مقدمة
...
النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح
تأليف الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، المتوفى سنة ٧٦١هـ
تحقيق وتعليق: الدكتور عبد الرحيم محمد أحمد القشقري الأستاذ المساعد بكلية الحديث والدراسات الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد:
فإن الله حينما تكفل بحفظ كتابه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ تكفل أيضاً بحفظ سنة نبيه بأن خلق لها رجالاً يذبون عنها، ويكشفون زيف الزائفين. وذلك بتدوينها في الدواوين سواء كانت تلك الدواوين على حسب المسانيد كمسند الطيالسي وأحمد بن حنبل وابن راهوية أو على الأبواب كالبخاري ومسلم وأصحاب السنن.
وقد اتبع كل إمام منهج في التأليف، فمنهم من اشترط الصحة في أحاديثه كما فعل الإمام البخاري ومسلم دون أن يستوعبا جميع الأحاديث الصحيحة، لأن في ذلك مشقة وعناء، بل اختارا ما أجمع العلماء على صحته، وتركا من الصحاح مخافة الطول.
ومنهم من لم يشترط الصحة، بل أورد كل ما عنّ له وحكم على ما رأى أنه لازم، كما صنع الترمذي وأبو داود وأن ما سكت عنه صالح، بل وفيها بعض الأحاديث الضعيفة.
وقد أراد البغوي – ﵀ – أن يجمع كتاباً شاملاً لنوعي
стр. 2
الصحيح والحسن، فما كان في الصحيحين فهو صحيح، وما كان في السنن فهو حسن، وإن كان هناك ضعيف أو غريب، أشار إليه، وإن كان منكراً أو موضوعاً، أعرض عنه.
وقد جاء العلماء بعده فوضعوا كلام البغوي في ميزان النقد العلمي، فخرجوا بما يلي:
١- أنه لم يميز بين النوعين – الصحيح والحسن- وكأنه سكت عن البيان لاشتراكهما في الاحتجاج به لا في القوة.
٢- ردوا قوله بأن الحسان ما في السنن لأن فيها غيره من الصحيح والضعيف الذي يجبر، لا سيما عند أبي داود لأن الضعيف عنده أحب إليه من رأي الرجال، وقد يقال عن صنيع البغوي بأنه اصطلاح له، ولا مشاحة في الإصطلاح إلا أنه قول ضعيف، لأن الواقع يرده.
فالإصطلاح يكون حينئذ مردوداً وقد اهتم الأئمة الذين جاؤوا بعده بكتاب المصابيح شرحاً وتخريجاً لأحاديثه فشرحه البيضاوي وسماه تحفة الأبرار وقاسم بن قطلوبغا، والتور بشتى وغيرهم.
وخرّج أحاديثه جملة من العلماء منهم: الإمام المناوي في كتابه كشف المناهيج.
ومن العلماء من أكمله وهذبه وزاد عليه.
ذكر ذلك حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون عند الكلام على كتاب المصابيح ٢/١٦٩٨.
وكان للعلائي دور في خدمة هذا الكتاب الجليل حيث دافع عنه وعن الأحاديث التي رميت بالوضع، وهي ليست موضوعة كما أشار إليها في كتابه. وقد كان بعمله هذا ممن أسدى خدمة جليلة
стр. 3
لمحبي هذا الكتاب، لا سيما طلاب العلم في الباكستان والهند والتركستان، حيث اعتمادهم يكاد يكون كلياً على هذا الكتاب.
وفي الختام أود أن أترك القارئ يجول مع العلائي في كتابه ليرى مدى تمكنه من علم الحديث. فهذا الكتاب غيض من فيض بالنظر إلى ما ألّف من مؤلفات في فنون شتى.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
المحقق
تحريراً في ٤/١٢/١٤٠٤هـ
стр. 4
ترجمة العلائي
هو الشيخ صلاح الدين العلائي الحافظ المفيد. المحدث الفقيه الأصولي الأديب، خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي الشافعي.
ولد في أحد الربيعين سنة أربع وتسعين وستمائة بدمشق.
بدأ العلم صغيراً حيث ورد أنه سمع صحيح الإمام مسلم سنة ثلاث وسبعمائة على الشيخ شرف الدين الفزاري، وسمع البخاري على ابن مشرف سنة أربع وسبعمائة، وفيها ابتدأ بقراءة العربية وغيرها على الشيخ نجم الدين القحفازي، والفقه والفرائض على الشيخ زكي الدين زكوي.
ثم جد في طلب الحديث سنة عشر وسبعمائة وقرأ بنفسه على القاضي سليمان الحنبلي وأبي بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم ومن بعدهم حتى بلغ شيوخه بالسماع نحو سبعمائة شيخ، ومن مسموعاته الكتب الستة وغالب دواوين الحديث١.
стр. 5
أقوال النقاد فيه:
قال السبكي: كان حافظاً ثقة ثبتاً عارفاً بأسماء الرجال والعلل والمتون١.
وقال ابن كثير: كانت له يد طولى بمعرفة العالي والنازل، وتخريج الأجزاء والفوائد، وله مشاركة قوية في الفقه واللغة، والعربية والأدب٢.
ولو انتقلنا إلى رحلاته فمصنفنا كان من أولئك الذين ارتحلوا للسماع والأخذ عن الشيوخ، وقد ذكر من ترجم له أنه حج مراراً، واستقر به المقام في مدينة القدس مدرساً للحديث في التنكزية. إلى جانب الفتوى والتصنيف، حتى وافاه الأجل المحتوم في المحرم سنة إحدى وستين وسبعمائة، ودفن بمقبرة باب الرحمة إلى جانب سور المسجد٣.
مؤلفاته:
لقد خلف الإمام العلائي مجموعة كبيرة من المؤلفات العلمية التي كان لها الأثر الكبير في إثراء المكتبة الإسلامية، وكانت جل تلك المصنفات في علم الحديث والرجال وعلوم الفقه وأصوله، وكانت لمؤلفاته صدى واسعاً بين العلماء لا سيما في عصره.
فمن مؤلفاته التي خلفها لنا بعد وفاته ما يلي:
١- إتمام الفوائد الموصولة في الأدوات الموصولة٤.
стр. 6
٢- إجمال الإصابة في أقوال الصحابة١.
٣- الأحكام الكبرى.
ذكره صاحب الأنس وقال: علق منها قطعة نفيسة٢.
٤- الأربعين في أعمال المتقين٣.
٥- الأربعين الإلهية.
٦- الأربعين المغنية بفنونها عن المعين٤.
٧- الأشباه والنظائر٥.
٨- برهان التيسير في عنوان التفسير٦.
٩- بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس٧.
١٠- تحفة القادم من فوائد أبي القاسم.
١١- تحقيق الكلام في نية الصيام٨.
١٢- تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد٩.
١٣- تفصيل الإجمال في تعارض بعض الأقوال والأفعال١٠.
стр. 7
١٤- تلقيح الفهوم في صيغ العموم١.
١٥- التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة٢.
١٦- تهذيب الأصول إلى مختصر جامع الأصول٣.
١٧- توفة الكيل لمن حرم لحوم الخيل٤.
١٨- تيسير حصول السعادة في تقرير شمول الإرادة٥.
١٩- جامع التحصيل لأحكام المراسيل٦.
٢٠- الدرة السنية في مولد خير البرية.
٢١- رفع الإشتباه عن حكم الإكراه٧.
٢٢- رفع الأشكال عن حديث صيام ستة أيام من شوال٨.
٢٣- شفاء المسترشدين في حكم اختلاف المجتهدين٩.
٢٤- العدة في أدعية الكرب والشدة١٠.
٢٥- عقيلة الطالب في أشرف الصفات والمناقب١١.
٢٦- فصل القضاء في أحكام الأداء والقضاء١٢.
стр. 8
٢٧- الفصول المفيدة في الواو المزيدة١.
٢٨- الفوائد المجموعة في الفرائد المسموعة٢.
٢٩- حديث قطع في مجن وما يتعلق به٣.
٣٠- كتاب القواعد٤.
٣١- كشف النقاب عما روى الشيخان للأصحاب٥.
٣٢- الكلام على حديث ذي اليدين٦.
٣٣- الكلام في بيع الفضولي٧.
٣٤- المائة المنتقاة من الترمذي.
٣٥- المائة المنتقاة من صحيح مسلم.
٣٦- المائة المنتقاة من مشيخة الفخر.
٣٧- المباحث المختارة في تفسير آية الدم والكفارة.
٣٨- المجالس المبتكرة٨.
٣٩- المجموع المذهب في قواعد المذهب٩.
٤٠- المدلسين١٠.
стр. 9
٤١- المسلسلات١.
٤٢- مقدمة كتاب نهاية الأحكام٢.
٤٣- منحة الرائض بعلوم آيات الفرائض٣.
٤٤- النفحات القدسية٤.
٤٥- النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح.
وهو كتابنا هذا وسيأتي الكلام عليه بعد هذا الفصل.
٤٦- الوشي المعلم في من روى عن أبيه عن جده٥.
٤٧- منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة٦.
стр. 10
الكلام على الكتاب
...
النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح
هكذا اسم الكتاب في عنوان النسخة التي وقفت عليها، وقد تناول المصنف ﵀ الأحاديث التي انتقدت على المصابيح تبعاً لحكم ابن الجوزي على تلك الأحاديث بالوضع.
وقد حاول المصنف ﵀ إخراج تلك الأحاديث من حيز الوضع إلى حيز آخر أقوى، معتمداً على أقوال العلماء وبحث طرق الأحاديث الواردة.
ومن خلال دراستي للكتاب وجدته قد حسن أحد عشر حديثاً من ضمن الأحاديث التي أوردها في كتابه. وهي تسعة عشر حديثاً وحكم على باقيها بالضعف الذي لا ينتهي إلى الوضع.
وقد ابتدأ كتابه بذكر جملة من القواعد المعتبرة في التصحيح والتحسين، وذكر شيئاً من شروط أصحاب الكتب الستة.
ولعلي لا أغالي إذا قلت إنه استطاع بهذا الجزء أن يبين لنا إمامته في فن التخريج والتصحيح والتضعيف.
ومن العجب أن يقوم الحافظ ابن حجر بتأليف كتاب يتناول نفس الموضوع الذي تناوله العلائي. وكان الدافع للحافظ في تأليفه الكتاب هو سؤال وجهه إليه بعض المستفتين، وهذا الدافع نفسه
стр. 11
الذي حمل العلائي على تأليف الجزئ الذي بين أيدينا.
والناظر لهذين الجزئين يرى مدى التشابه في إطلاق الحكم على الأحاديث الواردة حتى ليخيل أن أحدهما نقل الكتاب عن الآخر بنصه. إلا أنني لا أستطيع الجزم بذلك لأن وجدت السيوطي قد عزا بعض النقول إلى كتاب الأجوبة للحافظ ابن حجر١، إلى جانب ما ذكره المؤلف نفسه٢.
وقد انفرد كتاب العلائي بزيادة حديث واحد وهو الحديث العاشر ولفظه "للسائل حق وإن جاء على فرس"، إذ لم يذكره الحافظ ابن حجر تبعاً لعدم وروده في السؤال الموجه إليه.
فمهما يكن من أمر، فالكتابين متلازمين، ولا بد لطالب العلم أن يقف عليهما عند الإهتمام بأحاديث المصابيح.
نسبة الكتاب للمؤلف:
أثناء بحثي في كتاب المعتبر للإمام الزركشي، وقفت على حديث صنفان من أمتي٣ ... الحديث، حيث نقل عن العلائي رد ما أورده ابن الجوزي في موضوعاته، وبعد المقارنة بين النصين وجدتهما متطابقين تماماً.
وقد سبق الزركشي إلى ذكر كتاب العلائي الإمام ابن القيم ﵀ في الكلام على حديث أقيلوا ذوي الهيآت٤.
стр. 12
ولعل إيراد هذين الإمامين لهذا الكتاب ونقلهما عنه يقطع يقيناً بأن هذا الكتاب للمصنف.
ومن الأدلة في ذلك ما ذكره السخاوي في الكلام على حديث أنا مدينة العلم١، حيث أورد فيه ما قاله الإمام العلائي، والكلام موجود في الكتاب.
وكذلك ما أورده الإمام السيوطي في اللالئ٢.
وصف المخطوط:
لقد اعتمدت في تحقق الكتاب على نسخة واحدة، ولعلها نسخة فريدة فيما أعلم، حيث اجتهدت في العثور على نسخة أخرة دون جدوى، إلا أن النسخة كانت في غاية الوضوح، إلاّ في مواضع نبهت عليها أثناء التحقيق.
وتقع هذه المخطوطة في عشرة أوراق ذات وجهين، وقد صورت من مكتبة الأسكوريال حيث رقمها هناك ١٦١٢، ورقمها في مكتبة الجامعة الإسلامية هو ٨٧٨، ضمن مجموعة كلها للإمام العلائي.
стр. 13
مقدمة العلائي
...
((بسم الله الرحمن الرحيم وبالله التوفيق))
أما بعد: حمداً لله على ما هدى إليه من معرفة السنن. ووفق في اقتفاء معالمها لسلوك أقصد السنن. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بالمعجز الخارق، فصاحة اللسن، المنعوت بالعقل القويم والخلق الحسن، وعلى آله وصحبه الذين لهم على كل من بعدهم جزيل النعم.
فقد وقع السؤال عن عدة أحاديث مما عده الإمام أبو محمد البغوي –﵀ – في كتابه الموسوم بالمصابيح من الحسان أوردها عليه بعض المتأخرين اعتماداً على ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي لها في كتابه الذي جمع فيه على زعمه الأحايث الموضوعة، وحكم بأنها كذلك، فنظرت فيها، فإذا غالبها ليس كما ذكر١.
فعلقت هذه الأوراق مبيناً ما هو الصواب في الحكم على تلك
стр. 14
الأحاديث مستيعناً بالله تعالى، ومتوكلاً عليه في جميع الأمور، وبالله التوفيق.
стр. 15
أقسام الحديث المحتج به
...
وقبل الكلام على هذه الأحاديث – نقدم – مقدمات تمهيداً لما يأتي من البيان بحالها.
الأولى: أن الحديث المحتج به ينقسم إلى صحيح وحسن، وذلك بحسب تفاوت رجال إسناده في الحفظ والإتقان، وآداء ما تحملوه، كما أن الحديث الذي لا يحتج به ينقسم إلى ضعيف ومنكر وموضوع، بحسب تفاوت رواته في (الوهم) ١ والغلط والتساهل وتعمد الكذب.
فمن كان في أعلى درجات الإتقان والحفظ كان ما تفرد به صحيحاً مركوناً إليه.
ومن نزل عن هذه الدرجة تكون أفراده حسنة. وما تابعه غيره فيه صحيحاً.
ومن نزل عن ذلك يكون ما رواه منكراً أو شاذاً، ومن نقص عن ذلك يكون حديثه ضعيفاً.
والمرجع في ذلك كله إلى ما حرره الأئمة الحفاظ من أحوال الرجال، وبينوا من صفاتهم، أو تعرضوا له من الأحاديث بالتنصيص عليه مع النقد الصحيح، والتصرف الجاري على قواعدهم.
стр. 16
كتاب البخاري ومسلم
...
الثانية: إن الأئمة اتفقت على أن كل ما أسنده: البخاري أو مسلم، في كتابيهما الصحيحين فهو صحيح، لا ينظر فيه٢.
وإنه لا يصل إلى درجتهما في ذلك كتب السنن والمسانيد، بل
стр. 17
هذه الكتب مشتملة على الصحيح والحسن والضعيف، وفي يسير منها أحاديث واهية جداً، وذلك قليل أو نادر في سنن النسائي١، وما كان فيه ضعف في جامع الترمذي فبينه، وتخرج من عهدته٢.
стр. 18
وأما سنن أبي داود وابن ماجه ، فلا يبينان شيئاً من ذلك، إلا في بعض منها بينها أبو داود، وذكر أن ما سكت عنه فهو صالح للاحتجاج به٣.
ومقتضى ذلك أنه يكون حسناً عنده، ولكن لا يلزم منه أن يكون حسناً في نفس الأمر، لا سيما إذا قوي حال رواته في الضعف.
ومن هذا الوجه تطرق الاعتراض على الإمام أبي محمد البغوي – ﵀ – في كتابه ((المصابيح)) حيث وصف الأحاديث التي انفرد بها أصحاب السنن بالحسان، وليس جميعها كذلك، بل فيها ما هو صحيح، وإن لم يكن مخرجاً في الصحيحين، إذ ليس الحديث الصحيح مقصوراً على ما في الكتابين، بل وراء ذلك أحاديث كثيرة صحيحة٤.
وفيها – أعني كتب السنن – ما ليس
стр. 19
ولا حسن، بل يكون ضعيفاً أو منكراً أو واهياً، كما صرح به الترمذي على قطعة من حديثه، وبيّنه الأئمة النقاد في كثير من أحاديث أبي داود وابن ماجه.
وقد بسطت الكلام على هذا الموضع بسطاً شافياً في مقدمة كتاب نهاية الأحكام١.
الثالثة: لا يلزم من كون سند الحديث ضعيفاً أن يكون كذلك في نفس الأمر، بل قد يكون له سند آخر رجاله ممن يحتج بهم، وقد ينجبر بسند آخر ضعيف تنتهي بمجموعها إلى درجة الحسن.
وذلك أن ضعف الرواة تارة يكون لاتهامهم بالكذب، وتارة يكون لنقص إتقانهم وحفظهم٢.
فالقسم الأول لا ينجبر بسند آخر فيه مثل رجال الأول، لأنه انضم كذاب إلى مثله، فلا يفيد شيئاً، بل ربما يكون بعضهم سرق ذلك الحديث من بعض، وادعى سماعه٣.
وقال مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه.
مقدمة ابن الصلاح ص ١٠، تدريب الراوي ١/٩٨.
стр. 20
أما إذا كان النقص دخل من جهة اتهامهم بالغلط والوهم، فإنه إذا جاء ذلك الحديث من وجه آخر عن رجال مقاربين لها، ولا علم أن الوهم بعيد منه انجبر أحد السندين بالآخر، وارتقى الحديث إلى درجة الحسن، وسيأتي في بعض الأحاديث ما هو مثال لهذا.١
وكذلك الحديث الحسن لقصور رجال إسناده عن درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان. إذا روى ذلك بسند آخر مثله في الحسن، ارتقى بمجموعها إلى درجة الصحة لاعتضاد كل منهما بالآخر.
стр. 21
قد صححه بعض الأئمة كما سيأتي في حديث صلاة التسبيح١.
وفيها ما له طريقين أخرى يقوى بها الحديث، لم يطلع عليها، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى – في بعض الأحاديث.
فدخلت الآفة عليه من هذه الوجوه وغيرها.
ويجيء بعده من لا يد له في علم الحديث فيقلده فيما حكم به من الوضع.
وهذا بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في حفظه كشعبة ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ونحوهم.
ثم أصحابهم مثل أحمد بن حنبل وعلي بن المديني٢، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهوية، وطائفة منهم.
ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي.
وكذلك إلى زمن الدارقطني والبيهقي ممن لم يجيء بعدهم مساو لهم بل ولا مقارب – رحمة الله عليم.
فمتى وجد في كلام أحد من المتقدمين الحكم على حديث بشيء كان معتمداً لما أعطاهم الله من الحفظ العظيم، والإطلاع الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح، وهذا التعذر إنما يجيء في الأحاديث المحتملة، وإلا فكثير من الأحاديث جداً يشهد القلب بوضعها، ويسهل الحكم عليها بذلك، ممن كثرت ممارسته لهذا الفن.
وهو حال كتاب الموضوعات لابن الجوزي، والله أعلم.
стр. 22
الحكم على الحديث بالوضع
...
الرابعة: الحكم على الحديث بكونه موضوعاً من المتأخرين عسر جداً، لأن ذلك لا يتأتى إلا بعد جمع الطرق وكثرة التفتيش، وإنه ليس لهذا المتن سوى هذه الطريق الواحد، ثم يكون في رواتها من هو متهم بالكذب إلى ما ينضم إلى ذلك من قرائن كثيرة، يقتضي للحافظ المتبحر الجزم بأن هذا الحديث كذب.
ولهذا انتقد العلماء على الإمام أبي الفرج بن الجوزي في كتابه الموضوعات، وتوسعه بالحكم بذلك على كثير من الأحاديث ليست بهذه المثابة، بل فيها ما فيه ضعف يحتمل ويمكن التمسك به في الترغيب والترهيب، وفيها ما هو حديث حسن، أو
стр. 23
ومن هنا نشرع في بيان الأحاديث التي انتقدت على صاحب المصابيح، وما ينبغي الحكم عليها به ، ومن الله العون١.
فمنها حديث:
١-" صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية".
وهذا الحديث ذكره أبو الفرج في الموضوعات بسند فيه مأمون – أحد الكذابين، وذكره في كتابه الذي سماه العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، من طريق سلام بن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق علي بن نزار بن حبان عن أبيه عن عكرمة.
وضعف الأول بأن سلام بن أبي عمرة قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء.
وبأن علي بن نزار راوي الثانية واه٢.
ثم قال: ورواه النضر بن سلمة، وهو متروك عن محمد بن بكر، وذكر سنداً إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس – ﵄-٣.
وحديث علي بن نزار رواه الترمذي في جامعه، ولم
стр. 24
به علي بن نزار، بل تابعه فيه القاسم بن حبيب التمار، وعبد الله بن محمد الليثي، كلاهما عن نزار بن حيان، رواه ابن ماجة من طريقهما١.
والقاسم بن حبيب هذا وثقه أبو حاتم بن حبان، وغيره تكلم فيه٢.
وعبد الله الليثي لم أر أحداً تكلم فيه٣.
والترمذي قال في هذا الحديث بعد سياقه: هذا حديث حسن غريب٤.
وفي الباب عن عمرو بن عمرو، ورافع بن خديج – ﵃.
فهذه المتابعات وتحسين الترمذي له يخرج الحديث عن أن يكون موضوعاً أو واهياً، والله أعلم.
стр. 25
ومنها حديث:
٢- " القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم "١.
هذا الحديث ليس بموضوع، بل له طرق كثيرة ينجبر بعضها ببعض، وأجودها ما رواه أبو داود في سننه عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر -رضي الله عنهما٢.
وهذا الإسناد رجاله على شرط الشيخين، لكن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، وهو منقطع٣.
وقد رواه جعفر الفريابي في كتاب ((القدر)) من طريق زكريا بن منظور عن أبي حازم عن نافع عن ابن عمر به٤.
وزكريا هذا قال فيه ابن معين: ليس به بأس. وغيره تكلم فيه٥.
فقد تبين الساقط من سنده في رواية أبي داود.
ورواه بعد ذلك من حديث حذيفة ﵁ وفي
стр. 26
إسناده بقية بن الوليد عن الأوزاعي١.
وبقية هذا مشهور بأنه يدلس عن الضعفاء، ولكن تصلح روايته للشواهد.
ورواه جعفر الفريابي بسند آخر جيد عن مكحول عن أبي هريرة ﵁، لكن مكحول لم يسمع من أبي هريرة، فهو مرسل٢.
فتتبين بهذه الطريق أن الحديث له أصل، وليس بمنكر، فضلاً عن أن يكون موضوعاً٣. والله أعلم.
ومنها حديث:
٣-"صلاة التسبيح"٤.
وهو حديث حسن صحيح، رواه أبو داود وابن ماجه بسند جيد إلى ابن عباس ﵄، وعنه عكرمة.
وقد احتج به البخاري، وعنه الحكم بن أبان، وقد وثقه يحيى بن معين و (العجلي) ٥ وغيرهما، وعنه موسى بن عبد العزيز، وقد
стр. 27
قال فيه يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به١. وباقي رواته متفق عليهم.
وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه٢.
وقال أبو حامد بن الكرجي: سمعت مسلم بن الحجاج، وكتب معي هذا الحديث مع عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن موسى بن عبد العزيز، يقول: لا يروى في هذا الحديث إسناد أحسن من هذا٣.
وقال الإمام أبو بكر بن أبي داود السجستاني: سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا. يعني حديث عكرمة عن ابن عباس٤.
وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين مصححاً له، ثم رواه أيضاً من طريق حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ علّم هذه الصلاة جعفر بن أبي طالب – ﵁ – فذكرها. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه٥.
стр. 28
(وهذان التصحيحان كلاهما) ١ يعارض ذكر ابن الجوزي له في كتابه ((الموضوعات)) ، وتبين أنه أخطأ في ذلك، ولا بد هو ساقه من ثلاث طرق. منها اثنان في إسناد كل منهما رجل ضعيف، والثالث: طريق ابن عباس المتقدمة.
واعترض عليها بأن موسى بن عبد العزيز مجهول. وليس هو كذلك. فقد روى عنه جماعة من الثقات، وتقدم أن ابن معين والنسائي قالا فيه: لا بأس به. فليس بمجهول قطعاً، ثم لا يلزم من كونه مجهولاً والآخرين ضعيفين أن يكون الحديث موضوعاً، لا سيما مع تصحيح من نقدم.
وللحديث طرق أخرى كثيرة غير ما ذكرنا.
فأما ما ذكره السائل من أن الإمام أحمد بن حنبل طعن فيه. فقد ذكر الخلال في كتاب ((العلل)) أن علي بن سعيد النسائي قال: سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسبيح فقال: لم يصح عندي منها شيء.
فقلت له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
فقال: كل يرويه عن عمرو بن مالك النكري.
فقلت: قد رواه أيضاً مستمر بن الريان.
فقال: من حدثك؟
قلت: مسلم بن إبراهيم.
فقال: مسلم شيخ ثقة، وكأنه أعجبه.
فهذا تقوية منه للحديث بسند آخر غير ما تقدم.
وقد حكى الترمذي عن الإمام عبد الله بن المبارك ما يقتضي تقوية هذا الحديث٢. وذكر استحباب فعلها من
стр. 29
أصحابنا الروياني في البحر، والبغوي في شرح السنة.
وذكرها من أئمة الحنابلة جماعة، منهم: أبو الوفاء بن عقيل، والشيخ موفق الدين المقدسي، وغيرهما. والله أعلم.
ومنها حديث:
٤- "من عزى مصاباً فله مثل أجره" ١.
وهذا ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) من حديث ابن مسعود، وجابر ﵄.
وفي سند الأول حماد بن الوليد، وهو متكلم فيه٢.
وفي طريق الثاني محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو متهم ليس بثقة٣.
والحديث الأول رواه الترمذي٤، وابن ماجه٥ من غير طريق حماد بن الوليد في إسناده عندهما علي بن عاصم عن محمد بن سوقه، وقد تكلم جماعة من الأئمة في علي بن عاصم
стр. 30
هذا، وذكروا هذا الحديث من جملة ما انتقد عليه.
لكن ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب أن هذا الحديث رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع بن الجراح عن قيس بن الربيع عن محمد بن سوقه١.
وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حبان في الثقات٢. ولم يتكلم فيه أحد.
وقيس بن الربيع صدوق تكلموا فيه٣ وحديثه يصلح متابعاً لرواية علي بن عاصم.
والذي يظهر أن هذا الحديث يقارب درجة الحسن، ولا ينتهي إليه، بل فيه ضعف محتمل. فأما أن يكون موضوعاً فلا٤.
ومنها حديث:
٥-" أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود".
وهو في سنن أبي داود والنسائي من حديث عائشة رضي
стр. 31
الله عنها١.
وفي إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، وقد ضعفه علي بن الجنيد.
وقال فيه النسائي: ليس به بأس.
ووثقه أبو حاتم بن حبان٢.
والحديث حسن لا سيما مع تخريج النسائي له٣. ولا يجوز نسبته إلى الوضع والاختلاق.
ومنها حديث:
٦ -"يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة" ٤.
стр. 32
وهو أيضاً في سنن أبي داود، والنسائي من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ رفعه١.
وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وأخطأ في ذلك خطأ فاحشاً، لأنه بنى ذلك على أن عبد الكريم هو ابن أبي أمية أبو المخارق البصري، وأنه ضعيف، وليس الأمر كما ظن. بل هذا عبد الكريم بن مالك الجزري، صرح بنسبه البيهقي في هذا الحديث بعينه في كتاب ((الآداب)) له٢.
وعبد الكريم الجزري ثقة متفق عليه.
فإسناد الحديث على شرط الصحيحين.
ثم لو سلم أنه أبو المخارق، فقد روى عنه الإمام مالك، ولا يروي إلا عن ثقة عنده.
وأخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المتابعات، فلا
стр. 33
يجوز أن نحكم على ما انفرد به بالوضع١.
ومنها حديث:
٧-"إن النبي ﷺ رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة".
والحكم على هذا الحديث بالوضع جهل وخطأ أيضاً.
فقد رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي٢ من طرق إلى حماد بن سلمة الإمام المشهور، أحد من احتج به مسلم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁.
стр. 34
ومحمد بن عمرو هذا من شيوخ مالك في الموطأ، ووثقه يحيى بن معين وغيره. والترمذي وصحح حديثه، وكذلك الحاكم وابن خزيمة وابن حبان.
وللحديث طريقان آخران رواهما ابن ماجه١، وينتهي بمجموع ذلك إلى درجة الصحة القوية.
ومنها حديث:
٨-" إذا كتب أحدكم كتاباً فليتربه فإنه أنجح لحاجته".
وله طريقان:
أحدهما: رواه الترمذي به، من حديث حمزة النصيبي، عن أبي الزبير عن جابر، وحمزة هذا ضعيف متروك باتفاقهم٢
стр. 35
والثانية: رواه ابن ماجه، وفي إسناده بقية، قال: ثنا أبو أحمد عن أبي الزبير عن جابر.
وأبو أحمد هذا مجهول، وقيل إنه عمر بن موسى الوجيهي، وهو كذاب منكر الحديث١.
فالحديث ضعيف جداً، ولا تبعد لنسبته إلى الوضع، والاعتراض فيه على صاحب المصابيح في عده إياه من الحسان٢، والله أعلم.
ومنها حديث:
٩-" لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك ".
وهذا ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) بسند فيه عمر بن إسماعيل بن مجالد عن حفص بن غياث عن برد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع ﵁، وعمر بن إسماعيل هذا اتفقوا على ضعفه، لكن لم ينفرد بالحديث كما قال أبو الفرج٣. بل رواه الترمذي عن سلمة بن شبيب عن القاسم بن أمية عن حفص بن غياث، وقال فيه حديث حسن غريب٤.
стр. 36
ومكحول سمع من واثلة١.
وذكر شيخنا المزي أن الصواب في سند الترمذي القاسم بن أمية، لا أمية بن القاسم.
وإن القاسم هذا معروف.
قال فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: صدوق٢.
فبرئ عمر ابن إسماعيل من عهدة الحديث، وهو حسن كما قال الترمذي، لكنه غريب، كما ذكر التفرد القاسم به٣.
ومنها حديث:
١٠ -"للسائل حق وإن جاء على فرس".
ذكره السائل متصلاً بقوله ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وأعطوا السائل وإن جاء على فرس".
وذكر أن المنتقد إنما اعترض على الجملة الثاني، وإنها موضوعة، وليس شيء منهما موضوعاً، ولكن الجملة الثانية أصح من الأولى، فإن قوله أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف
стр. 37
عرقه.
انفرد به ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ وعبد الرحمن هذا ضعيف لا يحتج به١.
وأما الجملة الثانية، فروى أبو داود من طريق سفيان الثوري، ثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل، ثنا يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها الحسين بن علي ﵄ عن النبي ﷺ قال: "للسائل حق وإن جاء على فرس"٢.
ثم رواه من حديث يحيى بن آدم، ثنا زهير يعني ابن معاوية عن شيخ قال: رأيت سفيان عنده عن فاطمة بنت حسين عن أبيها عن علي ﵁ به٣.
والطريق الأولى حسنة، ومصعب بن محمد وثقه يحيى بن معين٤.
ويعلى بن أبي يحيى قال فيه أبو حاتم: مجهول، وعرفه ابن حبان فذكره في الثقات٥.
والظاهر أنه هو الشيخ المبهم في الرواية الثانية.
وزهير بن معاوية من رجال الصحيحين.
وقد أثبت أبو عبد الله بن الحذاء سماع الحسين ﵁ من
النبي ﷺ ، وإن لم يكن كذلك فهو مرسل صحابي لا
стр. 38
يجيء فيه الخلاف الذي في المرسل١.
وقد تبين بالرواية الثانية اتصاله بذكر علي ﵁، والحديث حسن الإسناد، والله أعلم٢.
ومنها قوله ﷺ :
١١-" المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".
ونسبة هذا الحديث إلى الوضع جهل قبيح.
فقد رواه أبو داود والترمذي من حديث زهير بن محمد عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه٣.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وهو كما ذكر. فإن موسى بن وردان وثقه أحمد العجلي، وأبو داود وغيرهما٤، ولم يضعفه أحد٥، وزهير بن
стр. 39
محمد احتج به الشيخان، وذلك يدفع ما تكلم به فيه.
ووثقه أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما١.
(فتفرده) ٢ يكون حسناً غريباً، ولا ينتهي إلى الضعف، فضلاً عن الوضع٣.
ومنها حديث:
١٢-" المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم".
وهذا الحديث أيضاً لا ينزل عن درجة الحسن، وهو عند أبي داود والترمذي من طريق عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه٤.
وبشر بن رافع ضعفه أحمد بن حنبل.
وقال يحيى بن معين: ليس به بأس٥.
وقال ابن عدي: لم أجد له حديثاً منكراً٦.
стр. 40
ورواه البيهقي في كتاب الآداب له من طريق حجاج بن فرافصه عن يحيى بن أبي كثير١.
وحجاج هذا قال فيه يحيى بن معين: لا بأس به.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وأثنى عليه أبو حاتم الرازي٢.
واعتضد الحديث برواية حجاج له، وخرج عن الغرابة التي أشار إليها الترمذي٣.
وقوله ﷺ : "المؤمن غر كريم " أي ليس بذي مكر٤. فهو ينخذع لانقياده ولينه.
والمراد وصفه بعلة الفطنة للشر وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلاً، ولكنه كرم وحسن خلق, وكذلك أتبعه ﷺ بالوصف بالكرم.
وعكسه صفة الفاجر، يقال رجل خب، أي – رجل خبيث – خداع منكر، وأصل الكلمة من قوله: خب البحر إذا هاج واغتلمت أمواجه، فإن راكبه حينئذ يكون قريباً إلى الهلاك. كذلك من يصاحب الفاجر.