من يقولون إن الشرك هو الشرك في الحاكمية، وهذا ظهر الآن مع الأسف، الحكم بغير ما أنزل الله نوع من أنواع الشرك يسمى شرك الطاعة، لا شك أن طاعة المخلوق في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله هذا نوع من الشرك؛ لكن هناك ما هو أعظم منه وهو عبادة غير الله بالذبح والنذر والطواف والاستغاثة، فالواجب أن يحذر من الشرك كله لا يؤخذ منه ويترك ما هو أعظم وأخطر منه، فلا يفسر الشرك بأنه شرك الحاكمية فقط أو الشرك السياسي، ويقولون الشرك بالقبور هذا شرك ساذج، أي هين، هذه جراءة على الله ، الشرك أعظم ما نهى الله عنه، وهو دعوة غيره معه، هذا هو الشرك.

стр. 82

ومنهم من يقول الشرك هو محبة الدنيا ومحبة المال. المال جعله الله محبوبا حبا طبيعيا ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] . ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ أي المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] . قال: أحب إليكم، ما أنكر عليهم أنهم يحبونه، لكن أنكر عليهم أنهم يقدمون محبته على محبة الله، محبة المال ليست شركا؛ لأن هذه محبة طبيعية، الناس يحتاجون إلى المال ويحبونه، محبة المال ليست شركا، لأنه من محبة المنافع التي ينتفع بها الإنسان، لكن هؤلاء الذين يقولون هذه المقالات إما أنهم جهال لم يتعلموا التوحيد والشرك، وإما أنهم معرضون يريدون صرف الناس عن هذه الحقائق إلى أشياء هم يريدونها، ومآرب يريدونها، والله أعلم بالمقاصد. المهم أن هذا ليس هو الشرك، الشرك هو دعوة غير الله معه، أو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة والاستعانة والالتجاء والخوف والرجاء وغير ذلك، هذا هو الشرك الذي هو أعظم الذنوب، دعوة غيره معه ، لأن الدعاء هو أعظم أنواع

стр. 83

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] [٢٠]

стр. 84

الرسالة الرابعة : الأصول الثلاثة التي تجب معرفتها الأصل الأول: معرفة الله فإذا قيل لك ما هي الأصول الثلاثة التي تجب مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ محمد ﷺ [١]

стр. 85

قوله: ودينه ونبيه: معطوف عليه أي على المنصوب، هذه أصول الدين إجمالا. وسيأتي تفصيلها في كلام الشيخ ﵀ إن شاء الله. لماذا خص هذه الأصول الثلاثة؟ لأنها هي الأساسات لدين الإسلام، ولأنها هي المسائل التي يسأل عنها العبد حين يوضع في قبره، لأن «العبد إذا وضع في قبره وسوي عليه التراب وانصرف عنه الناس راجعين إلى أهلهم جاءه ملكان في القبر، فتعاد روحه في جسده، ويحيا حياة برزخية، ليست حياة مثل حياة الدنيا، حياة الله أعلم بها، فيجلسانه في قبره فيقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ومحمد ﷺ نبيي، فيقال له: كيف عرفت؟ يقول: قرأت كتاب الله فدريت وعرفت، فينادي مناد: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا من الجنة، ويوسع له في قبره مد البصر، فيأتيه من ريح الجنة وروحها، فينظر إلى مسكنه في الجنة، فيقول: يا رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي» . وأما المرتاب الذي عاش على الريبة والشك وعدم اليقين، وإن كان يدعي الإسلام، «إذا كان عنده شكوك وعنده»

стр. 86

«ريب في دين الله كالمنافق فإنه يتلجلج، فإذا قالوا له: من ربك؟ يقول: لا أدري، وإذا قالوا: ما دينك؟ يقول: لا أدري، وإذا قيل: من نبيك؟ يقول: لا أدري، هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته» . يعني أنه في الدنيا يقول ما يقوله الناس من غير إيمان، هذا المنافق والعياذ بالله، هذا المنافق الذي أظهر الإسلام وهو لا يعتقده في قلبه، وإنما أظهره من أجل مصالحه الدنيوية، فيقول في الدنيا: ربي الله، وهو غير مؤمن بها، قلبه منكر والعياذ بالله!! يقول: ديني الإسلام وهو لا يؤمن بالإسلام، قلبه منكر!! يقول: نبيي محمد ﷺ وهو لا يؤمن برسالة محمد في قلبه! ! إنما يقول بلسانه فقط، «هذا هو المنافق، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح بها صيحة لو سمعه الثقلان لصعقوا، يسمعها كل شيء إلا الإنسان، لو سمعه لصعق، أي لمات من الهول، ويضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار، فيأتيه من سمومها وحرها، فيقول: يا رب لا تقم الساعة، هذه عيشته وحالته في القبر، والعياذ بالله، لأنه ما أجاب بالجواب السديد. »

стр. 87

فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ [٢]

стр. 88

العقائد على أدلة الكتاب والسنة، وعلى النظر في آيات الله الكونية من أجل أن ترسخ وتثبت في القلب، وتزول جميع الشبه. وأما العقائد المبنية على الشبهات وعلى الشكوك وعلى أقوال الناس والتقليد الأعمى فإنها عقائد زائلة لا تثبت، وهي عرضة للنقض، وعرضة للإبطال. فلا تثبت العقيدة ولا سائر الأحكام الشرعية إلا بأدلة الكتاب والسنة، وبالأدلة العقلية المسلمة. ولهذا أكثر الشيخ ﵀ من سياق الأدلة على هذه الأصول الثلاثة، فلا يمر أصل منها إلا وقد دعمه بالأدلة والبراهين اليقينية التي تطرد الشكوك والأهواء، وترسخ العقيدة في القلب. قوله ﵀: فإذا قيل لك: أي سئلت من ربك؟ وهذا سؤال وارد ستسأل عنه في الدنيا والآخرة، فلا بد أن تعرف ربك وأن تجيب بجواب صحيح مبني على اليقين والبرهان، فقل: ربي الله - هذا هو الجواب - الذي رباني، وربى جميع العالمين بنعمه، هذا استدلال عقلي. فالرب - جل وعلا - هو الذي يربي جميع عباده بنعمه، ويغذيهم برزقه، يخلقهم - بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا -

стр. 89

في بطون أمهاتهم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث، ويوصل إليهم الرزق حتى في بطون أمهاتهم؛ ولذلك ينمو جسم الجنين في بطن أمه ويكبر، لأنه يصل إليه الرزق من الله ، ويصل إليه الغذاء. ثم تنفخ فيه الروح فيتحرك ويحيا بإذن الله، هذه تربية في البطن، ثم إذا خرج فإن الله سبحانه يربيه بنعمه بالصحة والعافية، ويدر عليه لبن أمه، فيتغذى إلى أن يأكل الطعام ويستغني عن الحليب، ثم ينمو شيئا فشيئا، عقله وسمعه وبصره، ينمو شيئا فشيئا حتى يبلغ الحلم، ثم ينمو وينمو حتى يبلغ أشده ويبلغ أربعين سنة، ويكون في غاية القوة. فمن الذي يغذيه من يوم أن خلقه في بطن أمه إلى أن يموت، من الذي يغذيه، ثم من الذي يسوغ هذا الطعام وهذا الشراب في جسمه، فيصل إلى كل خلية وعضلة، وإلى كل مكان في جسمه، من الذي يشهي إليه الطعام والشراب، من الذي يصرفه ويخرج منه ضرره، من الذي يفعل هذا ويربي هذا الإنسان، أليس هو الله ؟ هذا هو الرب الذي يربي، الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته.

стр. 90

وهو معبودي ليس لي معبود سواه [٣]

стр. 91

والمشرك يقر بربوبية الله، ولكنه مشرك في عبادته، يشرك معه غيره في عبادته، يشرك معه من لا يخلق ولا يرزق ولا يملك شيئا، هذا هو الفرق ما بين الموحد والمشرك؛ الموحد يقول: ربي الله، وهو معبودي، وليس لي معبود سواه، أما المشرك يقول: ربي الله؛ لكن العبادة عنده ليست خاصة بالله، فيعبد مع الله الأشجار والأحجار والأولياء والصالحين والقبور، فلذلك صار مشركا، ولم ينفعه الإقرار بالربوبية، ولم يدخله في الإسلام. فقوله: وهو معبودي: أي الإله الذي أعبده. وقوله: ليس لي معبود سواه: لا من الملائكة ولا من الرسل ولا من الصالحين ولا من الأشجار والأحجار ولا من أي شيء، ليس لي معبود سواه ، هذا تقرير التوحيد بالدليل، وهذا دليل عقلي، ثم ذكر الدليل النقلي من القرآن. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . هذه الآية هي أول القرآن في المصحف، ليس قبلها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وهي آخر كلام أهل الجنة، قال

стр. 92

تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ، والله - جل وعلا - افتتح بها الخلق، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . وختم بها الخلق، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] فتح بها الخلق وختم بها، فهي كلمة عظيمة. فقوله تعالى: الحمد: الثناء على المحمود مع محبته وإجلاله، و (أل) : في الحمد للاستغراق، أي جميع المحامد لله ملكا واستحقاقا، فهو المستحق للحمد المطلق، وأما غيره فيحمد على قدر ما يفعل من الجميل ومن الخير، وأما الحمد المطلق الكامل فهو لله لأن النعم كلها منه. وحتى المخلوق إذا أسدى إليك شيئا من الإحسان فإنه من الله هو الذي سخر لك هذا المخلوق، وهو الذي مكنه من أن يحسن إليك، فالحمد يرجع إلى الله . وقوله: لله: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، أي: الحمد كائن أو مستقر لله .

стр. 93

والله: معناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وهذا الاسم لا يسمى به غيره سبحانه، لا أحد تسمى بالله، حتى فرعون ما قال أنا الله، لكنه قال: أنا ربكم، فهذا الاسم خاص بالله، لا أحد يتسمى به أبدا، ولا أحد يجرؤ أن يقول أنا الله. رب: نعت لاسم الجلالة، وهو مجرور، وهو مضاف. العالمين: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. فواضح أن الحمد كله والثناء كله لله رب العالمين. وعالم الملائكة وعالم الجمادات والطيور وعالم السباع وعالم الحيوانات وعالم الحشرات والذر، عوالم في البر والبحر لا يعلمها إلا الله، ولا يحصيها إلا الله، كلها الله ربها. رب العالمين: وهذا لا يقال إلا على الله سبحانه ، لا يمكن لأحد أن يقال له: رب العالمين. فإذا قيل: الرب: فهذا لا يطلق إلا على الله - جل وعلا - ولا ينصرف إلا إليه، أما المخلوق فيقيد، فيقال: رب الدار، رب البهيمة، أي: مالكها وصاحبها.

стр. 94

وكل ما سِوَى اللهِ عَالَمٌ وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العالم [٤]

стр. 95

فإذا قيل لك بما عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته [٥]

стр. 96

كانت معدومة، ثم إن الله أوجدها وخلقها بقدرته . ومنها خلق يتجدد مثل النبات والمواليد وأشياء ما كانت موجودة ثم وجدت، وأنتم تنظرون إليها، من الذي يخلقها؟ هو الله . هل تخلق نفسها، هل أحد من البشر خلقها؟ لا أحد ادعى هذا ولا يستطيع أن يدعي. قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦] . هذه الأشياء ما أوجدت نفسها، أو أوجدها غيرها من المخلوقات، أبدا ما أحد خلق شجرة، ما أحد خلق بعوضة أو ذبابا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] . فهذا الخلق يدل على الخالق ، ولهذا لما قيل لأعرابي على البديهة بم عرفت ربك؟ قال: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، ألا يدل هذا الكون على اللطيف الخبير. إذا رأيت أثر قدم على الأرض أما يدلك هذا على أن أحدا مشى على هذه الأرض، إذا رأيت بعر بعير، ألا يدلك

стр. 97

وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته: السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما [٦]

стр. 98

﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦] . القسم الثاني: الآيات القرآنية التي تتلى من الوحي المنزل على الرسول ﷺ هذه كلها أدلة على وجود الرب ، وعلى كماله وصفاته وأسمائه، وعلى أنه مستحق للعبادة وحده لا شريك له، كلها تدل على ذلك، الآيات الكونية والآيات القرآنية. الآيات الكونية تدل على خالقها وموجدها ومدبرها، والآيات القرآنية فيها الأمر بعبادة الله، وفيها تقرير توحيد الربوبية، والاستدلال به على توحيد الألوهية، والأمر بعبادة الله ، كل القرآن يدور على هذا المعنى، وأنزل من أجل هذا المعنى. ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، هذه من أعظم آياته ، الليل المظلم الذي يغطي هذا الكون، والنهار المضيء الذي يضيء هذا الكون، فينتشر الناس لأشغالهم، قال تعالى:

стр. 99

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣] . هذا من أعظم آيات الله، هذا الليل وهذا النهار، لا الوقت كله ليل، ولا الوقت كله نهار، لأنه لو كان كذلك تعطلت مصالح العباد وتعبوا. جعل الله لهم الليل والنهار يتعاقبان، ثم إن الليل والنهار منتظمان لا يتخلف واحد منهما ولا يتغير، على نظام واحد، مما يدل على حكمة الحكيم ، أفعال العباد وصناعاتهم تخرب وتختلف مهما كانت وتتعطل، وأما مخلوقات الله فإنها لا تخرب إلا في وقت يأذن الله فيه بخرابها. فالليل والنهار مستمران، لم يتعطل أحد فيهما، بينما صناعة الخلق تتعطل وتخرب وتفنى، وإن كانت قوية أو ضخمة. كم تشاهدون من السيارات المرمية والطائرات والبواخر، مع أنها قوية ومعتنى بها، لكنها تخرب وتتعطل، هل تعطل

стр. 100

الدليل على ربوبيته وإلاهيته وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] [٧]

стр. 101

﴿وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] . وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] . ففي الأهلة مصلحة لمعرفة المواقيت والآجال، آجال الديون وآجال العدد للنساء، ومواقيت العبادات والصيام والحج، كلها تعرف بالحساب المبني على هذين النيرين الشمس والقمر، فالحساب الشمسي والحساب القمري فيهما مصالح للخلق أجمعين. ومن مخلوقاته السماوات السبع، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] . ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣] . بعضها فوق بعض، السماء الدنيا، ثم التي تليها إلى السابعة، وفوق الجميع عرش الرحمن . والأرضين سبع كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ فهي سبع طباق أيضا، وكل طبقة من طبقات السماوات السبع والأرضين لها سكان وعمار، ما في السماوات من الكواكب والأفلاك الشمس والقمر، وما في الأرض من المخلوقات من الدواب باختلاف أنواعها، ومن الجبال والأشجار

стр. 102

والأحجار، ومن المعادن، ومن البحار، هذه من آيات الله الآيات الكونية التي ترى وتشاهد. قال ﵀: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] . من آياته الليل: يعني من علاماته الدالة على الربوبية وقدرته واستحقاقه للعبادة دون سواه. الليل الذي يظلم والنهار الذي يضيء الكون كله، هذا من عجائب آيات الله . فمن الذي يجعل الكون كله مظلما في آن واحد؟ ثم يجعل الكون كله مضيئا في آن واحد؟ هو الله ، لو اجتمع الخلق على أن يضيئوا بقعة من الأرض ما استطاعوا أن يضيئوا إلا بقعة محدودة، لو جاءوا بمكائن الكهرباء التي في الدنيا كلها لا تضيء إلا جزءا محدودا من الأرض. أما الشمس والقمر فهم يضيئان الأرض كلها، الليل والنهار يتعاقبان والشمس والقمر كذلك.

стр. 103

قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] . هذا إبطال للشرك، لا تسجدوا للمخلوقات؛ لأن من أعظم المخلوقات الشمس والقمر، ولأن المشركين كانوا يعبدون الشمس ويسجدون لها، ومنهم من يعبد القمر والكواكب، مثل قوم إبراهيم، يبنون لها هياكل على صورة الكواكب ويعبدونها، فقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ السجود معناه وضع الجبهة على الأرض خضوعا للمعبود، وهو أعظم أنواع العبادة، ورسول الله ﷺ يقول: " «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» ". فأعظم أنواع العبادة السجود على الأرض؛ لأن وجهك الذي هو أعز شيء عندك وضعته لله على الأرض تعبدا لله وتذللا بين يديه ، هذا هو السجود الحقيقي، ولا يليق التعبد به إلا لله. أما السجود للشمس والقمر فهو سجود لمخلوق لا يستحق، فلا يجوز السجود للمخلوقات، وإنما السجود لخالق المخلوقات، أما المخلوقات فهي مثلك

стр. 104

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] [٨]

стр. 105

إن ربكم: أي خالقكم ومربيكم بالنعم. الله: لا غيره . ثم ذكر الدليل على ذلك فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] . هذا هو البرهان على ربوبية الله أنه خلق السماوات والأرض، ولا أحد خلق شيئا منهما، ولا أحد أعانه على ذلك، بل هو المنفرد بخلقه ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ هل أحد من المشركين أو الملاحدة عارض هذا وقال: ما خلق الله السماوات والأرض، الذي خلقها هو فلان، أو أنا الذي خلقتها، أو خلقها الصنم الفلاني؟ هل قال هذا أحد من العالم قديما وحديثا، مع أن هذه الآية تتلى ليلا ونهارا؟ ولا أحد عارض فيها، ولا يستطيع أن يعارض أبدا. في ستة أيام: هذه المخلوقات الهائلة العظيمة خلقها الله في ستة أيام، وهو قادر على أن يخلقها في لحظة، ولكنه خلقها في ستة أيام لحكمة يعلمها ، وستة الأيام أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، ففي يوم الجمعة تكامل الخلق؛ ولذلك صار هذا اليوم أعظم أيام الأسبوع. وهو سيد الأيام وعيد الأسبوع، وهو أفضل الأيام.

стр. 106

قال رسول الله ﷺ : ( «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة» ) لأنه تكامل فيه خلق المخلوقات، وخلق فيه آدم، وأدخل الجنة وأهبط منها، وفيه تقوم الساعة، كل ذلك في يوم الجمعة، فهو أفضل الأيام، وهو آخر أيام الخلق، خلق السماوات والأرض وما فيهن. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ حرف عطف وترتيب، أي أن استواءه على العرش جاء بعد خلق السماوات والأرض، لأنه من صفات الأفعال التي يفعلها الله متى شاء. ومعنى استوى: ارتفع وعلا. العرش: هو سقف المخلوقات. وهو في اللغة: السرير، وهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو أعظم المخلوقات وأعلى المخلوقات. الاستواء: صفة من صفات الله الفعلية كما يليق بجلاله ، ليس كاستواء المخلوق على المخلوق، وليس هو بحاجة إلى العرش؛ لأنه هو الذي يمسك العرش

стр. 107

وغيره ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] فالعرش محتاج إلى الله لأنه مخلوق، والله غني عن العرش وغيره، لكنه استوى عليه لحكمة يعلمها ، والاستواء نوع من العلو، لكن العلو صفة ذات، وأما الاستواء فهو صفة فعل يفعله إذا شاء . ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يغشي الليل بالنهار، ويغطي النهار بالليل، فبينما ترون الكون مضيئا يغطيه الليل فيصبح مظلما، والليل يغطيه النهار فيصبح مضيئا. ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ يأتي هذا بعد هذا مباشرة ولا يتأخر، فإذا أدبر الليل جاء النهار، وإذا أدبر النهار جاء الليل مباشرة لا يتأخر هذا عن هذا، وهذا من كمال قدرته ، لا يفتر هذا عن هذا، والشمس هي الكوكب العظيم المعروف، والقمر كذلك كوكب من الكواكب السبعة السيارة، وكل منهما يجري ويدور على الأرض، والأرض ثابتة مستقرة، جعلها قرارا، أي قارة ثابتة لمصالح العباد، والشمس وسائر الأفلاك تدور عليها، لا كما يقوله المتخرصون الآن من الذين يدعون المعرفة

стр. 108

يقولون: إن الشمس ثابتة والأرض تدور عليها هذا عكس ما في القرآن. . . ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] . وهم يقولون: الشمس ثابتة، يا سبحان الله! والنجوم: هي الكواكب، مسخرات بأمره: مسخرات في الجريان والدوران دائما لا يفترن، وهذا رد على الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب بأنها مسخرة بأمر الله مأمورة، الله الذي يجريها، والله الذي يوقفها إذا شاء ، فهي مسخرة مدبرة ليس لها من الأمر شيء. يأمرها سبحانه فتجري وتدور وتضيء بأمره الكوني ، يطلع هذا ويغرب هذا ويتعاقبان، نصب الشمس والقمر والنجوم على العطف، لأن السماوات: منصوب، لأنه مفعول وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، لأنه جمع مؤنث سالم، والأرض منصوب بالفتحة، ثم قال: والشمس والقمر معطوف على المنصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب. مسخرات: منصوب على الحال أي حال كونها مسخرات، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. قال ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ .

стр. 109

ألا: أداة تنبيه وتقرير. له: لا لغيره. الخلق: وهو الإيجاد، فهو القادر على الخلق إذا أراد يخلق ما شاء. والأمر: أمره ، وهو كلامه الكوني والشرعي. أمره الكوني: الذي يأمر به المخلوقات فتطيعه وتستجيب له مثل قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] . أمرهما سبحانه، وهذا أمر كوني أمر به السماوات والأرض فتكونت ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] هذا أمر كوني. أما الأمر الشرعي: فهو وحيه المنزل الذي يأمر به عباده، يأمرهم بعبادته، يأمرهم بالصلاة، يأمرهم بالزكاة، يأمرهم ببر الوالدين، هذا أمره الشرعي يدخل فيه الأوامر والنواهي التي في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، هذا من أمر الله . إذا كان له الخلق والأمر فماذا بقي لغيره ؟ ولهذا يقول ابن عمر لما قرأ هذه الآية، قال: من له شيء فليطلبه، ودلت الآية على الفرق بين الخلق والأمر، ففيه رد

стр. 110

على من يقولون بخلق القرآن، لأن القرآن من الأمر، وأمر الله ليس مخلوقا، لأن الله غاير بين الخلق وبين الأمر، فجعلهم شيئين متغايرين، والقرآن داخل في الأمر فهو غير مخلوق. وهذا ما خصم به الإمام أحمد الجهمية لما طلبوا منه أن يقول بخلق القرآن، قال: هل القرآن من الخلق أو من الأمر؟ قالوا: القرآن من الأمر، قال: الأمر غير مخلوق، الله غاير بينه وبين الخلق، فجعل الخلق شيئا والأمر شيئا آخر. الأمر كلام، وأما الخلق فهو إيجاد وتكوين، يوجد فرق بينهما. تبارك الله: أي: تعاظم الذي هذه أفعاله ، وهذه قدرته، وهذه مخلوقاته ﵎. وتبارك: فعل خاص به سبحانه، فلا يطلق على غيره، والبركة هي كثرة الخير ونماؤه، وبركات الله - جل وعلا - لا تتناهى، أما المخلوق فلا يقال له تبارك. إنما يقال له مبارك يعني: بارك الله فيه، وجعله مباركا، والبركة كلها من الله .
следующие страницы →