← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أتابكاً في دولة الظاهر يلباي حتى خلع يلباي كما بيّنّاه لك، وتسلطن هذا في هذا اليوم، وكان منه من التصرّفات ما سنذكره، ثم كان له بعد ذلك أيضًا ما سنذكره. وكان ملكاً لائقًا، فقيهاً، فاضلًا، حفظ القرآن العظيم، ثم "منظومة النَسَفي"، وكان يستحضر الكثير من المسائل الفقهية الفرعية، وغير ذلك أيضًا، وله مشاركة جيدة في كثير من التاريخ والأدبيّات والشعر، وله جودة مذاكرة، وحُسن محاضرة، وعنده ذكاء وفهم وفطنة وتيقّظ، وعقل تام، وجودة رأي، وتدبير صائب، وسياسة وكياسة، وحُسن سمت، وتؤدة وسكون، وفصاحة لسان، عارفاً بلغة الترك والعرب، عفيف اللسان، ذا حشمة وأدب، ومحبّة لأهل العلم، مع معرفة تامّة بكثير من صنايع اليد وأعمالها، منها مهارته في عمل القوس العربية بيده، وتجويد السهام وعملها، أستاذاً في ذلك، رأساً في رمي النشّاب، لعلّه انتهت إليه الرياسة في ذلك في زمنه، ومع ذلك فكان أمّة في لعب الرمح وتعليمه وأندابه وتعاليمه، عارفاً بسائر فنون الفروسية من الضرب بالسيف، رأسًا أيضًا في معرفة الدّبّوس (١)، وتخرّج به في ذلك جماعة من الأعيان من طائفة الأتراك، وكان له خبرة ومعرفة بفنّ اللجام والمهماز والضرب به بسائر أنواعه. وكان كثير التجمّل في ملابسه ومراكبه ومأكله ومشاربه وسائر شؤونه (٢) وأحواله، يقترح في ذلك أشياء غريبة، وله مفردات انفرد بها تُنسب إليه إلى يومنا هذا. هذا جملة ما له من المحاسن. وأمّا غير ذلك فيما يُنسب إليه من المساوئ، فكان يُتّهم بالميل الكلّي إلى محبّة العبيد الحبش، ويُذكر عنه في ذلك أشياء يطول ذكرها، اللَّه أعلم بصحّتها، ولولا أشيع ذلك عنه إشاعة فاحشة، كان يمكننا (٣) عدم ذكر ذلك والسكوت عنه، لكنه فشا (٤) عنه ذلك، فإن تركنا ذِكره نُسبنا إلى الفرقة والبُغضة، وليس ذلك من شأن من يتصدّى لبيان التاريخ، ليتّزن بما يقوله الزمان وسِيَر الناس وأحوالهم، وكان يقوم أيضًا في أغراض نفسه القيام التام، مع بعض مكر وحِيَل وخديعة، وإثارة فِتَن، وتكبُّر على الناس، وشمم زائد جدًّا، لكنه زال عنه ذلك حين سلطنته، ولعلَّه كما قيل لأجل التمكّن، واللَّه أعلم.

стр. 1052

وكان كثير التعصّب لمذهب أبي حنيفة، ﵁، مع التسديد السديد الذي ما عنه مزيد، على مذهب الشافعي، نضّر ضريحه، ظنّا منه أن ذلك مما يقرّبه إلى اللَّه تعالى زُلْفَى، وما ذلك إلّا من عصبيّته وعدم دُربته، وإلّا فما لنا ولمذاهب الأئمّة الأعلام مجتهدي علماء الإسلام، ﵃ أجمعين، وجزاهم خير الجزاء في يوم الدين. ولما ترجمه بعض المؤرّخين (١) ممّن يجازف في كلامه وتعرّض فيما يقول، قال: لا نعلم في ملوك مصر من ولي تخت مصر في الدولة التركية أفضل منه، ولا أجْمَعَ للفنون والفضائل، مع علمي من ولي مصر قديماً وحديثاً من يوم افتتحها عَمرو بن العاص إلى يوم تاريخه، ولو شئت لقلتُ: ولا من بني أيوب. ثم أخذ بعد ذلك فذكر كلاماً طويلاً لا طائل تحته، ولا يصدر عن من له أدنى مسألة في معرفة نقد الناس، والوقوف على سِيَرهم وأحوالهم وأخبارهم، إما بالمشاهدة والعيان، أو بالخبر والبرهان. ورأيت هذا المسكين في غاية الجهل بمراتب الناس ومعرفة ذلك. وما لهم من المقامات الذاتية والعرضية، مع ما عرفته من ترجمتنا لتمربُغا هذا، وإيصالنا له إلى حقّه، لكنْ بحيث يصل الإنسان في الإطراء إلى مثل قول هذا القائل، فلعلّ هذا المقال يؤدّي إلى الهبال، وما جميع من ملك مصر (بعد بني أيوب) (٢) مع بني أيوب، لا سيما السلطان السعيد، الشهيد، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلّا كما قال الشاعر: نزلوا بمكة في قبائل نوفل … ونزلتُ بالبيداء أبعدَ منزلِ وكذا (مع صالح نجم الدين أيوب، ووالده الكامل محمد، بل ووالده العادل أبي (٣) بكر بن أيوب) (٤) فليس من الإنصاف، بل ولا من الدين، لا سيما لمن يدّعي أنه مع علمه بكذا وكذا، وأنه له علماً أن يقول مثل هذا المقال، اللّهمّ إلّا أن يكون به الخبال، فانظر بعين الإنصاف، وتجنّب الاعتساف. وعلى تقدير تسليم ما قاله كيف يدّعي لصاحب مدّة قصيرة لم يظهر له ثمرات في تصرّفاته، بل ونحن نعرف ما كان عليه قبل وصوله إلى ما وصل إليه، بل وآل أمره عن قريب إلى ما آل، أن ينسب إلى كونه أفضل من أولئك الملوك الأقيال، فنعوذ باللَّه من الضلال.

стр. 1053

وهذه ترجمة تمُربُغا هذا على جهة الإقتصار (١). وسيأتي في الوَفَيات في سنة وفاته إن شاء اللَّه تعالى من أحواله أيضًا. ويأتي في هذه السنة أيضًا شيء (٢) مما نُسب إليه من تصرّفاته. (ولاية جانبك قُلَقسيز إمرة سلاح وعدّة ولايات كثيرة لغيره) (٣) وفيه، في يوم الإثنين تاسعه، وهو الثالث يوم من سلطنة تمربُغا هذا، وكان مقيماً بهذه الأيام بالقصر على عادة السلاطين قبله، وكان عمل الموكب في ليلة هذا اليوم، ثم أصبح فاستقر بجانبك الأشرفي قُلَقسيز في إمرة سلاح، عِوضًا عن جانِبَك المحمودي المؤيَّدي، بحكم القبض عليه، على ما بيّنّاه. [ولاية ابن العَيني إمرة مجلس] وفيه أيضًا استقر بالشهابي أحمد بن العَيْني الأميراخور الكبير في إمرة مجلس، عِوَضًا عن جانبك قُلَقْسيز المذكور (٤). [ولاية بُرذُبك الأميراخورية الكبرى] وفيه أيضًا استقرّ السلطان بخُشداشه بُردُبك الظاهري المعروف بهجين في الأميراخورية الكبرى، نقلًا إليها من الحجوبية الكبرى، عِوضًا عن أحمد بن العَيني المذكور (٥). [ولاية خيربك الدوادارية الكبرى] وفيه أيضًا استقرّ في الدوادارية الكبرى خيربك الظاهري كبير الجُلبان الخُشقدمية، عِوضًا عن يشبُك الفقيه، بحكم اختفائه بعد كائنته (٦). [ولاية كَسْباي الدوادارية الثانية] وفيه أيضًا استقر في الدوادارية الثانية كَسْباي من وليّ الدين الظاهري، عِوَضًا عن خيربك، وهو خُشداشه، وجهّز السلطان تمربُغا على أخته. وكان كَسْباي إذ ذاك أحد العشرات (٧).

стр. 1054

وستأتي ترجمته في سنة وفاته، وهي سنة إحدى وثمانين (١) إن شاء اللَّه تعالى. [ولاية خشكلدي رأس نوبة النُوَب] وفيه أيضًا استقر خُشكلدي البَيْسَقي الظاهري في وظيفة رأس نوبة النُوَب، عِوضًا عن قايتباي، بحكم انتقاله إلى الأتابكية (٢). [نيابة الإسكندرية] وفيه أيضًا استقر في نيابة الإسكندرية قانصوه اليحياوي، الماضية ترجمته، وكان إذ ذاك أحد العشرات بمصر، ووُلّي الإسكندرية عِوضًا عن كَسْباي السمين، بعد صرفه عنها وإخراجه منها إلى ثغر دمياط بطّالاً. وقُرّر قانصوه هذا في إمرة طبلخاناة عِوضًا عن طوخ الزَّرَدْكاش، بحكم إخراجه أيضًا إلى دمياط بطّالًا (٣). (إخراج الظاهري يلباي إلى سجن الإسكندرية) (٤) وفيه في ليلة الثلاثاء عاشره، وكان بعد صلاة العشاء الأخيرة بقليل، أنزل الظاهر يلباي من البحرة من القلعة إلى ساحل النيل، ومُضي به إلى سجن ثغر الإسكندرية، وكان من خبر ذلك أنه لما حُبس بالمخبأة على ما قدّمناه، وتمّت البيعة لتمربُغا، بُعث إليه ببَرْسْباي قَرا المحمدي، رئيس نوبة النُوَب في زمننا هذا الذي نحن به، وكان إذ ذاك من العشرات، ليخرجه من المخبّاة المذكورة ويتوجّه به إلى البحرة، فتوجه إليه وأخرجه من المخبأة المذكورة، وتوجّه به من على طريق الحريم، حتى أوصله إلى البحرة، فأقام بها إلى هذه الليلة، بعد أن صودر على مالٍ كبير أُخِذ منه على ما يقال، وزال ملكه كأنه لم يكن. وكانت مدّته من يوم مبايعته بالسلطنة إلى يوم خلعه شهراً (٥) وستة وعشرين

стр. 1055

يومًا، وليس له في السلطنة مع قِصَر هذه المدّة إلّا مجرّد الاسم فقط، والحلّ والعقد والتدبير فيها لغيره، ويا ليت ذلك الغير كان غالباً برياسة وعلوّ مقامه وهمّته وكبَر صيته وشهرته، بل بشوكته مع عدم تقدّم رياسته في مملكة قبل مملكة أستاذه، وهذا هو الذي أوجب عدم الأمن والطمأنينة، وانعدام ناموس المُلك والسلطنة في دولة يلباي، بل وظهور الشرور والأنكاد، وكثرة الفِتَن والفساد وطمع الطامع في المملكة وما ذلك (١) إلّا لغلبة هؤلاء السفلة والجهلة على السلطان والأمر، وتمكّنهم من الحَجْر عليه بالكلّية، حتى انفرد عن التدبير، وأبعد عنه بآرائهم الغالبة، لقيام شوكتهم وقوّتهم في قلعتهم، ولم يُعلم قبل يلباي هذا من ملوك التُرك ممّن مسّه الرق منهم، لا سيما ممن له هذا السنّ (٢). وهو جركسيّ الجنس، له ضخامة ومهابة وحزب وأتباع. بقي في المُلك هذه المدّة القصيرة واليسيرة غيره، ولا عهد في المُدَد أقلّ منها، ومع ذلك فكانت من أعجب المُدَد وأغربها في الأحقاد والدسائس على العباد، على ما قد بيّنّاه وأسبابه. ولما ذكر الجمال ابن (٣) تغري بردي هذا الأمر (٤) وهذه القضيّة نسب العجز والتقصير للظاهر يلباي هذا فقال: وما ذاك إلّا لعدم معرفته وسوء سيرته وخفّته عن تدبير الأمور، وبثّ القضايا، وتنفيذ الأحكام وأحوال الدولة، وقلّة عقله، فإنه كان في القديم لا يعرف إلّا يلباي تلي، أي مجنون، وهذه شهرته قديمًا وحديثاً في أيام شبيبته، فما بالك به وقد شاخ وكبر سنّه، وذهل عقله، وقلّ سمعه ونظره. هذا ما قاله، وهو كلام في غاية التحامل والاعتساف وقلّة الأدب والإنصاف، بل في غاية السفالة والفسالة، وعدم معرفة الأحوال والحدْس الثاقب، على أن قائله كلان يدّعي معرفة أحوال التُرك على ما هم عليه على ما ينبغي. فليت شِعري كيف لم يكن تمربُغا مساوٍ لهذا في ذلك، حتى لما ترجمه جعله أفضل من بني أيوب. والحال إنه كان في سلطنته دون يلباي هذا، بل كانت قوّة الجُلبان فيها فوق ما كانت في سلطنة يلباي. فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، وحاشى (٥) يلباي هذا من سوء السيرة وضعف التدبير، إذ لم يُعلم عليه ذلك، وما كان إلّا برداً في سيرته محمودها، من أعيان الأغوات القرانصة قديماً، ومن أكابر الأمراء ذوي

стр. 1056

الحنكات حديثاً، ذا رأي وتدبير، ولو لم يكن من رأيه إلّا ما دبّره وتواطأ (١) مع يشبُك الفقيه وطائفة المؤيَّديّة عليه، على ما عرفته أولاً عدم مساعدة المقادير له، وإلّا فكان ذلك غاية في التدبير. وكان خيّراً، ديّناً، سليم الباطن والفطرة، حسن العقيدة والاعتقاد، عارفاً بطرائق الملوك رأى الناس، ومارس الأموال. (كان خُشداشه الظاهر خُشقدم يركن للأكراد، ويستشيره في أموره، ويأخذ رأيه) (٢)، وما لُقّب بالمجنون إلّا لشجاعته وإقدامه وقوله الحق، وعدم مداهنته، وإلّا فلو كان مجنونًا بالمعنى الذي قاله هذا المؤرّخ (٣) لما جاءت بيعته بالسلطنة، لعلم أن المراد من تلقيبه بذلك، لأجل نوع حدّة كانت في مزاجه وجرأة وإقدام، حتى شُبّه بالمجنون، بل ما قاله هذا المؤرّخ يؤدّي إلى الطعن في أهل الحلّ والعقد من الأئمة والقضاة والعلماء، بل والأمراء والجند، حيث ولّوا عليهم مجنوناً، وبالجملة فذا كلام لا على طريقة الإنصاف بل الإنصاف خلافه. على أن يلباي هذا كان هو السبب الأعظم في إخراج الوالد من القاهرة بممالأة عليه عند الظاهر خُشقَدم، لأمرٍ ما أوجب له ذلك، بعد صحبةٍ أكيدة كانت بينهما، ومع ذلك فالحق لا يضيع، وهو أولى أن يُتّبع، والإنصاف لا يترك بين أهله لأجل الغرض، لا سيما من هو بصدد كتب تواريخ الناس، بأنه ينبغي له أن يترك غرضه في مثل ذلك بمعزل، وجُلّ غرض ابن (٤) تغري بردي في ذم يلباي، كونه قطع نفقة أولاد الناس في حين سلطنته، فكان الجمال هذا من جملة من قُطعت نفقته، على أنّ قطع النفقة لم يكن مضافاً ليلباي، لا سيما على ما اعترف به الجمال هذا، وزعمه بأنه لم يكن ليلباي هذا من الأمر شيء، بل كان قطعها مضافاً إلى المؤيَّد في المملكة، وهو خيربك إذ ذاك. ثم نقل الجمال هذا حكاية ذكرها عن بَرسْباي قَرَا، لما أنْ بعث إليه بإخراجه من المخبأة، والتّوجّه به إلى البحرة كما قلناه. وتلك الحكاية إذ صحّت فما أراد بها يلباي إلّا إظهار الاستكانة، لا سيما في مثل هذا المقام الذي الغالب فيه التلف والإهلاك لا الإبقاء، لأنه القياس الغالب في مثل سلطنة يلباي هذا، لا سيما وله حزب وطائفة وشوكة، وهو من الأكابر ومن الجراكسة، فأخذ حين غلبة الظنّ بإتلافه في شيء ربّما يكون سببًا لبقاء مهجة، فما تكلّم به مما أعابه به الجمال هذا، إنما هو من الخدم وغايته التدبير، فظهر هذا للناقد البصير، ولمن له معرفة ببعض التدابير. فكم من عائبٍ قولاً صحيحاً … وآفَتُه من الفهم السقيم

стр. 1057

فيكون ذلك مما يمدح به يلباي هذا، لا مما يُذمّ به، فإنه من التدبير ومن الحِيَل النافعة في محلّها، لا من قبيل العجز الحقيقي، وهو ظاهر جدًّا. وأمّا ذهول عقل يلباي، فلم يُسمع به، ولقد رأيته مرراً قريبًا من سلطنته وكالَمْتُه، فلم يظهر لي، بل ولا لغيري، في عقله قصور ولا ذُهول، ولا ضعف بصره ولا سمعه، بل كان عاقلاً وافر العقل والمعرفة، مدبّرًا، سميعاً، بصيراً، ولا خلل في شيء من ذلك غيره، ولولا الخوف من الإطناب لذكرت نقض كل فصل فصل مما قاله الجمال هذا على حِدَة، لكن لا غرض لنا إلّا في التكلم بالإنصاف، لا سيما في مقام توريخ ما يضاف إلى الناس، سيما الملوك والسلاطين، على أن كل أحد، حتى هذا المتكلّم بما تكلّم قد اعترف بأن يلباي هذا كان محجوراً عليه في الأمور، وأنه لم يستبدّ بها، فكيف يُنسب إليه التقصير مع ذلك؟ ولما صودر يلباي هذا على ما أُخذ منه من المال، أمر بإخراجه إلى السجن في هذه الليلة، فأنزل بها احتشاماً له ومعه وتأدّباً، فلم يُنزَل نهاراً إجلالاً له، ومع ذلك فتسامع الناس بإنزاله وكانت ليلة مقمرة، حيث كانت ليلة عاشر الشهر، فهرع الكثير من الناس لرؤيته لما رأوه من الحركة والاضطراب بالخيول والسلاح، فجلسوا من باب السلسلة إلى أواخر الصليبة، بل وإلى قناطر السباع، وركب جماعة كبيرة من الجند ومعهم الرماح وآلات السلاح والسيوف المُصْلَتَة، ثم أنزل به على فرس بعمامة جلوسه، وعليه ثياب بيض، وتقدّمه قانبك المحمودي أمير سلاح وهو راكب، ومعه أوجاقيّ ردْفاً له بخنجرين في يديه اليمنى واليسرى، وذلك بخلاف العادة، لأنها جرت بأن يكون بيد الأوجاقي خنجر واحد، بقرب خاصرة الغريم، وهو حاضنه بيده الأخرى. وأما يلباي فكان بمفرده من غير رديف، كما هي عادة السلاطين حين إنزالهم في مثل هذه الكائنة، واجتيز به علينا. وكنت أنا في ذلك الوقت جالساً بمكان برأس سُويقة عبد المنعم وشاهدته وقانبك أمامه، وساروا بهما إلى ساحل النيل، فأنزلوا الظاهر يلباي بموكب أُعِدّ له، وقد جعل مسفّره قانصوه اليحياوي المولّى نيابة الثغر، فتسلّمه وانحدر به لوقته ذلك، ووصل إلى الإسكندرية فسُجن بها، ولم يزل بالسجن إلى أن مات به بعد ذلك في ليلة الإثنين مستهلّ ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين الآتية، ونذكر وفاته في تراجمها ووَفَيَاتها إن شاء اللَّه تعالى. وكان ملكاً ضخمًا، شجاعاً، متديّناً، له وجاهة في الدول، دام في السعادة مدّة من بدايته إلى يوم سلطنته، لم ير المكروه قط، إلّا في قضية إخراجه لسكندرية مع دَولات باي، وكان متموّلاً ذا ثروة، وكان لا يتكلّف في مركبه وملبسه وجماعته

стр. 1058

وسماطه، ويوصف ببخل وشح. ومن يوم سلطنته أخذ أمره في الإدبار، لعجزه بغَلَبَة الغير وحَجْرهم عليه، وكان دبّر في الأخير تدبيراً حسنًا جيّداً، لكنه لم ينتج معه، ولا صعد له ذلك بسوء تدبير يشبك الفقيه وتقاعده وتكاسله، على ما تقدم ذلك وعرفتَه. وكان حشماً، أدوباً، عاقلاً، معدَّل الدماغ، كثير السكون بأخرة، حسن السمت والملتقى، ساذجًا في أشياء، متواضعاً، لا مكر عنده ولا خداع، عفيفاً عن الأموال والفروج والمنكرات، وما قرأ (١) ولا كتب. وكان في أيام سلطنته يُعلَّم له هيئة العلامة بالقلم الرفيع على المراسيم والمناشير وغيرها، ويكتب هو عائداً على ذلك يعلّم العلامة السلطانية، كما كان يفعل الأشرف إينال، وتظهر تصرّفاته التي باختياره في مدّة سلطنته، حتى تعلم حقيقة حاله في السلطنة. والذي يظهر لي أنه لو دام في المُلك واستبدّ به، لَمَا حصل منه ضرر زائد على أحدٍ من خلق اللَّه تعالى، ولعلّه كان ينال الناس منه الخير والسلامة، فإنه كان قليل الأذى والشرّ، ذا حنكة وتجربة. ورأى من عزّ السلطنة في أيام سلطنته عمل المولد النبويّ، وولّى عدّة ولايات معظّمة، وخُطب باسمه على منابر مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ومصر، والشام. ومات وسنّه نحو الثمانين أو جاوزها. ووهِم من قال: سبعين. [كائنة غريبة بدمشق] وفيه (في ليلة الثلاثاء هذه، اتفق بدمشق كائنة غريبة ما سُمع بمثلها، وهي أن جماعة من الفلّاحين تسوّروا سور دمشق، ودخلوها ومعهم القسيّ والسهام والسيوف وكثير من الفؤوس (٢) وقصدوا باب السجن بباب البريد فكسروه ليلًا، والسجّانون يستغيثون فلا يغاثوا، وأخرجوا إنسانًا بالسجن يقال له شيخ زُرعَ (٣)، كان قد سُجن قبل ذلك، وأخذوه على حميّة وفرّوا به، وما انتطح في ذلك عَنْزان (٤).

стр. 1059

(تتمّة نفقة الجند السلطاني حتى تمامها) (١) وفيه) (٢) في يوم الثلاثاء عاشره، وهو صبيحة الليلة التي أُخرج فيها الظاهر يلباي إلى ثغر الإسكندرية، ابتُدئ بتتمّة تفرقة النفقة التي كان بدأ بها الظاهر المذكور. ثم جرى له في أثناء تفريقها، وقبل تمامها ما جرى على ما عرفته. وأمّا الظاهر تمربُغا فلم ينفق، واعتذر بأن الخزائن لا مال بها، واللَّه أعلم بذلك (٣). (الأمر بالإنفاق على أولاد الناس ثم إيقاف ذلك) (٤) وفيه -أعني هذا اليوم- خرج أمر الظاهر تمربُغا بأن يُنفق على أولاد الناس الذين كانوا مُنعوا من النفقة في دولة الظاهر يلباي، برأي من حسّن له ذلك، لا برأي نفسه. ثم بعد أن أمر تمربُغا بذلك لم يتمّمه، بل عاد إلى المنع، ويا ليته ما أمر بالإعطاء، فإن ذلك كان أنسب (٥). ويقال: إن السبب في ذلك بعض وسائط السوء. وقيل: إنّما كان باختياره هو -أعني السلطان- وهذا هو الصحيح. وأُعيب هذا على الظاهر تمربُغا هذا، حتى قيل: لو سكت عنه بعد الفراغ منه لكان الأنسب في حقّه من تناقضه، إذ لما تكلّم في إعادته ثم رجع كان ذلك ذريعة لتشنيع العامّة عليه، وتلا (٦) بعض أولاد الناس في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وكثُر القال والقيل بسبب ذلك. وفي ذلك أنشدني بعض أولاد الناس لغيره: نقضمت رأياً برأي .... كلاهما عنك صادر والعار لم تخش منه … فأنت بالعيب ظاهر [عودة أزدمر تمساح من القدس] وفيه- أعني هذا اليوم أيضًا- قدم أزدمر تمساح، الماضي خبر خروجه إلى

стр. 1060

بُردُبك، بتوجّهه إلى القدس، ففعل ما أمر به، وعاد فقدم القاهرة في هذا اليوم. [لخلعة على جماعة أمراء] وفيه في يوم الخميس، ثاني عشره، خلع السلطان على الأتابك قايتباي بنظر البيمارستان المنصوري على العادة في ذلك. وخلع معه أيضًا على خيربك الدوادار. وعلى كَسْباي الدوادار الثاني، صهر السلطان، خلع الأنظار المتعلّقة بالدوادارية الكبرى والصغرى. (تقديم جماعة أمراء) (١) وفيه قدّم السلطان ستة من الأمراء فجعلهم من مقدَّمين (٢) الألوف، وهم: لاجين اللالا (٣) الظاهري، وسودون الأفرم (٤) الظاهري الخازندار، وجانِبَك من طَطَخ (٥) الظاهري الأميراخور ثاني، وتمر من محمود (٦) شاه (٧) الوالي الظاهري، وتَنِبَك الأشرفي (٨) الرأس نوبة الثاني المعروف بالمعلّم، ومُغلباي الظاهري الخُشقَدَمي (٩)، من الجُلبان، المعروف بأُزُن سقل شادّ الشراب خاناه (١٠).

стр. 1061

[التقرير في حجوبية الحجّاب] وفيه استقرّ تَمُر بعد تقدّمه في هذا اليوم في حجوبية الحجّاب، عِوضًا عن بُردُبك هجين الظاهري، بحكم انتقاله إلى الأميراخورية الكبرى، عِوضًا عن أحمد بن العَيْني، بحكم انتقاله إلى إمرة مجلس على ما تقدّم (١). [شادّيّة الشراب خاناة] وفيه أيضًا استقرّ برقوق الناصري الظاهري جقمق (٢) شادّ الشراب خاناة، عِوضًا عن مُغلباي الماضي ذِكره، المنتقل إلى تقدمة ألف (٣). [نيابة القلعة بالقاهرة] وفيه أيضًا استقرّ تغري بردي طَطَر (٤) الشمسي الظاهري في نيابة القلعة، بعد نفي سودون البُردُبكي المؤيَّدي، المعروف بالفقيه. وتغري بردي طَطَر هذا هو حاجب الحجّاب بعصرنا هذا، وقدّمنا ترجمته فيما مر (٥). (ولاية أصباي ولاية القاهرة) (٦) وفيه أيضًا خلع السلطان على آص باي الظاهري (٧) خُشقدم، الماضي ذكره، لا سيما عند ذِكرنا كائنته مع القبليين، واستقر في ولاية القاهرة عِوضًا عن تمُر (٨).

стр. 1062

(ولاية تنبك المعلّم إمرة الحاج) (١) وفيه- أعني هذا الشهر الذي هو جماد الأول، في يوم السبت رابعٍ عشره-، خُلع على تَنِبك المعلّم الأشرفي باستقراره في إمرة الحاجّ بالمحمل، عِوضًا عن جانِبَك الإسماعيلي المعروف بكوهيه، بحكم القبض عليه أو اختفائه. وكان تَنِبَك هذا قد وُلّي إمرة الركب الأول قبل ذلك، فنُقل إلى إمرة الحاجّ بالمحمل (٢). [انتهاء تفرقة النفقة] وفيه- أعني هذا اليوم- كانت نهاية تفرقة النفقة السلطانية على الجند السلطاني وتمامها، بعد أن فُرّقت على غير الوجه المُرضي، ولا على طريق العدل والسّويّة، مع ما قُطع من نفقة الأمراء، غير من عُيّن لسفر حلب، وما قُطع من نفقة أولاد الناس والخدّام من الطواشية، وكذا ما قطع من نفقة المتعمّمين وغيرهم، وكثُر الدعاء في هذا اليوم على من كان السبب في ذلك، بل وعلى الظاهر تمربُغا أيضًا، لا سيما لما أمر بإعطاء من قُطع ثم رجع (٣). [الخلعة على ابن كاتب جلود] وفيه، بعد تمام النفقة في هذا اليوم خلع السلطان على العَلَم ابن (٤) كاتب جلود، كاتب (المماليك) (٥) وعلى ولده عبد الكريم بالتحدّث على تعلّقات الخَوَند، أخت كَسْباي زوجة السلطان، وعلى سائر جهاتها (٦). [استقرار جَكَم الظاهري في الحجوبية الثانية] وفيه استقر في الحجوبية الثانية جَكَم الظاهري (٧)، أحد أجلاب الظاهر خُشقدم، وقريب الأتابك قاينباي، عِوضًا عن قانِبَك السيفي (٨) يشبُك بن أزدمر،

стр. 1063

بحكم استعفائه عن الإمرة والوظيفة، لعجزه وضعف حركته. وستأتي ترجمة كلٍ من قانبك هذا وجَكَم أيضًا في محلّهما إن شاء اللَّه تعالى (١). [ولاية دَولات باي الرأس نوبة الثانية] وفيه، في يوم الإثنين، سادس عشره، استقر دَولات باي الأشرفي المعروف بحمام (٢)، أحد العشرات، في وظيفة الرأس نوبة الثانية، على ما بيده من إمرة العشرة، وذلك عِوضًا عن تنبك المعلّم المنتقل إلى تقدمة ألف كما تقدّم. وكانت العادة أن يكون الرأس نوبة الثاني من أمراء الطبلخاناة لكنْ رُشّح لها (٣). [استقرار برسباي قرا في الخازندارية] وفيه استقر بَرْسْباي قَرا المحمّدي الظاهري، أحد العشرات، ورؤوس (٤) النُوَب، وشادّ الشُوَن، في الخازندارية، عِوضًا عن سودون الأفرم، الماضي خبر تقدّمه (٥). (ترجمة بَرسْباي قَرا) (٦) ٣٧٠ - وبَرسباي (٧) هذا هو رأس نوبة النُوَب بعصرنا هذا، كان من الخاصكية في أواخر دولة أستاذه الظاهر جقمق، ودام كذلك مدّة من الزمان لا يؤبه إليه، ولا يُعوَّل عليه في عدّة من الدول، حتى تسلطن الظاهر خُشقدم فأمّره عشرة، ثم صيّره من رؤوس النُوَب، ثم ولّاه شادّية الأهراء السلطاني التي يقال لها الشُوَن، ودام على ذلك مدّة سلطنة خُشقدم، وهو الذي كان السبب في راتب العليق للوالد،

стр. 1064

في أيام شادّيته، وكان يقول للوالد: "أبي"، ويتردّد إليه، ويتقاضى أشغاله، ومهمّاته عند السلطان وغيره. ولما تسلطن يلباي ثم خُلع كان هو المتولّي لإخراجه من مخبأة القصر، والتوجّه به إلى البَحْرة، على ما قد بيّنّا ذلك، وكان أحد المعلّمين الرمّاحة في دولة خُشقدم في المحمل، ووُلّي الخازندارية بعد ذلك في هذا اليوم، كما ذكرناه، ودام عليها مدّة، إلى صدرٍ من سلطنة خُشداشه الأشرف قايتباي، على ما سيأتي، حتّى نقله منها إلى تقدمة ألف، وقرّر في الخازندارية عِوضه أُزبَك اليُوسُفي، المعروف بناظر خاص، أحد مقدَّمين (١) الألوف بعصرنا الآن، الماضي ذكره، وخرج في إحدى نوبات شاه سوار صحبة يشبُك من مهدي. ثم استقر به الأشرف قايتباي في الحجوبية الكبرى، بعد موت تمر الوالي، فباشرها مدّة، حتى خرج من نوبة باينْدَر صحبة يشبك الدوادار أيضًا، وأُسر في تلك الكائنة، ودام مدّةً في أسر التركمان، ولم يظهر خبره بعد أن أُرجف بموته بالقاهرة، وأُيس منه، ومع ذلك فما أخرج السلطان وظيفته. واتفق أن حضر وعاد إلى القاهرة. ولما نقل السلطان الأمير تمراز الأشرفي إلى إمرة سلاح، عِوَضًا عن يشبُك الدوادار، قرّر بَرسْباي هذا في رأس نَوبة النُوَب، فباشرها على بَونٍ عظيم من مباشرة تمراز لها، على ما تقدّم لك وصْف مباشرة تمراز إياها. وأول ما بدأ (٢) في حكمه بأهل الشيخونية، بواسطة نظره عليها، فتسلّط على كثيرٍ منهم بالأذى والتشويش البالغ، زعماً منه بأن ذلك من العدل والإنصاف، وكثُر الدعاء عليه بسبب ذلك، لا سيما حين بعث بتسمير أبواب خلواتها الجميع، من غير سؤالٍ عن علمائها ومشايخها وطلبتها، وذكر أنه فعل ذلك ليميّزها، ولم يميّز شيئًا، ولا أصاب فيما فعل، بل من فعل ذلك من أجله لم ينله أذى ولا شيء (٣) من الضرر، وما نال الضرر إلّا من هو من أهل العلم والخير والاستحقاق وقاطني المدروسة من المتردّدين في غيرهم، فأجلاهم عن مساكنهم، وأضرّ ذلك بحال الكثير منهم، بل وكان سبباً لحصول المرض لبعضهم من تشنططه (٤) عن مأواه، وتأثير البدر فيه، ومنهم: الشيخ العالم الفاضل عبد الحميد، ودام مرضه عقيب ذلك متسلسلاً به حتى مات، وكدّر صفو الكثير منهم، لا سيما، وكان ما فعله في أيام عيد الفِطر،

стр. 1065

التي هي أيام السرور والفرح، وما أصاب حتى ولا في جُزئيّة من الجزئيّات. وتوجّهت أنا إليه في أثناء تلك الحركة، بل وواجهتُه بكلمات فيها النصيحة له إنْ عَرَفها. وقلت له: إن البلاء قد عمّ وزاد الفساد، وما تزعم أنك تفتّش عليه فأصله منكم، وما بقي يرفع هذا الفساد المستحكم إلّا السيد المسيح عيسى ابن مريم وكلّمته (١) بكلماتٍ كثيرة من نحو ذلك، حتى استشاط غضباً. ثم إنه تردّد بنفسه إلى الخانقاه غير ما مرة، وحضر حضورها مرة بعد أخرى، بل مراراً، وأحضر كاتب غيبتها إلى داره، وبهدله بالضرب بين يديه على رِجليه ظلماً وعدواناً، إذ لو كتب على من له الجاه يسعى إلى إمثاله من الأمراء فيبطل ذلك، سواء كان جاهلًا أو عالماً. وأمّا الفقراء من ذوي العلم وغيرهم ممن لا جاه له، فالكتابة لا تنقطع عنهم. ثم سأل عن دروسها، وحضر بعضها في أيام الدروس، وصار يحرّض على كتابة غيبتها وغيبة الحضور، وما أتى بنتيجة نافعة، وعرض خزانة كُتُبها، وحمل إلى داره الكثير من ذلك، ذكر أنه يطالعها، فأذهب عدّة منها في الكائنة التي جرت عليه من الجُلبان، كما سنذكرها، وأخذ منها المصحف الذي بها بخط ياقوت (٢)، وقد شرط الواقف أن لا يُخرج منها، وهو عنده إلى يومنا هذا، هذا مع دعواه بأنه يعمل فيها بشرط الواقف، بل فعل بها أشياء عديدة لا تقرب من شرط الواقف، فضلاً عن أن تكون على شرطه، منها أخْذَه معلومه عن مدة سنين آتية مستقبَلَة. ومنها أنه اشترك في وظيفة من وظائف السادة الحنفية بين اثنين، وغير ذلك من أشياء أُخَر، وصار يقول: لا أمضي البُذول، ثم أمضى عدّة نُزُولات برشا أعلى على ذلك.

стр. 1066

حتى بلغني ممن أثق به أنه أخذ في إمضاء نُزوله بها وبالصِرْغَتْمَشيّة أربعون ديناراً، وما أظنّ هذا وقع لناظر قبله من يوم بُنيت الخانقاه وإلى أيامه، ثم أخذ نقباء داره والرُسُل في التسلّط على جماعة من الخدّام بالخانقاه المذكورة ومؤذّنيها، بل وبعض صوفيّتها (١)، وأقام شادّاً من مماليكه قرّره في الشاديّة، وهي بيد إنسان من الأغوات بمستند شرعي، وصار هذا الشادّ يتسلّط على الفرّاشين والمؤذّنين والوقّادين ونحوهم، وجَلت له البواطيل والرشا (٢) من كثير من خَدَمها، بل وبعض صوفيّتها (٣)، فزاد ابتهالهم إلى اللَّه تعالى بالدعاء عليه وعلى أستاذه بسبب ذلك، حتى جرى عليه المصيبة العظمى والداهية الطّمّاء التي تكاد أنها لم تقع لأحدٍ قبله، على الوجه الذي وقعت له، بل ولعلّها لا تقع لأحد بعده، من ثوران جُلبان الأشرف قايتباي، وقيامهم عليه حزباً واحداً، لقضيةٍ اتفقت له مع بعضهم، سنبيّنها في سنة وقوعها بأتمّ من هذا إن شاء اللَّه تعالى، في الكثير مما ذكرناه أيضًا في محالّه، فيما يأتي، وقصدوا داره، ولو وجدوه بها ودخلوها في تلك الكائنة والنائرة لقتلوه أصلاً ورأساً، ولما لم يظفروا به أخذوا في الهجوم على داره، وكان قد أحسّ بشيء من ذلك، فأخرج حريمه منها، ووزعّ الكثير من تعلّقاته وما يخاف عليه، واختفى بنفسه، وأغلق مماليكه بابه، وحاربوا الجُلبان أعلى الباب، فزاد ثوران الجُلبان، وتحزّبوا في ذلك اليوم، حتى عظُمت البليّة والفتنة، ولبسوا لأمة الحرب والقتال، وتعطّلت أحوال الكثير من الناس في ذلك اليوم، ثم أخذوا في توسيع الحيلة لأخذ داره والهجوم عليها، فأحضروا النيران ليحرقوا بابه، فلم يتمكّنوا من ذلك، فأضرموا النار بمكانٍ خلف المدرسة تجاه المدرسة الأبوبكرية، وكان به تبن كثير ودرس (٤)، فتعدّى الحريق إلى المدرسة وإلى كثير من الدُور من تلك الجهة، ثم أحرقوا مواضع من جهة بابه أيضًا، وتعلّقت النار بما يقرب من داره، وما بِتجاهها من الرَيْع وديار الخلق، ثم أخذوا في نهبها، بل نهبوا ديار ذلك الخط بأسره، وهجموا على الكثير من ذلك، وهُتكت من ذلك حريم المسلمين، وأخذت أموالهم بواسطة شؤمه، ونهبوا المدرسة الفخرية التي إلى جانب داره التي جدّدها الجمال يوسف بن كاتب جكم ناظر الخاص، وجرى عليه وعلى كثير من خلق اللَّه تعالى ما لا خير فيه، وربّما قُتل في هذه الكائنة بعض، وجُرح الكثير من مماليك بَرْسْباي هذا. وثارت فتنة كادت أن تكون سبباً لأمور كثيرة، حتى كادت تتعدّى إلى المُلك والملِك، بل كادت الجُلبان أن تخرج عن

стр. 1067

طاعة السلطان. وركب الأتابك أُزْبَك بداره وجميع الأمراء بأسرهم من القرانصة وجميع العسكر. وزاد الحال في ذلك اليوم وما خلّص إلّا اللَّه. واختفى هو بنفسه مدِّة، وما نجا وخلص من تلك الكائنة إلّا بعد اللُتيّا والتي، ثم أرجف بأنه يُبْعث به إلى القدس بطّالاً لأجل إرضاء الجُلبان وكسر النائرة، ثم أرجف أيضًا بأنه لا بدّ من فتْك الجُلبان به إذا ظهر، ثم آل الأمر بعد ذلك إلى ظهوره بعد تسكين السلطان الجُلبان وتحليفهم، وأُلبس خلعة، ونزل إلى داره على ما هو عليه، و [لم] يَزْدَد (١) إلَّا تعنُّتاً. وكل ذلك مع إظهاره الديانة والتصولح، والتصوّف، والتصوّن، والتعفّف ومحبّة أهل العلم، مع تهجّد في الليل وتعبّد، وميل لمحبّة الفقراء والصالحين، وحُسن تؤدة وتواضع، ومعرفة بالفروسية. وهو رأس في الرمح وتعليمه، مع طمعٍ وشَرَه زائد في الأموال، واللَّه تعالى يُصلحنا وإيّاه ويُلهمنا رشدنا. وما ذكرناه هاهنا إنما هو على جهة الاستطراد، لأجل ترجمة بَرسباي هذا، وإن كان أكثر ما ذكرناه وقع فيما بعد هذا التاريخ من السنين على ما سيأتي تفاصيله في محالّه موضوحاً (٢). إن شاء اللَّه تعالى. (ولاية فارس الزَرَدْكاشية) (٣) وفيه- أعني هذا اليوم أيضًا- استقر فارس السيفي دَولات باي (٤)، أحد الأمراء العشرات في وظيفة الزَّرَدْكاشية الكبرى، عِوضًا عن طوخ الأبوبكري المؤيَّدي (٥)، ووُلّيها على إمريّة العشرة من غير زيادة، والعادة أن يليها الطبْلخاناة (٦). (قدوم قرقماس الجلب من السجن) (٧) وفيه- أعني هذا اليوم في آخره- وصل قُرقماس الجَلَب أمير سلاح كان من

стр. 1068

سجن ثغر الإسكندرية هو ورفيقاه (١)، أرغون شاه، وقَلَمطاي، وقد أُخرجوا من السجن، وأُدخل من كان سَجَنهم إليه، وعُدّ ذلك من الغرائب، فإنه لما حمل يلباي الظاهر إلى سجن الإسكندرية، فيوم إدخاله صادف يوم إخراج هؤلاء، وباتوا بالميدان الناصري، حيث وصلوا من الثغر ليتهيّأوا منه للطلوع إلى القلعة، على ما سنذكره (٢). (إخراج يشبُك الفقيه إلى القدس) (٣) وفيه أُخرج يشبُك الفقيه إلى القدس بطّالًا (٤). (الزلزلة الكائنة في القاهرة) (٥) وفيه، في ليلة الثلاثاء سابع عشره، زُلزلت القاهرة زلزلة لطيفة، وسقط بها بعض أماكن قليلة كانت عتيقة البناء (٦). [طلوع قرقماس الجلب إلى السلطان بالقلعة] وفيه- في يوم الثلاثاء هذا- بكّر قرقماس الجَلَب ومن معه بالطلوع إلى القلعة للسلطان، ولما تمثَّل قرقماس بين يدي الظاهر تمربُغا أجَلّه وعظّمه، وقام له فالتزمه، ثم رفع من محلّه بأن أجلسه على يسرته، وجلس أميرسلاح المتولّي إلى حذائه، وقرقماس مرتفع عليه، ثم أنِس به السلطان وبرفيقه، وخلع عليه كامليّة هائلة، ونزل إلى داره، وهرع الناس للسلام عليه، وكذا رفيقيه. [إقطاع أنفار] وفيه- أعني هذا اليوم- أقطع السلطان نحواً من سبعين نفرًا من الجند سبعين إقطاعًا، وخرجت المثالات لهم بذلك على ما جرت به العادة عند تبدّل الدول وتغيّرها في أوائلها (٧).

стр. 1069

[نفي أمراء من المؤيَّديّة إلى البلاد الشامية] وفيه، في يوم الأربعاء ثامن عشره، أُخرج من الأمراء المؤيَّديّة خمسة أنفار منفيّين إلى البلاد الشامية، وهم: سودون الفقيه، وجقمق، وجانَم كَسبا، وقانِباي ميق، وجانبك البوّاب، وأُخرج معهم شخص من الجند أيضًا من المؤيّديّة يقال له خُشكلدي قرا لا ذنْب له، وليس ممن له شهرة زائدة حتى يُفعل معه ذلك، بل لعلّه إنّما فُعل به ذلك مندوحة لأخذ ما بيده من الإقطاع، فإن إقطاعه كان إقطاعاً هائلاً ثقيلاً (١). [الشفاعة في جماعة من المؤيَّديّة] وفيه شُفع في جماعة من المؤيَّديّة، وهم: تَنَم الفقيه، وجانِبَك الزيني، وطوغان مِيق، ودَولات باي الأبوبكري، وكان الشافع فيهم: الأتابك قايتباي، بل وغيره، فبقوا بمصر، وكانوا من الأمراء المؤيَّديّة، وبقي من الجند منهم أيضًا نحو العشرين نفرًا ممّن لا يؤبه إليهم ولا يُلتفت (٢). [تأمير جماعة من الجند] وفيه، في يوم الخميس تاسع عشره، أمّر السلطان جماعة نحو العشرين نفرًا خلعهم أمراء عشرات، وهم من أربع طوائف من الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار، والعامرية الكبار وكذا الصغار، بل وأمّر آخرين من السيفية (٣). [قدوم أميرين من ثغر دمياط] وفيه- أعني هذا اليوم- وصل إلى القاهرة دَولات باي النجمي، وتمراز الشمسي، وكانا بثغر دمياط. وقد تقدّم خبر البعث بقدومهما وأن يحضرا إلى القاهرة، فلما حضرا طلعا إلى السلطان في يوم السبت حادي عشرينه فأكرمهما وأنِس إليهما، ووعدهما بكل جميل (٤). [الإشاعة بالفتنة] وفيه- أعني يوم السبت هذا- أشيع بالقاهرة بإثارة فتنة وركوب على

стр. 1070

السلطان، ولم يذكر أحد يُنسَب إليه الركوب من الأمراء، بل أشيع ركوب الأمراء إجمالاً وإثارة فتنة لا على جهة التفصيل. ثم كان ما سنذكره (١). (الإشاعة بموت جهان شاه) (٢) وفيه أيضًا أشيع بالقاهرة موت جهان شاه شاه بن قَرَا يوسف صاحب أَذَرْبَيْجان والعراقين. وفشت هذه الإشاعة! وكان من ذلك ما سنذكره (٣). (ولاية أرغون شاه نيابة غزّة) (٤) وفيه، في يوم الثلاثاء رابع عشرينه، استقر أرغون شاه الأشرفي في نيابة غزّة، عِوضًا عن دمرداش العثماني بعد صرفه عنها قبل أن يدخلها ويحكمها (٥). [شهر جمادى الآخرة] وفيها- أعني هذه السنة- كان مستَهلّ جمادى الآخرة بالإثنين، ووافق ذلك أول طوبة من شهور القبط. [التهنئة بالشهر] وفيه- أعني هذا الشهر، في هذا اليوم- طلع القضاة ومن له عادة بالتهنئة بالشهر إلى القلعة وهنّأوا (٦) السلطان (٧). (جلوس السلطان للحكم بالإسطبل في يومي السبت والثلاثاء) (٨) وفيه، في يوم الثلاثاء ثانيه، نودي بالقاهرة من قِبَل السلطان بأن الحكم بين الناس بالإسطبل في يومي الثلاثاء والسبت، وأن من له ظلامة أو نحو ذلك فلْيَحضر في ذي اليومين. فإن السلطان يجلس لذلك بالإسطبل، ثم أخذ في جلوسه به في

стр. 1071

اليومين المذكورين، وحصل به بعض نفع للناس، وتوصّل إليه الكثير ممّن له مظلمة ونحوها، وحُمدت أحكامه فيه وشُكرت، وكثُر الدعاء له (١). [ولاية خيربك نظر خانقاه سعيد السعداء] وفيه، في يوم الخميس رابعه، استقر خيربك الظاهري الدوادار في نظر خانقاه سعيد السعداء والخانقاه السرياقوسية. ونظر قبّة الصالح، عوضًا عن الشهاب أحمد بن العَيَني (٢). (وصول رأس جهان شاه إلى القاهرة) (٣) وفيه قدم القاهرة قاصد حسن بن قرايُلُك صاحب دياربكر، وعلى يده مكاتبة مرسِله، وصحبته رأس جهان شاه بن قرا يوسف ملك العراقين وتبريز وما والاهما من المشرق، ومعه فرسه وجوشنه، وقد بعث بهم (٤) حسن المذكور، كأنه يُظهر الخدمة لملك مصر، وما قصْده بذلك في الحقيقة إلّا تعظيم نفسه، وأنه صار ممن يُختَشَى منه. وكان من خير حسن هذا مع جهان شاه هذا أن جهان شاه قصده في جمع وافر لحربه، ووقع بينهما مراسلات وأمور يطول الشرح في ذكرها. وآل الأمر بأخرة أن رحل جهان شاه بعساكره، وتقدّم العسكر عنه، ثم بقي هو في جمع يسير بمكانٍ بات به مشتغلاً فيه بالشرب حتى سكر على ما يقال، منفرداً عن عساكره، وقد تقدّمت عليه، فجاء من أخبر حسن بذلك، فبدر بأن (جهّز إليه ولده محمد مع عذة من عسكره، ثم أعقبه بنفسه و) (٥) توخه إليه قاصده على غرّة في جمع من عساكره وهو غافل، ولا يمرّ بوهمه ذلك، ولا خطر بباله، فكان من أمرهما ما آل إلى قطع رأس جهان شاه المذكور، واختُلف (٦) في كيفية ذلك على أنحاء مختلفة، لا حاجة لنا بالتطويل بذكرها، لا سيما وما تحرّر لنا منها ما صحّ حتى نثبته، وعسانا نشير إلى شيء من ذلك في ترجمة جهان شاه إن شاء (٧) اللّه تعالى. ثم بعث برأسه إلى القاهرة، فوصلت في هذا اليوم، فحُملت إلى باب زويلة فعُلّقت

стр. 1072

بها أياماً، وطيف بفرسه على هيئته بشوارع القاهرة، وكان ذلك كله قبل أن يحسّ من حسّ بالتهكّم على مصر ومعاداتهم وظهر لهم أن ما فعله حسن هذا خدمة لهم، وما كان منه إلّا من نوع التخويف لهم وإظهار شأنه، وتعاليه عليهم، على ما عُرف بعد ذلك، على ما سنُبَيّنه في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. ثم كان من أمر حسن هذا أن أخذ جميع بلاد جهان شاه ومَلَك العراقين وتبريز، وضخم أمره جدًّا وعظُم، ثم أخذ في الاستطالة على المصريّين على ما سيأتي، وما كان منه وله (١). [سفر أرغون شاه إلى نيابته بغزّة] وفيه- أعني هذا اليوم- سافر أرغون شاه نائب غزّة إلى محلّ نيابته منها بعد أن طلّب، وخرج من الرملة، وقد عُملت الخدمة السلطانية بالقصر، وجلس السلطان لرؤية الطُلْب بالشبّاك الكبير المطلّ على الرُميلة على عادته في ذلك، وخرج أرغون شاه المذكور بأُبّهة. [ثورة رياح هائلة] وفيه ثارت رياح عظيمة هائلة إلى الغاية، حتى بقي يشاع أن ذلك لأجل دخول رأس جهان شاه لمصر. هكذا قاله العوام ونحوهم (٢). [خروج قرقماس الجَلَب إلى دمياط] وفيه، في يوم السبت سادسه، خرج قرقماس الجَلَب إلى ثغر دمياط ليقيم به، بعد أن أقطعه السلطان قبل سفره نصف قرية العلاقمة، وكان هو الذي سأل في توجهه إلى ثغر دمياط، بعد أن وعد بأنه يُرقّى إلى ما كان وزيادة، فأبى إلّا (٣) الراحة والخروج إلى ثغر دمياط باختياره، وأراد من ذلك فراره من الفِتن، ولقد أصاب، ثم كان له ما سنذكره (٤). (ولاية بُردُبَك البجمقدار نيابة حلب) (٥) وفيه، في يوم الإثنين ثامنه، عيّن السلطان أزدمر الظاهري، المعروف

стр. 1073

بتمساح، الماضي ذِكره بتوجّهه إلى القدس حاملاً تقليد بُردُبَك البَجْمَقْدار (١)، وتشريفه باستقراره في نيابة حلب، عِوضًا عن يشبُك البجاسي، الماضي ذِكره في محلّه، وذلك بعد صرف يشبُك المذكور عن نيابة حلب، وخروج الأمر بحمله إلى قلعة دمشق ليُسجن بها، وخلع على أزدمر تمساح المذكور بذلك خلعة. وكان أزدمر هذا هو الذي توجّه به إلى القدس قبل ذلك على ما قدّمناه وقدّمنا ترجمة أزدمر أيضًا (٢). [حبس يشبُك البجاسي بقلعة دمشق] وفيه (٣)، في يوم الخميس، حادي عشره، عيّن السلطان أزدمر الإبراهيمي، المعروف بالطويل الذي تقدّم خبر مرجعه من دمشق، بأن يتوجّه إلى حلب بمرسوم سلطاني على يده، يتوجّه يشبُك البجاسي إلى القدس بطّالاً. ثم آل أمره إلى ما قدّمناه من حبسه بقلعة دمشق (٤). وأزدمر الطويل هذا هو الذي وُلّي بعد ذلك حجوبية الحجّاب، وآل به الأمر إلى أن نُقل على ما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم، وعلى ما سيأتي في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. وأمّا ترجمته فستأتي في سنة خمس وثمانين. [حنق السلطان من دخول سودون البرقي إلى خانقاه سرياقوس] وفيه، في يوم السبت، ثالث عشره، ورد الخبر بوصول سودون البرقي (٥)، الشمسي، الظاهري، أحد مقدَّمين (٦) الألوف بدمشق إلى خانقاه سرياقوس. ولما بلغ السلطان ذلك حنق من ذلك وتغيّظ وقامت قيامته، ومنع سودون هذا من دخوله إلى القاهرة، وأرسل إليه بكامليّة سمّور، وسَرج ذهب، وكنبوش زركش، على مركوب خاص من خيول السلطان وأمره بالعود، فعاد (٧).

стр. 1074

[الخبر بقصد حسن بن قرايُلُك قتال شاه سوار] وفيه في يوم الجمعة، تاسع عشره، ورد الخبر من نائب البيرة ومن نائب حلب أيضًا على السلطان، بأن حسن بن قرايُلُك، قصد دخول البلاد السلطانية لقتال شاه سوار، وهو يُظْهر بأنه يقصد السلطان ويخدمه بذلك، ثم ذكرا بأن هذا ربّما أدّى إلى فساد أو غدر من حَسَن، فحصل عند السلطان بذلك باعث شديد (١). (كائنة القاضي خروف) (٢) ٣٧١ - وفيه، في يوم السبت، عشرينه، كائنة القاضي تقيّ الدين أبي (٣) بكر بن علي بن () (٤) الحلبي، الحنفي، المعروف بابن الطيوري، وبخَروف أيضًا، أحد نواب الحكم، وأخِصّاء الشهاب أحمد بن العَيني، وهو أن السلطان طلبه للإسطبل في أول جلوسه به في هذا اليوم، ولما أُحضر به أمر به، فبُطح على الأرض، وضرب ضرباً مبرحاً. قالوا: إن ذلك بقُبح ما يُذكر عنه من سيرته، ثم جُعل الحديد في عنقه بسلسلة، وأمر به إلى منزل القاضي المالكي، وهو يومئذٍ الحسام بن حريز (٥) ليدّعي بأمور تُذكر عنه، منها ما يقتضي تكفيره. ثم لم يزل في السلسلة إلى يوم الأحد حادي عشرينه، فأُحضر إلى منزل الزين بن مُزْهر كاتب السرّ، وأخرج محضراً قد اكتُتب عليه، يتضمّن عظائم مهولة، قد ذُكرت فيه عنه، وشهد به جمع جمّ من المسلمين، فلم يدّع عليه بشيء مما كتب بذلك المحضر، سوى أنه يصلّي بغير وضوء، ويقع في حق الكثير من العلماء والأعيان. وكانت الدعوى عليه عند القاضي بدر الدين بن القطّان (٦) أحد نواب الحكم الشافعي، وثبت عنده ذلك، فحكم بتعزيره بأنْ ضربه ثلاثين شوطاً، ثم قطع كُمّيه، وأمر به

стр. 1075

فشُهّر بالقاهرة مع المناداة عليه وهو مكشوف الرأس، وكان ما فعل به من اللُطْف في حقّه، حتى سكت عنه السلطان وغيره، وإلّا كان حاله لا يؤول (١) إلى خير. ثم أمر به بعد إشهاره بأن يُحبس، ثم أمر السلطان بإخراجه بعد ذلك بتسفيره إلى بلده حلب، فدخل إليها على أسوأ (٢) حال وأقبحه. وما قدر الشهاب أحمد بن العيني أن يفيد في حقّه بشيء ولا يُبدي. ولم يكن ما فُعِل به أرضى الكثير من الناس، بل كانوا يودّون ضرب عنقه، أو معاملته بالتعزير، على مقتَضَى ما ذُكر عنه من الجرائم بذلك المحضر المكتتب عليه، لبُغض الناس فيه، بسبب تحشّره في ابن (٣) العَيني، والتكلّم عنده فيما لا يعنيه، وذمّ الكثير من الناس، إلى غير ذلك من أشياء تفيض بغضة. ولم يزل منفيّا حتى قدم القاهرة بعد ذلك، وهو مقيم بها إلى يومنا هذا، ساكن بخط بولاق. وهو ممن ولد بحلب في سنة (ثلاثين) (٤) وثمانمائة، وبها نشأ (٥). وكان والده تاجراً بها يلعب بالحمام، ولهذا قيل له الطيوري، ونشأ ولده هذا فقرأ القرآن العظيم وشيئاً، واشتغل سراً (؟)، وقدم القاهرة، وآل أمره أنْ وُلّي نيابة الحكم بها في أيام قضاء ابن (٦) الشِحنة، بعناية الشهابي أحمد بن العَيْني، ويذكر عنه أنه يؤرّخ، وأنه صنّف في التاريخ أشياء، وما وقفت على شيء من ذلك. ويُذكر بكرم النفس، ولا علم عندي بشيء من أحواله غير ما ذكرت (٧). (ذِكر نُبَذ (٨) الغلاء الكائن من سلطنة قايتباي ودوامه) (٩) وفيه- أعني هذا الشهر، بل وقبله- زادت الأسعار، وغلت الغِلال، وارتفع سعر القمح إلى خمسمائة الإردبّ، واستغاث الناس من الغلاء. فأمر السلطان في يوم الإثنين تاسع عشرينه بفتح شُونة من شُوَنه، وأبيع القمح منها بسعر ثلاثمائة الإردبّ، بعد أن نادى من قِبَله بالشوارع بهذا السعر، وحصل بذلك بعض رفق

стр. 1076

للناس. ثم بعد مدّة عاد الحال، لما كان عليه. ورجع السعر إلى الإرتفاع، ودام الغلاء عدّة سنين، وزاد ارتفاع السعر أيضًا، على ما سنذكر ذلك إن شاء اللَّه تعالى (١). [الإشاعة بقصد خيربك الوثوب على السلطنة] وفيه، في هذه الأيام، كثُرت الإشاعة بين الناس، بأن خيربك الدوادار في قصده الوثوب على الأمر، وأنه يروم ذلك لنفسه، لكثرة حزبه وأنصاره وخُشداشيه من مماليك أستاذه، ولكون القلعة في يده، وأن في ضميره الوثوب على السلطان وعلى الأتابك قايتباي، والقبض عليهما، وأنه في ترقّب طلوع قايتباي في ليالي الموكب، وأن الأمر في ذلك قديم بينه وبين الطائفة من جنس الجراكسة، الذين يقال لهم الأبازا، من الظاهرية الخُشقدمية، ووقع القال والقيل الكثير في مثل هذا وأشباهه، وأن طائفة الجراكسة أيضًا من الظاهرية الذين هم جنوس كَسباي الدوادار الثاني، وصهر السلطان مائلة إلى كَسْباي، وليس لهم قصد في موافقة خيربك على ما أضمره، وقويت هذه الإشاعة في أواخر هذا الشهر، بحيث لما بلغ ذلك الأتابك قايتباي امتنع من الطلوع إلى الخدم في غالب الأوقات، وأخذ حذره، ولم يطلع في وقت الجمعة ولا في ليالي المواكب، وصار يعتذر بأعذار، وتارة يتوجّه إلى رَبْع خيله، وتارة يتمارض، إلى غير ذلك من أشياء يتعلّل بها عن طلوعه. ويقال إنه أعلم السلطان بذلك، وأنه تواصى هو وإيّاه على عدم طلوعه، ووافقه على ذلك. ويقال إنه كان يفهم عنه ذلك بالحَدَس، فلذلك كان لا يجبره على الطلوع، بل كان هو أيضًا يخشى على نفسه من هذه الإشاعة، ولكن لِما يبلغه ذلك، ويفهمه البعض عنه يأخذون في تسكين بابه والمسكّنون عنه ذلك كانوا ممن لهم غَرَض مع خيربك ومَيل إليه. وكان كَسْباي صهره يقوّي جأشه ويقول له: ما دمت موجوداً لا يمكن تحرّك طائفتنا الظاهرية ظنًّا منه بأن خير بك لا يجسُر على مخالفته هان كان في نفسه شيء (٢) وأنه لا يفعله بغير إذن كَسْباي هذا. ولم يزل هذا القيل والقال إلى أن كان من ذلك ما سنذكره (٣).

стр. 1077

[شهر رجب] [التهنئة بالشهر] وفيها استهلّ رجب بالأربعاء بتمام العدد، وطلع القضاة ومن له عادة بالطلوع إلى القلعة للتهنئة وهنّأوا (١) السلطان بالشهر، وكان هذا آخر شهر هُنّيء به هذا السلطان، فإنه خُلع في يوم سادسه بعد ذلك على ما سنذكره. [توجُّه قايتباي إلى مربط جِماله] وفيه التمس الأتابك قايتباي من السلطان أن يأذن له في التوجّه إلى مربط جِماله على الغربي، ليتفقّدها ويبعُد عن الشرّ أيضًا، وما يشاع في هذه الأيام، فأذِن له في ذلك. وكانت جِماله في بعض مرابع قُرى القليوبية، فخرج وغاب مدّة أيام، وكانت المندوحة في خروجه كثرة اختشائه من الإشاعة التي قدّمنا ذِكرها. ثم كان بعد ذلك ما سنذكره قريبًا (٢). [الخشية من فتنة الجُلبان من حزب خيربك] وفيه، في يوم الجمعة، ثالثه، كادت أن تقوم الفتنة من الجُلبان من حزب خيربك، فإنهم كانوا تواصوا على ذلك والتفّوا عليه، وهم في ضمير سوء، ولكنهم مستشرفون، ويتطلّعون إلى حجّة بأدنى مناسبة تكون مندوحةً لما قصدوه. وكان في يوم الخميس، قبل هذا اليوم، قد أشيع إشاعة فاحشة، بأنه يفتك بالسلطان في هذا اليوم. وكانت هذه الإشاعة قبل انفضاض الموكب السلطاني، ثم انفضّ والإرجاف مترادف بأنه سيكون ذلك في يوم الجمعة، وعزموا هم على ذلك، لكنهم أحجموا لغياب الأتابك قايتباي، فسكنوا وبقوا في انتظار حجّة، فلهذا أمسكوا عن الفتنة بعد أن كادت أن يكون. ثم كان ما سنذكره (٣). (واقعة البعث لعبد الرحيم البارزي بأن يخرج من داره) (٤) وفيه، في يوم الأحد، خامسه، بعث السلطان الظاهر تَمُربُغا إلى

стр. 1078

عبد الرحيم بن البارزي (١) بخُشقدم الطواشي الأحمدي (٢)، الذي هو الزمام والخازندار الآن والوزير، يأمره بأن ينتقل من سكنه بالخرّاطين، من الدار التي كانت سكناً للكمال بن البارزي (٣) كاتب السر، ليسكنها أصباي الوالي، وكان ذلك بتسليطٍ من بعض أقارب الزين عبد الرحيم، لضغائن بينهم، فلما ورد عليه خُشقدم بهذا الخبر ضاق ذرعاً وتشوّش، وكان عنده نزيلاً بقافي صغيرة من هذه الدار الشيخ الصالح المعتقد، سيدي أبو العباس، شهاب الدين أحمد بن عبد القادر بن عُقبة اليمني (٤) الحَضْرَمَوتي، (الرفاعي) (٥)، الشافعي، وهو موجود الآن في زمننا هذا. وكان قد قدم من مكة مع الزين هذا برسم أن يزور البيت المقدس، ويعود إلى مكة، فأنزله عنده، فدخل عبد الرحيم إليه، وذكر له ذلك، وترامى عليه في أن يلاحظه بخاطره، فقال: ليس لي من الأمر شيء، لكنّني أقرأ لك الفاتحة وندعوا (٦) اللَّه تعالى في ذلك وكان عنده الشيِخ أبو المواهب، فقرأ الفاتحة ودعا، ثم قرأ قوله تعالى ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]، وشرع ابن (٧) البارزي فنقل أشياء من حوائجه إلى القاعة التي بها الشيخ، وهو في أثناء ذلك، وإذ البعض من خيول أصباي وإناثه وقد أُحضر للدار المذكورة، وعَمل على أن يصبح أصباي المذكور فيجيء ببقيّة تعلّقاته، ويسكن الدار، فكان في ليلة الإثنين ما كان، من الكائنة التي قام بها خير بك، ثم أصبح، فخُلع بها تمربُغا وتسلطن

стр. 1079

الأشرف قايتباي سلطان عصرنا هذا، كما سنذكر ذلك، فاشتغل أصباي بنفسه، بل وقُبض عليه، وعُدّ هذا من كرامات السيد أحمد بن عُقبة هذا، نفع اللَّه تعالى به. ولْنُتَرجم أحمد هذا: (ترجمة الشيخ أحمد بن عُقبة اليمني) (١) ٣٧٢ - (هو أحمد بن عبد القادر بن عُقبة. الشيخ ( … ) (٢)، العارف، أبو العباس الحضرمي، اليمني، الشافعي، المعروف ( … (٣)) (٤). ولد بحضرموت من بلاد اليمن بعد العشرين وثمانمائة. ونشأ فقرأ القرآن العظيم، واشتغل بالعلم وتصوّف وتزهّد، ثم قدم من بلاده مكة حاجّاً، وقطنها عدّة سنين، ووقع له بها أشياء، وظهرت له كرامات، ثم قدم القاهرة في سنة إحدى وسبعين صحبة الزين بن القادري المذكور، وقصد التوجّه إلى القدس فما قُدّر له ذلك في قدمته هذه. وعاد إلى مكة، ثم قدم القاهرة ثانيًا، ونزل بمكانٍ بدرب الأتراك، ثم توجّه إلى زيارة البيت المقدس، فزاره وعاد إلى القاهرة، وآواه سليمان الخازن بوصيّة من الشيخ عبد الكبير الحضرموتي (٥) اليمني، الوليّ المعتَقَد بمكة، المشهور، ثم انتقل إلى تربة بَرسْباي البجاسي بالصحراء، فسكنها بمكالب بها فرارًا من الناس بالقاهرة، ويقصده الناس والأعيان من العلماء والأكابر لزيارته والتبرّك به. ورتّب له السلطان ثلاثين دينارًا في العام يقبضها عبذ له يقال له عبد اللَّه، ومنها يكون قوته وكِسوته، ويتولّى عبده عبد اللَّه ذلك، وهو في غاية ما يكون من تعظيم نفسه، مع زهادة وعبادة وورع ودين وخير، وحُسن سمت وتؤدة، وسكون زائد، ونورانية، وحُسن هيئة ونظافة، ولطافة مزاج، وخفّة روح، جمالي (٦). وكان الشيخ أبو المواهب (٧)، نزيل الجامع الأزهر، كثير الاعتقاد له والتعظيم

стр. 1080

له ولشأنه، وله ملازمة له، كل ذلك مع انقطاعه إلى اللَّه تعالى وعدم الالتفات إلى شيء من الدنيا، ولا يقبل شيئًا من بنيها، وهو على قدم الخير، نفع اللَّه تعالى به. (ذِكر الكائنة التي خلع فيها تمربُغا الظاهر) (١) وفيه -أعني يوم الأحد هذا، في آخر النهار منه- حضر الأتابك قايتباي من مربط جِماله، وكان ذلك في ليلة الموكب بالقصر السلطاني، ولم يطلع إلى القلعة، وبعث من يعتذر للسلطان بأنه جاء في غاية التعب، وأنه يلتمس الإذن له أن يُعفى عنه في هذه الليلة من الطلوع إلى القلعة، وفي باكر النهار يطلع، وما طلعها باكر النهار إلّا سلطانأ على ما سنذكر ذلك. وكان الجُلبان من الظاهرية الخشقدمية من حزب خيربك يظنّون طلوعه في هذه الليلة، وكانوا قد تمالؤوا (٢)، واتفقوا على الوثوب على السلطان ومن حضر معه من الأمراء في هذه الليلة، وأبرموا أن يفعلوا ذلك ويُمضوه، وتوافقوا على عدم تأخيره في هذه الليلة، لئلّا يفوت الخدم. فلما لم يطلع قايتباي، وكانوا قد تواصوا على تنفيذ ما دبّروه، ما أمكنهم تأخير ذلك ولا التراخي في الأمر الذي قد انبرم رأيهم عليه. وحضر السلطان القصر على عادته مع كثرة الإشاعة، بل يكاد أن الفتنة قد تيقّنت، وتأخّر في هذه الليلة أيضًا جماعة كبيرة من مقدَّمين (٣) الالوف، ولم يطلع فيها سوى الأمير جانبك قلقسيز أمير سلاح، والشهابي أحمد بن العَيني أمير مجلس، وسودون القَصرُوي، وتنِبك الأشرفي المعلّم، وخُشكلدي البَيْسقي، وهو من الرؤوس (٤) في هذه الكائنة، ومن أعظم القائمين مع خيربك، والموافقين له، وكذلك مُغُلْباي الظاهري المعروف بأزُن سقل. ولما صلّى السلطان المغرب بالقصر على عادته، قام فدخل الخرجة من القصر كما هي العادة، ومعه من حضر من الأمراء، فما استقر به الجلوس بها قليلًا إلّا والهرج والاضطراب خارج القصر، وسمع السلطان ذلك، فاستراب منه وانزعج انزعاجًا كليًّا، وسأل عن الخبر، فقيل له إن الجُلبان في هَرَج ومَرَج، وقد تعادى بعضهم مع البعض، فزاد تخيّل السلطان، ورابَه ذلك فوق ما قد رابه، وتوسّع خياله، فبعث بطلب خيربك الدوادار، فدخل عليه بالخرجة وهو متقلّق مُظهر بأن

стр. 1081

رجله ما وَفَتْه، وهي في غاية الوجع، وأنه متألّم منها. ولم يطُل جلوسه عند السلطان لئلّا يفوته ما قصده، ثم خرج مسرعًا وقد زاد الهَرَج والاضطراب خارج القصر، بحيث فحش ذلك، فقام السلطان منزعجًا وخرج إلى القصر، وحين رآه البعض من أصحاب خيربك وحزبه يفينون عليه الأمر، وينهونه عن البقاء بالقصر، وأخذوا في التحسين، وبأن يعود إلى الخرجة. كل ذلك خوفاً من أن يقطع عليهم ما قصدوه قبل أن يشرعوا فيه، لئلّا يفوت ما هم بصدده، ويركب أياديهم في منع ذلك. فعاد إلى الخرجة وفي نفسه شيء. ثم بعث بطلب خُشكَلدي رأس نَوبة النُوَب، وسأله عن الحال، فأجاب بأنه لا علم عنده بشيء من ذلك، وأنهم في حركة مع بعضهم البعض، في شيء لا يتعلّق بغيرهم، ليسكّنه بذلك، حتى يتم الأمر في الذي قصدوه. وخرج من عنده وقد عظُم الخطب، ودهم الكَرْب. وكان سبب ذلك الاضطراب ثوران طائفة خيربك وحزبه على بقية خُشداشيهم من طائفة كَسْباي وحزبه، بعد أن تطاولوا وتعارضوا وإيّاهم على مرافقتهم لهم، فامتنعوا عن ذلك، وصمّموا على عدم الحركة، وهم منتمون لكَسْباي ولطَرَاباي، ولا قصد لهم في شيء مما هو في قصْد حزب خيربك، وكان بالمصادفة قد اتفق في هذه الليلة أنه لم يطلع من هؤلاء -أعني حزب كَسْباي- إلى القلعة إلّا القليل. وأمّا أولئك فكانوا على ميعاد. وطلع جميعهم إلى القلعة متفقين على أن يثبوا على السلطان، ويستميلوا بقيّتهم. فلما لم يقدروا على استمالة من حضر منهم، أخذوا في هذه الحركة الزائدة والاضطراب، ثم أخذوا في ضرب كَسْباي وطَرَبَاي المحتسب حتى كادا أن يهلكا، لأنهما لما تكلّموا معهم (١) في القيام معهم، وامتنعا من ذلك، وصمّموا (٢) على عدم ذلك، وأخذا في الدفع عن السلطان بكل ما تصل إليه قدرتهما، وقع منهم ما ذكرناه من الهَرَج والمَرَج والاضطراب في الحركة الزائدة بواسطة التعارض، لا سيما وقد تهيّأوا لِما قصدوه، وما بقي إلا الشروع فيه. ولما رأيا -أعني: كَسْباي وطَرَباي- ومَن حضر من قومهما ذلك لم يوافقوا عليه، فدامت هذه الحركة وهذا الاضطراب بينهم خارج القصر إلى بعد صلاة العشاء الأخيرة، وصلّى السلطان العشاء بالخرجة، وخالف العادة في ذلك، فإنها جرت بأن يصلّي بالقصر بمن حضر معه من الأمراء، ثم يعود إلى الخرجة، فأبطل ذلك لهذه الهرجة، على أنه تيقّن قيامهم، وأن حركتهم هذه عليه، لكنْ ما وسِعه إلا التغافل، ليرى ما يكون، وهو صابر للقضاء، إذ لا يمكنه الآن غير ذلك، لكونه

стр. 1082

كالأسير في يدهم، وهم أرباب الشوكة، ومالكوا (١) القلعة، وإليهم الأمر، وما تحرّك بحركة، ولا أبدى ولا أعاد، إذ هو وخشداشيه في قبضتهم. ثم قوي أمر حزب خيربك خارج القصر، وما بقي إلّا الهجوم على السلطان، وكانوا لم يدّرعوا (٢) إلى وقتهم هذا لاشتغالهم بدفع التعارض، إلى أن غلبوا. ولما عظُم الأمر بدروا بالتفرُّق إلى طباقهم للإدّراع، وكانوا قد هيّأوا آلة الحرب من دروعهم وأسلحتهم، فلم تكن إلّا ساعة وقد لبسوا كلّهم، وتهيّأوا بلامة الحرب، ثم أعلنوا بالخروج على السلطان عائدين إلى جهة القصر، وهم في قوّة زائدة وشوكة حافلة هائلة، ولهم شأن وأمر مهول، وشرع البعض منهم في إحضار الخليفة، وآخرون (٣) في نهب الحريم السلطاني، وهجموا على الدُور السلطانية، وفعلوا في ليلتهم هذه في تلك الساعة بالحريم أفعالًا لا تفعلها الخوارج، من النهب والسلْب والإفساد والفسق، مما لا يكاد أن يُعبَّر عنه، وأخافوا من بالقلعة. كل ذلك والسلطان مقيم بالخرجة. ثم لما عاين عِظَم الأمر وكِبَر الهول الفظيع (٤) وتحقّق وجزم بأن قصدهم وإرادتهم الفتك به، بدأ بأن أمر بغلق باب الخرجة عليه. ولعلّ لم يتم ذلك حتى قصدوه قبل وصولهم إلى الباب مع تمام غلقه. ولما أبصروه مغلقاً عليه طرقوه، وسألوا فتحه، فلم يفتحه لهم، فتكاثروا عليه وصدموه صدمة، ولا زالوا به حتى كسروه على السلطان، ثم دخلوا عليه هجمًا، وقالوا له: نريد إخراج هؤلاء من عندك. وأشاروا إلى من كان عنده من الأمراء ممن حضر لأجل الموكب، فقال لهم: إنهم خُشداشيّ، وما لكم ولإخراجهم، وما القصد من ذلك؟ فقالوا: لا بدّ من ذلك. ثم أخرجوهم وكانوا نحوًا من عشرة أنفار، وهم: تمر حاجب الحجّاب، وبرقوق شادّ الشراب خاناه، إذ ذاك، وبَرسْباي قَرا وهو الخازندار إذ ذاك، وتغري بردي نائب القلعة، وقانباي الساقي الحاجب الثاني بعد ذلك، وأُزبك اليوسُفي المعروف بناظر الخاص، وقانِباي قَراسقل، وجانبك من طَطَخ، وقَجْماس، واثنان آخران أظنّهما، لكنّني لم يحضرني اسماهما (٥). فلما أخرجوهم بقي السلطان في جماعة يسيرة من مماليكه وأصحابه، ثم بعد لحظة يسيرة دخل على السلطان ثلاثة نفر ملبّسين، وهم ملثّمون لا تظهر إلّا أعينهم، فقالوا للسلطان: قم.

стр. 1083

فقال: إلى أين؟ فأشاروا إلى المخبأة التي تحت مقعد الخرجة. فيقال: إنه أراد أن يمتنع من نزوله إليها، فخشي الإخراق به، فأجاب إلى ما سألوه، وقام من وقته ذلك معهم، وتوجّهوا به إليها، فأنزلوه بها من الطابقة، وأنزلوا معه بعض مماليك، فطلب بعضهم منهم شيئًا من الفرش لأجل السلطان، فرموا إليه طرّاحة ومقعدًا من الذين (١) بالخرجة، ففرشوا للسلطان مكانًا مرتفعًا عليهم، وأجلسوه به. أخبرني بعضر من كان مع السلطان من خاصكيّته في ثلك الكائنة، قال: لما أنزل السلطان إلى هذه الخزانة المخبأة بقينا في حيرة، كيف نجلس ونحن في حياء منه إنْ ساويناه في الجلوس، فوجدت تختًا بعْلبكيّا في قطْنية، وهو جديد مخزوم، وهو في هيئة المصطبة المرتفعة التي يجلس بها الإنسان المنفرد مستريحًا وحده، فعدت إلى الطرّاحة وفرشتها عليه، ثم بسطت المقعد فوقها، وجلس السلطان على تخت مرتفع عنّا، وأعجبه ذلك في هذه الحالة، وكوني تنبّهت لذلك. قال: ثم لم يستقر بنا الجلوس إلّا وقد فُتحت الطابقة، وأنزل إلينا الأمراء الذين كانوا قد أخرجوا من الخرجة، واحداً بعد واحد، حتى تكاملوا عندنا، وكانوا بعد إخراجهم من الخرجة قبضوا عليهم، ثم أتوا بهم إلينا، ولما استمر إنزالهم طبّقوا علينا الطابقة، ثم أخذوا فيما بينهم بعد أن أووا السلطان ومن ( … ) (٢) التكلّم في سلطنة خيربك، وتناولوا سيف الملك الذي يقال له النمجاة (٣)، وكذا ترس الملك، فناولوهما لخيربك إشارة إلى سلطنته، ثم أجلسوه مكان جلوس السلطان. ويقال: إنهم قبّلوا الأرض بين يديه، وصرّحوا بسلطنته، ولقّبوه بالعادل. ويقال: إنّما لقّبه بالعادل مؤذّن القلعة بمنارة الجامع الناصري في تلك الليلة، فإنه حين الدعاء للسلطان على العادة تحيّر فماذا يقول، فأجرى اللَّه تعالى على لسانه أنْ قال: اللهمّ انصر عبدك السلطان الملك العادل. ويقال: إن جانِبك قلقسيز عيّن في هذه الليلة للأتابكية من خيربك، وأحمد بن العَيني لإمرة سلاح، وأنهما قبّلا الأرض بين يدي خيربك، وفعلا معه كما يُفعل مع السلاطين، وعلى كل تقدير فقد ترشّح للسلطنة في هذه الليلة، بل وإن شئت فقُل قد تسلطن فيها، فإنها بمبايعته طائفة كبيرة، وجمع جمّ، أو

стр. 1084

اتفاقهم، وإنْ قصُرت المدّة، فلا بدّ في أن يسمّى خيربك بالسلطان، كيف وقد جلس مكان السّجّان باتفاق جماعة، وفعل معه ما يُفعل مع السلطان، وعلى هذا قيل له "سلطان ليلة" حتى عُرف بذلك بعد ذلك إلى يومنا هذا، وحينئذٍ لا بدْع في أن يقال: وُلّي في هذه السنة خمسة (١) من السلاطين لسلطنة الأشرف قايتباي على ما سنذكره. ولما كانت هذه الكائنة العظمى والداهية الطمّاء كان بُردُبك هجين الأميراخور الكبير بباب السلسلة من الإسطبل السلطاني، واستحسّ بهذه الكائنة في بدايتها، فأخذ في نقل تعلّقاته وأثاثه شيئًا فشيئًا من قبل المغرب. وشاهدنا الكثير مما ينقل من قماشه وأثاثه وهم نازلون به من قبل المغرب، وتم على ذلك غاية من الليل، حتى بلغه ما وقع بعد العشاء، فلم يكذّب الخبر، ونزل من ساعته من باب السلسلة، وبعث إلى الأتابك قايتباي من يُعلمه بالكائنة ليلًا، فركب الأتابك من داره في الحال حين بلغه الخبر، وجمع جمعًا وافرًا من خُشداشه وأصحابه، ومن انضمّ عليه من طائفتي الأشرفية البرسبائية والإينالية، وكانوا قد تعئأوا وتهيّأوا لذلك من النهار، لأمارات كانت قد ظهرت لهم، دالّة على وقوع حادثة في الليلة (٢) هذه. وكانت الأشرفية من الإينالية قد كثروا بالقاهرة، بل والبَرْسْبائية، فإنهم جاؤوا (٣) من النفي بعد سلطنة تمربُغا، لكنه لم يلتفت إليهم ذلك الالتفات، فبقي في نفوسهم منه شيء (٤)، فيقال: إنهم قرّروا مع قايتباي في هذه الليلة أن يسلطنوه، وأنه تمنّع من ذلك، وقال لهم: أنا ما أقوم إلّا بنصرة خُشداشي، يُشير إلى الظاهر تمربُغا. ويقال: إنه إنما قال ذلك ظاهرًا، وأنه باطَنَهم على سلطنته بعد بلوغه ما وقع لتمربُغا، وأن الأشرفية قالوا له: أنت منّا وأنت مشير (٥) لأستاذنا ولا غيره لسرير الظاهر لك، ونحن وإيّاك شيء واحد، وما الغرض إلّا أن نسلطنك، ونلقّبك بالأشرف، ولا غرض لنا عند الظاهرية، فلنكن نحن وإيّاهم شيئًا واحدًا، وكذا قال له الإينالية أيضًا، وانه مال إلى مقالتهم، بل كانوا هم السبب الأعظم في ذلك. وكان منهم جماعة من المشهورين منهم هم القائمون بهذا الأمر، منهم قانصوه الأحمدي الخسيف، وتَنِبَك قَرا، وقان بردي، وآخرون (٦) لا يُحصون، وعدّة من

стр. 1085

الأشرفية، منهم تمراز، وكان أكبر المحرّكين لقايتباي لهذا الأمر، ويقال إنه دسّ في بكرة النهار إلى جانِبَك قُلَقسيز مَن أعلمه بما وقع، ليكون على بصيرة من ذلك، ويدلّ على هذا أشياء هي كالقرائن على ذلك، على ما سنذكره عند ذكرنا سلطنة الأشرف قايتباي هذا، قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. ثم لما ركب قايتباي الأمير الكبير، هو ومَن ذكرنا، قصد دار قوصون () (١) وفي صحبته أيضًا يشبُك من مهدي، وكان قد حضر من الصعيد، ومنعه الظاهر تمربُغا من تعديته من برّ الجيزة، فأقام بها، ثم انضمّ إلى قايتباي هذا، وبينهما من الصحبة القديمة ما هو مشهور، فأتاه وركب معه، وفي رأيه من تمربُغا ما فيه، فيقال إنه أيضًا حسّن لقايتباي سلطنة نفسه، فوصل إلى دار قوصون، وكان بها بُرْدُبك هجين الأميراخور، وهو الذي بعث إليه بإعلامه بالكائنة على ما قلناه، وقعد لانتظاره، فوصل الأتابك قايتباي للدار المذكورة قبل نصف الليل، وكان بالرُميلة والشوارع في هذه الليلة هرجة هائلة، وانزعج لذلك الكثير من الناس، وكان الظاهر تمربُغا مَزْويًّا بالمخبأة كما بينّاه، فرأى من شبّاكها نوافذ الجموع بالرُميلة، وهم على خيولهم، وما علم من حال هذا العسكر المجتمع، وما هم عليه، ومن أيّ الطوائف هم، وهل هم معه أو عليه. ثم أخذ أمر الأتابك قايتباي في الإزدياد، حتى كان له ما سنذكره. هذا ما كان من هؤلاء (٢). [تطلّع خيربك للسلطنة] وأمّا ما كان من أمر خيربك فإنه لما فعل ما فعل، وجرى منه ما كان، وجلس بمكان السلطان وبيده النّمْجاة والتّرس في هيئة السلاطين، بل يخالطه الكثير

стр. 1086

بالسلطنة، وقد أُشرب المُلك في قلبه، وبات وطائفته على ذلك. وأصبح في الغَلس، أخذ في الحال في الشروع في عمل مصالح نفسه، ليتمّ له الأمر وما قصده، فقام من وقته، وقد أحضر إليه من مراكيب السلطان فرسًا فركبه، ونزل من القصر إلى جهة باب السلسلة، وبين يديه وحوله جمْعٌ جمّ من جُلبان أستاذه وطائفته وخُشداشيه، ومع بعضهم التّرس والنّمْجاة باشر بهما إلى جانبه، كما هو الدأب مع السلطان، وسار إلى أن دخل الإسطبل، وجاء إلى باب السلسلة بفرسه، ووقف عنده من داخله ساعة جيّدة كالمنتظر. ويقال: إنّما وقف به ينتظر من تَوَالَى معه من الطوائف على فِعله ذلك، ولعلّ ذلك إن صحّ، إنّما فعلوه ليحرّكوه بحركة يكون سببًا لزواله مع الجُلبان. ثم إذا تحرّك لا يأتوه، وذلك لِما في قلوبهم منهم، لا سيما الأشرفية الكبار والصغار، ودام وراء باب السلسلة، وما زال على ذلك حتى أيس وقنط، وكان في ظنّه أو حدسه أن الهرجة الكائنة بالرُميلة والركوب هرجة من وافقه، فلما تحقّق وتيقّن خلاف ذلك، وأنهم غدروه وما أرادوا إلّا خذلانه، إنْ صح اتفاقهم معه، ظهر عليه الندم الشديد الذي ما عنه مزيد، لكنّه لم يَسَعه التصريح بذلك بين جماعته وأكابر طائفته القائمين معه، لا سيما وهم معه وبين يديه، فما أمكنه إلّا الأخذ في تحريضهم على القتال، وتحصين الإسطبل وصعودهم على أسواره، واستعدادهم للقتال، ومن هذا وأشباهه، وهو يخاطب الجُلبان ويحرّضهم غاية التحريض بأن يكونوا مستفيقين على القتال في هذا اليوم، كل ذلك ظاهرًا، وفي باطنه خلاف ذلك، وهو في بحر افتكار كيف يكون تنصّله من ذلك. وكان ما سنذكره (١). (ذِكر سلطنة الملك الأشرف أبي (٢) النصر قايتباي) (٣) وفيه، في يوم الإثنين، سادس رجب، كانت مبايعة الأمير الكبير الأتابك قايتباي المحمودي الظاهري بالسلطنة، وعقد له المُلك له. وكان من خبر ذلك أن خيربك المذكور لما فعل ما فعل، وأصبح في غَلس بُكرة هذا النهار، ونزل إلى باب السلسلة على الوجه الذي ذكرناه، ورأى أنه لم يحضر إليه أحد من العسكر، وندم، ولكنه ما أظهر ذلك، وأخذ في تحريض الجُلبان على قتال التحاتي لما تحقّق بأنهم عليه أخذ الجُلبان في مقابلتهم في بُكرة هذا النهار، ووقع الحرب

стр. 1087

الشديد والمقاتلة الهائلة، ولم يدم ذلك حتى انهزم فيها الجُلبان، بعد أن قتل جماعة من الفريقين، وخرج آخرون (١) و [لما] رأى خيربك ما هو فيه من الإدبار أخذ في الطلوع إلى القصر، وهو متيقّن تلاشي أمره وإدبار سعادته، بل زواله بالكليّة، وتحقّق ذلك. وبينا هو في أثناء هذه الفكرة، وغضون هذه السَّكْرة، وقد زادت به الحيرة، إذ بلغه فرار أعيان خُشداشيه وأكابر ذويه والكثير من طائفته وحرسه وجماعته، مثل خُشكلدي، ومُغُلْباي، وآخرين يطول الشرح في عدّهم، فلم يكن دأبه وشغله إلّا مُلافاة هذا الأمر المهمّ، والحادث المُدلهمّ، فبدر بأن توجّه إلى الظاهر تمربُغا، فأفرج عنه من المخبأة، وعمّن كان معه من خُشداشيه الماضي ذِكرهم، وكذا جماعته. وساعة وقوع بصره عليه وقع على رِجليه، ومرّغ عليهما خذيه وهو يقبّل ذلك ويعتذر في ذلك إليه وعمّا صدر منه، ويبكي، وهو في غاية الاستكانة والخضوع، فأظهر تمربُغا القناعة (٢) وقبول عذره، وأخذ في تسكينه وطمأنينة (٣) خاطره وتطييبه، ثم مشى بين يدي تمربُغا حتى أوصله إلى القصر، وأجلسه بمكان السلطنة الذي جلس هو به ليلًا، ووقف بين يديه على العادة، وأعطاه التّرس والنَّمْجاة، وقد انهزم الجُلبان عن آخرهم، ونزلوا من القلعة لا يلوي أحد على أحد. كل ذلك قبل أخذ التحاتي باب السلسلة، فإن من كان به كانوا مشتغلين بالقتال، لا علم عندهم بما كان بالقلعة. وكان الأتابك قايتباي بالرُمَيلة في جموعه، وقد أبطنوا سلطنته بعد توافقهم عليها (٤) فيما بينهم. ولما تم جلوس الظاهر تمربُغا بالقصر أمر من كان عنده من الأمراء بالنزول لمساعدة الأتابك قايتباي، فنزل جانِبَك قُلقسيز، وسودون القصروي، وتَنِبَك المعلّم، وهم من الذين كانوا عند خيربك حين فعل ما فعل، ولم يحبسهم، لأنهم ليسوا من طائفة الظاهرية الذين يختشي الجُلبان منهم الآن، ويقال إنهم أطاعوه وقبّلوا الأرض بين يديه، بل يقال إنهم ونحوهم كانوا السبب في تحريكه على هذه الصفة، ووعدوه ومنّوه حتى تكون ببركته مندوحة لإخوته (٥) وطائفته. وأُعيب على تمربُغا إرساله هؤلاء إلى التحاتي، لأنهم كانوا أكبر القائمين بسلطنة الأتابك قايتباي بعد ذلك في هذا اليوم على ما يقال. ويقال: إنما نزلوا بعد أن حسّنوا نزولهم للظاهر تمربُغا، فأجابهم إليه، اعتقادًا منه بأنهم ينزلوا وهم من حزبه، من غير أن يعلم أنهم عليه، فكانت هذه من

стр. 1088

هفواته، ومن أسباب زوال ملكه، بل وبعث أيضًا بعد ذلك تمُر الحاجب، وبرقوق، وتغري بردي طَطَر، وقانِبَاي، وآخرين، وهم الذين كانوا معه بالمخبأة في ليلته تلك. وكان الرأي أن ينزل هو إليهم بنفسه ومعه أمراؤه ويركب أيديهم في سلطنة غيره، أو ينزل إلى باب السلسلة، فكانوا بالضرورة إذا طلعوا ووجدوه به هابوه أن يبايعوا غيره، لكن القضاء أغلب. ولما انضمّ من نزل إلى الأتابك قايتباي أخذوه وطلعوا به إلى باب السلسلة، ولم يتمّوا متوجّهين إلى القصر في حالة صعودهم، بل عرّجوا إلى جهة الحرّاقة بباب السلسلة وقايتباي معهم، وطالبوه بأن يتسلطن، واحتجّوا بأن تمربُغا قد طمع فيه، وأنه خُلع من المُلك، وما قدر على المدافعة، وليس من الناموس تبقيته في المُلك. وأنزلوا الأتابك المذكور بالحرّاقة، وأجلسوه بمقعدها، وكانت الأشرفية الكبار والصغار قد اتفقوا على سلطنته وبيّتوا ذلك على ما قدّمناه. ويقال إنّما حدث ذلك بعد الدخول إلى باب السلسلة، واللَّه أعلم بالحقيقة. [حبس خيربك] ثم تكاثروا على الأتابك قايتباي. كل ذلك والظاهر تمربُغا جالس بالقصر على المدوّرة في مرتبة السلطنة، والناس طلوع إليه أفواجًا أفواجًا وزُمَرًا لتهنئته بالسلامة والنجاة من هذه الكائنة والورطة، ولا علم عنده ولا عندهم بما هو صائر بباب السلسلة، وكان خيربك في أثناء ذلك واقفًا بين يدي السلطان تمربُغا، حتى حضر إنسان من الخاصكية يقال له تَنَم الأجرود (١) الظاهري لأجل تهنئة السلطان، ورأى خيربك وهو واقف بين يديه، فحنق منه حين وقوع بصره عليه، وحطم عليه طالبًا قتْله أصلًا ورأسًا، فمنعه السلطان من ذلك، ثم أمر بحبس خيربك المذكور بداخل الخرجة، فحُبس بالمخدع الصغير بمقعدها ووكّل به (٢). واستمرّ السلطان على ما هو عليه من جلوسه بالقصر، والناس تحضر إليه للتهنئة أرسالًا، وهو في انتظار طلوع الأتابك إليه، ولم يخطر ببال أحد، ولا توهّم أن قايتباي هذا يتسلطن في هذا اليوم. ولما أنزلوا الأتابك المذكور بمقعد الحرّاقة أخذ من كان معه من الأمراء والعساكر والأعيان، وكان قد طلع في

стр. 1089

عظمة زائدة وجمع حافل وافر، وعساكر هائلة، ومن كان له غرض تامّ في الاستعلاء ويحسّنوا (١) له السلطنة. بل سمع قائلًا يقول حين طلوعهم إلى باب السلسلة: "اللَّه ينصر الملك الناصر قايتباي"، هذا، وهو في قلبه ما فيه على ما قيل إن الاتفاق كان قد وقع مبيّتًا بذلك. قال بعض ظرفاء الأذكياء: ويدلّ على ذلك كون الأتابك هذا لما طلع إلى باب السلسلة، لم يستمر في طلوعه إلى القصر، إذ لا مانع له من ذلك، بل دخوله إلى مقعد الحرّاقة بالإسطبل وجلوسه فيه دليل ظاهر على ما يقال: إن الاتفاق على ذلك كان قبل ذلك، أو كان مبيَّنًا، لأنه كان يمكنه أن يصعد إلى الظاهر تمربُغا دفعة واحدة. ولما تكلّموا معه في ذلك أخذ هو يُظهر الامتناع، إلى أن قام بعضهم فقبّل له الأرض، وامتنع بعد هذا أيضًا، بل وذكر عنه أنه قال: أنا إنّما قمت بنُصرة خُشداشي السلطان، وعار عليّ أن أتسلطن مع وجوده وهو سالم صحيح قد خلعه اللَّه تعالى. فقيل: إنما قال ذلك إبعادًا للوهم عنه، فبدروا بأن قالوا: ما بقي في الامتناع فائدة، وخُشداشك لا تشويش عليه، ونحن لا نرضى إلّا بك، فإمّا أن تتسلطن وإمّا أن تسلطن غيرك، وأمّا إبقاء تمُربُغا فلا سبيل إليه، لأنه كسر ناموس المُلك بعدم مدافعته عن نفسه. أو ذكروا غير هذا من الكلمات التي هي كالمندوحة. فخُلع تمربُغا، وأخذوا في ذكر كلمات أُخر من نحو هذا، مما يطول الشرح في ذكره، لو ذكرته برُمّته على حقيقته، إذ كنت في هذا اليوم، بل وفي ليلته أيضًا مخالطًا (٢) لهؤلاء على جهة الاعتبار بهم، والاطّلاع على حقائق أحوالهم الظاهرة، وعلى القرائن الدالّة على ما في بواطنهم، فما أظهروه لبعضهم البعض لا للغير، ولم أكن مخالطًا لهم لحاجة لي عندهم، ولا لمناسبة لي معهم. وكنت حاضرًا أيضًا بباب السلسلة حين مبايعة الأتابك قايتباي، ولو شرحت أصل هذه القضيّة على ما كانت عليه من أولها إلى آخرها، وما رأيت فيها وما سمعت، وما توسّمت، وكان كلما توسّمته، لطال المجال، واتّسع المقال، ولسنا بصدد ذلك، بل نحن بصدد أن نذكر ما فيه الاعتبار لأهل البصائر والأبصار، لا سيما للمعتبرين من أهل اليقين، ليعلم أن هذه الدنيا تلعب بأهلها، وتتلهّى بهم وعليهم:

стр. 1090

هي الدنيا أقلّ من القليل … وطالبها أذلّ من الذليل ومما يقرب منه: هي الدنيا تقول بِملء فيها … حَذَارِ حَذَارِ من بطشي وفتكي أُري أُولاها منّي ابتسامٌ … فَقَولي مُضحِكٌ والفِعلُ مُبكي ولما أخذوا في إظهارهم بالإلحاح على الأتابك قايتباي، وبالغوا في ذلك، أجابهم إليه على كُرهٍ منه في الظاهر. والله متولّي السرائر. وظهر لي منه أنه ما بقي يمكنه المخالفة، لا سيما وقد تعيّن لهذا الأمر، لأنه امتنع حتى يتولّى غيره ربّما حصل عليه ما لا ينبغي على ما هو الظاهر، فاتفق كل من حضر على بيعته، وأولهم في المقال جانِبك قُلقسيز، فبدر بأنْ كان أول من قام بسلطنته في ذلك المجلس ليحمّله المِنّة (١) بذلك. ويقال: إن ذلك بسبب ما قدّمنا ذِكره من دسّ تمراز إليه به، على ما تقدّم آنفًا، وسمعناه من الأفواه. ولعلّ الحدْس الصائب يرشد إليه، وإن كان إسماع من له غير ذلك من الغرض يأباه. وكان يشبك من مهدي قد حضر هذه الحادثة، على ما تقدّم كيفيّة قدومه فيما تقدّم، بل كان أكبر القائمين بها. بل قيل إنه اتفق مع الأتابك قايتباي أنه يولّيه الدوادارية الكبرى إذا تسلطن، عِوضًا عن خيربك. وقيل: بل حدث ذلك بعد السلطنة، فإنه وليها في هذا اليوم دفعة واحدة، وعُدّ ذلك من النوادر، كون أمير عشرة كاشف الصعيد يتولّى الدوادارية الكبرى من غير أن يترشّح لها، وما وصل إليه بعد ذلك فأعظم، على ما ستعرفه في محالّه، بل وعُدّت (٢) سلطنة قايتباي أيضًا في مثل هذه الكائنة من غريب النوادر أيضًا. [إخراج تمربغا إلى البحْرة] ولمّا تم هذا الأمر بَدَرَ يشبُك هذا بالطلوع إلى القصر، وقد انتدبه الأتابك قايتباي بأن يأخذ تمُربُغا من القصر، ويتوجّه به إلى البَحْرة من غير عنف ولا إزعاج، ويعتذر إليه بما رآه، وما يمكنه أن يعتذر به عنه إليه، مع تطييب خاطره. فدخل يشبُك عليه وهو جالس في دَست سلطنته وعزّ مُلكه، وهو منتظر طلوعهم إليه وتقبيل الأرض بين يديه. فقال له: السلطان يأمرك أن تتوجّه إلى البحرة.
следующие страницы →