Полный текст (146 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – في رسالته إلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أشهد الله، ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة.
قوله: «أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم» ، كأن هذا مأخوذا من قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] ، فهو يشهد الله – جل وعلا -، ويشهد الملائكة، ويشهد العلماء على عقيدته، وأنه ما جاء بشيء جديد أو بتغيير لدين الله كما يقال عنه، وإنما جاء بالحق الصريح.
وقوله: «أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية» ، عقيدة الفرقة الناجية هي التي قال فيها النبي ﷺ : «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
стр. 2
سميت الناجية لأنها نجت من النار، كل هذه الفرق في النار إلا هذه الفرقة، فهي الناجية من النار، وهذه أوصافها:
أولا: أنها الناجية.
ثانيا: أنهم أهل السنة، الذين يأخذون بالسنة، وهي طريقة الرسول ﷺ . وهي تعني القرآن وتعني الأحاديث الصحيحة، ما كان عليه الرسول ﷺ ؛ كما قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ، ولم يأخذوا بمذهب الجهمية أو المعتزلة أو الخوارج أو غيرهم من الفرق، إنما أخذوا منهج أهل السنة المتمسكين بالسنة.
ثالثا: «والجماعة» ، سموا بالجماعة؛ لأنهم مجتمعون على الحق، ليس بينهم اختلاف، لا يختلفون في عقيدتهم، إنما عقيدتهم واحدة، وإن كانوا يختلفون في المسائل الفقهية والمسائل الفرعية المستنبطة، فهذا لا يضر، الاختلاف في الفقه لا يضر؛ لأنه ناشئ عن اجتهاد، والاجتهاد يختلف، والناس ليسوا على حد سواء في ملكة الاجتهاد، أما العقيدة فإنها لا تقبل الاجتهاد، بل يجب أن تكون واحدة؛ لأنها توقيفية، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] ، هذه أمة واحدة لا تقبل الاختلاف، تعبد ربا واحدا، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٢، ٥٣] .
ذم الذين اختلفوا؛ لأن الاختلاف في العقيدة لا يجوز، فالله أمرهم أن يكونوا أمة واحدة فعصوه، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ ، أي:
стр. 3
كتبا؛ كما قال قتادة ومجاهد، كل واحد عنده كتاب، وكل واحد عنده عقيدة، وعقيدة هذا غير عقيدة هذا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ كل يرى أنه على الحق وغيره على الباطل، لا يقول: نرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] ، بل كل يقول إنه على الحق وحده ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ومقتنع بما لديه، بل ومتعصب له، ولا يرى أن قوله عرضة للخطأ والصواب.
стр. 4
من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.
هذه أصول الإيمان وأركانه، يؤمن بها الشيخ، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره؛ كما في حديث جبريل لما سأل النبي ﷺ بحضرة أصحابه، فقال: «أخبرني عن الإيمان، فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . قال العلماء: هذه أركان الإيمان.
والإيمان له أركان، وله شعب، أركانه ستة، وشعبه: «بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق..» ، فالإيمان له شعب كثيرة، وأما أركانه – أي جوانبه التي يقوم عليها – فهي ستة أركان:
الركن الأول: الإيمان بالله، وهو الأساس، والإيمان بالله يشمل أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
الركن الثاني: الإيمان بالملائكة، أنهم عباد من عباد الله تعالى لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يأتمرون، خلقهم الله من نور، وهم من عالم الغيب الذين لا نراهم، ولكن نؤمن بهم، وقد جعلهم الله أصنافا، كل صنف من الملائكة له عمل يقوم به في هذا الكون، فمنهم الحفظة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويكتبونها ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾
стр. 5
[الانفطار: ١٠ – ١٢] ، ومنهم حملة العرش، ومنهم الموكل بالوحي وهو جبريل ﵇، ومنهم الموكل بالقطر وهو ميكال، ومنهم الموكل بالموت: وهو ملك الموت، ومعه ملائكة الموت، ومنهم أصناف لا يعلمها إلا الله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] ، جنود الله كثيرة.
الركن الثالث: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على الرسل، فالله – جل وعلا – أرسل الرسل وأنزل الكتب من عنده سبحانه، بوحيه وشرائعه وأمره ونهيه، منها التوراة، ومنها الإنجيل، ومنها الزبور، ومنها القرآن، ومنها كتب لم يذكرها الله لنا، ولكننا نؤمن بها جملة، ونؤمن بما ذكره الله باسمه مفصلا، وآخرها وأعظمها: القرآن العظيم الذي أعجز الثقلين – الجن والإنس – على أن يأتوا بسورة واحدة من مثله.
الركن الرابع: الإيمان بالرسل الذين أرسلهم الله بشرائعه ودينه لهداية خلقه، الله – جل وعلا – أرسل الرسل ليبين للناس ما يضرهم وما ينفعهم، ويبين لهم دينهم، والله – جل وعلا – أقام الحجة بهم ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ، أما عددهم فلا يعلمهم إلا الله، وهم كثيرون، ومنهم من سمى الله لنا في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ – ٨٦] . فهؤلاء سماهم الله،
стр. 6
فنؤمن بهم بأعيانهم، ومن لم يسمه الله نؤمن به جملة.
قال الله – جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] ، فنؤمن بهم جميعا من سمى الله، ومن لم يسم منهم، فمن كفر بنبي واحد كفر بالجميع، فلا بد من الإيمان بهم جميعا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] ، والله – جل وعلا – قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر، وهو البعث بعد الموت؛ لأن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، والدنيا مزرعة للآخرة، فهي دار عمل وليس فيها جزاء، والآخرة دار جزاء وليس فيها عمل، لا بد من الإيمان باليوم الآخر، من لم يؤمن باليوم الآخر فهو كافر، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] ، أيها الإنسان تعيش في هذه الدنيا وتأكل وتشرب وتكفر وتفسق كأنه ليس أمامك بعث وحساب وجزاء، فالله – جل وعلا – جعل الآخرة للجزاء، وهذا عدل منه سبحانه أنه لا يضيع عمل العاملين، يجازي كلا بعمله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ، لو لم يكن هناك بعث لصار الخلق عبثا، والله سبحانه منزه عن العبث.
الركن السادس: الإيمان بالقدر، والقدر هو سر الله – جل وعلا -،
стр. 7
والقدر هو ما قدره الله مما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، جرى القلم بالمقادير، وكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة، فلا يقع شيء إلا بقدر ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، فالأمور ليست عبثا أو أنفا، بل هي مقدرة من قبل ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] ، قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ هو اللوح المحفوظ، وقوله: ﴿قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ يعني: نخلقها ونوجدها.
والإيمان بالقدر على أربع مراتب:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله – جل وعلا – الأزلي الأبدي المحيط بكل شيء، أي: نعتقد أن الله علم كل شيء، علم ما كان وما يكون.
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة.
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة والإرادة، ما شاءه الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
المرتبة الرابعة: مرتبة خلق الأشياء في أوقاتها المقدرة لها، كل شيء في وقته، كل شيء في حينه الذي قدره الله - جل وعلا -.
لا بد من الإيمان بهذه المراتب الأربع: مرتبة العلم، مرتبة الكتابة، مرتبة المشيئة، مرتبة الخلق والإيجاد. هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر.
стр. 8
ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل.
لما ذكر أركان الإيمان بين ما يدخل في الأول، وهو الإيمان بالله، أنه يدخل فيه الإيمان بالأسماء والصفات، فمن جحد الأسماء والصفات لم يكن مؤمنا بالله الإيمان الصحيح، وهذا رد على المعطلة الذين عطلوا أسماء الله وصفاته لأنهم لم يؤمنوا بالأسماء والصفات.
فمن الإيمان بالله الإيمان بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة «من غير تحريف ومن غير تعطيل» ، التحريف: هو التغيير، أي: تغيير الألفاظ، أو تغيير المعاني، هذا هو التحريف.
تحرف الألفاظ بأن يزاد فيها أو ينقص، مثل: «استوى» قالوا: «استولى» ، هذا تحريف لفظ، حيث زادوا حرفا.
ومن تحريف المعنى: تفسير الاستواء بالاستيلاء، وتفسير اليد بالقدرة، وتفسير الوجه بالذات، هذا من تحريف كلام الله ، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] .
قوله: «ومن غير تعطيل» ، التعطيل هو: جحد الأسماء والصفات وإخلاء الله منها.
стр. 9
بل أعتقد أن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته.
المؤلف – رحمه الله تعالى – يعتقد ما دلت عليه هذه الآية؛ لأنها ميزان في جميع الأسماء والصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في أسمائه وصفاته، وإن كانت أسماؤه تشترك مع أسماء المخلوقين في ألفاظها ومعانيها لكن لا تشبهها في حقيقتها وكيفيتها، فالاشتراك في اللفظ وأصل المعنى لا يقتضي الاشتراك في الحقيقة والكيفية؛ كما قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ في هذا رد على المعطلة، فنفى عن نفسه المثلية، وأثبت لنفسه الأسماء والصفات، السمع والبصر، فدل على أن إثبات الأسماء والصفات لا يقتضي التشبيه. وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هذا فيه نفي ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هذا فيه إثبات، نفى عن نفسه المثلية، وأثبت لنفسه الأسماء والصفات.
وقوله: «لا أنفي عنه ما وصف به نفسه» ؛ كما فعلت المعطلة.
وقوله: «لا ألحد» ، الإلحاد في اللغة هو: الميل، والإلحاد في الأسماء والصفات هو: الميل بها عن مدلولها إلى مدلول باطل؛ كتفسير الوجه بالذات واليد بالقدرة أو النعمة، وهكذا. هذا تحريف للكلم عن مواضعه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠] ، ﴿يُلْحِدُونَ﴾ يعني: يميلون بها إما بجحدها كما فعلت المعطلة، وإما بتشبيهها بصفات خلقه كما فعلته الممثلة، وإما بالزيادة عليها شيئا لم يثبته الله ولا رسوله ﷺ ، وإما بجعلها أسماء للأصنام كاللات والعزى ... إلى آخره.
стр. 10
ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا.
هذا القسم الثاني من الضلال في أسماء الله وصفاته: الممثلة، زادوا في الإثبات وغلوا في الإثبات، ولم يفرقوا بين صفات الله وصفات خلقه، ولا يبين أسمائه وأسماء خلقه، هؤلاء مشبهة والعياذ بالله؛ ولهذا قال أهل العلم: «المعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما» . فقولهم: المعطل يعبد عدما؛ لأن الذي ليس له أسماء وصفات: عدم، والممثل يعبد صنما من البشر؛ لأنه جعل الله مثل البشر، تعالى الله عن ذلك.
فقوله: «ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه» ، يعني: لا أعلم كيفيتها ولا مثليتها، وإنما هذا من علم الله - جل وعلا -، لا يعلم كيفية صفاته إلا هو، ولا يعلم كيفية ذاته إلا هو ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ، فالمؤمنون يعلمون ربهم، وأنه هو ربهم وخالقهم، ويعلمون وجوده وكماله، لكن لا يحيطون به.
وقوله: «لا سمي له» ، يعني: لا أحد يستحق اسمه على الحقيقة، وليس معنى «لا سمي له» : لا أحد يسمى باسمه؛ لأنه يسمى المخلوق: العزيز، والملك، يسمى المخلوق بما يوافق اسم الخالق في الحروف
стр. 11
والمعنى، لكن لا يوافقه في الكيفية، فمعنى «لا سمي» يعني: لا أحد يستحق اسمه على الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ، أي لا أحد يساوي الله - جل وعلا – في أسمائه وصفاته.
وقوله: «ولا كفؤ» ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ، أي لا أحد يكافيه سبحانه ويساويه - جل وعلا -.
وقوله: «ولا ند له» ، الند: هو المثيل أيضا ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ جمع ند، وهو المثيل، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] ، فالذين عبدوا الأصنام جعلوها أندادا لله، مشابهة له ، وإلا لماذا عبدوها معه؟ ولهذا يوم القيامة يقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] ، يعترفون أنهم ساووهم برب العالمين في الدنيا، فاستحقوا النار يوم القيامة من باب التحسر. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] ، ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يعني: يساوون به غيره من المخلوقين.
وقوله: «ولا يقاس بخلقه» ، فهو سبحانه لا يقاس بخلقه في أسمائه وصفاته، فالأسماء والصفات وإن كانت تشترك في اللفظ وجملة المعنى لكنها تختلف في الحقيقة والكيفية.
وقوله: «فهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره» ، هو أعلم بنفسه وأما غيره فلا يعلم عن الله إلا ما علمه الله - جل وعلا -؛ الملائكة تقول: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] ، والله - جل وعلا – يقول لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ، والله - جل وعلا – يقول: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ، ويقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
стр. 12
[الإسراء: ٨٥] ، فهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأما غيره فلا يعلم حقيقة الله وكيفية الله - جل وعلا -، لا يعلمها إلا الله .
وقوله: «وأصدق قيلا وأحسن حديثا» ؛ كما في القرآن: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ، لا أحد أحسن من الله ولا أصدق من الله، والله قال في كتابه أنه سميع، وأنه بصير، وأنه حكيم، وأنه عليم، وأن له وجها، وأن له يدين، قال هذا عن نفسه ، فهو أعلم بنفسه.
ثم يأتي هؤلاء المعطلة ويقولون: هذا لا يليق بالله، ما يليق بالله أن يقال: له وجه، ولا يقال: له يد، ولا يقال: إنه سميع ولا بصير؛ لأن هذه الصفات في الخلق موجودة وإذا أثبتناها شبهنا الله بخلقه!!.
стр. 13
فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ – ١٨٢] .
نزه نفسه عن مذهب الطائفتين – مذهب الممثلة، ومذهب المعطلة – وأثبت لنفسه الأسماء والصفات على ما يليق بحلاله ؛ ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] ، وقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] ، نزه نفسه عن ذلك.
هذا هو المذهب الحق، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي قال الشيخ – ﵀ – إنه عقيدته ومعتقده.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، نزه نفسه عما يصفه به أهل التعطيل وأهل التمثيل، ثم قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ سلم عليهم لسلامة ما قالوه في الله لسلامته من العيب والنقص، فالمرسلون وصفوا الله بما وصف به نفسه؛ لذلك سلم الله عليهم، وختم الآيات بقوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ له الثناء كله والحمد كله، لا يستحقه إلا هو .
فهل بعد هذا البيان يظن أحد أن الشيخ عنده شيء يخالف به أهل العلم كما يتهمه خصومه؟ الجواب: لا، فهذه عقيدته واضحة نقية مما يرمونه به من الشبهات.
стр. 14
والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية.
لما ذكر الشيخ ﵀ في أول الرسالة أصول الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خير وشره، وبين أنه على عقيدة السلف في أسماء الله وصفاته مخالفا بذلك فرقتي المعطلة والمشبهة والممثلة، وقرر هذا الأصل، الذي هو داخل في الإيمان بالله ؛ لأن الإيمان بالله يشمل: الإيمان بتوحيد الربوبية، والإيمان بتوحيد الألوهية، والإيمان بتوحيد الأسماء والصفات.
ثم ذكر في هذه الجملة ما يتعلق بالأصل الأخير وهو الإيمان بالقدر؛ لأن هذا وقع فيه خلاف وتفرق بين طوائف القدرية والجبرية.
أما القدرية فالمراد بهم: الذين ينفون القدر، وهم المعتزلة أتباع واصل بن عطاء، سموا بالمعتزلة لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري ﵀، وكونوا لهم جماعة وتبنوا مذهبا في التوحيد يخالف مذهب أهل السنة والجماعة. وأيضا في أصول الإيمان جعلوا لهم أصولا غيرها، وهي الأصول الخمسة، وهي:
الأول: التوحيد، ويريدون به نفي الصفات، يسمون نفي الصفات توحيدا؛ لأن إثبات الصفات يقتضي تعدد الآلهة عندهم.
والثاني: العدل، ويريدون به نفي القضاء والقدر؛ لأنهم يقولون: إثبات القضاء والقدر يلزم عليه الجور والظلم في حق الله تعالى، حيث يعذب عباده على شيء قدره عليهم.
стр. 15
والثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويريدون به الخروج على ولاة الأمور، فالذي يخرج على الولاة، هذا هو الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عندهم.
والرابع: المنزلة بين المنزلتين، وهذه هي التي خالفوا واعتزلوا من أجلها مجلس الحسن، لما سئل الحسن ﵀ عن حكم مرتكب الكبيرة، أجاب بما عليه أهل السنة والجماعة، قال: «هو مؤمن ناقص الإيمان» ، فلا يكفر كما تكفره الخوارج، ولا يوصف بالإيمان الكامل؛ كما تقوله المرجئة، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
فلما أجاب الحسن بهذا الجواب، وكان واصل بن عطاء تلميذا له، قال: أنا أقول: إنه لا مؤمن ولا كافر، بل هو في المنزلة بين المنزلتين، يخرج من الإيمان ولكنه لا يدخل في الكفر، فهو في المنزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، فإن مات ولم يتب فإنه يكون خالدا في النار؛ كما تقوله الخوارج، فأحدثوا القول بالمنزلة بين المنزلتين وعرفوا بذلك.
والخامس: إنفاذ الوعيد، ويريدون به أن النار لا يخرج منها من دخلها، فأوجبوا خلود مرتكب الكبيرة من أهل القبلة في النار، وقالوا: من استحق العذاب لا يستحق الثواب.
ومحط البحث الآن في الأصل الثاني وهو العدل، وأما مرتكب الكبيرة فيأتي بعده مباشرة.
стр. 16
فالعدل: وهو نفي القدر عندهم، وهذا غلط فيه المعتزلة والجبرية، وهما على طرفي نقيض.
فالمعتزلة يقولون: إن العبد يستقل بفعله وليس لله فيه قضاء ولا قدر، وإنما العبد هو الذي يستقل بفعله، والأمر أنف - يعني مستأنف – لم يقدر ولم يكتب في اللوح المحفوظ، وغلاتهم يقولون: ولم يعلمه الله قبل وقوعه. فينفون العلم، وهؤلا كفار بلا شك؛ لأنهم إذا نفوا العلم فهم كفار.
أما جمهورهم فيقولون: الله يعلمه ولكنه لم يقدره، وإنما علم أن هذا سيقع لكنه بدون تقدير منه .
وشيخ الإسلام ابن تيمية في «الواسطية» يقول: إن الصنف الأول وهم الذين ينفون العلم انقرضوا. أو القائل به منهم قليل في وقت الشيخ، أما الآخرون فلا يزالون إلى الآن باقون يقولون: إن الله يعلمه لكن لم يقدره، وإنما العبد هو الذي أحدثه بدون أن يقدره الله عليه.
هؤلاء هم القدرية، سموا بالقدرية لأنهم ينفون القدر، فيغلون في إثبات أفعال العباد ويقولون: هم الذين يوجدونها بدون أن يقدرها الله عليهم.
وأما الجبرية: فهم الجهمية ومن أخذ بقولهم، فهم على النقيض، يغلون في إثبات القدر والمشيئة وينفون أفعال العباد، ويقولون: العبد مجبور ليس له اختيار في أفعاله، وإنما يحرك كما تحرك الريشة في الهواء، أو هو كالميت بين يدي الغاسل يقلبه، ليس له اختيار. فهم
стр. 17
غلوا في إثبات القدر وإرادة الله ، ونفوا أفعال العباد، واعتبروهم مجبرين على أفعالهم ليس لهم فيها اختيار ولا مشيئة، ولذلك سموا بالجبرية لأنهم يقولون بالجبر.
أهل السنة والجماعة توسطوا – كما هي عادتهم في كل أمور الدين هم وسط فيها – فأثبتوا أن للعبد فعلا ومشيئة واختيارا، ولكنه لا يخرج بذلك عن مشيئة الله وإرادته، فأثبتوا للعبد مشيئة واختيارا وإرادة وأفعالا، خلافا للجبرية، ولكنه لا يخرج عن قضاء الله وقدره، خلافا للقدرية، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلولا أن للعبد مشيئة واختيارا وقدرة لما عذبه الله على أفعاله، فلو كان مجبرا – كما تقوله الجبرية – لم يعذبه الله على أفعال ليس له فيها اختيار.
ومن أدلة أهل السنة والجماعة قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩] ، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ دل على أن الإنسان يستقيم على طاعة الله بمشيئته لا يجبر على ذلك، إما أن يستقيم وإما أن يعصي، فهو الذي يؤمن وهو الذي يكفر، وهو المؤمن، والكافر، والفاسق، والزاني، والسارق، والشارب، هو نفسه.
فأثبت للعبد مشيئة في قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، هذا رد على القدرية، فأول الآية رد على الجبرية، وآخرها رد على القدرية، فالآية فيها رد على الطائفتين.
وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ هذا رد على الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد وإرادته، وأنه يحرك بدون اختيار منه، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية الذين ينفون القدر ويغلون في إثبات مشيئة العبد،
стр. 18
ويقولون: إن العبد يشاء ولو لم يشأ الله ولو لم يقدر الله، هو يفعل ويشاء بابتداعه وإيجاده هو. وبعضهم يقول: الله لا يعلم أفعاله قبل أن تقع، وهؤلاء هم الغلاة، وبعضهم يقول: يعلمها لكنه لم يقدرها. هذا هو ملخص البحث في هذه المسألة.
والقضاء والقدر ثابت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] ، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .
وفي السنة: حديث جبريل لما قال للرسول ﷺ : «أخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .
والإيمان بالقدر على أربع مراتب لا بد من الإيمان بها كلها.
المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله علم كل شيء بعلمه الأزلي الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وهذه المرتبة هي التي نفاها غلاة القدرية.
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، لحديث: «أول ما خلق الله ﵎ القلم، ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة» ، والله - جل وعلا – يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾
стр. 19
الكتاب هو اللوح المحفوظ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي نخلقها ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] ، والكتابة «قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» ، فالكتابة سابقة بأزمان على خلق السماوات والأرض.
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة والإرادة، فكل شيء يقع فهو بمشيئة الله وإرادته، وفي هذا رد على القدرية، فلا يكون في ملكه ما لا يشاؤه ولا يريده ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] ، فكل شيء يحدث فقد شاءه الله وأراده بعد ما علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.
المرتبة الرابعة: مرتبة الإيجاد والخلق، علمه وكتبه وشاءه وخلقه .
لا بد أن تؤمن بهذه المراتب كلها وإلا لم تكن مؤمنا بالقضاء والقدر.
قوله: «والفرقة الناجية» ، سميت ناجية؛ لأنها ناجية من النار، بخلاف بقية الفرق فإنها في النار؛ كما قال ﷺ : «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» ، هذه الواحدة هي الناجية من النار، وهذه الفرق النار وهي تتفاوت، منها ما هو في النار لكفره، يخلد فيها، ومنها ما هو في النار لمعصيته ولا يخلد فيها، فلا يلزم من هذا أن هذه الفرق كلها كافرة، بل هي متفاوتة؛ لأن الخلاف يتفاوت.
стр. 20
وقوله: «وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية» ، الجبرية: هم أتباع الجهم بن صفوان، الذي يقول بالجبر، ويقول بالإرجاء، ويقول بالتجهم.
ولهذا يقول ابن القيم في «النونية» :
جيم وجيم ثم جيم معهما ... مقرونة مع أحرف بوزان
يعني جمع بين ثلاث جيمات، والرابعة جيم جهنم والعياذ بالله.
стр. 21
وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية.
هذه مسألة الكفر والإيمان لأصحاب الكبائر من أهل الإيمان، من حصل منه كبيرة دون الشرك؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وغير ذلك من الكبائر التي هي دون الشرك.
الخوارج كفروه، وقالوا: يخرج من الإسلام إلى الكفر – والعياذ بالله – ويستدلون بآيات من القرآن، آيات متشابهة لا يردونها إلى الآيات المحكمة، مثل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] . استدلوا بهذا على أن كل من عصى الله فهو في نار جهنم خالدا فيها أبدا، وأنه كافر، فيكفرون السارق والزاني وشارب الخمر، كل مرتكب كبيرة يكفرونه، ويخرجونه من الإسلام، ويخلدونه في النار إذا مات ولم يتب.
هذا مذهب الوعيدية، لماذا سموا بالوعيدية؟ لأنهم أخذوا بآيات الوعيد وتركوا آيات الوعد التي فيها وعد الله بالمغفرة والتوبة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، فالله أخبر أنه لا يغفر للمشرك الشرك الأكبر، وأنه يغفر ما دون الشرك، ويدخل في ذلك جميع المعاصي، هذا وعد من الله - جل وعلا -.
وهذا أخذ به المرجئة الذين يقولون: إن صاحب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، فقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وسموا مرجئة؛ لأنهم أرجؤوا؛ أي أخروا الأعمال عن مسمى الإيمان، وقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب.
وهم مع هذا أربع طوائف:
الأولى: مرجئة الفقهاء، من الكوفيين والأحناف الذين يقولون:
стр. 22
إن الإيمان هو قول باللسان واعتقاد بالقلب. ولا يدخلون فيه العمل.
الثانية: الأشاعرة ومن أخذ بمذهبهم، فيقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب ولو لم ينطق بلسانه، فمن صدق بقلبه فهو مؤمن حتى ولو لم يتكلم. وعلى هذا فالكفار مؤمنون؛ لأنهم يصدقون بقلوبهم لكن لا ينطقون بألسنتهم، قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . هم يصدقون بقلوبهم ويعلمون أنه رسول الله، وأن القرآن كلام الله، وأن ما جاء به هو الحق، لكن يمنعهم – والعياذ بالله – موانع: إما الكبر والأنفة، أو الخوف على مناصبهم ورئاستهم، أو الحسد.
واليهود يعرفونه، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ ، يعني: محمدا ﷺ ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] ، يعرفون أنه رسول الله، ولكن لم يطيعوه ولم يؤمنوا برسالته ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] ، تركوه حسدا، يريدون أن تكون النبوة في بني إسرائيل ولا تكون النبوة في بني إسماعيل، حسدوا بني إسماعيل فأبوا أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، فهم يؤمنون بقلوبهم أنه رسول الله. فهذا رد على الأشاعرة الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق بالقلب ولو لم ينطق باللسان.
الثالثة: الكرامية، الذين يقولون: الإيمان هو النطق باللسان ولو لم يعتقد بقلبه، إذا نطق بلسانه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولو لم يعتقد بقلبه فهو مؤمن، كذلك يقولون. وهذا باطل يلزم عليه أن المنافقين مؤمنون؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، والله - جل وعلا – يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] ، فهم يقولون بألسنتهم
стр. 23
ولكن لا يعتقدون بقلوبهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١، ٢] ، شهادتهم للرسول جنة يتسترون بها دون القتل، يريدون أن يعيشوا مع المسلمين وهم كفار في قرارة أنفسهم وقلوبهم، حكم الله أنهم في الدرك الأسفل من النار تحت عبدة الأصنام. والكرامية يقولون: إنهم مسلمون ومؤمنون!!
الرابعة: أخبث فرق المرجئة وهم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة بالقلب ولو لم يصدق، إذا عرف بقلبه فهو مؤمن ولو لم يصدق، ولو لم ينطق، ولو لم يعمل، ما دام أنه عارف بقلبه فهو مؤمن. وهذا القول أخبث مذاهب المرجئة.
فتبين من هذا معنى الإرجاء، وأنه تأخير العمل عن الإيمان، وأن العمل لا يدخل في الإيمان، وأن الإنسان يكون مؤمنا ولو لم يعمل، ولو لم يصل، ولم يصم، ولم يحج، ولم يعمل أي شيء، لو فعل ما فعل من المعاصي ومن الموبقات فهو مؤمن، والمعاصي لا تنقص إيمانه، لو زنى وسرق فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم، ما دام أنه مصدق بقلبه.
والإيمان لا يتفاضل عندهم ولا يتفاوت، فإيمان أبي بكر أو جبريل مثل إيمان أفسق الناس عندهم.
والحق أن الإيمان يتفاوت: فالمؤمنون منهم من إيمانه كامل، ومنهم من إيمانه ناقص نقصا كثيرا أو قليلا، فالإيمان يتفاوت، ويزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والعمل داخل في حقيقة الإيمان، ومن ترك العمل تركا نهائيا بدون عذر ولم يعمل أبدا فليس بمؤمن، أما إذا ترك بعض الأشياء وفعل بعض الأشياء فإنه مؤمن ناقص الإيمان.
стр. 24
أهل السنة والجماعة قالوا: مرتكب الكبيرة التي دون الشرك مؤمن ولكنه ناقص الإيمان، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وإذا مات فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، لكنه لا يخلد في النار ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، وفي الحديث: «انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار» ، وقال ﷺ : «وذلك أضعف الإيمان» .
فالإيمان يكون قويا ويكون ضعيفا، ومن فيه إيمان فإنه لا يكفر، ولو فعل بعض المعاصي فلا يكفر لكنه ينقص إيمانه، فلا يعطى اسم الإيمان الكامل ولا يسلب اسم الإيمان بالكلية جمعا بين النصوص.
لهذا يقول الشيخ تقي الدين ﵀: «فلا يعطى الإيمان المطلق ولا يسلب مطلق الإيمان» .
لا يعطى الإيمان المطلق الكامل كما تقوله المرجئة، ولا يسلب مطلق الإيمان كما تقوله الخوارج والوعيدية، بل يعطى بقدر ما عنده.
وهذا مذهب الحق والاعتدال والجمع بين النصوص، فالمعاصي تنقص الإيمان وتضعفه – ردا على المرجئة – لكنها لا تخرج صاحبها من الإيمان، ردا على الخوارج والوعيدية.
والمعتزلة أحدثوا – كما مر بنا – المنزلة بين المنزلتين، وقالوا: ليس بمؤمن ولا كافر. وقولهم باطل؛ لأنه لا يوجد أحد ليس بمؤمن
стр. 25
وليس بكافر، إما أن يكون مؤمنا وإما أن يكون كافرا، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ، إما كافر وإما مؤمن، والمؤمن إما مؤمن كامل الإيمان، وإما مؤمن ناقص الإيمان.
قوله: «وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية» ، المرجئة مر بنا تعريفهم، وهم الذين يقولون: إن العمل لا يدخل في حقيقة الإيمان. والوعيدية هم الذين ينفذون نصوص الوعيد، ويحكمون على مرتكب الكبيرة بالكفر والخروج من الإسلام.
هذا مذهب الخوارج – والعياذ بالله – ولهم ورثة الآن من المتعالمين والجهال الذين لا يحسنون الاستدلال، ولا يفقهون الأدلة ولا يراجعون عقيدة السلف، فيأخذون النصوص ويتلاعبون بها، ويحكمون على الناس بالكفر والخروج من الدين، ثم يحملون عليهم السلاح؛ كما فعل ذلك أسلافهم من الحرورية، نسأل الله العافية.
стр. 26
وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج.
قوله: «الحرورية والمعتزلة» ، الحرورية هم الخوارج، سموا بالحرورية؛ لأنهم اجتمعوا في مكان في العراق يقال له: حروراء، اجتمعوا فيه لحرب المسلمين، فسموا بالحرورية، وكل من اعتقد مذهبهم يقال له: حروري؛ لأنه على مذهب الحرورية، والمعتزلة: أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري.
وأهل السنة وسط في جميع أمور الدين – ولله الحمد – بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والتساهل؛ كما قال الله - جل وعلا -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، والوسط هو: العدل الخيار، المتوسطة بين طرفين: طرف الإفراط وهو الغلو، وطرف التفريط وهو التساهل، فالإفراط أخذ به الخوارج، والتفريط أخذ به المرجئة، وأهل السنة وسط – ولله الحمد – بين هذا وهذا.
قوله: «في باب أصحاب رسول الله ﷺ » ، الصحابة: جمع صحابي، والصحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك.
فقولهم: «من لقي النبي ﷺ » يخرج به من آمن بالنبي ولم يلقه، هذا لا يسمى صحابيا، مثل النجاشي ﵀ فإنه آمن بالنبي ﷺ ولكنه لم يلقه، فلا يقال: إنه صحابي، ولما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه وخرج بهم وصلى عليه صلاة الغائب.
стр. 27
«من لقي النبي ﷺ مؤمنا به» ، يخرج بذلك من لقي النبي ولم يؤمن به، فإن الكفار لقوا النبي ﷺ ، لقوه ورأوه واجتمعوا به.
«ومات على ذلك» يخرج بذلك من لقي النبي ﷺ وآمن به وصار صحابيا ثم ارتد، فإنه تبطل صحبته وتبطل جميع أعماله من الصحبة وغيرها إذا مات على الردة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، أما لو تاب تاب الله عليه وعادت إليه الصحبة، وجميع الأعمال التي فعلها قبل الردة على الصحيح؛ لأن الله قال: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ ، فدل على أن الذي يتوب ولا يموت على الكفر أنه لا تحبط أعماله؛ لأن الله شرط لحبوط الأعمال شرطين:
الأول: أن يرتد.
الثاني: أن يموت وهو كافر.
فهذا هو الذي يحبط عمله من الصحبة وغيرها.
والواجب على المسلمين في حق الصحابة: محبتهم والاقتداء بهم والثناء عليهم وإكرامهم؛ لأنهم صحابة رسول الله ﷺ الذين جاهدوا معه، وتلقوا العلم عنه، وبلغوه للأمة، ﵃ وأرضاهم، والله - جل وعلا –، يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ اتبعوهم: اقتدوا بهم وساروا على نهجهم، بإحسان لا يتبعون الصحابة دون معرفة لمذهبهم، هذا اتباع بغير إحسان، والإحسان معناه: الإتقان، والإتقان لا يكون إلا بمعرفة الشيء وفقهه،
стр. 28
فما كل من انتسب إلى الصحابة وقال: أنا على مذهب السلف، يكون كذلك حتى يكون محسنا، يعني متقنا لهذا الاقتداء، وهذا لا يحصل إلا بالتعلم، لا يحصل بمجرد الانتساب أو بمجرد الرغبة في الخير أو المحبة للخير، لا بد أن تعرف ما عليه الصحابة معرفة تامة ثم تتابعهم عليه، أما مجرد الانتساب من غير تحقيق فلا ينفع.
فقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ، أي لم يغلوا ولم يتساهلوا في متابعة الصحابة ﵃، هذا هو الإحسان، يكون بين الغلو وبين التساهل.
وقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ، وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ هذه صفات الصحابة ﵃ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ﴾ يعني صفتهم ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] .
الصحابة أول ما بدأ الإسلام كانوا أفرادا قليلين، «سئل النبي ﷺ وهو في مكة: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد» ، حر: وهو أبو بكر، وعبد: وهو بلال. هذا أول ما بدأ الإسلام لم يكن معه ﷺ إلا قليل كما قال ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» ، بدأ الإسلام على هذا المبدأ ثم تكاثر الصحابة حتى بلغوا مبلغ الكمال.
стр. 29
وقوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ يعني فراخه، فالحبة الواحدة أول ما تظهر تكون قصبة واحدة، ثم تُفرخ ويصير بجانبها فراخها، الصحابة كذلك أول ما نشؤوا كانوا قلة، ثم تكاثروا مثلما يتكاثر الزرع بالفراخ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ يعني قواه وأيده ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ ارتفع على قصبه ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ من حسنه، هذه صفة الصحابة ﵃.
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ليغيظ بالصحابة الكفار، فالذين يغتاظون من الصحابة ويبغضونهم هم الكفار والمنافقون. واستدل أهل العلم بهذه الآية على أن من يبغض الصحابة فإنه كافر؛ لأن الله قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ، وقال : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] ، وصفهم بأنهم بهذه الأوصاف العظيمة، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ، ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
هذه في صفة الأنصار، الآية الأولى في المهاجرين وهذه في الأنصار، ثم قال في التابعين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهذا يشمل من جاء من بعدهم إلى يوم القيامة: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ يعني: بغضا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
هذه صفة أمة محمد ﷺ من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة.
стр. 30
فالواجب للصحابة محبتهم، والثناء عليهم، واتباعهم، والاقتداء بهم، وعدم الخوض فيما جرى بينهم في أيام الفتنة، لا تدخل في هذا أبدا أيها المؤمن، ولا تخض فيه، ولا تخطّئ بعضهم وتصوب بعضهم؛ لأنهم مجتهدون ﵃ يريدون الحق، فعليك أن تمسك لسانك ولا تتكلم فيهم، ويجب أن تحفظ فيهم وصية الله – جل وعلا – ووصية رسوله، قال ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ، وقال ﵊: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي» ، وحب الصحابة من حب الرسول ﷺ ، فمن أحب الصحابة فقد أحب الرسول ﷺ ، ومن أبغض الصحابة فقد أبغض الرسول ﷺ ، فهذا الواجب لصحابة رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم أجمعين.
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة مع صحابة رسول الله ﷺ .
والذين ضلوا في هذا على فريقين:
* فريق النواصب.
* وفريق الروافض.
فالروافض يكفرون الصحابة ولا يستثنون إلا أربعة من الصحابة هم: علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد بن الأسود، ويغلون في علي ﵁ ويقولون: إن عليا هو الوصي بعد رسول الله ﷺ ، وأن خلافة
стр. 31
أبي بكر باطلة وظلم واغتصاب، وخلافة عمر وعثمان كلها ظلم واغتصاب؛ لأن الخلافة لعلي.
أما النواصب فيبغضون عليا ﵁ ويتكلمون فيه وفي أولاده.
والخوارج كفروا الصحابة جميعا.
وأهل السنة والجماعة يتولون جميع صحابة النبي ﷺ ، أهل بيت الرسول وغيرهم، يتولونهم جميعا ولا يفرقون بينهم، نعم بعضهم أفضل من بعض، فالخلفاء الراشدون وبقية العشرة المبشرين بالجنة أفضل من غيرهم من الصحابة، وأهل بدر أفضل من غيرهم، وأهل بيعة الرضوان، والمهاجرون أفضل من الأنصار، لكن التفضيل لا يقتضي انتقاص المفضول أو الكلام فيه، كلهم لهم فضل الصحبة لرسول الله ﷺ .
فأهل السنة وسط في صحابة رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج والنواصب، يتولون الجميع، ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويوقرونهم، لكنهم لا يغلون فيهم؛ كغلو الرافضة حتى قالوا: إن الخلافة لعلي ولذريته، وأن الصحابة اغتصبوها وظلموهم، ويلعنون أبا بكر وعمر ويسمونهم. صنمي قريش، - قبحهم الله – وكل آية فيها ظلم وكل آية فيها كفر ينزلونها على الصحابة.
قوله: «وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج» ، بين الروافض والخوارج، والنواصب أيضا، الخوارج كفروا عليا وعثمان وكثيرا من الصحابة، بينما الروافض على العكس غلوا في علي ﵁ واعتقدوا أنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ وأنه هو الوصي، وأن الصحابة ظلمة اغتصبوا حقه.
والخوارج كفروا عليا والصحابة، بينما الروافض بالعكس غلوا في علي، حتى إن غلاتهم يقولون: هو الله، والذين دون الغلاة لا يقولون
стр. 32
إنه هو الله، لكن يكفرون الصحابة ويصفونهم بالظلم والطغيان، ويلعنونهم ويشتمونهم، فهم على طرفي نقيض.
أهل السنة والجماعة – كما ذكرنا – تولوا جميع الصحابة وعرفوا قدر أهل البيت، ولم يفرقوا بين أحد منهم عملا بوصية رسول الله ﷺ .
هذا هو المذهب في الصحابة ﵃، وهم أفضل الأمة، قال ﷺ : «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ، فهم خير القرون، وهم أفضل الأمة، وهم الذين أوصى بهم الله - جل وعلا – وأوصى بهم الرسول ﷺ ، وهم الذين نشروا الإسلام لما تحملوه عن الرسول ﷺ وبلغوه للأمة، من أين وصلنا هذا الإسلام إلا عن طريق الصحابة ﵃، هم الواسطة بيننا وبين الرسول ﷺ ، فالأحاديث كلها رواتها من الصحابة رووها عن الرسول ﷺ .
الحاصل: أن هذه عقيدة الشيخ ﵀ عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين يقولون: إن الشيخ خارجي، وأنه يُكفّر، فقد كذبوا عليه.
стр. 33
وأعتقد أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق .
لما كان من أصول وأركان الإيمان: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على رسله لأجل هداية العباد، والحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وإقامة الحجة عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، وقال تعالى لنبينا محمد – ﵊: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] ، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] ، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
فلما كان القرآن المنزل على رسوله ﷺ كلام الله؛ كغيره من الكتب الإلهية، وأن الإيمان بذلك ركن من أركان الإيمان الستة، وهذا أمر لم يختلف عليه المسلمون – ولله الحمد – ولكن نبتت نابتة بعد انقضاء القرون المفضلة على يد الجعد بن درهم الذي تلقى عقيدته عن اليهود، تقول: إن القرآن مخلوق؛ لأن الله لا يتكلم - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا – وإنما إضافة الكلام إليه إضافة مجازية؛ لأنه خلق الكلام في غيره، فخلقه الله في اللوح المحفوظ، أو في جبريل، أو في محمد ﷺ .
ويا سبحان الله!! كيف يضاف الكلام إلى غير من تكلم به؟
العقول لا تقر هذا. فهذا محال في العقول، وغرضهم من ذلك أن يبطلوا الاحتجاج بالقرآن، وأن يقولوا: ليس عند الناس كلام لله ، القرآن الذي هو أول الأدلة، فأول الأدلة: القرآن ثم السنة، ثم الإجماع،
стр. 34
ثم القياس، فإذا قيل: إنه ليس لله كلام بين الناس، بماذا يستدل الناس؟ إذا أبطلوا الأصل الأول بطلت بقية الأصول وبهذا يقضى على الإسلام بهذه الطريقة، وشبهتهم يقولون: ننزه الله من أنه يتكلم؛ لأنه لو وصفناه بأنه يتكلم شبهناه بالخلق، فنحن ننزه الله عن ذلك. فجاؤوا من طريق تنزيهه بزعمهم، وفي الحقيقة أنهم فروا من التشبيه الذي زعموه إلى تشبيه أقبح، فإذا نفوا عنه الكلام لئلا يشبه بالمتكلمين من الخلق، فقد شبهوه بالجمادات التي لا تنطق، وهذا نقص أعظم.
ولذلك حكم أئمة أهل السنة بكفر الجهمية، قال الإمام ابن القيم:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
خمسون في عشرة يعني خمسمائة عالم حكموا بكفر الجهمية؛ لأنهم نفوا كلام الله سبحانه. ولذلك خالد بن عبد الله القسري قتل الجعد بن الدرهم لأجل هذه المسألة، في يوم عيد الأضحى فقال: «أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا» . ثم نزل وذبحه تحت المنبر في مشهد من العلماء والمسلمين، وشكروه على ذلك.
ولهذا قال الإمام ابن القيم:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ال ... قسري يوم ذبائح القربان
إذ قال إبراهيم ليس خليله ... كلا ولا موسى الكليم الداني
стр. 35
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان
ولما قتل الجعد بن درهم جاء من بعده الجهم بن صفوان، فتبنى مقالته الخبيثة، فقتله الأمير سلم بن أحوز، وهكذا كان ولاة أمور المسلمين، يقتلون الزنادقة حماية للعقيدة، فقد قال ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» ، وقال ﵊: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» . فكانوا يقتلون الزنادقة ويريحون المسلمين من شرهم حماية للعقيدة التي هي الضرورية الأولى من الضروريات الخمس التي تجب المحافظة عليه.
فهذا أصل منشأ هذه المقالة الخبيثة، ثم ورثها عنه المعتزلة، والجعفرية من الشيعة يقولون بهذه المقالة؛ لأنهم تتلمذوا على المعتزلة فأخذوها عنهم، والشيعة الزيدية والإباضية يرون هذا الرأي ويعتقدون أن القرآن مخلوق، وأنه ليس كلام الله، كل هذا ورثوه عن الجهمية، وهذا مدون في عقائدهم التي يدروسونها الآن.
جاءت الأشاعرة فأتوا بقول غريب في هذه المسألة، لا هو مع الجهمية، ولا هو مع أهل السنة، فقالوا: الكلام هو المعنى القائم بالنفس الإلهية، وأما هذا القرآن والكلام الذي نزل على الرسل فإنما هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، فهو – أي القرآن الذي معنا – مخلوق؛ لأنه عبر به محمد أو جبريل عن كلام الله، والله لا يتكلم،
стр. 36
وإنما كلامه معنى قائم بنفسه يعبر عنه الرسول. فهم جمعوا متناقضات لم يقل بها أحد غيرهم، فجعلوا القرآن بعضه غير مخلوق وهو المعنى النفسي، وألفاظه مخلوقة، فهذا القرآن الذي معنا الآن ليس هو كلام الله، إنما هو كلام محمد، أو جبريل، وهو مخلوق، أو أن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، فهو ليس كلام الله، وإنما هو حكاية عن كلام الله، أو عبارة عن كلام الله، «عبارة» هذا قول الأشاعرة، و «حكاية» هذا قول الماتريدية، وكلهم يقولون: هو ليس كلام الله؛ لأن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس فقط، فالقرآن بعضه إلهي وبعضه بشري، مثل مقالة النصارى في عيسى: اتحد اللاهوت بالناسوت، فعيسى بعضه من الله، وبعضه مخلوق، فكذلك قول الأشاعرة يشبه قول النصارى في المسيح، بعضه مخلوق، وبعضه غير مخلوق، تناقضات والعياذ بالله.
أما من التزم بالحق فهو – ولله الحمد – على بينة وعلى بصيرة، وأهل السنة والجماعة ما زالوا يقولون: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وامتحن أهل السنة من المعتزلة على يد المأمون في هذه المسألة، وعذب الإمام أحمد عند هذه المسألة، المأمون يريد أن يلزم الناس بعقيدة المعتزلة في القرآن وأنه مخلوق، وأهل السنة أبوا ورفضوا، وفي مقدمتهم الإمام أحمد ﵀، أبوا أن يقولوا وأن يخضعوا لهذه المقالة الخبيثة، فثبتهم الله على الإيمان، وخذل الله المعتزلة ومن نحا نحوهم، ولم يحصلوا على طائل إلا الفضيحة والنكسة والعياذ بالله.
ومع الأسف أن بعض الكتاب يقولون: مسألة القول بخلق القرآن أو عدم خلقه مسألة لا طائل تحتها، ولا تحتاج إلى انقسام، والإمام أحمد
стр. 37
مخطئ عندما امتنع، أو هذه أمور سياسية، هم عذبوا الإمام أحمد ليس من أجل موقفه من القول بخلق القرآن، بل عذبوه؛ لأنهم يخافون أن يقلب الناس عليهم، فهي مسألة سياسية. هكذا يقول هؤلاء الكتاب الجهال أو المغرضون، ويقولون: مسألة القول بخلق القرآن لا تستحق كل هذا.
هكذا يقولون؛ لأنهم إما جهال لم يدركوا الخطر، وإما أنهم مغرضون معتزلة ويريدون أن تمر هذه المسألة على الناس، ويقال: لا تستحق كل هذه الجلبة، هذا موجود الآن في كتاباتهم في الصحف وفي المؤلفات.
فالحاصل: أني نبهت على هذا لئلا يغتر أحد بكتابات هؤلاء، ويقول: المسألة سهلة، والمسألة لا تحتاج إلى كل هذه الردود. بل المسألة خطيرة جدا، فإذا نفينا أن القرآن كلام الله، إذًا ماذا يبقى معنا؟ وبالتالي تبطل الشريعة، إذا هدم الدليل الأول لها والمصدر الأول بها بطلت الشريعة، وهذا غرض المؤسسين لهذه المقالة الخبيثة، وإن كان كثير من أتباعهم لا يدركون هذا الغرض، ولكن هذا هو المقصود، يكفي أن هذه المقالة جاءت من اليهود على يد الجعد بن درهم الذي تلقاها عن اليهود.
وقوله: «وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل» منزل؛ كما يقوله أهل السنة والجماعة «غير مخلوق» ؛ كما تقوله الجهمية ومن سار في ركابهم، هذه هي عقيدة يجب على المسلم أن يعتقدها، ولا يقول: هذه مسألة شكلية.
стр. 38
منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة.
قوله: «منه بدأ» يعني: نزل من الله – جل وعلا – حيث تكلم الله به حقيقة، وسمعه منه جبريل، ونزل به إلى محمد ﷺ ، وبلغه محمد ﷺ لأمته، فهو كلام الله حقيقة لا مجازا. وأما قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠] يعني: جبريل ﵇، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١] ، يعني: محمدا ﷺ . أضافه إلى الرسول البشري تارة، وإلى الرسول الملكي تارة، وأضافه إلى نفسه تارة.
فيقال: الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا، وأما إضافته إلى جبريل أو إلى محمد فهي إضافة تبليغ، ولا يمكن للقول الواحد أن يقوله عدة قائلين أبدا، فدل على أنه كلام الله، ولكن أضافه إلى جبريل وإلى محمد في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ إضافة تبليغ، والكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغا مؤديا.
فهذا هو الجواب عن هذه الشبهة التي يتعلقون بها.
قوله: «وإليه يعود» ، إشارة إلى ما يكون في آخر الزمان حينما يرفع القرآن، ويؤخذ من صدور الرجال ومن المصاحف، ولا يبقى له أثر، وذلك من علامات الساعة، فكما أنه نزل منه فإنه يرفع في آخر الزمان ويعود إليه ، ولا يبقى في الأرض قرآن.
قوله: «تكلم به حقيقة» ، هذا رد على الذين يقولون: أنه تكلم به
стр. 39
مجازا، فإضافته إلى الله من باب المجاز؛ لأنه هو الذي خلقه فيضاف إليه مجازا.
وليس هو المعنى القائم في نفسه كما تقوله الأشاعرة، وليس هو مخلوقا كما تقوله الجهمية، وإنما تكلم الله به حقيقة وسمعه منه جبريل وتحمله عن الله – جل وعلا – وبلغه لنبيه محمد ﷺ ، فالقرآن عن محمد عن جبريل عن الله – جل وعلا -، هذا سند القرآن؛ كما قال : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ هذا كله في جبريل.
ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدا: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ كما تقوله الكفار، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي: رأى جبريل ﵇ على صورته الحقيقية الملكية ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ رأى جبريل وهو في الأفق على صورته في بطحاء مكة، ورآه مرة أخرى ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] ، أي: رأى جبريل عند سدرة المنتهى ليلة المعراج، فالنبي ﷺ رأى جبريل على خلقته الملكية مرتين، وفيما عدا ذلك يأتي إليه بصورة إنسان، ويراه الصحابة على صورة إنسان، ويظنون أنه من البشر، وأنه وافد إلى الرسول ﷺ .
стр. 40
وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ .
قوله: «وأنزله على عبده ورسوله» ، هو محمد ﷺ عبده ورسوله، «عبده» هذا رد على الذين يغلون في محمد ﷺ ويجعلون له شيئا من الإلهية، فهو عبد وليس معبودا، و «رسوله» هذا رد على الذين ينكرون رسالة محمد ﷺ ، فهم طرفي نقيض، طائفة غلت فيه ورفعته إلى مقام الألوهية، وطائفة فرطت في حقه وجحدت رسالته، فنحن نقر بالأمرين: أنه عبد وأنه رسول.
قوله: «وأمينه على وحيه» ، الرسول أمين، لم يزد في القرآن ولم ينقص، بل بلغه كما جاءه عن الله ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥] ، لو تقول محمد ﷺ على الله ونسب إليه ما لم يقل لأهلكه الله ، فهذا فيه تزكية للرسول ﷺ وأنه بلغ البلاغ المبين، فهو مبلغ عن الله أمين على الوحي؛ ولهذا لما قسم الصدقة، وتكلم من تكلم من المنافقين، قال ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» ، ألا تأمنوني على قسم الصدقات، وأنا أمين من في السماء – وهو الله – على الوحي.
قوله: «وسفيره بينه وبين عباده» ، السفير: هو الرسول، فالرسول سفير بين الله وبين عباده لتبليغ الرسالة، أرسله الله ليبلغ رسالات الله .
следующие страницы →