← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

المنصور في متجدّدات سنة سبع وخمسين (١) من تاريخنا هذا، وبعث به معهم إلى الإسكندرية، وأخرج إقطاعه إلى سوَنْجُبُغا اليونُسي (٢). ولما تسلطن الأشرف إينال أطلقه ومن كان معه، وبعث به إلى دمياط، ثم استقدمه بعد قليل إلى القاهرة، ولما حضر دام بطّالًا مدّة يسيرة حتى قتل سونجبُغا المذكور ببلاد الصعيد، على ما عرفت ذلك فيما تقدّم في كائنته مع القلاوي (٣)، فأعاد الأشرف إينال إمرته إليه كما كان أولًا من جملة الطبْلخاناة. ثم لما مات خيربك الأشقر المؤيّدي الأميراخور الثاني استقر يَلَباي هذا في الأميراخورية الثانية، ثم صيّره الأشرف إينال من جملة مقدَّمين (٤) الألوف، ووقع له في ذلك غريبة، وهو أنه لما شغرت التقدمة التي وُلّيها كلّم المحبّ ابن (٥) الشِحنة، وهو إذ ذاك كاتب السرّ، في أن يكلّم السلطان أن يقرّره فيها، ويحمل إليه عشرة آلاف دينار. فقال له المحبّ: إن ذلك كثير عليك، وإنك أهلٌ للتقدّم بغير مال، فلتكن خمسة. فقال: لا بل عشرة. فكلّم المحبّ السلطان في ذلك، فأجابه إليه. ثم طلب المحبّ المبلغ منه فقال: لا أعطي شيئًا، فإنْ سمح السلطان بإبقائي على التقدمة، وإلّا فلا حاجة لى بها. فتحيّر المحِبّ منه لما سمع ذلك، وحار في أمره، وماذا يكون جوابه للسلطان، وهو في انتظار هذا المبلغ. فاتفق أن خلا (٦) المحبّ بالسلطان فسأله السلطان عن المبلغ، فقال له: عساه قد هيّأه، لكنْ يا مولانا السلطان إنني أخشى أن يتكلّم الناس في كون السلطان يقرّر التقادم لمقدَّمين (٧) الألوف بالبذل، ويَلَباي مجنون لا يخفى ذلك. فقال السلطان: إذًا لا نأخذ منه شيئًا. وعُدّ ذلك من حُسن تصرّفات المحبّ هذا. ولا زال ترشيح هذا على التقدمة إلى أن تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم، فنقله

стр. 1017

إلى حجوبية الحجّاب عِوضًا عن بيبرس خال العزيز، لما نُقل إلى الرأس نَوبته الكبرى عِوضًا عن قانَم التاجر لما نُقل إلى إمرة مجلس عِوَضًا عن قَرقماس الجَلَب حين نُقل إلى إمرة سلاح، عِوضًا عن جرِباش كُرْد، لما نُقل إلى الأتابكية، عِوضًا عن خُشقدم بحكم تسلطنه بعد خلع المؤيَّد أحمد ابن (١) الأشرف إينال على ما تقدّم جميع ذلك في محلّه. ودام على الحجوبية إلى أن نقل السلطان بَرسْباي البجاسي الأميراخور الكبير إلى نيابة طرابلس، عوضًا عن أياس المحمَّدي الطويل، بحكم القبض عليه حين قدم من قبرس بغير إذنٍ وذلك في أوائل سنة ستّ وستين، فنقل يَلَباي هذا في ذلك التاريخ إلى الأمير اخورية الكبرى، ودام عليها مدّة إلى أن مات الأتابك قانم التاجر، فاستقرّ به السلطان في الأتابكية من الأميراخورية، وعُدّت من نوادره، فإنه كان يجلس في مجلس السلطان خامس جالس من الأمراء، فصار رأسهم دفعة واحدة، وكان ذلك في صفر من الخالية على ما أسلفناه هناك. ودام على ذلك إلى أن مرض الظاهر خُشقدم مرض موته، وثقُل فيه، وتكلّم الناس فيمن يُسلطن من بين الأمراء، ورُشح للسلطنة جماعة، منهم: تمُربُغا، وقُلَقْسيز، وقَرَقماس الجلب، وأحمد بن العَيني، بل وغيرهم. وكثُر كلام الناس في ذلك والقال والقيل. ولما قطع خواصّ خُشقدم الإياس منه وقعوا في حَيْص بَيْص، وكانوا جماعة، والمشار إليه فيهم خير بك الدوادار الثاني، فدبّروا سلطنة يَلَبَاي بأن اختاروه، وكانوا ذوي شوكة والأمر بيدهم. وكان اختياره رأي خيربك، وتبعه جماعة على ذلك وحسّنوا رأيه، ثم تبعهم من عداهم، وعقد له المُلك كما قلناه في يوم موت خشقدم على ما بيّنّاه، ولم يكن له في سلطنته خدمة ولا أُبّهة، مع قرنصته ووجاهته وقِدَم هجرته، لأن خير بك وأتباعه من جُلبان خُشقدم جعلوه كالآلة، فلم يكن له في سلطنته إلّا مجرّد الاسم فقط، وليس له من الأمر شيء، لغَلَبة الجُلبان له على الرأي. وكان السلطان في الحقيقة ومدبّر المملكة خيربك وحزبه. ومات يَلَباي هذا بالقصر في ليلة الأحد. ثم كان من تصرّفاته (المضافة إليه) (٢) وولايته وعزله، وإن كان ذلك عن رأي غيره ما سنذكره لك.

стр. 1018

[الأمر بسفر الأمراء إلى الصعيد] وفيه، في يوم الأحد حادي عشره أصبح السلطان الملك الظاهر يَلَباي بالقصر، وأول ما بدأ (١) به في هذا اليوم، بأن برز أمر لقَرَقماس الجَلَب، ويشبُك الفقيه، ومن عين معهما بالتوجّه لما عُيّنوا إليه من سفرهما إلى الصعيد في يومهم هذا، وكانوا مقيمين بالمراكب بساحل مصر، فما وسِعهم إلّا ذلك، وسافروا أرسالًا (٢). [الخلعة على الأتابك تمربُغا] وفيه، في يوم الإثنين ثاني عشره، خلع على الأتابك تمربُغا خلعة الأنظار المتعلّقة بالإمرة الكبرى، من ذلك نظر البيمارستان المنصوري على العادة. (ولاية قانبك إمرة مجلس) (٣) وفيه أيضًا خلع على قانبك المحمودي باستقراره في إمرة مجلس، عِوضًا تمربُغا دفعة واحدة، لكونه خُشداش السلطان وصاحبه قديمًا وحديثًا، وقديم هجرة (٤). [زيارة المؤلّف لقانباي وتهنئته] وتوجّهت إليه أنا في عشيّة هذا اليوم لتهنئته بذلك، فرحّب بي وأنس إليّ، وسألني عن أخبار الوالد، وذكر لى أن السلطان يَلَباي ذكره بخير. ثم ذكر لى أنه ذكَّره به، وبرز أمره بأن يحضر إلى القاهرة، وكان الظنّ بأنه مقيم بمكة المشرَّفة أو المدينة الشريفة، وذلك قبل ظهور خبر سفره إلى بلاد العراق، فأخبرته بأنني بلغني سفره للعراق، فتأوّه من ذلك وقال: هل لذلك صحّة؛ فقلت: لا عِلم لى بصحته، ولكنّه بلغني ذلك. [تقرير إقطاع تمربُغا لقانباي] ولما قُرّر قانبك في إمرة مجلس، قُرّ أيضًا إقطاع تمربُغا باسمه. وكان من حق الأتابكية أن يليها أمير سلاح، لكنْ لما لم يكن للظاهريّة غرض في التنويه

стр. 1019

بالأشرفية، لا سيما في مثل هذا المقام، عدلوا عن قرقماس إلى تمربُغا، خصوصًا وكلا الطائفتين من الظاهرية الجقمقية والخُشقدمية هما ذَوُو (١) الأمر بل السلاطين ومدبّرو المملكة. [الخلعة على تمر المحمودي] وفيه أيضًا، خلع على تمر المحمودي خلعة الاستمرار على عادته. [الخلعة على كاتب المماليك] وفيه أيضًا، خُلع على العَلَم أبى الفضل بن جلود (٢) كاتب المماليك، باستمراره أيضًا على وظيفته. [غرض السلطان في استمرار سفر قرقماس] وفيه وردت مكاتبة من يشبُك من مهدي كاشف الوجه القِبلي، بأنه لا حاجة إلى التجريدة لسكون الفتنة بولاية سليمان بن عمر (٣)، فلم يلتفت السلطان إلى ذلك ويُبطل التجريدة، بل سكت عن ذلك، إذ له غَرَض تامّ في سفر قَرقماس الجَلَب، وذلك لمندوحة ما سيأتي بيانه، ولأنه رأي خيربك وحزبه، بل الظاهرية الجقمقية أيضًا، خوفًا من ظهور الأشرفية (٤). [الخلعة على مباشري الدولة بالاستمرار في مناصبهم] وفيه، في يوم الخميس خامس عشره، خلع السلطان على جميع مباشري الدولة ما بين كاتب السرّ، وناظر الجيش، وناظر الخاص، والوزير، والأستادّار وغيرهم خِلعًا باستمرارهم على ما بأيديهم على عاداتهم كما كانوا. [النفقة للجند] وفيه نودي بالنفقة في الجند السلطاني في أول الشهر، وهو ربيع الآخر.

стр. 1020

(عمل المولد والبعث في قرقماس الجلب وغيره) (١) وفيه عُمل المولد النبوي بالقلعة بالحوش على العادة، وهو أول مولدٍ عمله هذا السلطان، ولم يتفق له عمل مولد آخر بعده لزوال دولته عن قرب كما سنذكره. وبينا هم في أثناء المولد وقبل الفراغ منه إذ ندب السلطان بَرْسْباي قَرا المحمدي، الذي هو رأس نوبة النُوَب في زمننا هذا الذي نحن به الآن، وجَكَم قَرا (٢) أميراخور الجمال الذي وُلّي نيابة الإسكندرية بعد ذلك، وطومان باي (٣)، والثلاثة ظاهرية، وأمرهم بأن يتوجّهوا إلى بلاد الصعيد فيقبضوا على قَرَقماس الجَلَب أمير سلاح، وقَلَمطاي الإسحاقي، وأرغون شاه أستادّار الصحبة، والثلاثة من الأشرفية البَرْسْبائية، وأن يتوجّهوا بهم من هناك إلى ثغر الإسكندرية فيُشْحنوا بها. وما عُلم ما سبب ذلك سوى تشهّي الظاهرية. [إعادة القطب الخيضري إلى كتابة السر بدمشق] وفيه في يوم السبت سابع عشره أعيد القاضي قطب الدين الخَيْضري إلى وظيفة كتابة السر بدمشق، بعد صرف السيد الشريف إبراهيم بن السيد محمد. (ولاية ابن (٤) بيغوت حجوبية الحجّاب بدمشق) (٥) وفيه أيضًا قُرّر في حجوبية الحجّاب بدمشق الصارم إبراهيم بن بيغوت الذي كان نائب القلعة بدمشق، وصرف عنها على ما مرّ ذلك في محلّه، واستقرّ في الحجوبية عِوضًا عن جَرْمرْد العثماني الذي يقال له شَرمَرْد. [عودة أُزبك من العقبة] وفيه ورد الخبر بقدوم أزبك رأس نَوبة النُوَب من العَقَبة، بعد أن ظفر بمبارك شيخ عربان بني عُقبة، وقبض عليه وعلى جماعة من أتباعه معه.

стр. 1021

وفيه، في يوم الإثنين تاسع عشره، وصل أُزبَك إلى القاهرة هو وجانبك قَلَقْسيز حاجب الحجّاب، وصعِد إلى القلعة وخُلع عليهما، ونزلا إلى داريهما. [توسيط مبارك شيخ بني عقبة وجماعته] وفيه، في هذا اليوم وُسِّط مبارك شيخ بني عُقبة المتقدّم خبره هو وجماعته الذين قد أُحضروا معه من عربان بني عُقبة، وكانوا نحو الخمسين نفرًا، بعد أن سُمّروا جميعًا ومبارك المذكور، وأُركبوا جِمالًا، وطيف بهم القاهرة، ثم وُسِّطوا عن آخرهم في آخر هذا اليوم. (ورود الخبر بكائنة سوار مع النواب وكسرهم) (١) وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشرينه، ورد الخبر على السلطان بأن بُرْدُبَك نائب الشام قد خرج عن الطاعة، وأنه قتل جميع من كان معه من النواب الذين خرجوا لقتال شاه سوار مجرّدين مع بُردُبك المذكور، وكان الأمر بخلاف ما جاء به هذا الخبر، بل كان الخبر الصحيح أن العسكر المصري التقى بعسكر شاه سوار، ووقع بينهما حرب تهاون فيها بُردُبك المذكور في محاربة سوار المذكور، وأخذت في جَوَلان العساكر لما كان عنده من الكمين من الظاهر خُشقدم، وكان ذلك سببًا مُفضيًا إلى كسر العسكر وانهزامهم أقبح هزيمة، وقتل من شاء الله تعالى منهم، وممن قُتل قانِباي الحَسَني (٢) نائب طرابلس وآخرون (٣) على ما سيأتي ذلك إن شاء اللَّه. وكانت هذه الكائنة أول كوائن شاه سوار مع العساكر المصرية، وأول واقعة له معهم، وهي التي أطمعته وقوّته على ما فعل بعد ذلك، مما سيُذكر ذلك في محلّه، لا سيما وقد بلغه قُرب تغيّر الدولة وزوال السلطان. وكانت هذه المقتلة مقتلة هائلة ذهب فيها الكثير من الأعيان، ونُهب فيها العسكر عن آخره، وما سلِم فيها إلّا كل طويل العمر، وأخذ بُردُبك نائب الشام فيها مأسورًا، وأشيع بأن ذلك باتفاق منه مع سوار على ذلك، وأن يظهر غيّه وكان كذبًا، نعم حصل منه الفتور حتى كان سببًا لأخذه أيضًا، وكان في ظئه أنه يخلّص بنفسه، فما قدّر الله تعالى له ذلك. ثم تمادت هذه الفتنة عدَّة سنين إلى سنة سبع حتى كان ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٤).

стр. 1022

(تواتر الأخبار بواقعة سوار شاه والعساكر الشامية) (١) وفيه- أعني هذا الشهر- تواترت الأخبار واستفيضت بالواقعة التي كانت من سوار وما جرى بينه وبين العساكر الشامية، وكسْرتهم الكسرة الشنيعة، وقتْلهم القتل الذريع، ونهب جميع ما معهم، وأسر نائب الشام، وقتل الكثير من الأمراء الكبار بتلك البلاد، منهم نائب طرابلس. وأن شاه سوار المذكور أخذ عدّة من البلاد والقلاع واستولى عليها، وأن يشبك البجاسي نائب حلب دخل إليها في أسوأ (٢) الأحوال وعلى أقبح الوجوه، إلى غير ذلك من الأخبار نحو هذا، وكلّما ترادفت هذه الأخبار زادت الشرور والفِتن أزْوَد بهذه البلاد، فما ظنّك بتلك، وزال الأمن وأخيفت السُبُل والطرقات، وأشيع بأنه لا مدبّر للمملكة، وأن السلطان كالآلة له اسم مجرّد عن المعنى، وأنه لا تصريف له ولا تدبير ولا يمكَّن من شيء، وكان الأمر كذلك لغلبة الغير على السلطان، فإنه كان في قبضة خيربك، وليته أتابكًا، أو بل من أكابر الأمراء ذوي الحنكات، ليقع رأيه بعض الموقع، بل كان دوادارًا ثانيًا فحسب، وفي كونه المدبّر للمملكة فساد كبير وطمع عظيم فيها، لا سيما وقد أشيع بأقطار المملكة أنّ حلّها وعقدها إليه، والأمور فيها منوطة به باجتهاده واختياره. وكان السلطان إذا سُئل في شيء أو عوتب على فعل شيء أو نحو ذلك يقول: "أيش كنت أنا؟ قل له"، يعني بذلك خيربك حتى صارت العوام تسمّى السلطان: "أيش كنت أنا، قل له". واضطربت بهذه المقتضيات أحوال المملكة وطمع فيها الطامع من سائر الجهات، واستشرف كل أحد، حتى خيربك نفسه على ما ستعرفه، وضعُف رأي السلطان جدًّا، وهو بعذرة في ذلك، لأنه لا شكوة له وهو محكوم عليه في قبضتهم -أعني الجُلبان- ولا ينفس له في أمرٍ من الأمور، وأيضًا قل: ولا قدرة له على ردع الأجلاب خصوصًا، والظاهرية الكبار بذلك راضون ساكتون. وزادت شرور الجلبان على ما كانوا عليه قبل ذلك في أيام أستاذهم ودولته، وعظُم أمرهم، لا سيما ولم يبق من يحكم عليهم ويأخذ على يديهم خصوصًا وهم الذين أقاموا السلطان. ونال الناس من النكد ما لا مزيد عليه. وباللَّه المستعان (٣). (ولاية أُزبك نيابة الشام) (٤) وفيه، في يوم الإثنين، سادس عشرينه، استقر في نيابة الشام أُزبَك من طَطَخ

стр. 1023

رأس نَوبة النُوَب دفعة واحدة، وعُدّ ذلك من نوادره، ثم وقع بعد ذلك ما هو أندر من ذلك، وهو ولاية برقوق لنيابة الشام في سنة خمس وسبعين من تقدمة ألف فقط، على ما سيأتي ذلك. وكانت ولاية أُزبك هذا للشام عِوضًا عن بُردُبك البجمقدار بحكم أسْره لشاه سواره، أو انضمامه إليه على ما زعم البعض (١). (ولاية قانبك إمرة سلاح) (٢) وفيه أيضًا خُلع على قانبك المحمودي باستقراره في إمرة سلاح، عِوضًا عن قَرَقماس الجَلَب، الماضي خبر البعث إليه بالقبض عليه (٣). [التجريدة إلى قتال شاه سوار] وفيه عيّن السلطان تجريدة للخروج إلى قتال شاه سوار، وجعل وقدَّم العسكر المصري قانِبك المحمودي الذي وُلّي إمرة سلاح، وأضاف إليه من مقدَّمين (٤) الألوف جانبك الإينالي حاجب الحجّاب الأشرفي المعروف بقُلَقْسيز، وبُردُبك هجين أميرجان دار، وعيّن من الطبلخاناة والعشرات جماعة كثيرة، وعين من الجند السلطاني ستمائة نفر (٥)، وكان بعد ذلك ما سنذكره (٦). (ولاية ابن مبارك نيابة حماة) (٧) وفيه- أعني هذا الشهر- استقرّ محمد بن مبارك في نيابة حماة، عِوَضًا عن تَنَم الحَسَني بحكم مرضه، وعَوده من تجريدة شاه سوار إلى مدينة حلب، ثم لم يتم لابن مبارك ذلك، وعُزل عنها لما حضر أُزبَك، وحضر معه إينال الأشقر، وكان إذ ذاك نائب غزّة، فنُقل إلى نيابة حماة، وصُرف ابن (٨) مبارك قبل خروجه إليها من القاهرة، ثم رُشح لنيابة غزّة فامتنع من ذلك (٩).

стр. 1024

[شهر ربيع الآخر] وفيها استهلّ ربيع الآخر بالجمعة بالرؤية، وطلع القضاة ومن له عادة في هذا الشهر في هذا اليوم لتهنئة السلطان بالشهر، وهو أول شهر هُنّيء به هذا السلطان. (تقدمة النفقة السلطانية) (١) وفيه في يوم السبت ثانيه، ابتدأ السلطان بالنفقة السلطانية على الجند والعسكر، وكانت هذه النفقة تقدمة على غير الوجه المستقيم، وعلى غير العدل والتسوية، ففُرقت على القويّ، ومن له جاهٌ أو شوكة، مائة دينار والشيخ المُسِنّ خمسون دارًا، وبعضهم خمسة وعشرون، ومن كان غائبًا قُطع أصلًا ورأسًا. وأمّا أولاد الناس والخدّام فلم يُلتفت إليهم، ولا أُعطوا شيئًا أصلًا، بل مُنعوا من ذلك. وكانت العادة جرت بالإنفاق عليهم من قديم الزمان، والظاهر يَلَباي هذا أول سلطان منع من الإنفاق عليهم، وكثُر الدعاء عليه بسبب ذلك، ولهجوا بزوال ملكه لقطْعه الرزق، على ما قاله العامّة، فكان كذلك، وزال على ما سيأتي ذلك. وقطع أيضًا نفقة الأمراء مقدَّمين (٢) الألوف التي جرت العادة بها إلّا من عُيّن للسفر. ثم تسلسل الأمر في تقدمة هذه النفقة في الأسبوع يومين (٣) السبت والثلاثاء، طبقة بعد طبقة، مع تراخ عظيم ومهلة زائدة حتى إنهم في بعض الأيام لم يُكملوا الطبقة مع تطاول الأيام. وذكروا أن سبب ذلك قلّة الأموال بالخزائن السلطانية، وأنها لا تُوفي بالنفقة. وكان جميع ذلك عن رأي خيربك لضعف رأي السلطان، وغَلَبة الغير له على الأمر، فصار الناس يتشاءمون بأيامه، وكثُرت فيها الفِتَن والشرور، وعظُمت جدًّا، وقلّ الخير، وغلت الأسعار، وهو مع ذلك لا يأتي بشيء لأنه في قبضة الغير، حتى صارت العوام تقول (٤): ليته لا تسَلْطَن، فإنّ عدمه خير من وجوده، لضعف تدبيره، والحَجْر الكلّي عليه، وعِظم أمر الجُلبان. وعمّت المصيبة بهم، بل ربما فعل خيربك أشياء من غير إعلام السلام ولا عرضه عليه، وزادت فتنة الجُلبان وأذاهم فإنهم كانوا في أيام أستاذهم ربّما حسبوا حسابه فاختشوا شيئًا، وأمّا الآن فكانوا هم السلاطين، بل كانوا يصرّحون بالمنّة على السلطان وأنهم هم العالمون بأمره والمُسلطنين له. فانظر بعقلك ماذا يلزم على هذا من المفاسد، فكأنّ السلطان بهذه المقتضيات كلا شيء، ولا مهابة له ولا حُرمة في النفوس، لا سيما وقد لمزه

стр. 1025

الكثير من أعدائه بالجهل والحماقة والبلادة والأمّية، بل والجنون (١). (ولاية قُلَقْسِيز إمرة مجلس) (٢) وفيه، في يوم الإثنين حادي عشره، استقر جانبك قُلَقْسِيز في إمرة مجلس، عِوضًا عن قانبك المحمودي، بحكم انتقاله إلى إمرة سلاح، عِوضًا عن قرقماس الجَلَب على ما تقدّم (٣). (ولاية بُردُبَك هجين حجوبية الحجّاب) (٤) وفيه استقرّ في حجوبية الحجّاب بُردُبك هجين، عِوضًا عن جانبك قُلَقْسيز (٥). (ولاية قايتباي رأس نوبة الكبرى) (٦) وفيه استقر في الرأس نوبة الكبرى قايتباي المحمودي سلطان عصرنا الآن، وكان من مقدَّمين (٧) الألوف، وقرّر إقطاع أُزبك أيضًا باسمه، فإنه ولي الرأس نوبة عن أزبك المذكور (٨). [ولاية سودون تقدمة قايتباي] وفيه قُرّر في تقدمة قايتباي سودون القَصرُوي، نقلًا إليها من نيابة القلعة، فصُيّر من مقدَّمين (٩) الألوف في هذا اليوم (١٠).

стр. 1026

[تعيين خُشكلدي البيسقي مقدَّم أولف] وفيه صُيّر خُشكلدي البَيسقي الظاهري خُشقدم من جملة مقدَّمين (١) الألوف أيضًا (٢). [استقرار سودون البُردُبكي في نيابة القلعة] وفيه، في يوم الثلاثاء ثاني عشره، استقرّ سودون البُردُبكي المؤيَّدي المعروف بالفقيه في نيابة القلعة، عِوَضًا عن سودون القَصرُوي. (ولاية إينال الأشقر نيابة طرابلس) (٣) وفيه، في يوم الأربعاء، ثالث عشره، استقر في نيابة طرابلس إينال الأشقر الذي تقدّم خبر ولايته حماة، وذلك بعد فَقْد قانباي الحَسَني في نوبة شاه سوار، وشغور نيابة طرابلس عنه، وكان ذلك بسعيٍ من إينال المذكور قبل وصوله إلى حماة والتحدّث في نيابتها، وكُتب إليه تقليدةً بذلك (٤). [إعادة محمد بن مبارك إلى نيابة حماة] وفيه، في يوم الخميس، رابع عشره، أعيد إلى نيابة حماة الناصري محمد بن المبارك، وعُدّ ذلك من النوادر، كونه وُلّيها ثم عُزل عنها قبل الخروج إليها سريعًا، ثم لم يتم أمر من وُلّيها فيها، وأعيدت إليه، وكونه لم يتولّ غيره بعد عرضها عليه، حتى عُدّ ذلك من عُلوّ همّة محمد بن مبارك هذا (٥). [استقرار مُغُلْباي الظاهري في شادّية الشراب خاناة] وفيه، استقرّ مُغُلْباي الظاهري من الخُشقدمية المعروف بأُزُن سقل في شادّية الشراب خاناه، نقلًا إليها من حسبة القاهرة، عِوضًا عن خُشكلدي الماضي خبر تقدمته (٦).

стр. 1027

[حسبة القاهرة] وفيه استقر طَرَباي الظاهري خُشقدم في وظيفة حسبة القاهرة، عِوضًا عن مُغُلْباي المذكور (١). [أستادّارية الصحبة] وفيه استقر في استادّارية الصُحبة سودون الشهابي أحمد بن إينال، وأُمّر عشرة، واستقر في الوظيفة عِوَضًا عن أرغون شاه الأشرفي، بحكم القبض عليه وسجنه على ما تقدّم (٢). [تأمير جماعة من الجُلبان] وفيه أُمّر جماعة من الجُلبان وغيرهم فوق الخمسة عشر نفرًا، كلٌّ أمّره عشرة، منهم: أركماس البوّاب (٣) الظاهري خُشقدم، وخُشداشيه قايت البوّاب (٤) الأبرص، وطَرَباي (٥) الذي وُلّي الحسبة وكان بوّابًا، وأصباي (٦) الذي تقدّم ذِكره في كائنة قتْله القتيلين في أيام أستاذه، وأص تمر (٧) البوّاب، وجانَم الدوادار، ومُغُلباي الساقي (٨) قريب الأمير قايتباي وابن (٩) أخته، وهم الكلّ من جُلبان الظاهر خُشقَدم. وأمّر من الظاهرية الجقمقية: أُزبك اليُوسُفي (١٠) المعروف بناظر خاص، الذي هو الآن أحد مقدَّمين (١١) الألوف بعصرنا هذا، وكان ساقيًا، وأُمّر أيضًا قانَم

стр. 1028

المعروف بقُشَير (١) الذي وُلّي الإسكندرية بعد ذلك على ما سيأتي. وأمّر منهم أيضًا قانَم أمير شكار (٢)، وجَكَم قَرا (٣) اميراخور الجِمال، وقرقماس أميراخور. وستأتي تراجم هؤلاء في محالّها إن شاء الله تعالى. وتأمّر من السيفية في هذا اليوم أيضًا: تمُرباي التمرازي المِهْمَنْدار، وبَرسْباي (٤) خازندار يونس الدوادار الذي صار بعد ذلك أستادّار الصحبة، ووُلّي إمرة الحج بالأول، ثم بالمحمل، وستأتي ترجمته والآخرين إن شاء الله تعالى (٥). [تخلُّص بردُبك من الأسر] وفيه ورد الخبر بأن بُردُبك نائب الشام خلّص من أمر شاه سوار، وقدم إلى مَرعَش، بل وقيل بأنه كان معه، ثم فارقه لما بلغه وفاة الظاهر خُشقدم، ووصل إلى مَرْعَش، ثم رحل إلى قارا (٦) ثم كان من خبره ما سنذكره (٧). [الإمساك بنائب الشام وهو عند غزّة] وفيه في يوم الخميس، أظنّ سابع هذا الشهر، تواترت الأخبار بأن بُردُبك نائب الشام وصل إلى مدينة غزّة، وجاوزها طالبًا القاهرة. ولما تحقّق السلطان ذلك ندب في الحال تمرباي المهمندار، وجَكَم الظاهري أحد الخُشْقَدمية، وأمرهما بأن يسرعا متوجّهين إليه ويستقبلانه، وفي أيّ مكانٍ وجداه يأخذاه ويتوكّلا به، إلى أن يوصلاه إلى القدس، ليقيم به بطّالًا حتى يرى السلطان رأيه فيه. فتوجّها إليه. ثم كان من أمره ما سنذكره قريبًا (٨).

стр. 1029

[فساد الحال أيام يلباي] وأشيع بأن جميع هذه الآراء المضافة إلى الظاهر يَلَباي ليس له فيها دخل، بل هي صارت عن رأي خيربك وطائفة، لا عن نفس السلطان باختيارٍ منه، وإنّما هو مضطر إلى ذلك خوفًا على نفسه، وكُسر ناموس السلطنة جدًّا في هذه الأيام، وزاد تهكّم العوام، بل وزادت الشرور، وكثُرت الفِتن، وعظُم البلاء والفساد بالنواحي والبلاد، ودارت لفظة "أيش كنت أنا، قُلْ لُو" بهذه العبارة بين العوام، ويعنون بذلك السلطان، ويشيرون إلى أنه لا أمر له ولا نهْي، بل ويصرّحون بذلك تقريعًا وتنكيتًا. وكانت أيامًا عجيبة في بهدلة السلطنة وقوّة شوكة الظاهرية الخُشْقَدميّة، وتضاعف الضرر بالناس، حتى كشف الله تعالى تلك الغُمّة عن قريب، وزاد الحمد للَّه والشكر على ذلك على ألْسِنة العوام. وزال مُلْك يَلَباي كأنه لم يكن، أو كاد أنه ما كان لعدم التمكّن والإمكان، وضعف القوة والسلطان. ويقال إنه كان- أعني الظاهر هذا- يُسِرّ إلى إخِصّائه بأن الأشياء الصادرة لا عن آرائه، وأنه محجور عن التدبير والاستبداد بالأمر، وأنه كالمجبور على ما يضاف إليه، وأنه لو استبدّ بالأمر لفعل وفعل، ويذكرون عنه أشياء حسنة كان في قصده أن يصدر عنه، وذلك مما يُنبيء أنه كان في قصْد حَسَن، وفيه خير للمسلمين، فلعلّ لأجل ذلك عاجَلَ الله تعالى أخذه، ولم يهيّئ له أسباب الاستبداد، حتى يتمّ فساد هذا العالم، فإنه المسكين ما ظهر منه نتيجة من يوم سلطنته إلى يوم زواله. (ضيافة أُزبك وخروجه إلى نيابة الشام) (١) وفيه، في يوم الأحد، سابع عشره، بعث السلطان بطلب أُزبَك نائب الشام إلى ضيافةٍ هيّأها له في هذا اليوم، واحتفل بها، وكانت ضيافة هائلة، حضرها أُزبُك المذكور عند السلطان بالبَحْرة. ولما انتهت الضيافة خلع عليه، ونزل مبيِّتًا على سفره في الغد، وكان نزوله من هذه الضيافة إلى داره بأُبّهة زائدة، ثم أصبح من غده في يوم الإثنين ثامن عشره، وهو مبرّز للخروج من القاهرة لمحلّ كفالته، فطلّب تطليبًا هائلًا، وعُمل له الموكب بالقصر، وجلس السلطان بالشبّاك الأعظم الذي بالقصر لرؤية خروجه بطُلْبه، واجتيازه بالرُميلة تحت القلعة، ومرّ الطُلْب شاقًّا الرملة بأبّهة زائدة وتجمّل عظيم، وتوجّه إلى الريدانية، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم استقلّ بالمسير إلى جهة دمشق (٢).

стр. 1030

(قراءة تقليد السلطان) (١) وفيه، أعني هذا اليوم، كانت قراءة تقليد السلطان بالقصر الكبير، وحضر الخليفة والقضاة الأربع، فلما تمّت قراءته أُحضرت الخِلَع، فخلعٍ على كاتب السرّ، ثم قضاة القضاة على الترتيب ثم الخليفة، ونزلوا، وكان وقتا مشهودًا، لكنْ لا طلاوة عليه لكون أنّ السلطان فيه كالعارية أو الآلة. (وصول بُردُبك البَجْمَقْدار إلى القاهرة) (٢) وفيه- أعني هذا اليوم، في آخره- قدم بُردُبك البَجْمَقدار نائب الشام إلى القاهرة، واختفى بمكان بظاهرها، وبعث إلى تمر الوالي خُشداشه يعرّفه بمكانه، وأنه تجهّز في تلطيف أمره، فعرّف تمر السلطانَ بذلك، فقامت قيامته. فيقال إن بُردُبك هذا ما اجتاز في قدومه بقَطْيا ولا قدِمها. ويقال: إنه اجتاز بها مختفيًا، وأبعد عند الدَّرْكاه (٣) فلم يجتز بها، ولم يَصدف تمرباي المهمندار وجَكَم، ففاتاه وفاتهما. ويقال: إنهما رأياه وتواطآا (٤) معه على عدم معارضته، وأنهما اجتمعا به في ذلك خفية، ومكّناه من التوجّه للقاهرة عساه تُعمل مصلحته، وأظهرا أنهما لم يصدفاه. ويقال بأنه اجتاز في مجيئه على البدوية لا على قَطْيا. ويقال غير ذلك. وما حرّرت ذلك، واللَّه أعلم. ثم عاد تمرباي وجَكَم، وقبل أن يصلا للقاهرة وصل هو إليها، ولما تحقّق السلطان ذلك وقامت قيامته ندب أزْدَمر من يَلباي الظاهري المعروف بتمساح (٥)، بأن يتوخه إليه لمكانه الذي هو به وتوكّل به حتى يوصله إلى القدس بطّالًا، وأنه لولا مراعاته لما حلّ به الخير، فتوجّه أزدمر هذا وفعل ما أُمِر به، وأوصله إلى القدس، وعاد بعد أيام.

стр. 1031

٣٦٧ - وأزدمر هذا هو الذي يقال [له] التمساحي، وتمساح أيضًا، وهو أحد مقدَّمين (١) الألوف بعصرنا هذا، فكان ممّن بقي من كتابيّة الأشرف بَرْسْباي، ومَلَكَه الظاهر بعده، وصيّره خاصكيًّا في دولته، ثم أمير عشرة في دولة الظاهر خُشقدم، وصُيّر من رؤوس (٢) النُوَب، ثم رقّاه خُشداشه الأشرف قايتباي بعد أن تسلطن، كما سيأتي، أنْ صيره من الطبلخاناة، وولّاه الرأس نوبته الثانية بعد بُردُبك المشطوب، ثم نقله إلى تقدمة خيربك من حديد بعد مدّة من ذلك، لما أخرج خيربك هذا مغصوبًا عليه إلى قلعة دمشق، بعد كائنة باينْدر على ما سيأتي. وبئس البديل ذلك الخيّر، الديّن، الفقيه، الصالح، بهذا الجاهل، السيّئ، الفاسق، ولعلّ النسبة عنهما التَّضادّ. وخرج أزدمر هذا أميرًا على الحاج بالمحمل في سنة ثمانٍ وتسع وثمانين، ولم تُحمد سيرته في ذلك، وهذا شأن سيّئ السيرة في كثير من أحواله، ويُذكر عنه أشياء كثيرة، من جملة ذلك التظاهر باللواط مع شيخوخته، ويوصف ببُخل وشُح زائد. وشهرته تُغني عن مزيد ذكره، لكنّه من الفرسان الشجعان. وقد بلغ السبعين سنة، أو جاوزها. [إمرة الحاج بالمحمل] وفيه، في يوم الثلاثاء، تاسع عشره، استقر في إمرة الحاج بالمحمل جانِبك كوهيه (٣)، أحد مقدَّمين (٤) الألوف، وخلع عليه بذلك وعلى تَنِبك الأشرفي المعروف بالمعلّم (٥) في إمرة الركب الأول (٦). [شهر جمادى الأول] وفيها استهلّ جمادى الأول (٧) بالأحد، وهُنّيء السلطان به.

стр. 1032

[الإشاعة بفتنة الخشقدمية] وكثُرت فيه الإشاعة بين الناس بأن الجُلبان الخُشقَدَمية قد أضمروا شرًّا، وأن في قصدهم إثارة فتنة وأن يركبوا، ولم يُعلم صحة هذا الخبر، غير أن الأمراء المؤيَّدية من خُشداشي السلطان كيشبُك الفقيه، وكان قد حضر من الصعيد بعد التوجّه بقرقماس الجَلَب ومن معه إلى سجن الإسكندرية، وقانِبَك المحمودي، ومُغُلباي طاز، وجانِبَك كوهيه، وجُمَيْعة أُخَر، امتنعوا من الطلوع إلى القلعة للخدم السلطانية في هذه الأيام، وهم يختشون ويحذرون من خير بك وأصحابه. لا يُثنون عليهم. ثم أشيع بأن السلطان متواطئ مع المؤيديّة على عدم طلوعهم، وأنه هو الذي قال لهم: إفعلوا ذلك، ونقص وكثُر القيل والقال. ثم آل الأمر في ذلك إلى اتفاق المؤيّديّة مع الطائفة الأشرفية البَرْسْبائية والإينالية، كل ذلك بتدبير السلطان يلباي وتواطئه مع خُشداشيه على ذلك. وكان تدبيرًا لائقًا، ولكن لم يتم برأي معكوس رآه يشبُك الفقيه، وكان فاسدًا لا رأي لمن دبّره، ولا يكاد أن يكون عنده مسألة (١) من عقل، كل ذلك لنفوذ القضاء والقدر، وبلغ الجُلبانَ ذلك وتحقّقوه، فخافوا على أنفسهم، فأخذوا في الإنكار، واجتمع رأيهم قبل تشتّت الكلمة وغلبة الأعداء، حيث قيام شوكتهم وبقاء كلمتهم وغلبتهم على الأمر، وتمكّنهم من السلطان ومَلْكهم القلعة، واتفاق كلمتهم مع الظاهرية وآرائهم أن أطلعوا الظاهرية على ما في ضميرهم، واتفقوا معهم -أعني مع الظاهرية الجقمقية- إذ هم الذين كانوا قاموا بدولة أستاذهم الظاهر خُشقدم، وهم وإيّاهم طبقة واحدة، وكلمتهم متفّقة وهم حلفاء. وكان الظاهر يَلَباي لما حَجَر عليه خيربك وحَرَمه، ودبّر هو المملكة كما يريد ويختار، مع إضافته للسلطان وهو لا يريد ذلك، واختش من شوكة الجُلبان، ومن شروعه في قبْضه عليه، أخذ في تدبير جيّد لو صعِد معه، فاتفق مع أعقل خُشداشيه حينئذٍ وأكملهم رأيًا وعزمًا في زعمه، وهو يشبُك الفقيه الدوادار الكبير، في أن يحرّك فتنة تكون مندوحة لحصول غرضه من استبداده بالأمر، وأمر بأن يجمع من اتفق وإيّاهم من الطائفة الأشرفية البَرْسْبائية والإينالية، بل والسيفية، ويوضح لهم الأمر والمقصد، ويعرّفهم بأنّ من قصْده القيام لأجل تخليص السلطان من الأسر، وطيّ بساط الظاهرية من الطائشين، وسُئل الجميع من البين (٢)؟ ويقول لهم إن لم تفعلوا ذلك وإلّا فقد هلكتم كلكم، ويعدّد لهم مساوئ الظاهرية

стр. 1033

واتفاقهم مع الخُشْقدمية عليهم، وقام وإيّاهم أتمّ القيام، على أنّ له الجُلبان ومَن هو من حزبهم، ثم يكون المقرّبون وذوو (١) الأمر والنهْي هم وأعيان خُشداشيهم. وكان هذا الرأي رأيًا حسنًا لا بأس به، بل كان رأي حزم وتدبير صادر عن عقل تام ومعرفة وخبرة زائدة وحنكة. لكنْ لو لم يطّلع أولئك عليه، ولا على كون السلطان هو المدبّر له، بل اطّلعوا عليه قبل تمامه، فأخذوا في نقضه قبل انبرامه، ولم يطّلع من دبّره على أنهم اطّلعوا عليه، ففات الحزم بسبب ذلك، وضاقت فيه المسالك، وعلم الظاهرية الخُشْقَدمية أن الغرض من ذلك إنزالهم من القلعة، بل إزالتهم ومن هو على طريقتهم أصلًا ورأسًا، ليستبدّ يَلَباي بالأمر، فيقبل الظاهر يَلباي ومن معه على ما هم عليه من إطلاع أولئك، وكان جُلّ غرض يَلباي إزالة الجُلبان، بل وبعض الظاهرية، وإذا تحرّكت الفتنة يُظهر هو أنه لا غرض له عند أحد، ولا معه، ثم يأخذ في التحيّل في عمل مصلحة نفسه على يد غيره، ويُظهر بأنه كالحَكم بين من أثار الفتنة وبين الجُلبان، حتى يأمر بنزولهم على جهة المصالحة بينهم وبين الثائرين، كأنه أرضى الطائفتين قبل أن يتقاتلوا، ويُظهر صورة الصلح بينهم، وأنهم إذا اجتمعوا ثم قاموا يقال هو غير ذلك. ثم نزل إليهم لمنزل يشبُك الفقيه هو وجماعة من الظاهرية الكبار، ثم إنْ قدر على إزالة الجلبان أصلًا ورأسًا فعل، و [إ] لّا فلا أقلّ من أن يُصلح بينهم لكبت هذه الفتنة بنزولهم. ثم إذا استفحل أمره بعد ذلك يفعل ما يشاء، هذا بعد أن يركب (٢) التحاتي ويعلنوا بالقيام عليه قبله، ويبعث هو إليهم فيسألهم عن غرضهم من ركوبهم ما هو؟ مُظهِرًا بأنه لا شعور له بشيء مما هم فيه، فبالضرور أن يجيبوا بأنّ جُلّ غرضهم التساوي، كونهم أسفل القلعة، لأنهم لا تعجبهم حال الجُلبان، وأنهم لا طمأنينة لهم بهم ولا بخيربك وغيره من الخُشْقدمية، ولا يريدون أن يكون كل إنسان إلّا فيما هو بصدده، ولا يداخلون السلطان ويقلّبونه على التعالي، ويفعل لهم ما يختارونه (٣)، ولكون هذا القول عندما يظهر غلبة الجُلبان وتلاشي أمرهم، فإذا أذعنوا للنزول وخلت القلعة منهم استبدّ هو حينئذٍ بالأمر، وفعل ما في ضميره. ولقد كان هذا رأيًا صائبًا كما بيّنّا، ولكن لو لم يطَّلع أولئك عليه كما ذكرناه، أو لو نزل هو في أول الأمر فخنق الكائنة لأتى بيانها، أوْ لو أذِن لهم بأن يطلعوا إليه حين تظاهروا بالركوب يدًا واحدة إلى القلعة قبل اطّلاع الجُلبان على الحال والوقوف عليه، ثم يأخذوا في أسباب تمام ما دبّروه، حتى يتم لهم ذلك، لكن لا مفرّ من القَدَر، وإذا نزل القضاء غمّ البصر، ففات هذا المقدار من الرأي، وفات التحاتي التدارك، كما سنذكره

стр. 1034

لك. واطّلع خيربك وأتباعه على رأي أولئك، وأنه حيلة ومكيدة لزوالهم، فأول شيء فعلوه بعد أن وقع لهم خبط كبير في الرأي، أنْ زاد احتياطهم على يَلَباي الظاهر، كما ستعرف ذلك، وصار معهم كالموكَّل به، بل وكّلوا به في صورة الخدمة له، وأدرك هو ذلك، ولا قدرة له ولا رأي عنده في دسّه للتحاتي بإعلامهم بما اطّلِعوا عليه، ليبنوا رأيهم على ذلك، فإنّ التحاتي ما شعروا بذلك أصلًا، ولا جاء ببالهم أن يطّلع أولئك عليه. ولما اطّلع خيرُبَك والجُلبان على هذا الأمر والمقصد، احتاجوا إلى الإذعان للطائفة الظاهرية الكبار، ويحسّنوا لهم أن يكون كلّهم كلمة واحدة على قلب رجل واحد، ولا الذي يصيبهم هو بعينه صائب الآخر، فاتفقوا على خلع الظاهر يَلَباي، وولاية الأمر من شاءه الظاهرية الكبار من أكابر أعيان الأمراء منهم، فوافقهم (١) الظاهرية على ذلك، لا سيما وهو غاية مقصدهم، ومنتهى بُغيتهم، وأقصى أَرَبهم، فأخذوا -أعني الظاهرية الكبار بعد ذلك- في التدبير على عوائدهم في حِيَلهم ومكايدهم، وذلك هو الحزم في مثل هذه الحالات، وفي هذا المقام، بل هو العزم، فأول شيء بدأوا به استمالتهم كبير الطائفة الأشرفية الكبار، وهو إذ ذاك جانبك قلقسيز أمير مجلس، لا سيما وقد قبض يَلباي على قرقماس الجَلَب وغيره من الأشرفية خُشداشيه، بأن أسندوا ذلك إلى يَلَباي، وحسّنوا له أن جُلّ غرض يَلَباي الإنفراد مع طائفة المؤيّدية ومعهم السيفية، وإزالة أكابرنا وأكابركم وأكابر الخُشقدمية، وأنه لا غرض له في غير ذلك. ولما سمع جانبك ذلك مال إليهم وصغى (٢) لقولهم، لا سيما مع ما هو فيه من السذاجة، لا سيما في مثل هذه الأوقات، فوعدهم باستمالة طائفته وممالأتهم على المؤيديّة، وإنّ درَك استمالتهم مع الطائفتين عليه، وتوافقوا، بل ويقال تحالفوا على ذلك بأن يكونوا عُصبةً واحدة على من عداهم، وكان ذلك بعد أن اطّلع خيربك وحرسه على ما أضمره (٣) يَلباي، وما اتفق عليه مع المؤيّديّة أظنّه، فنقل إليهم من بعض الأفواه، بعد ركوب يشبُك الفقيه في اليوم الآتي، فدبّروا هذه التدابير، ورأوا هذه الآراء في آخرتها، والخميس الآتي ذكره. وكان قبل هذا التدبير ما سنذكره، وإنّما ذكرنا هذا مقدّمًا على وقته لأن عليه يتّسق الكلام ويحسُن الانتظام، لتكون على بصيرة من هذه الكائنة، وإن كان قد وقع بعد ذلك (٤).

стр. 1035

[تهيئة الظاهر يَلَباي للموكب] وفيه، في يوم الأربعاء، رابعه، تهيّأ الظاهر يَلباي للموكب في يوم الخميس على العادة، فعُملت القبّة [و] الخدمة بالقصر على العادة، وطلع الأمراء مقدَّمو (١) الألوف على العادة الجارية في ليالي الخدمة للمبيت بالقصر، وطلع في جملة من طلع جانِبَك قلقسيز، ولم يخالف في الطلوع سوى يشبُك الفقيه، وقانِبَك، ومَن تقدّم ذِكرهم، وهم على عادتهم قبل ذلك في الانقطاع عن المواكب في هذه الأيام، لما بيّنّاه لك فيما أسلفناه، وخاصة جماعة أُخَر غير من ذكرنا من الأمراء المؤيّديّة، ومنهم طوخ الزَّرَدْكاش (٢)، وهو من أجلّ الأمراء من الطبْلخاناة، وكان قد نقل غالب ما بالزَرَدخاناة السلطانية من الآلات والأسلحة، حتى القبّة والطير، فإنها أُخفيت من ذلك اليوم، ولم يوجد بالزَرَدخاناه ما ستعرفه، وفُقد من الزردخاناه أشياء أُخَر كثيرة، ونزّل أكثر آلات الزَّرَدْخاناة إلى دار يشبُك الفقيه، لأجل أن يحصّنها، فإنه أخذ في تحصينها لا سيما الباب، ونزل طوخ بهذه الآلات من غير شعور أحدٍ من الجُلبان، ولم يدع بالزَّرَدْخاناة إلّا أشياء يسيرة، ونزل بعامّة ما كان بها من آلات الحرب والأنفاط وغير ذلك إلى دار يشبُك كما قلناه، وذلك بمواطأته مع السلطان على ذلك، وأخذ يشبُك الفقيه في هذه الليلة -أعني ليلة الخميس خامس جماد الأول- يدبّر حاله ويحصّن داره وبابها وحيطانها، ومعه عدّة جماعة كبيرة ممن انضمّ عليه من المؤيّديّة والأشرفية الكبار البَرْسْبائية، وفيهم جماعة من الأعيان، ما بين أمراء عشرات، وغيرهم من أعيان الأغوات من الخاصكية والأجناد، وكذا الطائفة الأشرفية الإينالية، وجماعة أيضًا من السيفية، من أمراء وخاصكية، واجتمع من ذلك الجمع الوافر من العساكر، وصاروا من المقاتلين لأخصامهم بالقوّة. (واقعة يشبُك الفقيه) (٣) وفيه، في يوم الخميس خامسه، أصبح يشبُك الفقيه معلنًا بظهوره عن القوة (٤) إلى الفعل، وقد تكاملت عنده تلك الطوائف التي قدّمنا ذكرها (٥)، وتوفّرت

стр. 1036

الجموع التي كان وقع الاتفاق معهم على ذلك، فحضر الجميع إلى منزل يشبُك هذا، وهُرعوا إليه من كل جانب، ووردوا عليه، وأظهروا لامة الحرب والقتال، فتدرّعوا وتسلّحوا، واجتمع على يشبُك هذا من الخلائق ما لا يكاد أن يُعدّ ولا يُحدّ، من كل طائفة، ونالت الزُّعْر من العامّة والعبيد معه، وكانوا جمعًا هائلًا حافلًا إلى الغاية، وبلغ ذلك مَن بالقلعة، فخافوهم الخوف الشديد الذي ما عنه مزيد، وبَدَرُوا بلبْس آلة الحراب والضراب، واضطّربت القلعة وماجت، و [لو] قصد إلى جهة القلعة وضربها بقدمه قبل تمام أمرهم واطّلاعهم على حقيقة ما دبّره هو والظاهر يَلَباي، لكان له شأن وأيّ شأن، لكنه لم يخرج وتقاعد، فلم ينتج من أمره شيء (١)، ولا من أمر من كان معه في البيان، لعدم مَن يقوم بأمرهم، وكانت المندوحة في تباعد يشبُك عن الركوب بنفسه، والسبب فيه ما قدّمناه لك من تواعده مع السلطان، حين وقع اتفاقه معه وتواطؤه (٢) في أمر هذه الوقعة، بأنه ينزل إليه ومعه الظاهرية الكبار، ظنًّا منه أن ذلك في وُسْعه، وفاته الحزم في ذلك، وما فكّر في كونه يصير كالأسير، بل ومحكومًا عليه في قبضة خيربك ومن معه من حزبه، حين اطّلاعهم على باطن القضية، فكان كذلك. وكان يشبُك لم يعلم بذلك، فبقي في هذا اليوم كأنه مقيّد عن البيان، لأنه في انتظار أن يأتيه السلطان، ففشل بسبب تواعده الكثير من جمعه، بعد أن خاف منهم مَن بالقلعة ومن الخُشقدمية خوفًا شديدًا، ولما رأى القَلْعيّون عينها، أخذوا السلطان، ونزلوا به إلى باب السلسلة للإسطبل، فأجلسوه بالمقعد المُطِلّ على الرُميلة، وهم غافلون عن مواطأته مع يشبُك، ظانّين بأن يشبُك حنق من السلطان، وقام عليه يطلب الأمر لنفسه، ثم شرعوا في قتال أصحاب يشبُك ممّن أُسِر بالرملة منهم، وهو جالس بداره، والعساكر تخرج منها أفواجًا أفواجًا، ويقصدون الصليبة، وتنزل الجُلبان إليهم من القلعة، فتارة يقع القتال والحرب بينهم بوسط الصليبة وتارة بالبياطرة بسفل الخانقاه الشيخونية، وتارة برأس سُويقة عبد المنعم. وكنت أنا في ذلك اليوم في أوائل النهار بالخانقاة الشيخونية، فكانت التحاتي تأتي إلى القتال، ويحرّضون بعضهم البعض، بعد [أن] يقول بعضهم لبعض: ما ركب الأمير؟ على جهة الاستفهام، ويَعْنون يشبُك الفقيه، فيقال: لا تفتر همّتهم وعزائمهم، ولا زالوا متطلّعين إلى غلبة أخصامهم، مستشرفين لأخذ القلعة في ساعتهم تلك. وتقاعد يشبُك في هذا اليوم لأمرٍ قدّره اللَّه تعالى، ولا يقربه حتى

стр. 1037

بقي الزُعر يقولون للجند ألّا يتوجّهوا للأمر فتركبونه ويُحطّم حطمة واحدة، وينقضي بالفعل، فإن القلعيّين في غاية الخوف منّا، ألا أمضوا إليه واغْصِبوه على ركوبه، وتزحف الحربية زحفة واحدة، فنأخذ القلعة، وكان يبلغ يشبُكَ ذلك، وهو مع ذلك متقاعد جالس بداره، وهو يحرّض على القتال، منتظرًا نزول السلطان إليه براية العسكر، غير مفكّر فيما هو فيه يَلَباي، على أن يلباي كان في هذا الوقت قبل إطّلاعه على باطن القضية يمكنه أن يطلب مركوبًا، وينزل بنفسه في الحال، قائلًا: أنا أنزل إليهم بنفسي، وأنظر لِمَ (١) قاموا هذه النائرة، وادعُهم يفعلون (٢) بي ما شاءُوا (٣)، بل أنا الذي أخرجتهم من الأمر، وانظر ماذا غرضهم من قيامهم، وكان لا مانع له من ذلك في بكرة النهار، قبل الاطّلاع على ما كان وقع به من العوالي (٤)، فإنهم ما عرفوه، ولا اطّلعوا عليه إلّا بعد حين، لكنّه المسكين كان بريئًا، ودَهَمَه الفِكر، وبقي يختشي أن يطّلعوا على مقصده، ويظنّ أن يشبُك إذا استبطأ (٥) نزوله إليه ركب بنفسه، فطلع هو إليه، ولهذا لم يقتحم النزول إليه، ولا اهتدى إلى أن يرسل إليه بإعلامه، بأنه يختشي من إطّلاعهم، ويأمره بأن يركب ويجيء إلى باب السلسلة، ويشبُك أيضًا لا مروءة عنده بأن يقوم فيركب، ويتلافى الأسر بنفسه، لا سيما بعد أن اطّلع على مقصد يَلَباي وتواطئه مع يشبُك، فبقي يشبُك قبل الاطّلاع ينتظر طلوع السلطان، والسلطان ينتظر يشبُك، حتى فَرَط الفارط، واطّلعوا على مقصدهم، وباتوا طواء عليه، وكان ذلك في آخر النهار، فأخذ القلْعيون، وهم خيربك وحزبه ومن عنده، يدَبّرون الأمر في ذلك، حتى غلب تدبيرهم على تدبير أولئك. وكان من خبر ذلك أنه لما زاد القتال في هذا اليوم بين التحاتي ومَن بالقلعة من الجُلبان بحرب الفواق غاية الحيرة، وداخَلَهم الخوف الشديد، وكان أمر التحاتي أن يروج وينتج إنْ لو كان يشبُك ومن معه من الأمراء قد حضروهم وركبوا بنفوسهم، لكن لم يتّفق له ذلك لِما قدّمناه. ودام القتال بين الفريقين في شوارع الصليبة من أول النهار إلى آخره، وقُتِل منهم طائفة متعدّدة من الفريقين، وتباطأ (٦) الناس والزُعر، يشبُك الفقيه ومَن عنده من الأمراء ونحوهم. وظنّوا أن تقاعده عن القتال بنفسه عجْزًا منه عن مقاومة مَن بالقلعة، وكان هذا سببًا لانتكاسه وخموله، وبداية انحلال أمره وانحطاطه، ونَفَرَ عنه أكثرُ الخلق، بعد أن كانوا قد قاموا بهمّةٍ

стр. 1038

وعزم قويّ، وكان أكثر نفْرهم إلى ركوبه، وهو لا مُرُوّة عنده في أن يقوم فيركب بمن معه. واتفق لي آخر هذا اليوم إلى أن اطّلع خيربك وحزبه على مقصد الظاهر يَلَباي وتواطئه مع خُشداشيه، على ما أشرنا إلى ذلك آنفًا، فدبّروا ما قدّمنا ذِكره من اتفاقهم مع الظاهرية والصغار، ومن هو من حزبهم، فاستمالوهم في الحال، وقالوا: هم أيضًا من غير تأخير، لا سيما وقد اتفقوا معهم على سلطنة تمربُغا أو من شاءه (١) الظاهرية من أعيانهم باختيارهم، ثم أخذ الظاهرية الكبار في استمالة الأشرفية الكبار، على ما بيّنّا ذلك، بل والصغار أيضًا على ما تقدّم. ومن هذا الوقت أخذوا في الاحتياط التام بيَلَباي، واختشوا من نزوله إلى خُشداشيه، فصار موكَّلًا به في أيديهم كالأسير، ولم يعلم يشبُك الفقيه ذلك، إذ لو علمه لبَدَر لهدم القلعة قبل تمام رأيهم. ولما تمّ رأي هؤلاء وأبرموا أمرهم مع الظاهرية، أخذوا من ذلك الحين في إنكائهم للظاهر يَلَباي والازدراء به ومقتوه، ولوّحوا له بما يكره، بل وصرّحوا له به من بعضهم في وجهه، وصار محصورًا معهم، وطال عليه ذلك في بقيّة يوم الخميس، وكان جالسًا على المدوّرة، والأتابك تمُربُغا جالس بين يديه، وقد رُشح للسلطنة، والظاهر يَلَباي على عِلم ذلك لقرائن صريحة في ذلك. ثم ترادف بعد انبرام الرأي طلوع بعض الطوائف إلى القلعة في يوم الجمعة، كما سنذكره، لما انبرم رأيهم في آخر هذا اليوم على ما ذكرناه، وأصبح يوم الجمعة سادس جماد الأول، أصبح العسكر على ما أمسوا عليه من القتال، لكن لا بذاك اليوم والجزع الشديد، وكان ذلك بعد الاتفاق المذكور، وانبرام الرأي على زوال المؤيّديّة. ودام القتال في هذا اليوم أيضًا، كل ذلك ويشبُك الفقيه بقلّة رأيه وتدبيره الفاسد جالس إلى مقعد داره، مشغول بتحصين بابها وحيطانها، والناس تتعجّب من ذلك وما الغرض منه، وباللَّه العجب كيف يقوم الواحد من هؤلاء بأمرٍ مَهُول، فيه الخطر العظيم وتلاف الأنفس، ويقدم على مثل ذلك، وهو غافل عن تدبير عدوّه الذي هو بين ظهرانيه وإلى جانبه. فرحم اللَّه الملوك الأُوَلى ذوي الآراء والحنكات والتدابير، الذين كانوا يحسبون حساب أعدائهم (٢) على البُعد المديد، ويتعرّفون أخبارهم وما هم فيه من الآراء، فيعملون بمقتضى ما يظهر لهم، وهؤلاء مع قربهم من أعدائهم وارتكابهم هذه المشاق والأخطار، لا يتنسّمون الأخبار، ولا يجول في الرأي أفكارهم، ولا يعرفون الأحوال، وما ذلك إلّا خذْلان

стр. 1039

من اللَّه تعالى بعد الظاهر، ونقصان بعد الكمال والتكاثر، ليظهر فِعل الفاعل الكبير، وليعلم أن اللَّه على كل شيء قدير، فدام قتالهم كما قلناه من أول هذا النهار إلى آخره، والتحاتي يكادون من غبْنهم من عدم ركوب يشبُك الفقيه أن يأكلوا أيديهم، فبقي يحرّض بعضهم البعض في أن يحسّنوا ليشبُك ومَن عنده من الأمراء الركوب، وكلّما تكلم مع يشبُك في مثل ذلك أجاب بما لا فائدة فيه ولا طائل تحته، وشغله الأخذ في تحصين حيطان داره وبابها، ونصب عليها المدافع والنفوط، وسَتَر، وحَصّن، ظنًّا منه أن السلطان سيأتيه، ولا علم عنده بما السلطان فيه من أمره، وحصْره، والتوكيل به ولا مروءة له في إرسال من هو كالجاسوس ليفهم الأخبار وإعلامه بها، ولا ليَلَباي أيضًا فرأوه (١)، ولا عنده دُربة، ولا يتعدّى إلى أن يبعث من شاء خفية ليشبُك يُعلمه بالحال، وما هو فيه من الحصر، على أن كل ذلك مما هو ممكن لهما، لكنْ ما اهتديا إليه، ولا وُفِّقا بأن يعرّجا عليه. ثم وقعت أمور يطول الشرح في جُمَلها، فضلًا عن تفاصيلها، فيها من الحِيَل من الظاهرية، والمكائد التي لا تُعدّ من استمالتهم الأشرفية الكبار بطريقة يعجز عنها ساسان. ولما مالت الأشرفية الكبار إلى العسكر الفوقي، على ما أشرنا إليه إجمالًا فيما تقدّم، وفارقوا يشبُك، اختلّ أمر الأشرفية الصغار -أعني الإينالية-، فمالوا أيضًا مع الفواقي، لا سيما وقد أشاع الظاهرية أن غرض المؤيّدية الانفراد، وهم أعداء لكم بالطبع يا أشرفية، وإن كانوا أصدقاء لك، فقد ظهرت عداوتهم، فما بقي إلّا أنهم إذا تمكّنوا أو الوفاء وإيّاكم، ونحو ذلك من الأشياء، فاتفق الجميع على المؤيّدية، وقد مات حزم المؤيّديّة وعزمهم الجدلي الإبتداء بتباطُئهم وتقاعدهم وعدم الجسارة، وما نظروا إلى قول من قال: من جسَر كسر، ومن هاب خاب، ولا بقول الشاعر: وفاز باللذّة الجسور. على أن ذلك لجسور مفرّ، فما بالك بالمجسور الغالب، وما حضر يشبُك بأن للتأخير آفات. وأما بقيّة من كان مع يشبُك من السيفية وغيرهم، فإنهم لما رأوا تقاعده، ووقع القيل والقال في الجماعة، وظهر فرار الأشرفية إلى الفواقي بالقلوب، قبل الشروع فيه، فترت عزائمهم، وبردت هممهم، وتقاعدوا عن القتال، بل ذهب الأكثر منهم، ووهنت المحاربة وظهرت أماير خذلان يشبُك وطائفته، بعد أن كان لهم العزم والهمّة العالية، والقيام بالقلب، والغالب في القتال، وكان جيدًا في مناديه من سائر الجهات، ولا سيما العبيد والزُعر، حتى لو ركب يشبُك في الميادين وحطم لما

стр. 1040

احتاج إلى القدر من العسكر لكثرة الزُعر والعبيد وجِدّهم وعزمهم. ثم لما أمسى على يشبُك هذا الليل في ليلة السبت، (نظر) (١) فرأى نفسه وحده مع المؤيَّدية خاصّة، وماذا عسى أن يفعل هو بذلك الجمع الوافر، والجيش المتكاثر، وكثرة العساكر، ومع ذلك ما تحرّك، فعرف من نفسه أن حركته الآن لا تفيد، فقام من وقته وأخذ في أسباب اختفائه واختفى، وكذلك فعل قانِبَك وغيره من المؤيَّدية من خُشداشيه، وذلك كله بعد أن ركب جانِبَك قلقسيز وقايتباي المحمودي في يوم الجمعة هذا. وبقيا يحرّضان (٢) خشداشيهما على مقاتلة التحاتي، بعد أن كانوا معهم (٣). [خلع الظاهر يلباي] وأمّا ما كان من أمر الظاهر يَلَباي، فإنه كان في يوم الجمعة لما انبرم رأي الفواقي، واستمالوا من استمالوه، جالسًا على المدوّرة كما قد بيّنّا، وإلى قربه بين يديه تمُربُغا، فصارت التحاتي إذا طلع منهم من مال إلى الفواقي يجيئون إلى يَلَباي، فيقبّلون له الأرض حشمة فقط، مع معرفتهم بأنه زائل، ثم يأتون تمُربُغا في ذلك المجلس فيقبّلون يده، ولم يكن بذلك عادة، بل العادة أن يقبّل الأرض بين يدي السلطان، مع قطع النظر عن غيره، فخالفوه في هذا اليوم، الترشّح تمربُغا للسلطنة، بل لو أمكنهم لَقَبّلوا الأرض لتمُربُغا هذا، والأوباش من فجّار الجُلبان وبعض الخاصكية ممن هو حاضر مجلس يَلَباي كالخدم له، وهم موكّلون به، يلوّحون بخلعه ويحضّونه، بل ويصرّحون له بأشياء فيها غاية الإنكاء، وذلك في دَسْت سلطنته، وهو باقٍ عليها، فلعلّ ذلك من غريب النوادر، ومن عجيب الغرائب في بهدلة السلطنة. ثم لما دخل الليل أقاموا السلطان، فأدخلوه إلى مبيت بمقعد الإسطبل، لا سيما وقد جاءهم الخبر بانفلال الناس عن يشبُك الفقيه، بل وأحسّوا بأنه أخذ في أسباب الاختفاء هو وخُشداشيه من المؤيَّديّة، فزاد طمعهم في يُلْباي وواجهوه بما يسوء، وبات بالمبيت المذكور على أقبح وجه وأسوئه (٤)، مزعوجًا مرعوبًا، حائرًا في أمره، مفكرًا في ماذا يكون حاله. بل ربّما جزم بأنه سيستنكف (٥)، لأنه ولّي السلطنة وهو جركسيّ الجنس من الأكابر

стр. 1041

والشيوخ، فما قاس بقاؤه، وزالت دولته في هذه الليلة ودولة خُشداشيه المؤيّدية كأنها لم تكن. ثم كان ما سنذكره (١). (ذكر سلطنة الملك الظاهر أبي (٢) سعيد تمُربُغا) (٣) وفيه، في يوم السبت، سابعه، كانت مبايعة الأتابك تمُربُغا بالسلطنة، وعقْد المُلك له. وكان من خبر ذلك أن يشبُك الفقيه هو وجميع من كان معه من خُشداشيه من المؤيَّديّة، ممن قام بالفتنة الماضية، اختفوا في ليلة هذا اليوم كما ذكرناه، ووكّل بالظاهر يلباي بمبيت الحرّاقة على ما عرفته، وسكن الهَرَج والمَرَج في هذه الليلة، وكأنّ الفتنة لم تكن، فلما أصبح نهار هذا اليوم ابتدأوا قبل كل شيء بإخراج الظاهر يلباي من مبيت الحرّاقة، وطلعوا به إلى القصر ماشيًا على قدميه في هيئة المخلوع من المُلك، وزوّوه بالمخبأة بالقصر، مسجونًا بها، مُوكلًا به، محتَفَظًا عليه. وعاد الخبر إلى باب السلسلة بانزوائه، وقد حضر بمقعد الحرّاقة أكابر الأمراء من سائر الطوائف، وجميع العساكر والجند وأرباب الدولة، فشرعوا في التكلّم في مبايعة الأمير الكبير الأتابك تمربُغا، بعد أن اتفق جميع من حضر من أكابر الأمراء، وسائر الطوائف من الأشرفية الكبار والصغار البَرْسْبائية والإينالية، والظاهرية الكبار والصغار الجقمقية والخُشْقدمية، وجميع السيفية، ومَن حضر من الجند من المؤيّدية، وكان ذلك في باكر هذا النهار، وقد جلس الأتابك تمربُغا في صدر المجلس بالمقعد المذكور بالحرّاقة من الإسطبل السلطاني، بعد أن حضر الخليفة أمير المؤمنين المستنجد باللَّه أبو المظفّر يوسف، وحضر القاضيان الشافعي والحنفي، وتأخر المالكيّ لوعَكٍ كان به، والحنبلي لإبطائه، ثم تكلّموا في سلطنة تمربُغا، وتمّ له الأمر، ومدّ الخليفة يده إليه فبايعه، وتبعه الناس على المبايعة، وعُملت صورة ذلك على الوجه الشرعي، وتم بها، ونفَذَ الحُكم، وانبرم الأمر وتَم، وقام تمربُغا بعد تمام ذلك من وقته، فدخل إلى مبيت الحرّاقة، وقد أحضر شعار المُلك الأسود الخليفتي، فأفيض عليه، وتقلّد السيف، ولبس العمامة السواداء المُعَدّة لمثل هذا الوقت، وخرج من المبيت سلطانًا، وقد تهيّأ جميع

стр. 1042

العسكر بالشاش والقماش للموكب السلطاني، وقد أُحضر فرس النَوبة بالسرج الذهب والكنبوش الزركش، فقُدّم للسلطان، ونزل من سلّم مقعد الحرّاقة، فركب بأُبَّهة المُلك، وقُدّم للخليفة مركوب آخر، فركبه وسار أمامه، وسار جميع أكابر الأمراء بين يديه مشاة، وجميع العسكر، وهو في موكب جليل، وفُقدت القبّة والطير، فلم توجد حينئذٍ بالزَّرْدخاناة على ما قدّمنا ذلك في كائنة نقل طوخ الزَّرَدْكاش جميع الآلات منها، ومن جملة ذلك القبّة والطير، خوفًا من مثل هذه الحادثة، فأُحضر السنجق السلطاني ليكون عِوَضًا عن القبّة والطير. فأذِن السلطان تمُربُغا للأمير قايتباي بأن يحملها، فتناولها قايتباي المذكور، حملها على رأس السلطان، وقد ترشح للأتابكية عِوَضًا عنه، وساروا في هذا الموكب الحافل، حتى وصلوا إلى باب سرّ القصر، فنزل به ودخل إليه، وقد هُيّئ التخت لجلوسه، فرُفع إليه وجلس عليه، وقام الكل بين يديه، ثم قبّلوا له الأرض على العادة في ذلك. وكان جلوسه عليه في بُكرة يوم السبت هذا، سابع جماد الأول من هذه السنة، وذلك في الساعة الثانية من هذا النهار، ووافق الثامن من كيهك من شهور القِبط، ولُقّب في سلطنته بالظاهر أيضًا، وكُني بأبي سعيد أيضًا، وهذا من النوادر كون ثلاثة (١) من السلاطين على التوالي يلقّبون بهذا اللقب، ويكنّون بهذه الكنية، الواحد بعد الواحد، وهم: الظاهر أبو سعيد خُشقدم، والظاهر أبو سعيد يلباي، والظاهر أبو سعيد تمربُغا هذا، وكان ذلك برأي الطائفة الظاهرية، ليدوم هذا الاسم، لأنه عرفهم، وأن يدوم اسمهم. وكان هذا أيضًا من أغرب ما سُمع في سلاطين مصر في موافقة اللقب والكنية على التعاقب. ولما تم جلوسه على سرير المُلك خلع على الخليفة وعلى الأمير قايتباي المحمودي، الذي هو سلطان عصرنا الآن، وكان إذ ذاك رأس نوبة، فقرّره في الأتابكية، وكانت هذه خلعتها من نوادره، كونه تنقل للأتابكية من الرأس نوبة، ولم يكن في ذلك اليوم من هو على إمرة سلاح، فإنه كان قانبك المحمودي المؤيَّدي، وقد اختفى بسبب الكائنة، فإنه كان ممن قام بها. وأما أمير مجلس فكان جانِبَك قلقسيز، وهو من الأشرفية، ولا غرض في التنويه بهم التنويه العام، فعدل إلى قايتباي، لكونه خُشداش السلطان، وعن الظاهرية الحاضرين في ذلك الوقت بالقاهرة، فإنّ أُزْبَك كان قد أُخرج إلى نيابة الشام، ولعلّه لو كان حاضرًا كان هو الأتابك، بل لعلّه كان هو السلطان، لكنّ القضاء جرى بما في وفق القدرة، جلّ وتعالى عن النظير، بيده تصاريف الأمور يُؤْتي المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُ المُلْكَ ممَّنْ يَشَاءُ، ويُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ،

стр. 1043

بيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ثم أمر المنادي أن ينادي بشوارع القاهرة بالإعلان بسلطَنتَه وطلب الدعاء له، ودُقّت البشائر بذلك، وأظهر الناس الفرح والسرور بولايته للأمر، وهو السلطان الذي تكمل به عدّة الملوك الأتراك بمصر وأولادهم أربعين ملكًا، وهو الثاني من الأروام ممن تسلطن على الصحيح، والأول الظاهر خُشقدم على ما تقدّم هذا، إذا لم يكن المعزُّ أيبك، والمنصور لاجين من الأروام، وهو الصحيح، فإنهما ليسا بروميَّين، وإن كان منهم فهو الرابع. ولما تم أمره في المُلك هرع الناس إليه للسلام عليه بالسلطنة وتهنئته بالمُلك، فدخلوا عليه أفواجًا أفواجًا، وأظهروا السرور والتباشر باستيلائه على الأمر، ظنًا منهم بأنّ مُلْكه يبقى، وأن الجُلبان الخُشقدمية قد خمدت شوكتهم وكُسرت كلمتهم، ولم يكن كذلك، بل كان الضدّ منه، حتى عظمت شوكتهم بزيادة عمّا كانت، وقويت، وزادت، واشتدّت، وتمادت، حتى ندموا بعد ذلك غاية الندم، حيث لم يتكايسوا مع خُشداش أستاذهم الظاهر يلباي، كما ستعرف ذلك فيما سيأتي (١). [تواضع تمربُغا مع أهل العلم] ثم أخذ الظاهر تمربُغا من هذا اليوم من سلطنته، بل وفي جميع مدّته كلها، يُظهر للناس غاية التواضع والحشمة معهم والأدب، بما لا يمكن ضبطه ولا حدّه، حتى خرج فيه عن العادة المعتادة المألوفة، بحيث صار ينهض قائمًا لغالب من يأتيه لتهنئته من أصاغر طلبة العلم في حالتي مجيئه وذهابه. وأما العلماء والفقراء فأجَلّهم غاية الإجلال، وعظّم غاية التعظيم، وطلع إليه في ذلك شيخنا العلّامة الكافِيَجي، تغمّده اللَّه برحمته، فأجَلّه إجلالًا زائدًا وعظّمه عظمة هائلة، على أنه كان يغضّ منه قبل ذلك لأمور اتفقت له معه، حين مشاركته له في النظر على الخانقاة الشيخونية، بل معارضات ومقاولات، حتى قال له شيخنا مرة

стр. 1044

في بعض معارضاته له: أنت تظنّ أنك ناظرٌ معنى إيّاك، وذلك، إنما ذلك إليّ، وأنت وأمثالك إنما جُعل لأجل إقامة ناموس الوقف واستخلاص أموالهم، فأنت كالآلة لي، وأما شرط ما وضع له الناظر، فأنت بمعزل عنه. هذا مع ما كان عليه تمربُغا من الفضيلة وطلب العلم في الجملة، بحيث حنق من شيخنا من كلامه ذلك وتباينا. [توقّع الكافِيَجي زوال سلطنة تمربُغا سريعًا] ولقد مازَحني شيخنا، ﵀، بعد سلطنة تمربُغا هذا مرة في ذكر شيء يتعلّق بتمربُغا هذا وسلطنته، فأخذت أمازحه وأقول له إنه يُخْتَشَى منه، فضحك من قولي ثم قال لي: واللَّهِ إنني لم أتوهّم حصول ضرر لي منه، فضلًا أن أجزم به، فأختشي منه لأجله، لعلمه بأن الأمور ليست إليه ولا بيده. ثم قال لي: لكن سوف يزول ملكه عن قريب، إذ فيّ توسّمٌ يقضي بذلك، لا سيما قيام شوكة الجُلبان، وبقاء أمرهم زيادة على ما كان، وكان ما قاله شيخنا، رحمه اللَّه تعالى وعددت ذلك من كراماته، فإنه خالف فيه غالب الناس أو الجميع، حيث قضوا ببقاء مُلك تمربُغا هذا. ولم يزل تمربُغا هذا على هذا النموذج الذي ذكرناه في بقية مدّة سلطنته كلها، وهو سالك المسالك التي يستجلب بها خواطر الخاص والعام، وزال ما كان قد عُهد به قبل ذلك من التعاظم والشمم والجبروت في أيام إمرته قبل سلطنته، حتى تُعُجّب منه في ذلك غاية العجب، ولعلّ ذلك التمسكن كان لأجل التمكّن، واللَّه أعلم. [نهب العامّة دُور جُلبان خُشقدم] وتمّ تمربُغا هذا في بقية يوم سلطنته، وهو يوم السبت هذا بالقصر، ثم استعجل في هذا اليوم الكثير من العكسر، وبل والعامّة بعد مبايعة الظاهر تمربُغا هذا، بأنْ قصدوا ديار المؤيَّدية، لا سيما جُلبان خُشقدم، فأخذوا في نهبها، وأول ما بدأوا به دار يشبُك الفقيه، فنهبوها بغير إذن من السلطان، ثم أخذوا بعدها في نهب دار قانِبَك المحمودي، وكانت مملوءة من كل شيء، ما بين أموال من ذهب وفضّة وفلوس، وسكّر، وقنْد، وعسل، وقماش، وأثاث، وغير ذلك، حتى لما كثُرت الغوغاء بداره وامتدّت الأيدي للنهب تكسّرت الكثير من أمطار العسل المرسل. وبلغني أن الناس خاضوا في ذلك، وحُملت الأقمشة وكثير من الأمتعة على

стр. 1045

عينك يا تاجر. وكان هو قد اختفى بمكانٍ قريب من داره يرى ويسمع ما يقع. فبقي ينظر تلك الأموال التي جمعها وهي تُنهب من داره، وهو مطَّلع على ذلك، وشمَت فيه في ذلك اليوم الكثير من جيرانه ومبغضيه وتهكّموا عليه، وصاروا يقولون: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث. وكذلك فعلوا في دار يشبُك الفقيه. ثم بعد ذلك أخذوا في التفحّص عن الذين اختفوا. ولما رأى قانِبَك شدّة ما وقع من النهب في داره، خاف على نفسه، فتحيّل إلى أن خرج من المكان الذي كان به، وتوجّه إلى دار شيخنا العلّامة السيفي الحنفي، ﵀، ثم بلغ السلطان ذلك، فبعث إليه من أحضره في آخر هذا النهار، وطلع به إلى القلعة، فقُيّد وحُبس، وكان من أمره ما سنذكره. وأما يشبُك وآخرون (١) فلم يُعلم حالهم في هذا اليوم، ثم كان له بعد ذلك ما سنذكره. وأمّا مُغلباي طاز فالتجأ إلى الأتابك قايتباي المحمودي، فشفع فيه عند الظاهر تمربُغا، فقبل السلطان شفاعته فيه ولم يسجنه، وأمر بأن يخرج إلى ثغر دمياط فيقيم به بطّالا (٢). [إطلاق المؤيَّد أحمد بن إينال من السجن] وفيه، أعني يوم سلطنة الظاهر تمربُغا خرج الأمر إلى ثغر الإسكندرية بإطلاق المؤيَّد أحمد بن الأشرف إينال من السجن، وأذِن له بأن يسكن حيث شاء من الثغر، وأن يركب إلى الجمعة والعيدَين، وجُهّز له مركوب بسَرج ذهب وكنْبوش زَرْكَش (٣). [إطلاق قرقماس الجَلَب] وفيه أيضًا خرج الأمر بإطلاق قرقماس الجَلب الأشرفي، أمير سلاح، الماضي خبر القبض عليه وسجنه بالإسكندرية. وكذا خرج الأمر بإطلاق من مع قرقماس أيضًا، وهم: أرغون شاه أستادّار الصُحبة، وقَلَمطاي الإسحاقي، الأشرفيّان، واستقدامهم إلى القاهرة (٤).

стр. 1046

[الأمر بإطلاق المحابيس من السجون] وفيه أيضًا كُتب إلى سائر السجون بهذه المملكة بإطلاق من بها من المحابيس، وحضورهم إلى القاهرة، وكذا الحنفيّين بالحجاز والقدس والبلاد الشامية، ونحوها من البطّالين (١). [الأمر بإحضار دَولات باي وتمراز الشمسي] وفيه أيضًا خرج الأمر بإحضار دُولات باي النجمي، وتمراز الشمسي الأشْرفيّان، وكانا منفيّين بثغر دمياط. فأمّا دَولات باي فإنه مات بعد ذلك. وستأتي ترجمته وتنقّلاته (٢). (ترجمة تمراز الشمسي أمير سلاح) (٣) ٣٦٨ - وأمّا تمراز الشمسي (٤) فهو الأمير سيف الدين الجركسي الحنفي، أمير سلاح عصرنا هذا، وهو باقٍ في قيد الحياة، فلنُترجمه على عادتنا في تراجم الأحياء: هو من مماليك الأشرف بَرْسْباي من أصاغرهم، وصُيّر خاصكيّاً بعده، ودام مدّة على ذلك، وهو لا يؤبه إليه، حتى تسلطن الأشرف إينال، فصيّره ساقياً، وعُرف بالسقاية لمدّة، وقرّبه إينال وأدناه، وصار له ذِكر في دولته، وأقطعه إقطاعاً جيّدًا، وقرّبه جدًّا، ثم أمّره عشره في أواخر دولته. ثم لما تسلطن الظاهر خُشقَدم، وجرت الكائنة التي أحضر فيها الأتابك جَرِباش من النُوبة، وكان تمراز هذا ممن قام بتلك الفتنة. بل يقال إنه كان الرأس فيها، فأخرجه خُشقَدم منفيّاً إلى ثغر دمياط، واعتنى به قريبه سلطان العصر الآن الأشرف قايتباي، وهو إذ ذاك شادّ الشراب خاناه، فصار يعطف عليه خاطر الظاهر خُشقدم، ولولاه لما جرى عليه الخير، وكان بعنايته نزوله بدمياط، وعرف الناس، ورُوعي في كثيرٍ من أحواله وأموره لأجل قريبه، لا سيما وهو مختصّ بالظاهر خُشقدم وعين الظاهرية

стр. 1047

الجقمقيّة، فتوفّرت حرمة تمراز هذا بثغر دمياط، ونفذت كلمته، مع كونه مَنْفيّاً، وأثرى من الدولة بها، وحصّل المال، ولم يزل إلى سلطنة الظاهر تمربُغا، فأمر بإحضاره إلى القاهرة في هذا اليوم كما قلناه، وذلك بعناية قايتباي أيضًا. ولما تسلطن الأشرف قايتباي صيّره من جملة مقدَّمين (١) الألوف دفعة واحدة من غير تدريج، ثم ولاه كشف الجسور بالغربية، وحصل به نفع في ذلك. ثم بعد مدّة أحضره إلى القاهرة، وولّاه كشف الجسور بالبُحَيرة، بل ولّاه جميع بلاد البُحيرة بعد [أن آل أمرها] (٢) إلى الخراب، فتوجّه إليها، وباشرها أحسن مباشرة، وأحسن إلى العباد وأعمر البلاد، وقمع أهل الشرّ والفساد، وصاحَبَ بها العربان وأحسن إليهم، وركنوا إليه، ووقع بها من الأمان ما لم يوجد بها قبل ذلك من له زمان بالعرف من هذا الزمان، وعفّ، وكفّ، كل ذلك بعد عوده من لاجين (٣)، ومن تجاريد شاه سوار، وبعد القبض عليه، وهو الذي باشر إنزال سوار المذكور من قلعته زمنْطوا بُغية غدره، وإنما خالفه برقوق ويشبُك حتى صار بحلب، ويقسم أنه لو اطّلع على مقصدهما، وأن مرادهما الغدر به ونقص العهد، لما باشر شيئًا مما باشره، وقرّر بعد ذلك في الرأس نوبة الكبرى عوضًا عن إينال الأشقر لما نُقل إلى إمرة سلاح، وباشر ذلك أحسن مباشرة، حتى إنه رتّب لرأس نوبة النقباء ببابه جامكيّة في كل شهر، وجعله مُعَدُّا لمصالح المسلمين، وأمره أن لا يتناول من الخصوم الدرهم الفرد، وجعل لكل نقيب ببابه شيئًا معلوماً، يقال لضمان حقّه إذا توجّه لإحضار الخصم، وزاد دعاء الناس بسبب ذلك له، وعُدّ فعله ذلك من النوادر الغريبة التي لم تقع بمصر من مثله، وتبصر في أحكامه، وربّما صالح عن الخصوم، ووزن من المال من عنده. وكان مجلسه محفوفاً في أوقات حكوماته، بل وغيرها، بالعلماء والقضاة، ولا يخرج في حكمه عن قوانين الشرع، وحصل الرفق العام بنظره على الخانقاه الشيخونية، ونفع الوقف، مع عفّة زائدة عنه، وتفتيش عليه وعلى سائر جهاته. ولم يتناول معلومه الذي شرطه له الواقف، بل كان يصرف منه مرتّبات لبعض أهل العلم من أهل الخانقاه وغيرهم ولوّن بها الأطعمة بمطبخها. وكان له مدّة قد أُبطل منها التلوين. ولم يزل على ذلك، حتى كانت كائنة باينْدر التي قُتل فيها يشبُك من مهدي، وشُغرت عنه إمرة سلاح، فقُرّر فيها تمراز هذا، وولّى رأس نوبة النُوَب عِوضه بَرسْباي قَرَا، فما عفّ عن مال ولا كفّ، وتناول معلومه عن مُدَد آنية، وأخذ الرِشا (٤) على الوظائف، فبئس البديل هو عن ذاك.

стр. 1048

ودام تمراز هذا على إمرة سلاح إلى يومنا هذا بضخامة وفخامة وأُبّهة زائدة، مع تواضع وكرم نفس، وسخاء زائد إلى الغاية، لعلّ لم يُسمع بمثل كرمه في القريب من هذه الدول، ولا بمثل شفقته على خلق اللَّه تعالى، ومحبّته في العلم والعلماء، وأرباب الفضائل، واستحضاره الكثير من المسائل الفقهية، بل وغيرها من النُكَت، وتعظيم أهل العلم، والقيام في مَهمّات من يقصده، وإنهاء القضايا الكبار عند قريبه السلطان على أتم وجه وأكمله، مع فصاحته وحُسن سمته وهيئته وشكالته، ثم عُيّن للثانية ابن (١) علاء الدولة، فخرج باشاً على العساكر بعد أن أمرّه السلطان -يقال: بخمسين ألف دينار- للإنفاق، فصرفها وخرج عليه الدَّين، وكان لخروجه من القاهرة يومًا مشهودًا، وكثُر الدعاء له وبعَوده، وهو الآن بتلك البلاد، بلّغه اللَّه تعالى الأمل، وكثّر في أمراء المسلمين مثله. وهذه نبذة من ترجمته. وسيأتي تفاصيل ذلك فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى. [إعادة جامكية الإينالية بالديوان السلطاني] وفيه- أعني يوم السبت هذا، سابع جماد الأول، وهو يوم سلطنة الظاهر تمربُغا المذكور، خرج الأمر أيضًا بأن كل من كان له جامكية بالديوان السلطاني من الطائفة الإينالية وخرجت عنه، تعاد إليه، من غير مراجعة السلطان في ذلك. وبجملة هذه التصرّفات وهذه الأشياء الحسنة الظاهرة الحُسن في يوم سلطنة هذا السلطان، حصل للناس غاية الفرح والسرور والتباشر بسلطنته، وزاد فرح الناس وعظُم سرورهم. ثم أخذ بعد هذا اليوم في التصرّف في المملكة (٢). وقبل أن نخوض في ذلك ونذكره ونبيّن تصرّفاته في المُلك نذكر نُبَذاً من ترجمته على سبيل الاختصار، فنقول وباللَّه التوفيق: (ترجمة الظاهر تمربُغا والتعريف به) (٣) ٣٦٩ - إن تمُربُغا (٤) هذا جُلب أولاً في حالة صغره إلى البلاد الشامية في

стр. 1049

سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وتنقّلت به الأحوال، حتى مَلَكَه الظاهر جقمق في حال إمرته على وظيفة الأميراخورية الكبرى، فربّاه، وأدّبه، وهذّبه، وقرّبه، واختص به، وأدناه إليه، وأحبّه لنجابةٍ كانت به. وهو روميّ الجنس أرنؤوتي (١) العشيرة. ولم يزل عند الظاهر حتى تسلطن، فصيّره خاصكيّاً وسِلَحداراً، وزاد اختصاصه به وتقريبه إياه، ثم صيّره خازنداراً، ثم أمّره عشرة في سنة ستٍ وأربعين، عِوضًا عن آقبردي الأشرفي الأميراخور، ودام مدّة على ذلك، إلى أن نُقل إلى الدواداريّة الثانية، عِوضًا عن دَولات باي المؤيَّدي، لما نُقل إلى تقدمة ألف، فباشرها تمربُغا هذا بحُرمةٍ وافرة وعظمة زائدة وشهامة وأُبّهة. وحج أميراً على الأول، ثم المحمل، وزادت شهرته، وبعُد صيته، ونالته الوجاهة والسعادة، وقُصد في كثير من المهمّات من سائر البلاد والأقطار، حتى من غير هذه المملكة، وصارت الأمور مَنُوطة به، وكثير من تعلّقات المملكة راجعة إليه، وصار الدوادار الكبير بالنسبة إليه كآحاد الدوادارية الصغار. ولم يزل على هذا المَهْيَع، وبيده أزِمّة مملكة أستاذه، وله فيها كبير تدبير، وعن رأيه ومشورته تصدر الآراء، إلى أن مات أستاذه بعد أن تسلطن ولده المنصور عثمان، وكان تمربُغا هذا هو الآمر الأعظم في سلطنته على الكيفية الماضية. وضخُم تمربُغا زيادة عمّا كان عليه، وارتفع قدْره أضعاف ما كان، حتى صار هو المدبّر لمملكة ولد أستاذه، وبيده الحلّ فيها والعقد، وهو صاحب الأمر والنهي لصِغر المنصور، ولم يكن له إلّا مجرّد الاسم فقط، وهو الحسّ، وتمربُغا هو المعنى، لا سيما لما قبض المنصور على جماعة من المؤيّدية دَولات باي الدوادار الكبير وغيره، على ما مرّ في محلّه. وكان ذلك برأي تمربُغا هذا. ثم وُلّي الدوادارية الكبرى عِوضًا عن دَولات باي المذكور، فزادت مهابته وعظُمت حرمته، والمرجع كله في أمور المملكة إليه، واعتماد المنصور في جميع أموره عليه، ودام على ذلك مدّة المنصور، لكنها لم تطُل حتى كانت الكائنة التي خُلع فيها المنصور، ودامت تلك الفتنة والواقعة سبعة أيام، كما عرفت ذلك فيما تقدّم، وكان ذلك كله بتدبير تمربُغا هذا، فإنه هو الذي كان القائم بتلك الحروب في تلك الأيام المتوالية، وهو المتولّي ذلك جميعه، وإليه المرجع فيه، وإن يكن قد كان عند المنصور من هو أعلى رتبة من تمربُغا هذا، كتَنَم من عبد الرزاق (٢) أمير مجلس، وقانباي الجركسي أميراخور كبير، لكن التدبير في أمر القتال كان إليه، والمعوَّل فيه عندهم كان عليه.

стр. 1050

وأظهر بالقلعة من القوّة والصبر والجلادة على القتال والإقدام الزائد ما يُذكر به إلى الآن، ومن الفروسية ما لا يكاد أن يدخل تحت الإمكان. ولما انتصر الأتابك إينال، وتسلطن بعد خلع المنصور، قبض على تمربُغا هذا وبعث به إلى سجن ثغر الإسكندرية، ودام به مدّة، ثم نُقل منه إلى سجن قلعة الصُبَيْبَة، فدام مسجوناً بها فوق الخمس سنين، ثم أطلقه الأشرف إينال في أواخر دولته، وأذِن له بالدخول إلى دمشق لعمل يَرَقة، وتجهُّزه إلى مكة المشرَّفة، فتوجّه إليها، وأقام بها مدّة بطّالاً من سنة اثنتين (١) وستين إلى سنة خمس وستين. ولما مات الأشرف إينال، وآل الأمر إلى سلطنة الظاهر خُشقَدم، وكان القاسم بدولته الظاهرية طائفة تمربُغا وحزبه، مع ما كان بينه وبين خُشقَدم من الصحبة قبل ذلك، فإنه هو الذي كان السبب في استقدامه إلى القاهرة، على ما عرفتَ ذلك أثناء فيما تقدّم في محلّه، وأيضاً كونه جنسه، بعث إليه بحضوره من مكة المشرّفة إلى القاهرة، فقدمها في أسرع وقت وأقربه، كما أسلفناه في محلّه، ثم رفع الظاهر خُشقدم من محلّه، وأجَلَّه وعظّمه إلى الغاية في يوم حضوره ووروده عليه، وأجلسه مرتفعاً على جماعة من مقدّمين (٢) الألوف، بل وأرباب الوظائف، ثم أمّره بعد القرب من قدومه تقدمة ألف، عِوضًا عن جانِبك المشدّ الأشرفي، لما قبض عليه مع جملة خُشداشيه الأشرفية، ثم جعله رأس نوبة النُوَب، عِوضًا عن بيبرس خال العزيز، بحكم القبض عليه أيضًا، ودام على وظيفة الرأس نوبة مدّة إلى أن امتُحن امتحانة هيّنة بشهرة هو وعدّة من خُشداشية من الظاهرية، منهم الأتابك أُزبَك وغيره، وأُخرج إلى سجن ثغر سكندرية، ثم أعيد بسرعة، على ما تقدّم ذلك مفصّلا في وقته حين وقع، ونزل ورجع لما كان عليه أولاً، بل وزيادة حُرمة فوق ما كانت، ثم نُقل إلى إمرة مجلس، عِوضًا عن قانَم التاجر، لما نُقل إلى الأتابكية بعد إخراج الأتابك جَرباش إلى ثغر دمياط، ودام على إمرة مجلس إلى موت الظاهر خُشقدم. ولما تسلطن الأتابك يلباي نقله إلى الأتابكية عِوضًا عن نفسه، وتحقق الكثير من الناس أن الأمر سيؤول (٣) إليه، وجزموا بأنه إذا ولي الأمر طالت مدّته، ولم يقض أحد من ذوي العقول بزوال ملكه سريعاً، لأن القياس العادي يأباه، وإنما تخلّف هذا القياس في يلباي لأجل الجُلبان الخُشقدمية، فإنّ قيام شوكتهم كان مؤذِناً بزوال يلباي، وأمّا تمربُغا فلا، وللَّه عاقبة الأمور. ولم يزل

стр. 1051

أتابكاً في دولة الظاهر يلباي حتى خلع يلباي كما بيّنّاه لك، وتسلطن هذا في هذا اليوم، وكان منه من التصرّفات ما سنذكره، ثم كان له بعد ذلك أيضًا ما سنذكره. وكان ملكاً لائقًا، فقيهاً، فاضلًا، حفظ القرآن العظيم، ثم "منظومة النَسَفي"، وكان يستحضر الكثير من المسائل الفقهية الفرعية، وغير ذلك أيضًا، وله مشاركة جيدة في كثير من التاريخ والأدبيّات والشعر، وله جودة مذاكرة، وحُسن محاضرة، وعنده ذكاء وفهم وفطنة وتيقّظ، وعقل تام، وجودة رأي، وتدبير صائب، وسياسة وكياسة، وحُسن سمت، وتؤدة وسكون، وفصاحة لسان، عارفاً بلغة الترك والعرب، عفيف اللسان، ذا حشمة وأدب، ومحبّة لأهل العلم، مع معرفة تامّة بكثير من صنايع اليد وأعمالها، منها مهارته في عمل القوس العربية بيده، وتجويد السهام وعملها، أستاذاً في ذلك، رأساً في رمي النشّاب، لعلّه انتهت إليه الرياسة في ذلك في زمنه، ومع ذلك فكان أمّة في لعب الرمح وتعليمه وأندابه وتعاليمه، عارفاً بسائر فنون الفروسية من الضرب بالسيف، رأسًا أيضًا في معرفة الدّبّوس (١)، وتخرّج به في ذلك جماعة من الأعيان من طائفة الأتراك، وكان له خبرة ومعرفة بفنّ اللجام والمهماز والضرب به بسائر أنواعه. وكان كثير التجمّل في ملابسه ومراكبه ومأكله ومشاربه وسائر شؤونه (٢) وأحواله، يقترح في ذلك أشياء غريبة، وله مفردات انفرد بها تُنسب إليه إلى يومنا هذا. هذا جملة ما له من المحاسن. وأمّا غير ذلك فيما يُنسب إليه من المساوئ، فكان يُتّهم بالميل الكلّي إلى محبّة العبيد الحبش، ويُذكر عنه في ذلك أشياء يطول ذكرها، اللَّه أعلم بصحّتها، ولولا أشيع ذلك عنه إشاعة فاحشة، كان يمكننا (٣) عدم ذكر ذلك والسكوت عنه، لكنه فشا (٤) عنه ذلك، فإن تركنا ذِكره نُسبنا إلى الفرقة والبُغضة، وليس ذلك من شأن من يتصدّى لبيان التاريخ، ليتّزن بما يقوله الزمان وسِيَر الناس وأحوالهم، وكان يقوم أيضًا في أغراض نفسه القيام التام، مع بعض مكر وحِيَل وخديعة، وإثارة فِتَن، وتكبُّر على الناس، وشمم زائد جدًّا، لكنه زال عنه ذلك حين سلطنته، ولعلَّه كما قيل لأجل التمكّن، واللَّه أعلم.

стр. 1052

وكان كثير التعصّب لمذهب أبي حنيفة، ﵁، مع التسديد السديد الذي ما عنه مزيد، على مذهب الشافعي، نضّر ضريحه، ظنّا منه أن ذلك مما يقرّبه إلى اللَّه تعالى زُلْفَى، وما ذلك إلّا من عصبيّته وعدم دُربته، وإلّا فما لنا ولمذاهب الأئمّة الأعلام مجتهدي علماء الإسلام، ﵃ أجمعين، وجزاهم خير الجزاء في يوم الدين. ولما ترجمه بعض المؤرّخين (١) ممّن يجازف في كلامه وتعرّض فيما يقول، قال: لا نعلم في ملوك مصر من ولي تخت مصر في الدولة التركية أفضل منه، ولا أجْمَعَ للفنون والفضائل، مع علمي من ولي مصر قديماً وحديثاً من يوم افتتحها عَمرو بن العاص إلى يوم تاريخه، ولو شئت لقلتُ: ولا من بني أيوب. ثم أخذ بعد ذلك فذكر كلاماً طويلاً لا طائل تحته، ولا يصدر عن من له أدنى مسألة في معرفة نقد الناس، والوقوف على سِيَرهم وأحوالهم وأخبارهم، إما بالمشاهدة والعيان، أو بالخبر والبرهان. ورأيت هذا المسكين في غاية الجهل بمراتب الناس ومعرفة ذلك. وما لهم من المقامات الذاتية والعرضية، مع ما عرفته من ترجمتنا لتمربُغا هذا، وإيصالنا له إلى حقّه، لكنْ بحيث يصل الإنسان في الإطراء إلى مثل قول هذا القائل، فلعلّ هذا المقال يؤدّي إلى الهبال، وما جميع من ملك مصر (بعد بني أيوب) (٢) مع بني أيوب، لا سيما السلطان السعيد، الشهيد، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلّا كما قال الشاعر: نزلوا بمكة في قبائل نوفل … ونزلتُ بالبيداء أبعدَ منزلِ وكذا (مع صالح نجم الدين أيوب، ووالده الكامل محمد، بل ووالده العادل أبي (٣) بكر بن أيوب) (٤) فليس من الإنصاف، بل ولا من الدين، لا سيما لمن يدّعي أنه مع علمه بكذا وكذا، وأنه له علماً أن يقول مثل هذا المقال، اللّهمّ إلّا أن يكون به الخبال، فانظر بعين الإنصاف، وتجنّب الاعتساف. وعلى تقدير تسليم ما قاله كيف يدّعي لصاحب مدّة قصيرة لم يظهر له ثمرات في تصرّفاته، بل ونحن نعرف ما كان عليه قبل وصوله إلى ما وصل إليه، بل وآل أمره عن قريب إلى ما آل، أن ينسب إلى كونه أفضل من أولئك الملوك الأقيال، فنعوذ باللَّه من الضلال.

стр. 1053

وهذه ترجمة تمُربُغا هذا على جهة الإقتصار (١). وسيأتي في الوَفَيات في سنة وفاته إن شاء اللَّه تعالى من أحواله أيضًا. ويأتي في هذه السنة أيضًا شيء (٢) مما نُسب إليه من تصرّفاته. (ولاية جانبك قُلَقسيز إمرة سلاح وعدّة ولايات كثيرة لغيره) (٣) وفيه، في يوم الإثنين تاسعه، وهو الثالث يوم من سلطنة تمربُغا هذا، وكان مقيماً بهذه الأيام بالقصر على عادة السلاطين قبله، وكان عمل الموكب في ليلة هذا اليوم، ثم أصبح فاستقر بجانبك الأشرفي قُلَقسيز في إمرة سلاح، عِوضًا عن جانِبَك المحمودي المؤيَّدي، بحكم القبض عليه، على ما بيّنّاه. [ولاية ابن العَيني إمرة مجلس] وفيه أيضًا استقر بالشهابي أحمد بن العَيْني الأميراخور الكبير في إمرة مجلس، عِوَضًا عن جانبك قُلَقْسيز المذكور (٤). [ولاية بُرذُبك الأميراخورية الكبرى] وفيه أيضًا استقرّ السلطان بخُشداشه بُردُبك الظاهري المعروف بهجين في الأميراخورية الكبرى، نقلًا إليها من الحجوبية الكبرى، عِوضًا عن أحمد بن العَيني المذكور (٥). [ولاية خيربك الدوادارية الكبرى] وفيه أيضًا استقرّ في الدوادارية الكبرى خيربك الظاهري كبير الجُلبان الخُشقدمية، عِوضًا عن يشبُك الفقيه، بحكم اختفائه بعد كائنته (٦). [ولاية كَسْباي الدوادارية الثانية] وفيه أيضًا استقر في الدوادارية الثانية كَسْباي من وليّ الدين الظاهري، عِوَضًا عن خيربك، وهو خُشداشه، وجهّز السلطان تمربُغا على أخته. وكان كَسْباي إذ ذاك أحد العشرات (٧).

стр. 1054

وستأتي ترجمته في سنة وفاته، وهي سنة إحدى وثمانين (١) إن شاء اللَّه تعالى. [ولاية خشكلدي رأس نوبة النُوَب] وفيه أيضًا استقر خُشكلدي البَيْسَقي الظاهري في وظيفة رأس نوبة النُوَب، عِوضًا عن قايتباي، بحكم انتقاله إلى الأتابكية (٢). [نيابة الإسكندرية] وفيه أيضًا استقر في نيابة الإسكندرية قانصوه اليحياوي، الماضية ترجمته، وكان إذ ذاك أحد العشرات بمصر، ووُلّي الإسكندرية عِوضًا عن كَسْباي السمين، بعد صرفه عنها وإخراجه منها إلى ثغر دمياط بطّالاً. وقُرّر قانصوه هذا في إمرة طبلخاناة عِوضًا عن طوخ الزَّرَدْكاش، بحكم إخراجه أيضًا إلى دمياط بطّالًا (٣). (إخراج الظاهري يلباي إلى سجن الإسكندرية) (٤) وفيه في ليلة الثلاثاء عاشره، وكان بعد صلاة العشاء الأخيرة بقليل، أنزل الظاهر يلباي من البحرة من القلعة إلى ساحل النيل، ومُضي به إلى سجن ثغر الإسكندرية، وكان من خبر ذلك أنه لما حُبس بالمخبأة على ما قدّمناه، وتمّت البيعة لتمربُغا، بُعث إليه ببَرْسْباي قَرا المحمدي، رئيس نوبة النُوَب في زمننا هذا الذي نحن به، وكان إذ ذاك من العشرات، ليخرجه من المخبّاة المذكورة ويتوجّه به إلى البحرة، فتوجه إليه وأخرجه من المخبأة المذكورة، وتوجّه به من على طريق الحريم، حتى أوصله إلى البحرة، فأقام بها إلى هذه الليلة، بعد أن صودر على مالٍ كبير أُخِذ منه على ما يقال، وزال ملكه كأنه لم يكن. وكانت مدّته من يوم مبايعته بالسلطنة إلى يوم خلعه شهراً (٥) وستة وعشرين

стр. 1055

يومًا، وليس له في السلطنة مع قِصَر هذه المدّة إلّا مجرّد الاسم فقط، والحلّ والعقد والتدبير فيها لغيره، ويا ليت ذلك الغير كان غالباً برياسة وعلوّ مقامه وهمّته وكبَر صيته وشهرته، بل بشوكته مع عدم تقدّم رياسته في مملكة قبل مملكة أستاذه، وهذا هو الذي أوجب عدم الأمن والطمأنينة، وانعدام ناموس المُلك والسلطنة في دولة يلباي، بل وظهور الشرور والأنكاد، وكثرة الفِتَن والفساد وطمع الطامع في المملكة وما ذلك (١) إلّا لغلبة هؤلاء السفلة والجهلة على السلطان والأمر، وتمكّنهم من الحَجْر عليه بالكلّية، حتى انفرد عن التدبير، وأبعد عنه بآرائهم الغالبة، لقيام شوكتهم وقوّتهم في قلعتهم، ولم يُعلم قبل يلباي هذا من ملوك التُرك ممّن مسّه الرق منهم، لا سيما ممن له هذا السنّ (٢). وهو جركسيّ الجنس، له ضخامة ومهابة وحزب وأتباع. بقي في المُلك هذه المدّة القصيرة واليسيرة غيره، ولا عهد في المُدَد أقلّ منها، ومع ذلك فكانت من أعجب المُدَد وأغربها في الأحقاد والدسائس على العباد، على ما قد بيّنّاه وأسبابه. ولما ذكر الجمال ابن (٣) تغري بردي هذا الأمر (٤) وهذه القضيّة نسب العجز والتقصير للظاهر يلباي هذا فقال: وما ذاك إلّا لعدم معرفته وسوء سيرته وخفّته عن تدبير الأمور، وبثّ القضايا، وتنفيذ الأحكام وأحوال الدولة، وقلّة عقله، فإنه كان في القديم لا يعرف إلّا يلباي تلي، أي مجنون، وهذه شهرته قديمًا وحديثاً في أيام شبيبته، فما بالك به وقد شاخ وكبر سنّه، وذهل عقله، وقلّ سمعه ونظره. هذا ما قاله، وهو كلام في غاية التحامل والاعتساف وقلّة الأدب والإنصاف، بل في غاية السفالة والفسالة، وعدم معرفة الأحوال والحدْس الثاقب، على أن قائله كلان يدّعي معرفة أحوال التُرك على ما هم عليه على ما ينبغي. فليت شِعري كيف لم يكن تمربُغا مساوٍ لهذا في ذلك، حتى لما ترجمه جعله أفضل من بني أيوب. والحال إنه كان في سلطنته دون يلباي هذا، بل كانت قوّة الجُلبان فيها فوق ما كانت في سلطنة يلباي. فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، وحاشى (٥) يلباي هذا من سوء السيرة وضعف التدبير، إذ لم يُعلم عليه ذلك، وما كان إلّا برداً في سيرته محمودها، من أعيان الأغوات القرانصة قديماً، ومن أكابر الأمراء ذوي
следующие страницы →