Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وإنما كلامه معنى قائم بنفسه يعبر عنه الرسول. فهم جمعوا متناقضات لم يقل بها أحد غيرهم، فجعلوا القرآن بعضه غير مخلوق وهو المعنى النفسي، وألفاظه مخلوقة، فهذا القرآن الذي معنا الآن ليس هو كلام الله، إنما هو كلام محمد، أو جبريل، وهو مخلوق، أو أن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، فهو ليس كلام الله، وإنما هو حكاية عن كلام الله، أو عبارة عن كلام الله، «عبارة» هذا قول الأشاعرة، و «حكاية» هذا قول الماتريدية، وكلهم يقولون: هو ليس كلام الله؛ لأن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس فقط، فالقرآن بعضه إلهي وبعضه بشري، مثل مقالة النصارى في عيسى: اتحد اللاهوت بالناسوت، فعيسى بعضه من الله، وبعضه مخلوق، فكذلك قول الأشاعرة يشبه قول النصارى في المسيح، بعضه مخلوق، وبعضه غير مخلوق، تناقضات والعياذ بالله.
أما من التزم بالحق فهو – ولله الحمد – على بينة وعلى بصيرة، وأهل السنة والجماعة ما زالوا يقولون: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وامتحن أهل السنة من المعتزلة على يد المأمون في هذه المسألة، وعذب الإمام أحمد عند هذه المسألة، المأمون يريد أن يلزم الناس بعقيدة المعتزلة في القرآن وأنه مخلوق، وأهل السنة أبوا ورفضوا، وفي مقدمتهم الإمام أحمد ﵀، أبوا أن يقولوا وأن يخضعوا لهذه المقالة الخبيثة، فثبتهم الله على الإيمان، وخذل الله المعتزلة ومن نحا نحوهم، ولم يحصلوا على طائل إلا الفضيحة والنكسة والعياذ بالله.
ومع الأسف أن بعض الكتاب يقولون: مسألة القول بخلق القرآن أو عدم خلقه مسألة لا طائل تحتها، ولا تحتاج إلى انقسام، والإمام أحمد
стр. 37
مخطئ عندما امتنع، أو هذه أمور سياسية، هم عذبوا الإمام أحمد ليس من أجل موقفه من القول بخلق القرآن، بل عذبوه؛ لأنهم يخافون أن يقلب الناس عليهم، فهي مسألة سياسية. هكذا يقول هؤلاء الكتاب الجهال أو المغرضون، ويقولون: مسألة القول بخلق القرآن لا تستحق كل هذا.
هكذا يقولون؛ لأنهم إما جهال لم يدركوا الخطر، وإما أنهم مغرضون معتزلة ويريدون أن تمر هذه المسألة على الناس، ويقال: لا تستحق كل هذه الجلبة، هذا موجود الآن في كتاباتهم في الصحف وفي المؤلفات.
فالحاصل: أني نبهت على هذا لئلا يغتر أحد بكتابات هؤلاء، ويقول: المسألة سهلة، والمسألة لا تحتاج إلى كل هذه الردود. بل المسألة خطيرة جدا، فإذا نفينا أن القرآن كلام الله، إذًا ماذا يبقى معنا؟ وبالتالي تبطل الشريعة، إذا هدم الدليل الأول لها والمصدر الأول بها بطلت الشريعة، وهذا غرض المؤسسين لهذه المقالة الخبيثة، وإن كان كثير من أتباعهم لا يدركون هذا الغرض، ولكن هذا هو المقصود، يكفي أن هذه المقالة جاءت من اليهود على يد الجعد بن درهم الذي تلقاها عن اليهود.
وقوله: «وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل» منزل؛ كما يقوله أهل السنة والجماعة «غير مخلوق» ؛ كما تقوله الجهمية ومن سار في ركابهم، هذه هي عقيدة يجب على المسلم أن يعتقدها، ولا يقول: هذه مسألة شكلية.
стр. 38
منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة.
قوله: «منه بدأ» يعني: نزل من الله – جل وعلا – حيث تكلم الله به حقيقة، وسمعه منه جبريل، ونزل به إلى محمد ﷺ ، وبلغه محمد ﷺ لأمته، فهو كلام الله حقيقة لا مجازا. وأما قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠] يعني: جبريل ﵇، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١] ، يعني: محمدا ﷺ . أضافه إلى الرسول البشري تارة، وإلى الرسول الملكي تارة، وأضافه إلى نفسه تارة.
فيقال: الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا، وأما إضافته إلى جبريل أو إلى محمد فهي إضافة تبليغ، ولا يمكن للقول الواحد أن يقوله عدة قائلين أبدا، فدل على أنه كلام الله، ولكن أضافه إلى جبريل وإلى محمد في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ إضافة تبليغ، والكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغا مؤديا.
فهذا هو الجواب عن هذه الشبهة التي يتعلقون بها.
قوله: «وإليه يعود» ، إشارة إلى ما يكون في آخر الزمان حينما يرفع القرآن، ويؤخذ من صدور الرجال ومن المصاحف، ولا يبقى له أثر، وذلك من علامات الساعة، فكما أنه نزل منه فإنه يرفع في آخر الزمان ويعود إليه ، ولا يبقى في الأرض قرآن.
قوله: «تكلم به حقيقة» ، هذا رد على الذين يقولون: أنه تكلم به
стр. 39
مجازا، فإضافته إلى الله من باب المجاز؛ لأنه هو الذي خلقه فيضاف إليه مجازا.
وليس هو المعنى القائم في نفسه كما تقوله الأشاعرة، وليس هو مخلوقا كما تقوله الجهمية، وإنما تكلم الله به حقيقة وسمعه منه جبريل وتحمله عن الله – جل وعلا – وبلغه لنبيه محمد ﷺ ، فالقرآن عن محمد عن جبريل عن الله – جل وعلا -، هذا سند القرآن؛ كما قال : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ هذا كله في جبريل.
ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدا: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ كما تقوله الكفار، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي: رأى جبريل ﵇ على صورته الحقيقية الملكية ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ رأى جبريل وهو في الأفق على صورته في بطحاء مكة، ورآه مرة أخرى ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] ، أي: رأى جبريل عند سدرة المنتهى ليلة المعراج، فالنبي ﷺ رأى جبريل على خلقته الملكية مرتين، وفيما عدا ذلك يأتي إليه بصورة إنسان، ويراه الصحابة على صورة إنسان، ويظنون أنه من البشر، وأنه وافد إلى الرسول ﷺ .
стр. 40
وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ .
قوله: «وأنزله على عبده ورسوله» ، هو محمد ﷺ عبده ورسوله، «عبده» هذا رد على الذين يغلون في محمد ﷺ ويجعلون له شيئا من الإلهية، فهو عبد وليس معبودا، و «رسوله» هذا رد على الذين ينكرون رسالة محمد ﷺ ، فهم طرفي نقيض، طائفة غلت فيه ورفعته إلى مقام الألوهية، وطائفة فرطت في حقه وجحدت رسالته، فنحن نقر بالأمرين: أنه عبد وأنه رسول.
قوله: «وأمينه على وحيه» ، الرسول أمين، لم يزد في القرآن ولم ينقص، بل بلغه كما جاءه عن الله ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥] ، لو تقول محمد ﷺ على الله ونسب إليه ما لم يقل لأهلكه الله ، فهذا فيه تزكية للرسول ﷺ وأنه بلغ البلاغ المبين، فهو مبلغ عن الله أمين على الوحي؛ ولهذا لما قسم الصدقة، وتكلم من تكلم من المنافقين، قال ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» ، ألا تأمنوني على قسم الصدقات، وأنا أمين من في السماء – وهو الله – على الوحي.
قوله: «وسفيره بينه وبين عباده» ، السفير: هو الرسول، فالرسول سفير بين الله وبين عباده لتبليغ الرسالة، أرسله الله ليبلغ رسالات الله .
стр. 41
وأؤمن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره.
انتهى الشيخ ﵀ من مسألة الكلام، وبين عقيدته فيها، وأنها عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه يتبرأ من عقيدة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين خاضوا في كلام الله، وقالوا مقالات شنيعة، ومن مقالة الكفار الذين قالوا: إن محمدا هو الذي اخترع هذا القرآن، وجاء به ونسبه إلى الله ، هذه مقالة الكفار؛ ولهذا يقول الوليد بن المغيرة: إن هذا إلا قول البشر، قال تعالى مخبرا عنه: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٥] ، يعني: أن القرآن قول محمد ولم يقله الله جل وعلا.
فالجهمية شابهوا الكفار في هذا وقالوا: إن القرآن ليس كلام الله، وإنما هو قول محمد.
قال ﵀ بعد ذلك: «وأؤمن بأن الله فعال لما يريد» ، وهذه مسألة أخرى، وهي الإيمان بأفعال الله - جل وعلا – له أسماء، وله صفات، وله أفعال، وله إرادة ومشيئة، « ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ » ، يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويدبر، هذه أفعال الله - جل وعلا -، وهي بإرادته ومشيئته ، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] ،
стр. 42
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، يفعل ما يشاء، ويفعل ما يريد.
وقوله: «ولا يكون شيء إلا بإرادته» ، ما يكون في هذا الكون فهو من خلقه وإيجاده وبمشيئته وإرادته، لا يكون في هذا الكون شيء بغير إرادته، أو بغير خلقه، أو أن أحدا يخلق مع الله - جل وعلا -.
هذا رد على المعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، وإن الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما هم الذين خلقوها مستقلين عن الله - جل وعلا -، وليس لله فيها إرادة ولا مشيئة.
فنحن نؤمن بأن أفعال العباد هي خلق الله، وهي كسب العباد، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ، أي: وخلق ما تعملون.
قوله: «ولا يخرج شيء عن مشيئته» ، في هذا الكون، لا يمكن يحدث شيء من كفر أو إيمان أو طاعة أو معصية أو غنى أو فقر أو حياة أو موت أو رزق إلا بمشيئته ، مشيئته شاملة وإرادته شاملة، وكل شيء بإرادته ومشيئته، لا كما تقوله المعتزلة: إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم استقلالا وليس لله فيها أي تدخل، لكونهم هم الذين يخلقون أفعالهم. فيصفون الله - جل وعلا - بالعجز، ويعطلونه عن الخلق والفعل ويجعلونه معه خالقا غيره، وعلى نقيضهم الجبرية الذين يقولون: إن العباد ليس لهم أفعال، إنما هي أفعال الله يحركهم فيها كما تحرك الآلة، ليس لهم إرادة ولا مشيئة، فهم على النقيض من المعتزلة.
فالجبرية غلوا في إثبات أفعال الله، وغلوا في نفي أفعال العباد، وقالوا: العباد ليس لهم أفعال، فهم غلوا في إثبات وغلوا في نفي.
стр. 43
والقدرية والمعتزلة على العكس غلوا في إثبات أفعال العباد، فهم على طرفي نقيض.
أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن الله هو الذي يخلق ويرزق ويدبر؛ كما يشاء وكما يريد، والعباد لهم مشيئة، ولهم إرادة ولهم اختيار، يفعلون الأفعال باختيارهم ومشيئتهم وإرادتهم، فلهم مشيئة ولهم إرادة، لا كما تقوله الجهمية الجبرية، ولكن مشيئتهم ليست مستقلة كما تقول المعتزلة، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] ، فقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ رد على الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد، وقوله ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ رد على المعتزلة القدرية الذين ينفون إرادة الله ومشيئته، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] ، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] .
والعقاب والثواب إنما على أفعال العباد التي فعلوها بإرادتهم ومشيئتهم واختيارهم، يعذبون على المعاصي؛ لأنهم هم الذين فعلوا هذه الأشياء باختيارهم، وكانوا يستطيعون تركها وتجنبها والابتعاد عنها، وهم منهيون عنها، فهم أقدموا عليها باختيارهم، فيعذبون على هذا؛ ولذلك الذي ليس له مشيئة ولا اختيار؛ كالمجنون والصغير والنائم لا يؤاخذ، لأنه ليس له مشيئة ولا إرادة، أما العاقل البالغ فهذا يؤاخذ على أفعاله؛ لأنه يستطيع الفعل والترك، الله أعطاه الإمكانية لهذا وهذا، يستطيع يصلي ويستطيع يزني في آن واحد، وهو يستطيع هذا وهذا، فإن كف عن الزنا وأقام الصلاة آجره الله ، وإن عكس وأتى الزنا وترك الصلاة عاقبه الله على أفعاله، وعلى إرادته.
قوله: «وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره» ، كل هذا رد
стр. 44
على المعتزلة القدرية، «ولا يصدر إلا عن تدبيره» ، قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] ، وقال: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] .
стр. 45
ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.
كذلك أيضا يؤمن الشيخ – وأهل السنة والجماعة يؤمنون – أنه لا محيد للإنسان عن القضاء والقدر الذي قدره الله ، خلافا للمعتزلة الذين يقولون: العبد يستطيع أن يفعل، وليس لله عليه إرادة ولا سيطرة.
وأهل السنة يقولون: إنه يقدر على العبد امتحانا وابتلاء لأجل أن يثيبه أو يعاقبه، وقد يقدر الأشياء على العبد عقوبة له، فالعبد يفعل الأسباب، والله - جل وعلا – يرتب الأسباب نتائجها، فإن فعل أسبابا طيبة رتب الله عليها نتيجة طيبة، وإنه فعل أسبابا محرمة رتب الله عليها نتيجة سيئة؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] .
فالسبب من قبل العبد، والنتيجة من قبل الله ، وهو يثيب أهل الطاعة وييسرهم لليسرى ويعينهم، ويعاقب أهل المعصية، فيتركهم يتمكنون من هذه الأفعال عقوبة لهم؛ لأجل أن يؤاخذهم ويعاقبهم بسبب نياتهم الخبيثة، وبسبب تصرفاتهم، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠] ، العبد هو المتسبب، والله يقدر عليه نتيجة لعمله هو ونيته هو، إما ثوابا وإما عقابا؛ ولهذا سأل الصحابة رسول الله ﷺ لما بين لهم أن كل شيء بقضاء الله وقدره، «قالوا: يا رسول الله ألا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال ﷺ : لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له» . فأنزل الله هذه الآيات:
стр. 46
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ – ١٠] ، فلا يجوز للعبد أن يتوقف ويقول: إن كان قدر لي أن أصير في الجنة فأنا في الجنة، وإن كان مقدرا إنه في النار يصير في النار. هذا لا يجوز، والعبد لا يطرد هذا في أفعاله، هل يجلس الإنسان ويترك طلب الطعام والشراب، ويقول: إن كان الله مقدرا لي الطعام فسيأتيني وأنا جالس، وسيأتيني الشراب وأنا جالس؟ لا يقول هذا، بل يقوم ويبحث، إذا جاع يقوم ويبحث عن الطعام، وإذا عطش يقوم ويبحث عن الماء، ولا يقول: إذا كان الله مقدرا لي الطعام والشراب سيأتيني؛ لأن فطرته تقتضي أن يتحرك ويبحث.
لو أن إنسانا جاء وضربه أو قتل ابنه هل يسكت ويقول: هذا قضاء وقدر، أو يطلب الانتقام؟ الجواب: يطلب الانتقام، ولم لا يقول: هذا قضاء وقدر، ولا يؤاخذ القاتل أو الضارب، ولا يطالب بالانتقام؟ هذا دليل على أن الأشياء لها أسباب، وأن العبد مطلوب منه فعل الأسباب، ولا يبقى بدون فعل الأسباب، الله ربط المسببات بالأسباب، حتى الطيور والحيوانات لا ترى هذا الرأي، لا تقعد في أوكارها وتقول: سيأتيني الرزق وأنا في وكري. وهذه طيور وحيوانات، بل تروح وتبحث عن الرزق؛ لأن الله فطرها على هذا، أنه لا يحصل لها شيء إلا بعمل وحركة وبحث، ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ، ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] .
فهذه المقولة خاسرة وكاذبة – وهي الاحتجاج بالقدر على ترك العمل – والمسلم مطلوب منه أن يعمل العمل الصالح، وإذا أذنب مطلوب منه التوبة، وعنده القدرة على هذا، فهو يقدر أن يفعل، ويقدر أن يترك، فلو ترك العمل عجزا لم يؤاخذه الله، ولكن إن تركه كسلا
стр. 47
فهو مؤاخذ على هذا؛ لأنه مفرط، فهناك فرق بين الكسل وبين العجز، العجز لا يؤاخذه الله عليه، ولكن إذا كسل فهذا يؤاخذ؛ لأنه هو الذي فرط، ففطر العباد تقتضي هذا مع دلالة الكتب والسنة.
قوله: «لا محيد» : أي لا مفر عن القدر المحدود، ولكن أنتم مأمورون بفعل الأسباب، أما خلق النتائج فهذا بيد الله ، قد تفعل ولا يحصل لك شيء؛ لأن الله لم يقدر لك نتيجة، والرسول ﷺ يقول: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل» .
أنت فعلت السبب، ومسألة حصول المقصود هذا عند الله ، فإذا لم يحصل المقصود فإنك لا تلوم نفسك؛ لأنك فعلت ما تستطيع، وتؤمن بالقضاء والقدر، وتقول: لعل الله اختار لي ما هو أحسن؛ لأنه لو حصل لي المقصود فربما صار ضرر علي، فالله حبسه عني لمصلحتي، ولا تكره ذلك.
قوله: «ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور» ، كل الأشياء مكتوبة في اللوح المحفوظ الذي أمر الله القلم فكتب فيه كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، وكان ذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، كل شيء مكتوب ومقدر ومحدود، ولا بد من وقوعه في وقته، ولكن أنت مأمور بفعل الأسباب، لا تتوقف وتقول: أنا سأتوقف مع القضاء والقدر. هذا لا
стр. 48
يجوز أبدا إلا لإنسان ليس بعاقل، أما العاقل فلا يمكن أن يجلس ويعطل الأسباب ويقول: المكتوب سيقع.
فالصواب: أن هذا الشيء مكتوب إذا فعلت السبب، أما إذا لم تفعل السبب فلا يحصل لك شيء، لو لم تتزوج لم ترزق الولد، فالزواج سبب لحصول الولد، وهكذا كل الأسباب.
فأنت أيها العبد عليك فعل السبب، وأما النتيجة فهي عند الله ، ولا تأسف إذا لم تحصل النتيجة بل ترضى بقضاء الله وقدره، وتقول: «قدر الله وما شاء فعل» ، وربما يكون هذا خيرا لك، فلا تكره ذلك.
وقوله: «في اللوح المسطور» ، الذي فيه كتابة مقادير الأشياء كلها، وهناك مقادير جزئية تؤخذ من اللوح المحفوظ، مثل: الجنين في بطن أمه إذا بلغ أربعة أشهر نفخت فيه الروح، يرسل إليه الملك، ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
هذا مأخوذ من اللوح المحفوظ من الكتابة السابقة.
стр. 49
وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر ، وقد تكرر ذكره في القرآن الكريم، ففي أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] ، فمن صفات المتقين أنهم يوقنون باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر من البر، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ، فيؤمنون بالله واليوم الآخر، وتكرر في القرآن الكريم، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه بعد الدنيا، الدنيا هي اليوم الأول، ويوم القيامة هو اليوم الآخر، سمي يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين.
وهذا الركن من أركان الإيمان خالف فيه كثير من الكفرة، فالكفار الذين بعث إليهم النبي محمد ﷺ يكفرون باليوم الآخر، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] ، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] ، فالذي ينكر اليوم الآخر، وينكر البعث كافر بالله الكفر المخرج من الملة؛ لأنه جاحد لركن من أركان الإيمان؛ ولأنه مكذب لله ولرسوله، بل لجميع الرسل، مكذب لما علم من الدين بالضرورة، وليس لهم حجة أو شبهة إلا أنهم يقولون: لا يمكن هذا؛ لأننا صرنا رفاتا وعظاما فمن يحيي العظام وهي رميم؟ ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] ، ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] ، إلى غير ذلك.
يستبعدون قدرة الله على أن يحيي العظام وهي رميم، وأن يعيدها
стр. 50
وهي تراب، ويقولون: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥] ، يتحدون الله فيقولون: إذا كان هناك بعث فآباؤنا ماتوا فأحيوهم ونحن ننظر إلى ذلك ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، الله - جلا وعلا – أخبر أنه لا يغير سنته سبحانه من أجل استعجال الكافرين، الله قضى بأنه لا يكون البعث إلا في وقته، فلا يعجله من أجل استعجال الكافرين، ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦] ، فالله قضى بأن البعث له معاد لا يتقدم، ولا يتأخر، والله - جل وعلا – لا يستفزه أحد، ولا يغير وعده وتوقيته من أجلهم.
وكذلك يتحدون الرسول ﷺ يقولون: متى قيام الساعة؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ، ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] ، فقيام الساعة لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فلما سأل جبريل رسول الله ﷺ بحضرة أصحابه «قال: أخبرني عن الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» ، يعني: أنا وأنت سواء، لأننا لا نعلمها؛ لأن هذا لا يعلمه إلا الله ، ثم ما هي فائدتهم إذا عرفوا وقت قيامها؟ ليس لهم فائدة في هذا، إنما الفائدة في الاستعداد والعمل، وأما متى تقوم الساعة فهذا ليس لهم فيه فائدة، وإلا لبينه الله لهم، ولكن هذا من باب المكابرة والعناد، وإلا فمعلوم أنه لو جاءك أحد، وقال: إنه مقبل عليك عدو إن لم تستعد للقائه وتحذر منه فسوف يقتلك ويأخذك. هل من الحكمة أنك تقول:
стр. 51
متى يأتي هذا العدو؟ هذا ليس من الحكمة، ولا من العقل، الحكمة أن تستعد وتكون على أهبة الاستعداد متى ما جاء، كذلك قيام الساعة، الحكمة أنك تستعد، وأما وقت قيامها فهذا ليس لك فيه مصلحة من قريب أو بعيد ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] ، الرسول ﷺ لا يعلم هذا، ولا أحد يعلم هذا إلا الله - جل وعلا – لحكمة أخفاها عن جميع خلقه، لا يعلمها إلا هو.
كذلك من شبههم أنهم يقولون: هذه الأجسام صارت ترابا، نخرة ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] ، فكيف تعود فيها الحياة بعد أن كانت نخرة ورميما؟ ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] ، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ، يستبعدون هذا، الله - جل وعلا – رد عليهم بردود، منها:
أن الذي بدأ خلقهم قادر على أن يعيدهم من باب أولى، الذي يقدر على البداية قادر على الإعادة من باب أولى، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] ، فالله كل شيء عليه هين، ولكن هذا من باب ضرب المثل للعقول، فالعقول تدري أن الإعادة أسهل من البداءة، فلو يأتي شخص ويصنع جهازا مركبا من أدوات ومسامير ومن أشياء هائلة ودقيقة، ثم بعد ذلك ينتقض هذا الجهاز ويتشتت ويتقطع كل أداة على حدة، وكل مسمار على حدة، أليس الذي ركبه في الأول قادر على أن يركبه بسرعة مرة ثانية؟ الجواب: نعم؛ لأنه عرفه، وعرف مكان كل أداة ومكان كل مسمار، فالمهندس الذي ركبه في الأول سهل عليه أن يعيده وينظمه من جديد، هذا من ناحية العقل، الذي بدأ الشيء قادر
стр. 52
على إعادته من باب أولى؛ ولهذا قال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ نسي أن الله خلقه من العدم، ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] ، فالذي قدر على البداءة قادر على الإعادة من باب أولى، هذا في نظر العقول وإلا فالله - جل وعلا – لا يعجزه شيء، ولكن هذا من باب إفحام هؤلاء.
وكذلك الله - جل وعلا – احتج بأنه يحيي الأرض بعد موتها، فأنت تمر على الأرض هامدة ليس فيها شيء، جرداء بيضاء ليس فيها أي عود أو أي ورقة، فينزل عليها الغيث، ثم تربو وتنتفخ طبقتها، ثم تتفتق عن النبات، ثم بعد فترة وجيزة تصبح روضة خضراء فيها من أنواع النباتات والزهور والثمار، وكانت في الأول جرداء يابسة، من الذي أعادها وأحياها؟ الذي قدر على إحياء الأرض قادر على إحياء الأجسام: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] ، الذي يحيي الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأموات بعد موتهم وإعادتهم كما كانوا. فهذا من أدلة البعث، إحياء الأرض بعد موتها بالنبات.
ثم هذه الحبة اليابسة إذا سقاها الله بالماء انفرجت عن عروق وعن ورق وعن سيقان، ثم في النهاية يكون لها سنابل وتثمر، وهي في الأول حبة يابسة أخرج الله منها هذا النبات العجيب، ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] ، فالنطفة مثل البذرة، نطفة من الماء يخلط فيها ماء الرجل وماء المرأة، ثم تتحول إلى علقة: أي إلى دم، ثم يتحول الدم إلى مضغة، أي قطعة لحم، ثم تتحول قطعة اللحم إلى أعضاء وعروق وسمع وبصر وحواس، ثم تنفخ فيه الروح، ثم يحيي:
стр. 53
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٧ – ٤٠] .
فالذي قدر على تحويل هذه النطفة من ماء الأمشاج – يعني: المختلط من ماء الذكر وماء الأنثى – إلى إنسان، هذا الذي خلق هذا الإنسان من هذا الماء وأنشأه قادر على إحيائه بعد موته، وإذا كانوا يقولون: إنه يضيع في الأرض ويتفتت. فالله - جل وعلا – يقول: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] ، فالتراب الذي تحول من هذا الإنسان يعاد لحما ودما وعظاما كما كان، هذا الرفات يعاد ويتكون كما كان، ولا يضيع منه شيء، حتى ولو فني كله وصار ترابا فهناك شيء لا يفنى، وهو عظمة يسيرة وهي عجب الذنب، لا يفنى ومنه يركب خلق الإنسان.
ثم أيضا لو لم يكن هناك بعث وحساب وجزاء للزم العبث في حق الله - جل وعلا -، وأنه يخلق الخلق للفناء فقط، وليس لحياتهم وأعمالهم نتيجة، خلقهم وأوجدهم واعتنى بهم، وهم يعملون، ومنهم من يعمل أعمالا صالحة، ويموت ولا ينال من جزائها شيئا، ومنهم من يعمل أعمالا قبيحة، ومعاصي، وكفرا، وإلحادا، ويموت ولا ينال من جزائه شيئا، هل ينتهي عند هذا؟ الجواب: لا، هذا فيه طعن في عدل الله - جل وعلا -: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦] ، الله لا يجعل المسلمين كالمجرمين كلهم يموتون ولا ينالون من جزاء أعمالهم شيئا، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾
стр. 54
[ص: ٢٧، ٢٨] ، فلا يكون فيه بعث وجزاء، لا جزاء للمحسن على إحسانه ولا للمسيء على إساءته، هذا من باب العبث أن الله يخلق خلقا ويتركه ولا يصير له نتيجة، ويعملون أعمالا سيئة أو صالحة ولا يكون لها ثمرة ولا نتيجة، هذا من العبث، ومن باب الطعن في عدالة الله - جل وعلا -:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] ، تعالى الله عن ذلك أن يكون خلق هذا الخلق ويتركهم يموتون ولا يصير لأعمالهم نتيجة، ولا يتميز المؤمن من الكافر، بل ربما يكون الكافر منعما في هذه الدنيا وهو على المعاصي والكفر، ويكون المؤمن مضيقا عليه في هذه الدنيا ولا ينال من جزائه شيئا، هذا يلزم فيه الطعن في عدالة الله - جل وعلا -، ويلزم عليه أنه خلق الخلق عبثا لا نتيجة لأعمالهم، فهذا من الطعن في حكمة الله - جل وعلا -، وفي عدل الله ، فهذا من أدلة البعث ذكرها الله في القرآن الكريم في مواضع متعددة، فالإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان الستة، تكرر ذكره في القرآن الكريم.
стр. 55
فأؤمن بفتنة القبر ونعيمه.
هذا أول ما يكون في اليوم الآخر، إذا وضع الميت في قبره، وانتُهي من دفنه، وتولى عنه مشيعوه، وأنه ليسمع قرع نعالهم، يأتيه ملكان فيقعدانه فتعاد روحه في جسده، ويحيى حياة برزخية ليست مثل حياته في الدنيا، حياة برزخية لا يعلمها إلا الله ، فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، لأنه مات على الإيمان فيبعث عليه، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
فإذا أجاب بهذه الإجابات نادى مناد: « «أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا من الجنة» » ، ويوسع له في قبره مد بصره حتى يرى منزله في الجنة، ويأتيه من روحها وطيبها، ويصبح قبره روضة من رياض الجنة، ويقول: يا رب أقم الساعة حتى أعود إلى أهلي ومالي.
وأما المنافق الذي كان يعيش في الدنيا على الشك، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ويقرأ القرآن، ويتعلم العلم، ولكن ليس في قلبه إيمان، إنما يعمل هذه الأشياء لمصالح دنيوية، ليعيش مع الناس، وهو لا يؤمن بها في قلبه، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ، فهذا لا يستطيع الجواب وإن كان في الدنيا يحفظ كل المتون، ويحفظ كل الأشعار والنحو والتفسير والحديث، ما دام ليس فيه إيمان لا يستطيع الإجابة في القبر في هذه اللحظة، كلما سئل
стр. 56
قال: ها ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته – يعني: مثلما يقوله الناس من غير إيمان في قلبه، وإنما يقول ذلك مجاملة ومسايرة للناس – فيقال له: لا دريت ولا تليت. فيضرب بمرزبة من حديد، لو ضربت بها جبال الدنيا لذابت، ثم يضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه، ويصبح قبره حفرة من حفر النار، فيقول: يا رب لا تقم الساعة. لأنه علم أنه ما بعد القبر أشد منه، فيقول: يا رب لا تقم الساعة.
هذا ما يكون في القبر، والإيمان بعذاب القبر أو نعيمه حتم واجب؛ لأنه متواتر في القرآن والسنة بأدلته، فيجب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، من جحده متعمدا فهو كافر، أما إن كان مقلدا أو متأولا فهذا ضال، ولكن من أنكره بعد العلم به متعمدا فهو كافر، وقد أنكرته المعتزلة العقلانيين؛ لأنهم يعتمدون على عقولهم، ويقولون: لو فتحنا القبر وجدناه كما وضعناه ليس فيه جنة ولا نار. فنقول: أنتم في عالم الدنيا وهو في عالم الآخرة، ويأتيه العذاب أو النعيم وأنتم لا تشعرون بذلك؛ لأن هذا من أمور الآخرة التي لا يعلمها إلا الله ، ولا تتسع العقول إلى إدراك ذلك، وإنما يعتمد على ما صح به النقل، وتواتر به الخبر فنؤمن به ولا نتدخل؛ لأن هذا من عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله .
أنت تشاهد الناس الآن بعضهم في سرور وبهجة وبعضهم في هم وغم، وهم كلهم يمشون ويأكلون ويشربون وأنت لا تدري عن هذا ولا
стр. 57
عن هذا، لا تدري عن المسرور ولا عن المغتم؛ لأن هذه أمور باطنة لا يعلمها إلا الله سبحانه.
فقوله: «فأومن بفتنة القبر» ، فتنة القبر يعني: الاختبار؛ لأنه يأتيه الفتانان، الملكان يسألانه ويختبرانه.
стр. 58
وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس.
ثم بعد القبر: البعث، وهو: إعادة الأرواح إلى الأجساد، وقد أنكره المشركون والملاحدة، وقد مر بنا شيء من البراهين على ثبوته في القرآن الكريم، وهي أدلة عقلية مذكورة في القرآن، منها:
* أن القادر على البداءة قادر على الإعادة من باب أولى، هذا دليل عقلي ودليل سمعي أيضا، دليل عقلي سمعي.
* ومنها أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها.
* ومنها أن الله سبحانه منزه عن العبث ومنزه عن الظلم، فلا بد من إقامة العدل بين عباده، وهذا إنما يكون في الآخرة، ولا يكون في الدنيا.
والقيام من القبور، قال الله - جل وعلا – فيه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] ، صعق يعني: مات، هذه نفخة الصعق، فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، قيل: الملائكة، وقيل: الحور العين.
ثم يؤمر فينفخ النفخة الثانية، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، تطير الأرواح إلى أجسادها في النفخة الثانية ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ تشقق الأرض عنهم: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤] ، يخرجون من القبور ويسيرون إلى المحشر كأنهم جراد منتشر، ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾
стр. 59
يعني: من القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٦، ٧] ، يكسون الأرض من كثرتهم، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي﴾ منقادين لا يتأخر أحد، لا الكافر ولا المسلم، لا يتأخر أحد منهم ولا يستطيع التأخر، وفي الآية الأخرى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ، نصب: علم يذهبون إليه ويسرعون إليه، تسوقهم الملائكة ولا أحد يتخلف.
وذلك أن الله إذا أراد بعث من في القبور أرسل عليها نوعا من المطر ينزل من السماء لا يمنع منه شيء، لا السقوف ولا غيرها، ينفذ إلى الأرض، ويدخل إلى الأجسام في القبور، فتنبت مثلما ينبت الحب، وتنبني الأجسام كما كانت، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] ، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] ، ينادي مناد فيقول: أيضا العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء. فيجتمع الإنسان من الأرض، يجتمع بدنه كما كان إلا أنه ليس فيه روح، حتى إنه لو مر عليه أحد يعرفه في الدنيا لقال: هذا فلان. ما تغير منه شيء.
ثم يؤمر إسرافيل فينفخ في الصور فتتطاير الأرواح؛ لأن الأرواح مجموعة في الصور، تتطاير كل روح إلى جسدها، ثم يحيون ويؤمرون بالمسير إلى المحشر، يقومون من قبورهم ويسيرون إلى المحشر، ثم يجتمعون في المحشر، فيقفون على أقدامهم في ضنك وضيق وحر شديد، وتدنو الشمس من رؤوسهم ويأخذهم العرق والزحام الشديد؛
стр. 60
لأنه يجتمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، فيجتمعون ويعرقون عرقا شديدا، ويختلفون في العرق، فمنهم من يلجمه العرق، ومنهم من يأخذه إلى نصفه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه..... إلى آخره. والوقوف يكون خمسين ألف سنة، شاخصة أبصارهم حافية أقدامهم، حفاة ليس عليهم نعال، عراة ليس عليهم ثياب، غرلا يعني: غير مختونين، ويقفون في هذا المحشر هذا الوقف الطويل يجمع الله الأولين والآخرين.
وقد ذكر الله في القرآن ثلاث نفخات:
النفخة الأولى: نفخة الفزع، في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] .
النفخة الثانية: نفخة الموت، في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] .
النفخة الثالثة: نفخة البعث في سورة الزمر أيضا: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
قوله: «تدنو منهم الشمس» حتى تكون بمقدار الميل، ولكن المؤمنون يكونون في ظلال، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] ، ما يحسون بها، ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ، فالمؤمنون في راحة في هذا اليوم، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] ، على الكافرين خاصة، ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] ، يعني: الصور، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩، ١٠] ، أما المؤمنون فيكون يسيرا عليهم، ويكونون في ظلال باردة.
стр. 61
هذا الحشر أنهم يحشرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، صعيد واحد متساو ليس فيه ارتفاعات وانخفاضات ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٨] ، يقومون في هذا الصعيد المستوي الذي ليس فيه انخفاضات ولا ارتفاعات.
стр. 62
وت نصب الموازين ، وتوزن بها أعمال العباد: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ، وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
الموازين: موازين الأعمال، وقد ذكرها الله في القرآن ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] .
فالموازين ثابتة في القرآن، موازين حقيقية لها كفتان، توضع الحسنات في كفة، وتوضع السيئات في كفة، فإن رجحت حسناته فاز ونجا، وأفلح فلاحا لا شقاء بعده، وإن ثقلت سيئاته فقد خاب وخسر، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] ، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ، وفي قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ .
قال: «فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله» ، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ، فرح به ويريه الناس ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يعني: في الدنيا، ظننت يعني: أيقنت أني ملاق حسابي، فاستعددت لذلك، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾
стр. 63
[الحاقة: ٢١ - ٢٤] ، الخالية يعني: الماضية في الدنيا.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] ، هذا يقول: يا ليتني ما رأيت هذا الكتاب، ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٧] ، القاضية: يعني: الموت، ليتني مت ولم آت هنا ولم أبعث ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] ، في الدنيا ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ، يعني: ليس له حجة على الله جل وعلا، ثم يقول الله - جل وعلا – للملائكة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ، إلى آخر الآيات.
هذا حال من أحوال القيامة في هذه السورة، وهو متكرر في القرآن.
стр. 64
وأؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.
وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم.
كذلك مما يكون في اليوم الآخر حوض النبي ﷺ ، وهو حوض طوله مسيرة شهر وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من يشرب منه شربة واحدة لا يظمأ بعدها أبدا، «ترد أمته عليه الحوض فيسقيهم ﷺ ، ويرد عليه أناس فيمنعون، فيقول: يا رب أصحابي، فيقال له: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك» .
فيمنعون – والعياذ بالله – من الورود إلى الحوض، وهم الذين يحدثون في الدين ويبتدعون في الدين، يمنعون من ورود الحوض.
قوله: «بعرصة القيامة» ، العرصة: هي المكان الواسع.
ومما يكون في يوم القيامة: الحساب، يحاسب الله - جل وعلا – الخلائق يوم القيامة، فالكافر يحاسب حساب تقرير، ليس حساب موازنة بين الحسنات والسيئات؛ لأنه ليس له حسنات، وإنما يقرر بأعماله الكفرية.
стр. 65
وأما المؤمنون فيحاسبون على أعمالهم؛ لأنه لهم حسنات ولهم سيئات، ومنهم من لا يحاسب، ويدخل الجنة بغير حساب؛ كما في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا وهو العرض ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٨، ٩] ، ومنهم من يناقش الحساب، يحاسب حساب مناقشة.
قال ﵀: «وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم» ، بعد هذه الأهوال كلها هناك الصراط منصوب على متن جهنم، والصراط: هو الطريق، وهو ما يسمى بالقنطرة، على متن جهنم؛ أي على وسط جهنم، يمر الخلائق كلهم على هذا الصراط، وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأحر من الجمر، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم تجري بهم أعمالهم فوق الصراط:
* فمنهم من يمر كالبرق الخاطف.
* ومنهم من يمر كالفرس الجواد.
* ومنهم من يمر كراكب الإبل.
* ومنهم من يعدو عدوا.
* ومنهم من يمشي مشيا.
* ومنهم من يزحف زحفا.
* ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم.
* وهذا مذكور في القرآن، قال تعالى:
стр. 66
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ كل الناس يردون جهنم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] ، فإذا تجاوزوا الصراط أوقفوا للقصاص، يقتص لبعضهم من بعضهم، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
стр. 67
وأؤمن بشفاعة النبي ﷺ ، وأنه أول شافع وأول مشفع.
قوله: «أؤمن بشفاعة النبي ﷺ » ، «أؤمن» معناه: أصدق وأعتقد حصول شفاعة محمد ﷺ .
و الشفاعة: مأخوذة من الشفع، وهو ما كان أكثر من واحد، فالواحد يقال له: وتر، والاثنان يقال لهما: شفع. قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ، فالشفع: هو ما كان أكثر من فرد، وأما الوتر: فهو الفرد. هذا في اللغة.
وأما في الاصطلاح، فالشفاعة: يراد بها الوساطة للمحتاج في قضاء حاجته عند من يملكها؛ لأن طالب الحاجة واحد، فإذا انضم إليه واسطة صار شفعا بعد أن كان واحدا؛ لذلك سميت الشفاعة، وبعضهم يقول: الشفاعة: هي طلب الخير للغير.
والشفاعة على قسمين:
* شفاعة عند الله.
* وشفاعة عند الخلق.
والشفاعة عند الخلق تنقسم إلى قسمين:
* شفاعة حسنة.
* وشفاعة سيئة.
قال تعالى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] ، فإذا كانت الشفاعة في تحصيل شيء مباح وشيء نافع فهي حسنة؛ كما لو شفعت بجاهك عند السلطان أو عند ولي الأمر في قضاء حاجة أخيك، فتشفع لإخوانك في
стр. 68
تحصيل مطالبهم المباحة ومصالحهم النافعة، فهذه شفاعة حسنة؛ لأنها من التعاون على البر والتقوى، «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» ، وقد قال ﷺ : «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء» ، فقوله: «اشفعوا تؤجروا» فيه بيان أن الشفاعة الحسنة فيها أجر؛ لما فيها من النفع للمحتاجين.
وأما الشفاعة السيئة: فهي الشفاعة في أمر محرم، كأن تشفع في إسقاط حد من حدود الله لمن وجب عليه أن لا يقام عليه الحد، فهذه شفاعة محرمة، وملعون من قام بها، لقوله ﷺ : «إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع» ، ولما «أراد أسامة بن زيد ﵁ أن يشفع في امرأة وجب عليها حد السرقة، وشق ذلك على قومها، فطلبوا من أسامة أن يشفع عند رسول الله ﷺ في عدم قطع يدها، فشفع أسامة وكلم الرسول ﷺ فغضب عليه غضبا شديدا، وقال: أتشفع في حد من حدود الله، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت لقطعت يدها» ، وفي الحديث: «لعن الله من آوى محدثا» ، آواه يعني: حماه من إقامة الحكم الشرعي عليه، فالشفاعة السيئة هي ما كانت في شيء محرم.
стр. 69
أما الشفاعة عند الله - جل وعلا – فهي ثابتة في القرآن وفي السنة، وذلك بأن الله يكرم بعض عباده بأن يدعو لأخيه بما يخلصه من العقاب يوم القيامة، تكريما للشافع ورحمة بالمشفوع، فهذه هي الشفاعة عند الله، وهي: أن يأذن الله - جل وعلا – لبعض أوليائه في أن يدعو الله بأن يتجاوز عمن استوجب العقوبة ويعفو عنه، وهذه ثابتة في القرآن، ولكن بشرطين:
الشرط الأول: أن تطلب الشفاعة من الله - جل وعلا – ويأذن الله بها، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، بخلاف المخلوقين، فقد يشفع الشفعاء عندهم ولو لم يأذنوا، بل ربما يكرهون ذلك، أما الله - جل وعلا – فإنه لا يشفع عند أحد إلا بإذنه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
الشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه من أهل الإيمان، ولكن عنده ما يوجب عليه العذاب لكبيرة من كبائر الذنوب ارتكبها، فهو من أهل الإيمان من أصحاب الجرائم التي دون الشرك، وأما المشرك فإن الله لا يرضى أن يشفع فيه، ولا تقبل فيه شفاعة، قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ يعني: الملائكة ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ارتضى الله قوله وعمله وهو المؤمن، أما الكافر فإن الله لا يرتضيه، فلا تنفعه الشفاعة، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
فإذا توفر الشرطان: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع فيه، فالشفاعة حق، وإذا اختل شرط فهي شفاعة مردودة، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، هذا الشرط الأول، ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ، هذا الشرط
стр. 70
الثاني، فهذه هي الشفاعة عند الله، تجوز بشرطين، فإذا توفر الشرطان فالشفاعة صحيحة ومقبولة عند الله جل وعلا، وإذا اختل شرط فهي مردودة ولا تقبل.
والناس انقسموا في أمر الشفاعة إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط:
الطرف الأول: الذي نفوا الشفاعة وهم الخوارج والمعتزلة، وقالوا: إن من استوجب النار لا بد أن يدخلها، بناء – عندهم – على أنه لا يستوجب النار إلا كافر؛ لأنهم يكفرون أصحاب الكبائر من هذه الأمة، فيقولون: لا تنفعهم الشفاعة، فمن استوجب النار لا بد أن يدخلها، ومن دخلها فإنه لا يخرج منها. هذا مذهبهم، فينفون الشفاعة التي ثبتت وتواترت بها الأدلة.
الطرف الثاني: الذين غلوا في إثبات الشفاعة، وهم القبوريون والخرافيون الذين يتعلقون بالأموات، ويطلبون منهم الشفاعة، ويدعونهم، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، وإذا قيل لهم: هذا شرك، قالوا: هذا طلب للشفاعة؛ كما قال المشركون الأولون: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ، فهم غلوا في إثبات الشفاعة حتى طلبوها من غير الله، طلبوها من الموتى والمقبورين، وطلبوها أيضا لمن لا يستحقها وهم أهل الشرك والكفر بالله .
الوسط: أهل السنة والجماعة توسطوا، كما هي عادتهم: الوسطية في كل الأمور – ولله الحمد – فلم ينفوا الشفاعة مطلقا كما نفتها الخوارج والمعتزلة، ولم يثبتوها مطلقا كما غلا في إثباتها القبوريون والخرافيون.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة؛ فمما يجري
стр. 71
في يوم القيامة: الشفاعة؛ ولهذا ساقها المصنف ﵀ في جملة ما يكون في اليوم الآخر، أنه يؤمن بكل ما يكون في اليوم الآخر، ومنه الشفاعة.
والشفاعة ستة أنواع:
منها ما هو خاص بالنبي ﷺ ، ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره من الملائكة، والأولياء والصالحين، والأطفال الأفراط الذين يشفعون.
فأما الخاص بالنبي ﷺ فهو:
الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وذلك حينما يتقدم الناس في الموقف، موقف الحشر، ويطلبون من الأنبياء أن يشفعوا لهم عند الله في أن يريحهم من الموقف؛ لأنه طال عليهم الوقوف، مع ما هم فيه من الحر والضيق وطول الوقوف، حيث يقفون خمسين ألف سنة، فيتقدمون ويطلبون من آدم ﵇ أبي البشرية أن يشفع لهم عند الله في أن يفصل بينهم ويريحهم من الموقف، فيعتذر آدم ﵇، ثم يطلبونها من نوح ﵇ أول الرسل، فيعتذر، فيطلبونها من إبراهيم ﵇ فيعتذر، ويطلبونها من موسى ﵇ فيعتذر، ويطلبونها من عيسى ﵇ فيعتذر، ثم يطلبونها من محمد ﷺ فيستعد لها، ويقول: «أنا لها، أنا لها» ، بعد ما يطلبونها من أولي العزم كلهم ويعتذرون إلا نبينا محمدا ﷺ فإنه يقبل أن يشفع لهم عند الله، فيخر ساجدا تحت العرش، فيدعو ربه ويحمده، ولا يزال كذلك حتى يقال له: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع» . فيشفع عند الله في أهل المحشر، في أن يفصل الله بينهم بحكمه، ويريحهم من الموقف،
стр. 72
ويقبل الله شفاعته، فهذا هو المقام المحمود، الذي قال الله - جل وعلا – فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ، وهو الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، إظهارا لفضله وشرفه ﷺ في هذا الموقف العظيم.
الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوها، وتفتح لهم، فهو أول من يستفتح باب الجنة ﵊؛ ولهذا قال - جل وعلا -: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] ، لا تفتح لهم أول ما يأتون، بل عطف الفتح على مجيئهم؛ لأنه لا يفتح لهم إلا بعد الشفاعة، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أما الكفار – والعياذ بالله – فمن حين يصلون إلى النار تفتح لهم أبوابها، يدفعون إليها ويدعون إليها دعا – والعياذ بالله - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] ، إلى آخر الآيات، هذه الشفاعة الثانية للرسول ﷺ والخاصة به.
الشفاعة الثالثة: أنه يشفع ﷺ لأناس من أهل الجنة في رفعة منازلهم في الجنة.
الشفاعة الرابعة: شفاعته في عمه أبي طالب، الشفاعة لا تنفع الكفار، ولكن نظرا لأن أبا طالب حمى النبي ﷺ ودافع عنه، وصبر معه على الضيق، وأحسن إلى الرسول ﷺ ، ولكنه لم يوفق للدخول في الإسلام، وعرض عليه النبي ﷺ الإسلام وحرص على أن يدخل في الإسلام، ولكنه أبى؛ لأنه يرى أنه دخوله في الإسلام فيه مسبة لدين آبائه، حيث أخذته الحمية الجاهلية لدين آبائه، وإلا فهو يعترف أن محمدا على الحق، وأن دينه هو الحق، ولكن منعته الحمية والأنفة؛ لأنه لو أسلم بزعمه لصار ذلك سبة على قومه.
стр. 73
وهو القائل:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحا بذاك مبينا
فقد منعته الملامة وحذر المسبة على قومه، ولقد جاءه الرسول ﷺ وهو في سياق الموت، «وقال له: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا عليه، وقالا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: هو على ملة عبد المطلب. ومات على ذلك، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] » ، ونزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] .
فالنبي ﷺ لا يشفع في إخراجه من النار؛ لأنه مخلد في النار، ولكن يشفع في أن يخفف عنه العذاب فقط، ويجعل في ضحضاح من نار، وفي أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، فلا يرى أن أحدا أشد منه عذابا، مع أنه أخف أهل النار عذابا.
فهذه الشفاعات خاصة بالنبي ﷺ .
الشفاعة الخامسة: مشتركة بين الرسول ﷺ وغيره من الملائكة
стр. 74
والنبيين والأولياء والصالحين وأفراط المؤمنين، وهي الشفاعة في أهل الكبائر التي دون الشرك، يشفعون لهم ألا يدخلوا النار، وإن دخلوها يشفعون لهم أن يخرجوا منها، وهذه هي التي أنكرها الخوارج والمعتزلة، وقالوا: إن من استحق دخول النار فإنه لا بد أن يدخلها، ومن دخلها فإنه لا يخرج منها.
فقوله: «أؤمن» يعني: أصدق وأعتقد «بشفاعة النبي ﷺ » الخاصة به، وكذلك يؤمن بالشفاعة المشتركة؛ لأن هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
«وأنه أول شافع» كما في الحديث، حديث الموقف، «وأول مشفع» فهناك شفعاء ولكن هو أول الشفعاء ﵊، وهو أول من يستجاب له من الشفعاء، وفي هذا رد على الذين يقولون: إن الشيخ ينكر الشفاعة.
стр. 75
ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .
وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال؛ كالخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أصحاب الكبائر، ويقولون: إنهم خالدون مخلدون في النار لا تنفعهم شفاعة الشافعين. أما أهل السنة فيثبتون الشفاعة، ولكن شفاعة النبي ﷺ وغيره من الشفعاء لا تكون إلا بشرطين، ذكرهما الله في القرآن:
الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، وليس كما يكون من ملوك الدنيا الذين يشفع عندهم الشفعاء ولو لم يأذنوا.
الشرط الثاني: أن يرضى عن المشفوع فيه، بأن يكون من أهل التوحيد، ومن أهل الإيمان، ولو كان عنده ذنوب يستوجب بها دخول النار، أو دخل بها النار، فهذا مؤمن تنفعه الشفاعة بإذن الله، أما الكافر فلا تنفعه الشفاعة، إلا ما استثني من شفاعة أبي طالب، وهذه خاصة.
следующие страницы →