← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

[جَمْعُ السلطان المال للنفقة على العسكر] وفيه، في هذه الأيام، شرع السلطان في جمع مالٍ يستعين به على سفر العساكر في الإنفاق عليهم، فعرض على جماعة كثيرة من أولاد الأمراء الأسياد، وعلى جماعة من الأعيان والمقطعين ومباشري الدولة مبالغ كثيرة، وأمرهم بإحضار ذلك، وأخذ المال ممّن لم يؤخذ منه قبل ذلك قط، وعُدَّ ذلك من سُنَنه التي لم يُسبق إليها، وأعُيب ذلك عليه لأنّ مقامه يجل عن ذلك (١). [حمل النفقات إلى الأمراء] وفيه، في يوم الأربعاء تاسع عشرينه، حُملت النفقات من السلطان لمن عُيّن من الأمراء، فحُمل إلى الأتابك جانِبَك قُلقسيز أربعة آلاف دينار، ولكلِّ من الثلاثة الأمراء الأُخَر الماضي ذِكرهم ثلاثة آلاف دينار الواحد، وحُمل لكل واحد من الطبلخاناة خمسمائة دينار، وللعشرات لكل واحد مائتى دينار، على العادة الجارية في ذلك قديمًا (٢). [قضاء المالكية بدمشق] (وفيه -أعني هذا الشهر، أظنّ في أواخره- قُرّر في القضاء المالكية بدمشق صاحبنا الشهاب أحمد التِلِمْساني، عِوضًا عن ابن (٣) عبد الوارث، بحكم صرفه. [ولاية نيابة قلعة دمشق] وفيه أيضًا وُلّي نيابة قلعة دمشق يشبُك () (٤) الظاهري جقمق، وصُرف جانبك الظاهري خُشقدم، وأُلزم بمالٍ كثير، يقال سبعة آلاف دينار هو وخُشداشه نقيب القلعة، وقُرّر على النقيب أيضًا مال كثير، يقال خمسة آلاف دينار (٥). [سجن أميرين بقلعة المرقب] وفيه خرج الأمر السلطاني بالقبض على أُزْبَك ( … ... … ) (٦) من

стр. 1122

مماليك السلطان خُشقدم، وردّهما إلى قلعة المَرقَب يُسجنا بها، بعد أن يُحتاط على ما لكلّ منهما، ففُعل بهما ذلك) (١). [شهر شعبان] وفيها -أعني هذه السنة- استهلّ شهر شعبان بالخميس، وطلع القضاة ومن له عادة بذلك إلى القلعة للتهنئة بالشهر. [النفقة بالجند المعيَّن للتجريدة] وفيه، في هذا اليوم، كانت النفقة في الجُند المعيَّن لشاه سوار، وجلس السلطان للتفرقة بالحوش على الدّكة، وفُرّقت النفقة على الجند لكل دينار ذهبًا، وذلك بين يدي السلطان، وتم جالسًا حتى انتهت النفقة (على البعض منها) (٢). وطال هذا المجلس أيضًا. [ولاية يشبك السيفي نيابة قلعة دمشق] وفيه -أعني هذا اليوم- استقرّ يشبُك السيفي علي باي في نيابة قلعة دمشق عوضًا عن جانبك الظاهري ببذل خمسة آلاف دينار في ذلك (٣). [ولاية الصارمي ابن بيغوت حجوبية الحجّاب] وفيه أيضًا استقرّ الصارمي إبراهيم بن بيغوت في حجوبية الحجّاب بدمشق على عادته، بعد أن بذل سبعة آلاف دينار (٤). [ولاية تمِرباي نيابة قلعة حلب] وفيه أيضًا استقرّ في نيابة قلعة حلب تمِرباي أخو أُلْماس، عِوَضًا عن دمرداش السيفي تغري بردي المؤذي، بعد أن بذل فيها تمرباي ستة آلاف دينار، على ما بلغني ممن أثق به (٥). [جمع المال من أولاد الأمراء] وفيه بعث السلطان إلى الجماعة الذين تقدّم ذكرهم، من أولاد الأمراء

стр. 1123

وغيرهم، من يطالبهم بما قرّره السلطان عليهم من المال مصادرة، وبثّ جماعة لذلك، واستحثّهم في إحضار المال منهم، فحصل بذلك من الضرر ما لا يزيد عليه. وللَّه الأمر (١). [نقل ابن العَيْني إلي طبقة الزمام] وفيه نُقل أحمد بن العَيني من دار يشبُك الدوادار إلى طبقة الزمام ثانيًا، وجرت عليه أمور وخطوب. ثم كان من أمره ما سنذكره. [تفرقة السلطان بقية الثفقة على الجند] وفيه، في يوم السبت ثالثه، جلس السلطان على الدكّة بالحوش، وفُرّقت بقية النفقة على الجند المعيّن للسفر لشاه سوار، وتمّت النفقة في هذا اليوم، ونودي من قبل السلطان عقيب نهايتها بأن الكِسوة تُفرّق في يوم الخميس الآتي، ليستعدّوا لحضورها، ونودي أيضًا بأنه تُفرّق الجامكية عن شهر على من عُيّن للسفر من الجند أيضًا. ونودي أيضًا بأن في يوم الأحد، وهو عند هذا اليوم، تُفرَّق الجمال على المسافرين أيضًا. ونودي أيضًا بأن من له فَرَس في دار السلطان فليحضر أيضًا في يوم الأحد لأخذه، ثم انفضّ الموكب على ذلك (٢). [ضرب ابن العَيني بين يدي السلطان] وفيه -أعني هذا اليوم- بعد أن انفضّ الموكب، طلب السلطان أحمد بن العَيني من طبقة الزمام إلى الدُهَيشة، وأمر به فضُرب بين يديه. وكان السبب في ذلك أنه كان قد قرّر عليه بعد أمور وخطوب اتفقت له، مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار، وكان قد تسلّمه يشبُك من مهدي لاستخراج ذلك منه، ونزل به إلى داره، وكان قد أخذ منه قبل ذلك جميع بَرْكه ويَرَقه وخيله، وغير ذلك مما يتعلّق بالآت الإمرة، وكان قد أخذ منه تمربُغا أيضًا قبل ذلك خمس مائة بكرة فلفل، وثلاث عشرة (٣) بكرة، وهي مجمل مستكثرة. وكان السلطان هذا أيضًا قد وضع يده على شُوَنه من مُغَلّه له، فيها نحو العشرين ألف إردبّ من الغلال، وأُخذ له عدّة فُسَخ صابون، بنحو الخمسة عشر ألف دينار، فطلب ابن العيني أن يقام من المبلغ الذي قرّر عليه، فقال: إنما ذلك من الذين قد قرّر عليّ، فروجع السلطان

стр. 1124

في ذلك، فقال: بل الذي قرّرته عليه خارج عن ذلك، وتناوب الكلام بينهما في ذلك، فحنق السلطان منه وغضب، وأمر بنقله من دار يشبك إلى طبقة الزمام كما ذكرناه. ثم بعث السلطان إليه من كلّمه في ذلك وهو بالطبقة المذكورة، فصمّم أن ذلك من المائة وخمسين ألف دينار المقرّرة عليه، وأنه لا موجود له غير ما قرّر عليه، ولا قدرة له على غيره. فأمر بإحضاره بين يديه، وأمر به، فضُرب بيد بعض الخدّام، فلم يعجب السلطان ذلك الضرب، وحنق على الضارب وسبّه، ثم قام بنفسه وتناول السَوط، وضرب به الخادم لكونه لم يُجِد الضرب. (ضرب السلطان ابن العَيني بيده) (١) ثم أخذ السلطان في ضرب ابن العيني بيده وضربه ضربًا مبرحًا أشرف منه على الهلاك، وكان ضربه له نحو العشرين عصًا (٢)، لكن كل عصًا (٣) بعصيّ كبيرة في الألم، بحيث صارت كل ضربة تُدمي، حتى تلوّث بذلك الدم جماعةٌ من الحاضرين، وأعيب ذلك على السلطان، لكونه لفخامته وعُلوّ مقامه يتولّى مباشرة الضرب بيده. ولما رأى ابن (٤) العَيني عين الهلاك، لا سيما والسلطان بنفسه هو المباشر لضربه، ذكر ودائع له عند جماعة من أصحابه، وذكر أن له ببعض الحواصل مال أيضًا، فتتبّع ذلك جميعه على ما ذكره، فحصل من ذلك من أماكن متفرّقة نحو الستين ألف دينار، بل يزيد على ذلك، فحُملت للسلطان من وقتها، وهو أعني السلطان باق على المطالبة له بودائع أُخر. ثم أصبح في يوم الأحد فبعث السلطان إلى ابن العَيني من يخوّفه بأنه يطلبه، فذكر أن له عند دواداره محمد الطرابلسي تسعة آلاف دينار، فحُملت من وقتها للسلطان، ولسان حاله يقول: "هل من مزيد"؟ بل وزاد خرجه على الزيادة. وخُوّف ابن (٥) العَيني أيضًا بالوهم، وقول بعض الخواصّ له: السلطان يطلبك لتعذّرك أيضًا على المال، فاعترف في يوم الإثنين خامس الشهر بأن له عند محمد الطرابلسي خمسين (٦) ألف دينار. فحُملت أيضًا في الحال. ثم كان بعد ذلك لابن العَيني هذا ما سنذكره (٧).

стр. 1125

(ضرب جماعة من الجند ونفي آخرين) (١) وفيه، في يوم الثلاثاء سادسه، ضرب السلطان جماعة من المماليك الذين عُيّنوا للسفر، في يوم تفرقة الجمال، لكونهم تهوّروا في الكلام، ونفى آخرين. وصار السلطان في هذه الأيام كلّما قدر على زيادة إظهار حُرمته وشهامته ومهابته فعل، حتى هابه كل أحد، وصعد معه ما أراده، واستعمل قول من قال: من هاب خاب، ومن جسر كثر. لا سيما وهو لا يرثي لأحد، ويظهر الحدّة في مزاجه، الانحراف الكلّي، وإساءة الأخلاق، وصار لا يلتفت لأحد يشفع عنده في أحد، بل ربّما احتدّ عليه، ولو كان ما عساه أن يكون، وعرف كل أحد منه ذلك، فأحجموا عنه، وتركوه وما يريده في جميع أموره، من ولاية وعزْل وغير ذلك، وصار لا يداخله أحد في أموره. [النداء بإنفاق الكسوة والجامكية] وفيه، في يوم الأربعاء سابعه، نودي بأنّ في غده يكون إنفاق السلطان الكِسوة، وجامكية أربعة (٢) شهور في المعيّنين للسفر (٣). [تحصيل عشرة آلاف دينار من ابن العَيني] وفيه أُطْلع للشهاب أحمد بن العَيني على عشرة آلاف دينار، وكان قد خُوّف وأوهم أيضًا، فأظهرها من غير أن يُفعل به شيء (٤)، بل بمجرّد الوهم والتخويف فقط. [تفرقة الكسوة والجامكية] وفيه، في يوم الخميس ثامنه، جلس السلطان على الدكّة بالحوش، وفُرّقت الكِسوة والجامكية على المسافرين، وصار السلطان يحرّضهم، على أنه إذا وقع القتال أن تنفِروا وتقاتلوا مقاتلة جيدة، ثم تقدّم أمره للأمراء المعيّنين أن يخرجوا يوم الإثنين. [خروج العسكر لقتال شاه سوار] وفيه، في يوم الإثنين، ثاني عشره، خرج العسكر المعيّن لقتال شاه سوار بتجمّل زائد وعظمة هائلة، وجلس السلطان بالقصر لرؤية الأطلاب المعبّأة حين

стр. 1126

خروجها، وهو بالشبّاك الكبير المُطِلّ على الرُميلة. وتتابعت الأطلاب بحضرته، فخرجوا واحدًا بعد واحد، على الترتيب الذي جرت به العادة عندهم، حتى كملت أطلاب الأمراء مقدَّمين (١) الألوف الماضي ذكرهم، وآخرهم الأتابك جانبك قُلقسيز، وكان في تجمّل زائد ويَرَق جيد جديد في غاية الزهاوة. وكان من الأمراء المسافرين من يحضُرني الآن أسماؤهم نحو العشرين أميرًا، وهم: تمُرْباي الظاهري (٢) المعروف بالسِّلَحْدار، أحد الطبْلَخاناة، ويشبُك الأشقر (٣)، وأيدكي (٤)، وتَنِبَك الساقي (٥)، وقُطْلُباي المحمودي (٦)، وجانَم أمير شَكار (٧)، وآقبردي (٨)، وتمرباي الساقي (٩)، ونَوروز (١٠) المعروف بحميدان، وهم أشرفية بَرسْبائية، وقوزي (١١)، ويشبُك القَرْمي (١٢)، وتمرباي قُزُل (١٣) ويقال: الأحمر بالعربية، وهم ظاهرية جقمقية، وطوغان (١٤)، ودَولات باي (١٥)، وهما من المؤيَّدية، ومُغُلباي الجَقْمَقي (١٦)، وتَنِبَك السيفي (١٧)، جانبك الثور، وهما من السيفية.

стр. 1127

وخرج من الجُند السلطاني ما بين أعيان خاصكية وأَغَوات قَرَابُغَة، وغيرهم نحو الألف، وأقاموا بالرَيدانية إلى ليلة الخميس، ثم أصبحوا في غدوته، فاستقلّوا بالمسير، أو قبل طلوع فجره، وساروا لجهة شاه سِوار. ثم كان لهم ما ستعرفه. وكانت هذه أول تجريدة جُرّدت لسوار من الديار المصرية، وثاني تجريدة قاتلته من تجاريد سلطان مصر على ما عرفت التجريدة الأولى، وهم النواب بالبلاد الشامية، وغرم السلطان على هذه التجريدة من المال ما لا يكاد أن يُعدّ، فلعلّه نحو المائتي ألف دينار، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، ويا ليتهم انتصروا، بل انكسروا وقُتل غالبهم ونُهبوا وأُسروا على ما سيأتي ذكر ذلك (١). [ركوب السلطان إلى الميدان] وفيه في يوم الأربعاء، رابع عشره، ركب السلطان من القلعة، ونزل إلى الميدان، ثم خرج منه (ودار حول القلعة) (٢)، وعاد إلى القلعة من باب السلسلة. وهذه أول رَكبة ركبها هذا السلطان في سلطنته من يوم تسلطن، ثم تكرّرت ركباته ليلًا ونهارًا، وكثُرت جدًّا، بحيث خرج فيها عن الحدّ والحصر بعد ذلك، حتى ترك أكثر المؤرّخين الكثير من ذكر ركباته، وعُدّ ذلك من نوادر هذا السلطان، فإن عادة المؤرّخين جرت بضبط ركبات السلاطين إلّا هذا، فإنها خرجت عن الحدّ، فلهذا تركوا ضبطها، وهو باق على ذلك إلى يومنا هذا في كثرة ركوبه ونزوله وبياته خارجًا عن القلعة. وسنذكر بعضًا من ركباته وخرجاته وأسفاره، كلٌّ في محلّه من سِنِيّ دولته بتاريخنا هذا إن شاء اللَّه تعالى (٣). [إرسال ستة آلاف دينار لأربعة مقدَّمين من الأمراء] وفيه -أعني هذا اليوم- بعث السلطان إلى مقدَّمين (٤) الألوف الأربعة، الأتابك جانبك قُلقسيز، ومن تقدّم ذكره منهم، وهم بالرَيدانية ستة آلاف دينار. لكل منهم ألف وخمسمائة دينار، زيادة على ما أخذوه قبل ذلك من النفقات، وقصد بذلك تقويتهم، وعُدّ ذلك من نوادره أيضًا.

стр. 1128

[انتقال الشمس إلى برج الحَمَل] (وفيه، في يوم الخميس خامس عشره نُقلت الشمس إلى برج الحَمَل فكان أول فصل الربيع) (١). [ضرب ابن العَيني من أجل المال من جديد] وفيه، في يوم السبت، سابع عشره، تقدّم أمر السلطان بطلب الشهابي أحمد بن العَيني إلى قاعة الدُهيشة، وطُلب منه المال، فأجاب بأنه لم يبق معه. ولا عنده شيء، وأن جميع ما كان عنده نفد، فأمر به فضُرب فوق المائة عصاة (٢)، فما اعترف بشيء من المال، ولا ظهر له في هذا اليوم على شيء أصلًا، وأعيد إلى طبقة الزمام. ثم هُدّد غير ما مرة، وهو مع ذلك لم يعترف بشيء (٣). [اختفاء الوزير شغَيْتة] وفيه، في يوم الأحد، ثامن عشره، اختفى الوزير قاسم شُغَيتة، فخلع السلطان على عبد القادر ناظر الدولة في التكلّم في تقلّبات الدور، حتى يرى السلطان رأيه في ذلك (٤). [نيابة القدس] وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشرينه، استقرّ في نيابة القدس دَمِرداش العثماني، عِوَضًا عن (محمد بن حسن) (٥) بن أيوب التركماني أو الكردي (٦)، لِما ذُكر عنه من سوء سيرته. [نظر حَرَمَي القدس والخليل] وفيه أيضًا ستقرّ بُردُبك التاجي الأشرفي في نظر حَرَمَي (٧) القدس والخليل، عِوَضًا عن حسن السمين بعد عزله، وطلبه للقاهرة.

стр. 1129

[شادّية بندر جُدّة] وفيه أيضًا ستقرّ الأمير شاهين الجمالي (١)، صاحبُنا، في شادّية بَنْدَر جُدّة (٢)، وقُرّر في نظر البندر المذكور أبو الفتح محمد بن [العزّ محمد] (٣) المَنُوفي، الذي كان موقّعًا عند السلطان في حال إمرته. وشاهين الجمالي المذكور موجود الآن، وهو أحد العشرات بمصر. إنسان حسن الذات والصفات، فلْنُتَرجمه على عادتنا في تراجم الأحياء. [ترجمة شاهين الجمالي] ٣٧٦ - هو من مماليك القاضي الريّس جمال الدين يوسف بن كاتب جَكَم، ناظر الخاص، الماضي ذكره في سنة اثنتين (٤) وستين، بل والإشارة إلى مملوكه شاهين هذا. وبل مملوكه هذا من خواصّ أستاذه يوسف المذكور ومن المقرّبين عنده، واشتراه بعد الخمسين وثمانمائة فيما أظنّ، وأدّبه وهذّبه، وأقرأه القرآن وغيره، واجتهد فيه، فتعلّم جُمَلًا من الفنون والفضائل وأنواع الفروسية والملاعيب. ونزل في أيامه بديوان الجند السلطاني، وصار خاصكيًّا، وعرف الأشرف قايتباي من تلك الأيام، حيث جنديّة قايتباي قبل تأمّره. ولما تسلطن قرّبه وأدناه واختص به، فولّاه جُدّة في هذا اليوم وباشرها مباشرة حسنة بعفّة وديانة وأمانة، ثم أمّره عشرة، ودام على شدّيته (٥) على جُدّة عدّة سنين، حتى شُهر بها إلى يومنا هذا، وحج أميرًا بالركب الأول غير ما مرة، وحُمدت سيرته في الحاج وطريقته. ثم وُلّي التحدّث على الأعمال المنفلوطية بعد قتل سيباي العلائي، وجعل السلطان إليه ضبط تركة سيباي المذكور، وأنهى ذلك على أتمّ وجه وأحسنه، ثم استعفى من ذلك، فلم يُجَب إلى الإعفاء، وكرّر سؤاله في ذلك غير ما مرة. ومن غريب ما وقع له في ذلك أنه كان قد قرّر السلطان في إمرة الركب الأول أحمد بن الجمال يوسف ابن كاتب جَكَم (٦) في سنة ست وثمانين، فاتفق أن حضر

стр. 1130

الأمير شاهين هذا إلى القاهرة برسم الاستعفاء من الأعمال المنفلوطية، فيوم دخوله إلى القاهرة طلع إلى السلطان لأجل ذلك وقبل أن يشرع فيه حين وقع بصر السلطان عليه أمره أن يتوجّه مع الشهاب أحمد ابن أستاذه المذكور مدبّرًا لأمره في طريقه، ناظرًا عليه لسياسته وعدله وجَودة تدبيره، فخرج إلى الحج، ولم يكن ذلك بباله ولا توهّمه، وحداه بُعيد موته الإستعفاء من السلطان، وتعجّب من ذلك غاية التعجّب، لكونه كان بينه وبين القاهرة عدّة أيام، وقد أزف رحيل الحاج، وقدم هو ليستعفي مما هو فيه، فلم يلبث أنْ سهّل اللَّه تعالى عليه الحج من غير تكلّف، ولا أخذ في أسباب التجهّز، ثم خرج من غير تكلّف، بل وجد جميع ما يحتاج إليه حاضرًا، وعُدّت هذه من نوادر الألطاف الخفيّة وغريب القضايا. وحجّ حجّة هنيّة، وكان هو أمير الركب في الحقيقة. ولما عاد أقام بالقاهرة على إمرته، وزاده السلطان شيئًا، أو غيّر إقطاعه قبل ذلك لِما هو أجوَد من الأول، ثم جعله بعد ذلك شادًّا على بعض عمايره، فباشر ذلك أحسن مباشرة، من غير أن يشقّ على العمال، وأعمر أماكن هائلة بالبندقانيّين جيّدة أنيقة. وهو من أهل الفضل والدين والخير، وله مشاركة حسنة في فنون، مع جودة فهم وتيقّظ ونباهة، واستحضار لكثير من المسائل الفقهية والحديثية وغير ذلك. وسمع الحديث على الفخر الديمي وغيره، (وسمعه) (١) بمكة أيضًا، كل ذلك مع الدين المتين والخير والعبادة، وملازمة نوافل الطاعات، وتلاوة القرآن، ومحبّة أهل العلم والفضائل والطلبة والفقهاء والفقراء وأهل الخير والصلاح، مع ما هو عليه من الشجاعة والفروسية والتواضع الزائد، والتجمّل في شؤونه (٢)، زاده اللَّه تعالى من فضله، وكثّر في أمراء المسلمين من مثله. [ترجمة أبي الفتح والد يوسف بن تغري بردي المؤرّخ] ٣٧٧ - وأمّا أبو الفتح المذكور فهو أيضًا موجود في زمننا هذا، وهو والد الجمال يوسف (٣) كاتب المماليك الآن.

стр. 1131

ولم يزل أبو الفتح هذا يتردّد إلى هذا البندر، وجرت عليه بسببه مِحَن ومصادرات من السلطان يطول الشرح في ذكرها. ثم آل به الأمر أن استقلّ بنيابة جُدّة بعد ذلك أيضًا ثانيًا، وهو على ذلك في عصرنا هذا، وكان قد عُزل عنها قبل ذلك بالشمس محمد بن عبد الرحمن الآتي في محلّه، ثم لما مات أعيد. وسيأتي تفاصيل هذه الجُمَل في محالّها من سِنِيّ ما بعد الثمانين إن شاء اللَّه تعالى. [الإفراج عن الشهاب ابن العيني] وفيه أفرج السلطان عن الشهاب أحمد بن العَيْني، ثم خلع عليه كاملية بسمّور، يقال إنها خلعة الرِضى، ونزل من القلعة على أن يحمل عشرين ألف دينار، وأجرى بعد كل حساب، فكان جملة من صودر عليه من الذهب العين النقد مائة ألف دينار وتسعة وتسعين ألف دينار، غير ما أخذ له قبل ذلك، مما قد بيّنّا ذِكره، وهو أيضًا يزيد على مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار، فكان مجموع ما أُخذ منه أولًا وآخرًا نحو الثلاثمائة ألف دينار وخمسين ألف دينار، فانظر إلى هذه الأموال التي يملكها هؤلاء، وكيف ملكوها، ومن أين؟ وما الأمر في ذلك؟ وكيف حسابهم عند اللَّه؟ فإنّا للَّه، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه (١). [ركوب السلطان إلى القرافة] (وفيه، في يوم السبت، رابع عشرينه، ركب السلطان متوجّهًا إلى القرافة، وزار الإمام الشافعيّ، والسيد أبا (٢) السعود، ثم السيدة نفيسة، وعاد من جهة خط قناطر السباع، وعطف إلى المنزل الذي به سودون البرقي، فدخل إليه ليعوده وهو مريض، على ما عرفتَ ذلك، واجتمع الغوغاء وكثير من العوامّ، حتى خرج السلطان بعد جلوسه عند سودون المذكور قليلًا، فضجّ [الناس] (٣) بالدعاء له، بل صاروا [بقربه] (٤) فأراد [الجمدارية] (٥) والسلاح دارية [ضربهم] (٦)، فمنعهم السلطان بيده، وكان يومًا مشهودًا) (٧).

стр. 1132

[تعيين جماعة من الظاهرية الخشقدمية للخروج إلى الوجه القِبْلي] وفيه، أعني هذا الشهر، عيّن السلطان جماعة من الطائفة الظاهرية الخُشقدمية يُخرجون إلى الوجه القِبلي، لإعانة كُشّاف تلك النواحي على العربان، كما كان ذلك دأب الإينالية في دولة أستاذ هؤلاء، وهذا بذاك، ولا عتبٌ على الزمن (١). [ردّ الأمراء البطّالين إلى البلاد الشامية] وفيه أيضًا ترادف مجيء جماعة من الأمراء البطّالة من الأشرفية بالبلاد الشامية، وبعث السلطان بردّ كل من جاء منهم إلى حيث جاء، إلّا بيبرس الأشقر، فإنّه قُرّر في أتابكية صفد (٢). [وزارة محمد الأهناسي] وفيه، في يوم الإثنين، سادس عشرينه، استقر في الوزارة الحاج محمد الأَهْنَاسي (٣)، والد علي (٤) الماضي ذِكره ووفاته في محلّها. واستقرّ ولده () (٥) في نظر الدولة، وصُرف عبد القادر (٦). [النداء بخروج العسكر إلى الوجه القِبلي في أول شهر رمضان] (وفيه، في يوم الأربعاء، ثامن عشرينه، نودي من قِبَل السلطان بأن العسكر المعيَّن للوجه القِبلي يخرج من مصر في يوم الجمعة مستَهَلّ شهر رمضان، ولا يتأخر ساعةً واحدة. وكان قد عيّن هذا العسكر قبل ذلك، وجعل السلطان باشَهم قَرَاجا الطويل، أحد مقدَّمين (٧) الألوف الماضي خبر تقدّمه. وكان بالاتفاق قد عقد قَرَاجا هذا على ابنة ( … ) (٨) الخَوَند، ابنة الأشرف إينال وزوجة بُردُبك، ودخل بها في هذه الليلة، فما تهيّأ، وبعث إليه السلطان بألفَي دينار.

стр. 1133

[وفاة سودون البرقي] وفيه -أعني هذا اليوم- كانت وفاة سودون البرقي. وستأتي ترجمته إن شاء اللَّه تعالى) (١). [شهر رمضان] وفيها كان أول شهر رمضان بالجمعة بالرؤية، وطلع القضاة ومن له عادة بالطلوع إلى القلعة لتهنئة السلطان بالشهر. (سرقة عشرين ألف دينار للسلطان ومعرفة السارق) (٢) وفيه، في يوم الجمعة هذا، ظهر السارق للعشرين ألف دينار من خزانة السلطان. وكان من خبر ذلك أنه فُقد من الخزانة نحو العشرين ألف دينار من الذهب العين أو هي. ثم ظهر في هذا اليوم أن الذي سرق ذلك بعض الجواري من سراري الظاهر خُشقدم، ممن هنّ بالدُور السلطانية يتولّين (٣) تربية أولاد الظاهر المذكور، فاستعيد منها نحو الإثني (٤) عشر ألف دينار، ووُجد الباقي قد تُصرُّف فيه، فتُتبّع إلى أن حُصّل جميعه على ما يغلب على ظنّي (٥). [البدء بقراءة "الجامع الصحيح" للبخاري] (وفيه، في يوم الأحد، ثالثه، ابتُدئ بقراءة "الجامع الصحيح" للبخاري، ﵀، بالقلعة، وكان القارئ الشهاب المقري، وحضر قضاة القضاة، ومن له عادة بالحضور، وجلس السلطان على العادة، وكان مجلسًا حافلًا، ودار فيه الكلام في مباحث على العادة. وهذه أول قراءة للبخاري في دولة هذا السلطان (٦). [الخلة على جماعة من المماليك] وفيه، في يوم الإثنين، رابعه، خلع السلطان على جماعة من المماليك بعدّة لطائف، ما بين سِلَحداريّة وسقاة، وغير ذلك) (٧).

стр. 1134

(قدوم السيد علي بن بركات إلى القاهرة مُغاضبًا لأخيه) (١) وفيه، في يوم الأربعاء، ثالث عشره، قدم الشريف علي بن بركات صاحب مكة مغاضبًا لأخيه، وأشيع بالقاهرة بأنه إنما جاء إليها ليَلي إمرة مكة عِوضًا عن أخيه. ثم تحقّقنا أنه إنما جاء بهذا القصد، لكنه لم يُجَب إلى ذلك. ولما طلع إلى القلعة واجتمع بالسلطان أكرمه، وترحّب به وخلع عليه، ثم نزلى بمكان أُعِدّ له. وبعد أيام من ذلك. قدم قاصد محمد بن بركات أمير مكة برسالة محمد المذكور، يلتمس فيها استمراره على إمرة مكة على عادته، ووقع في أثناء ذلك أمور يطول الشرح في ذكرها، آل الأمر فيها إلى أن يحمل محمد المذكور ستين ألف دينار، يعجّل منها البعض، ويقوم بما بقي بعد مدّة ذكرها، وأجيب إلى ذلك. وبعث إليه باستمراره على إمرته على ما كان عليه، وأخرج عليًّا مع قاصده، ليكون الصلح بينهما هناك، مع الوصيّة التامّة من السلطان على علي المذكور، فخرج مع الحاج وهو في غاية الرعْب باطنًا، مُظهرًا، الرضا (٢) ظاهرًا (٣). ولما ذكر الجمال ابن (٤) تغري بردي (٥): كان حضور عليّ هذا ثم عَوده مع قاصد أخيه بوصية السلطان، قال عقيب ذلك: وأظنّ أن ذلك آخر عهده لدخول مصر. انتهى. قلت: لم يكن ذلك آخر عهده لذلك، بل قدم بعد ذلك إلى مصر في سنة اثنتين (٦) وثمانين، ودام بها إلى يومنا هذا قاطنها (٧). وكان لما عاد إلى أخيه أقام عنده مدّة، ووقع بينهما أمور، وتوسّع خيال عليّ هذا من أخيه، ففرّ منه إلى القاهرة من على جهة القُصَير في البحر، وقدم القاهرة من الصعيد. وهو شابّ حسن السمْت والملتقى، بشوش الوجه، حسن الهيئة والشكالة. ولد بمكة في سنة () (٨) وبها نشأ (٩).

стр. 1135

وقرأ القرآن وأشياء، وتعلّم الفروسية وغير ذلك من الأنداب والآداب. وله نظم. ومعه ولده الشاب الذكيّ، الزكيّ، السيد أبو القاسم، وهو أيضًا يقول الشِعر على حداثة سنّه وصغَره (١). [ختم البخاري بالقلعة] وفيه، أعني هذا الشهر، خُتم البخاري بالقلعة، وخلع على القضاة ومن له عادة بذلك. وفُرِّقت الصُّرَر على أربابها (٢). [شهر شوال] وفيها استهلّ شوّال بالأحد، بتمام عدد شهر رمضان، وطلع القضاة إلى السلطان لتهنئته بالشهر، هم ومن له عادة بذلك، فهُنّئ به ونزلوا. (وقد خُلعت عليهم الخلَع على عوائدهم وعلى الأمراء من له عادة، وكان عدّة الخلع فيما بَلغني ثمانمائة خلعة) (٣). (وفيه، في يوم الإثنين ثانيه، ركب السلطان من القلعة، ونزل متوجّهًا إلى القرافة، ومعه عدّة من الأمراء مقدَّمين (٤) الألوف، ويشبُك الدوادار الكبير، وعدّة من الأمراء الطبلخاناة والعشرات، وعدّة من الخاصكية والجند السلطاني، فزار في رَكْبته قبرَي الإمام الشافعي، والإمام الليث بن سعد، نفع اللَّه بهما، ثم سار إلى الجبل، ولعبت الجند والأمراء بين يديه بالكُرة، وعاد إلى قلعته، ودخلها من باب السلسلة، فخلع على تَنِبَك جَكَم الأشرفي، أحد مقدَّمين (٥) الألوف ( ...... … ) (٦) ((٧). [لبس السلطان البياض] وفيه- أعني شوال هذا في يوم الجمعة سادسه، ووافق رابع بشنس من شهور القِبط- لبس السلطان سلاق قماش، وهو البياض على العادة، وهذا أول لبْسه لذلك في سلطنته.

стр. 1136

[ارتفاع سعر الأقوات] وفيه -أعني هذا الشهر- ارتفع السعر في كل شيء من الأقوات، وكان هذا بداية الغلاء الكائن في سلطنة هذا السلطان، ودام بعد ذلك عدّة سنين متوالية، وأجحف بمال الكثير من الناس، بل مات فيه جماعة من الجوع. وكان سعر الإردبّ القمح ستمائة درهم، أو نحو ذلك، وزاد بعد ذلك. وبالجملة فكانت الأسعار مرتفعة مع سائر الأقوات وأنواعها، لكن كان الشيء ذا وجود بأيدي الناس (١). [وصول العساكر المصرية إلى حلب] وفيه ورد الخبر بأن العساكر المصرية وصلت إلى حلب، وأنهم دخلوها في سابع عشر شهر رمضان. ثم لم يصل لنا بعد ذلك خبر شافٍ عن أمورهم وأحوالهم وما هم فيه. وكان لهم بعد ذلك ما سنذكره. [توعّك السلطان] وفيه، في يوم الأحد، خامس عشره، وعك السلطان في بدنه وعكًا شديدًا لم يمنعه عن الركوب ولا الخروج إلى الحوش، لكنه لم يخرج إلى القصر السلطاني للموكب في ليلة الإثنين (٢). [خروج محمل الحاج] وفيه، في يوم الخميس، سابع عشره، وجد السلطان من نفسه نشاطًا، فعُملت الخدمة في هذا اليوم بالقصر على العادة، لأجل خروج الحاج، وخرج/ الحاج في بكرة هذا النهار، وأميره على المحمل تَنِبَك الأشرفي المعلّم، وأمير الركب الأول تَنِبَك الأشقر الأشرفي أيضًا. وخرج الباش على الجند الراكز بمكة في هذه السنة مُغُلْباي الشريفي العزّي الأشرفي الخاصكي. (ترجمة مُغلباي الباش بمكة كان) (٣) ٣٧٨ - ومُغلباي هذا موجود إلى يومنا هذا، وهو أحد العشرات بزمننا، ويُعرف بميق (٤)، وهو من مماليك الأشرف برسباي، وصُيّر خاصكيًّا بعده، ودام

стр. 1137

على ذلك مدّة حتى عيّنه الأشرف قايتباي في هذه السنة في هذه الوظيفة، فخرج إليها وهو على خاصكيّته، ثم أضيف إليه نظر الحرم فيما أظنّ، وباشر ذلك بحرمة وعفّة، وحُمدت سيرته في ذلك، ودام على ذلك مدّة، ثم استُقدم إلى القاهرة، وّأمره السلطان عشرة. ثم لما جرت كائنة باينْدر، وعيّن السلطان تجريدة تخرج إلى حلب عقيب قتْل يشبُك من مهدي، وعيّن خيربك من حديد، عيّن مُغلباي هذا أيضًا، فأظهر الامتناع من ذلك، فأمر به السلطان إلى البرج، فحُبس به أيامًا، ثم أطلق بعد أن استعفى عن الإمرة، فلم يُعْفَ، وبقي على ما هو عليه. وهو إنسان حسن، خيّر، ديِّن، عنده حشمة وأدب وحُسن سمت وتؤدة، وله مَيْل لأهل العلم ومحبّة لهم، مع استحضاره لبعض المسائل، وانتمائه للطلب. (القبض على ابن الصابوني) (١) وفيه في يوم الثلاثاء، رابع عشرينه، قبض السلطان على العلاء ابن (٢) الصابوني قاضي القضاة بدمشقِ وناظر جيشها، وكان قد وُلّي ذَيْن الوظيفتين وهو مقيم بالقاهرة على ما قدّمنا خبَر ذلك، بل وقدّمنا ترجمة العلاء هذا (٣). (ولما قُبض عليه كُتب إلى دمشق بالقبض على والده الشهاب أحمد، وابن (٤) عمّه السراج عمر، المتكلّمين عنه في القضاء ونظر الجيش، فقُبض عليهما بدمشق، وحُملا إلى القلعة فسُجنا بها) (٥). ثم كان من أمره بعد القبض عليه ما سنذكره. (قدوم جانِبَك حبيب من الروم) (٦) وفيه، في يوم الخميس، سادس عشرينه، قدم إلى القاهرة جانِبَك العلائي الأشرفي إينال، المعروف بحبيب، الماضية ترجمته وبعض كثير (٧) من أجناده، وكان قد توجّه لبلاد الروم من على جهة المغرب على ما تقدّم، فوصل بعد موت الظاهر خُشقدم في هذا اليوم من بلاد الروم، وهو في هيئة الأروام، ومتزيّا بزيّهم، وطلع إلى السلطان على تلك الهيئة، فرحّب به، ثم خلع عليه كاملية بفَرْو سمّور،

стр. 1138

ونزل إلى داره بعد أن احتفل به (١) الناس وبملاقاته قبل وصوله إلى القاهرة، وخرج إليه جماعة وهرع إليه الكثير من الناس بعد ذلك إلى داره للسلام عليه، (وحُمِلت له التقادم والأشياء الكثيرة من خُشداشيه وغيرهم. وبعث إليه يشبُك من مهدي الدوادار بالغد (٢)) (٣). [عزل العلاء ابن قاضي عجلون] (وفيه، أي في هذا الشهر ( … ) (٤) العلاء ابن (٥) قاضي عجلون القاضي معزولًا منها، قدم إلى القاهرة ( … ) (٦) السلطان عزله ينوب ( … ... ) (٧) أن يحكموا على عادتهم ( … ) (٨)) (٩). [شهر ذي القعدة] وفيها استهلّ ذو (١٠) القعدة بالإثنين، وهُنّئ فيه السلطان بالشهر على العادة. [أخذ عساكر السلطان عنتاب من شاه سوار] وفيه- أعني هذا الشهر، في يوم الأربعاء ثالثه، وردت الأخبار من بعض الأمراء المجرّدين بسفر، بأن العسكر أخذوا عنتاب من أعوان شاه سوار بن دُلغادر، وأعادوها إلى السلطان، وكانت قد ترادفت الأخبار بذلك قبل ذلك، لكن في كتب بعض الجُند لا للسلطان، حتى ورد الخبر بذلك على السلطان. ووردت في هذه الأيام أخبار أُخَر مخبّطة، وما عُلم صحتها، ثم تحرّرت فيما بعد على ما ستعرف ذلك إن شاء اللَّه تعالى (١١). (صعود الخَوَند إلى القلعة) وفيه، في ليلة الخميس، رابعه، صعدت الخَوَند فاطمة ابنة العلائي سيدي علي بن خاص بك، زوجة السلطان، من دار السلطان التي كان يسكنها بسوق الغنم، في أيام إمرته، وكانت مقيمة بها من يوم سلطنة زوجها إلى هذا الوقت،

стр. 1139

ولم يكن عنده، بالقلعة أحد من خدمه، خوفًا من ثوران فتنة، حتى حصلت الطمأنينة، فصعدت في هذه الليلة في محفّة على بغلين، ومعها جماعة من النساء والخدّام (١). (ترجمة خَوَند هذه) (٢) ٣٧٩ - وخَوَند هذه هي صاحبة القاعة الآن، وهي موصوفة بالعقل التام والرأي، والأخلاق الحسنة، ولها انجماع عن مداخلة زوجها، مع حشمة وأدب وسكون، وحُسن سمت وتواضع. ولم يتزوّج السلطان عليها قطّ، لا من قبل سلطنته ولا بعدها، وحجّت حجّةً هائلة بأُبّهة وعظمة، وهي باقية على ما هي عليه الآن. ٣٨٠ - • ووالدها العلائي مشهور، معروف بحسن السمت والشكالة والهيئة، وله أُبّهة وحُرمة طائلة، وسكون زائد، وعنده تواضع وأدب وحشمة. ولد في سنة ( … ) (٣) وثلاثين وثمانمائة. ونشأ بالقاهرة في عزّ وسعادة، وقرأ القرآن وشيئًا، وتعلّم الأنداب. وباسمه الآن عدّة أقاطيع، وله جهات كثيرة وأموال طائلة. وهو أخو الخَوَند زينب (٤) زوجة الأشرف إينال، وأمّ المؤيّد أحمد. [إفساد العربان ببلاد البحيرة] (وفيه -أي يوم الخميس هذا- عُيّن الأمير لاجين ( … ) (٥) أحد مقدّمين (٦) الألوف للخروج إلى العربان المفسدين ببلاد البحيرة، وعيّن معه عدّة من الجند السلطاني ( … ) (٧)، وخرج بعد ذلك. [غلاء الغلّة بدمياط] وفيه ورد الخبر على السلطان بأن [ذهن] (٨) تمربغا في تشويش من جهة غلاء

стр. 1140

الغلّة، وما عنده شيء منها، فرسم له بألف إردبّ تُحمل إليه، وألف إردبّ تباع بدمياط لتوسعة الناس بها) (١). (ولاية التركماني ثيابة الكرَك) (٢) وفيه، في يوم الإثنين، خامس عشره، استقر البدر حسن بن أيوب التركماني في نيابة الكرَك، بعد عزْل بلاط، واستقدامه إلى القاهرة، ثم توجّهه إلى الشام على تقدمة ألف بدمشق. [حصار قلعة عنتاب] وفيه، في يوم الخميس ثامن عشره، وصل نجّاب إلى القاهرة وعلى يده مكاتبة من الأمير أُزبَك من طَطَخ نائب الشام، يتضمّن أنه على حصار قلعة عنتاب بعد أخذ البلد، وأنه مجتهد في ذلك، ولعلّه أشرف على أخذها. وذكر في مكاتبته أنه وصل إليه قاصد الأمير أحمد بن قَرَمان، الذي ولي البلاد عن أخيه إسحاق، ومعه مكاتبة من مرسِلِه أحمد بن قَرَمان المذكور، بأنه وقع بينه وبين خاله السلطان محمد بن عثمان صاحب الروم وحشة، وأن ابن (٣) عثمان المذكور قصد بسبب ذلك أخْذ بلاده، وأنه وجّه إليه عسكرًا وهم على قونية، وقد نازلوها لأخذها، وأنه يطلب نجدة من السلطان، لكونه مملوكه ومنسوبًا إليه. ثم أشيع بالقاهرة أن عساكر ابن (٤) عثمان إنما جاؤوا (٥) لمساعدة شاه سوار، وزاد الكلام في ذلك ونقص، ثم كان ما سنذكره بعد ذلك. (فساد العربان بالجهات) (٦) وفيه ورد الخبر من إقليم البحيرة بأن جميع عربان تلك النواحي اتفقوا على خروجهم عن طاعة السلطان، وأنهم تحالفوا على ذلك، وأن يكونوا شيئًا واحدًا على من يقصدهم من العسكر المصري، وأنهم أفسدوا الكثير من البلاد، وأخربوها بتلك النواحي، وحرّقوا الكثير، وأن الأمير لاجين أمَدَّ مقدَّمين (٧) الألوف المتوجّهة (٨) قبل هذا التاريخ إلى تلك البلاد بجماعة من الجند السلطاني

стр. 1141

كالمحصور في تلك البلاد، وربّما يُخاف عليه. ولما بلغ السلطان هذا، أخذ في الحال في تعيين جماعة من مقدّمي الألوف، وعدّة من الجُند السلطاني للتوجّه إلى البحيرة. ثم كثُر الهَرَج والمَرَج بجميع النواحي والبلاد، وزاد أذى العربان ورفعوا رؤوسهم (١) في هذه الأيام بسائر الأقاليم والأعمال من البلاد المصرية، قِبْليّها وبحريّها، شرقًا وغربًا، ثم زاد الحال بفساد عرب حربيل، الذين أحضرهم يشبُك من مهدي بمكاتبته إلى هذه البلاد، وأنزلهم بإقليم الجيزية، وسكنوا به، وكثرت القالة في سبب إحضارهم لهذه البلاد، واختلفت الأقوال في ذلك بما لم يظهر في ما تحرّر في ذلك لا قوله: (وعيّن السلطان عدّة أمراء وجُند أرسلها عدّة جهات. وقبل تمام ذلك وردت الأخبار بكسر العساكر المصرية، فاشتغل السلطان عن ذلك وأخذ في تلافي الأمر بأن قرّر حينئذٍ (صقر) (٢) في مشيخة عربان البحيرة، وعزل خُشقدم الزيني عن الكشف، وقرّر عِوضه محمد الصغير (٣)) (٤). (إخراج إنبابة عن الخليفة باسم جانبك حبيب) (٥) وفيه -أعني هذا الشهر- أخرج السلطان قرية إنبابة عن الخليفة أمير المؤمنين، ثم أقطعها لجانبك حبيب (٦)، وكان أخرج عن الخليفة قبل ذلك أيضًا جزيرة الصابوني، وأقطعها لبعض مماليكه، فعُدّ ذلك من النوادر التي ما وقعت لغيره، من كونه يخرج جهات الخليفة أمير المؤمنين الذي هو الإمام الأعظم في الحقيقة، ومنه يكتسب السلطان عزّ السلطنة، ثم يُقطعها لمن لا يستحقّها، وأعيب ذلك على السلطان، وشنّعت القالة في حقّه، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، إنّا للَّه وإنا إليه راجعون (٧). (ورود الخبر بكسر العسكر من سوار وكيفية ذلك) (٨) وفيه في يوم الثلاثاء، ثالث عشرينه، وصل إلى القاهرة قانصوه الجُلُبّاني (٩)،

стр. 1142

الحاجب الثاني بدمشق، وعلى يده مكاتبة أُزْبَك نائب الشام بالخبر، بكسر العساكر السلطانية جميعهم، المصريّين والشاميّين (١) على يد شاه سوار بن دُلغادر، بعد وقوع مقتلة عظيمة وحرب هائلة بين الفريقين، حتى انهزم العسكر السلطاني، ودخل أُزبَك نائب الشام إلى حلب في هزيمته على أقبح وجه وأسوأ (٢) حال، وبه جراحات، وما سلم إلّا بعد شدائد وأهوال، وأن بُردُبَك نائب حلب، وإينال الأشقر نائب طرابلس وصلوا كذلك إلى حلب، وأنهم لا يعرفون شيئًا من أحوال الأتابك جانِبَك قُلقسيز ومن معه من العساكر السلطانية المصرية، ولا ما هم فيه، ولا إلى أين توجّهوا بعد هذه الكائنة العظمى، وأن هذا ما اتفق، وإذا تحرّر بعد ذلك حالهم يرسل يعرّف به السلطان. ثم أخبر قانصوه هذا عن خبر هذه الوقعة وكيفيّتها، وذكر أنها كانت في يوم الإثنين سابع ذي القعدة، وكان العسكر على حصار قلعة عنتاب، وأنّ بَيْنَا هم في أثناء الحصار ذلك، كثر هَرَجُهم ومَرَجُهم واضطرابهم، وأن نائب الشام، وكان الباش على العسكر، لما بلغه ذلك، انتدب في الحال الأمير باكير، وهو الزين أبو بكر بن صالح الكردي (٣)، حاجب الحجّاب بحلب، وبعث به لأجل كشف الخبر له، وتعريفه بحقيقة ذلك، وأنه سائر ثم عاد منهزمًا في أسرع وقت من أعوان شاه سوار، وأخبرهم بأن شاه سوارًا بأَثَره، فلم يمض بين إخباره بذلك، وبين وصول شاه سوار، إلّا مدّة قصيرة، وإذا به قد دهمهم بخيله ورَجله، وعساكره من التركمان، بحيث ظهر لهم وقرُب منهم، فبدرت العساكر المصرية إلى لقائه ومقاتلته، ونهضوا جميعًا فتأهّبوا وأخذوا في التوجّه إلى جهة من ظهر لهم من العسكر التركماني، وكانوا طلائع لشاه سوار أو بعضًا من عسكره، وكان سوار هذا لما قرب من هذه العساكر المصرية أمر عساكره بأن يناوشوهم القتال، بعد أن كمن هو وجماعة، وأظهر أن عسكره هو من يُرى فقط، وأمرهم بأنهم إذا ناوشوهم لا يزالوا يشارقونهم حتى يقربوا منه حيث هو كامن، ويجتازوا عليه من غير أن يعلم به أحد منهم، وإذا جاوزوه يُظْهِروا أنهم كالمنهزمين بين أياديهم، ليشغلوهم عن الالتفات لِما وراءهم، وعن التطلّع والإشراف لذلك، حتى يبعُدوا عن الكمين، ففعلوا ذلك. ولما جاوزوا سواه وهو مُكمن خرج الكمين، وبدروا بالتوجّه لوطاق

стр. 1143

العسكر، وكان به نائب الشام، ونائب حلب، (ونائب طرابلس، وجموعهم المصافّة إليهم من عساكر البلاد الشامية) (١) وآخرون (٢)، فحلّ بهم الرعب الشديد الذي ما عنه مزيد، وزعموا هلاك من تقدّم بأسرهم، فبدر العسكر بالنهوض مسرعين، وركبوا بعد أن تأهّبوا للقتال، ثم التقوا في الحال، ووقعت الحرب بينهم، وفرّ العسكر التركماني ثلاث مرات، ثم بكّروا في كل مرة، حتى كانت الثالثة فكرّوا فيها جملة واحدة حملة رجلٍ واحد، بعد أن حرّض بعضهم البعض، وصدموا العسكر المصري من الشاميّين وهزموهم، فولّوا الأدبار لا يلوي أحد على أحد، وركب التركمان أقفيتهم نهبًا وسلبًا، وقتلًا وأسرًا، وأخذوا جميع وطاقاتهم وما كان معهم، واستولوا على ذلك جميعه، واستمر النواب في هزيمتهم تلك حتى دخلوا إلى حلب على أقبح حال، ولم يعلموا ما جرى للعسكر المصري، وأنهم لما دخلوا حلب تربّصوا بإرسال الجُند يومين، فلم يبلغهم شيء (٣) فبعثوا به إلى القاهرة، وكان هذا من أخبار قانصوه (٤). وأمّا ما جرى لأولئك وتمام هذه الكائنة فسيأتي أيضًا. (ذكر ما كان من القلق بعد ورود خبر كسر العسكر) (٥) ولما ورد هذا الخبر إلى الديار المصرية كادت أن تموج بأهلها، بل وحصل من ذلك الاضطراب الشديد والهمّ الذي ما عنه مَزيد، وماجت الناس، وانزعج السلطان من ذلك، وقلِق القلق الذي ما عنه مزيد، بل كادت روحه تزهق من قهره وغبنه، مع ما في هذا الخبر من انتظار لخبر آخر بأخبار أحوال العسكر المصري، وعلم كل أحد بأنه لا خير في هذا الخبر، بل ولا يعقبه ما يسُرّ عن المصريّين، غير أن بعض الناس أخذ في إشاعة أشياء لا طائل في إشاعتها، لأن الخبر أعقب بعد ذلك بضدّها، وعظُم هذا الأمر على السلطان وغيره، لا سيما وقوع هذه الفعلة من مثل هذا التركمانيّ الذين كانوا لا يعدّونه شيئًا ولا يؤبه إليه، بل ويقولون هو أقلّ رعياننا وخادم أعتابنا، وكانوا يرون أنه ليس بشيء بالنسبة إلى ما وجّهوا إليه من العساكر، وحار السلطان في أمره، والغمز في بحر فكره، لا سيما إذا رأى إلى ما ذهب من الرجال والعساكر والأموال، وأعظم من ذلك ذهاب الحرمة، وكسر ناموس هذا الملك، فلم يكن دأبه إلّا أنه أخذ في الحال يأمر الأمراء والجند أن

стр. 1144

يتهيّأوا بأجمعهم للخروج، وأشغله هذا الحادث المهم، والخَطْب المدلهمّ، عن تجهيز العسكر لجهة أقاليم هذه البلاد، لأجل إفساد العربان فيها، وطغيانهم، وشيْل رؤوسهم (١) وعصيانهم هذا قبل ورود هذه الأخبار، فما ظنّك بالحال بعد ورودها، فانظر فتأمّل عقلك ما يترتّب على هذا من الفساد وخراب البلاد وهلاك العباد، وطمع الطامعين. ثم أخذ السلطان يشكو (٢) من قلّة المال بالخزائن، وعدم متحصّل الذخيرة. وتفكّر في أنه لا بدّ من مصرفٍ كبير يقوم بكفاية من يجهّزه في هذه الحادثة الفظيعة (٣) وبغير ذلك أيضًا، فخرج أمره في هذا اليوم بأن بعث إلى الخليفة والقضاة ومشايخ الإسلام بأن يحضروا إلى عنده في غد هذا اليوم، ليستفتيهم في شأن هذا المهم العظيم، وفي جواز أخذ المال من ذوي اليسار من التجار والمقطَعين، ومن الأوقاف، وأهالهم ما سمعوه من ذلك، لا سيما أهل الأموال، فإنهم أيقنوا، بل جزموا بأن أموالهم أُخذت من أيديهم، لما تحقّقوه من طمع السلطان، ومن عدم اكتراثه بأحد، ولا مشورته لأحد، ولا قبوله شفاعة أحد، إلى غير ذلك من خلال به يعرفون ويتحقّقون أنهم لا قدرة لهم ولا لغيرهم على مخالفته وردّ كلمته، وأساء الكثير من الناس الظن بغالب من تسمّوا بالعلماء في هذا الزمان، لما يعلمونه من مَيلانهم لأغراض الأتراك، لا سيما السلاطين، فترادفت الهموم على كثير من الخلائق، بل على الجميع، حتى أهل الذمّة. وكانت هذه الحادثة من أقبح الكائنات في هذا العصر. ثم كان ما سنذكره (٤). (عقد المجلس بسبب أخذ المال من أجل النفقة) (٥) وفيه، في يوم الأربعاء، رابع عشرينه، حضر الخليفة والقضاة الأربعة (٦)، وجماعة من العلماء والمشايخ بالحوش، وجلس السلطان وإلى حذائه الخليفة عن يمينه، والقضاة في مراتبهم على العادة، وكذلك من حضر من العلماء كلٌّ في مكانه المعروف لجلوسه، وحضر من كان بالقاهرة من الأمراء مقدَّمين (٧) الألوف، وجلسوا وبقية الأمراء وأرباب الدولة وقوف، فنهض القاضي زين الدين بن مُزْهر قائمًا، وتكلّم، وهو كاتب السرّ، مع الخليفة والقضاة. وكان الخليفة إذ ذاك

стр. 1145

المستنجد باللَّه أبو (١) المظفّر يوسف، والقاضي الشافعي الولي السُيوطي، والحنفي المحبّ بن الشِحنة، والمالكي الحسام بن حُرَيز، والحنبلي العزّ الكِناني، فقال لهم يخاطبهم ومن حضر عن لسان حال السلطان ما معناه: إن السلطان قد طرقه هذا الحادث المهم الفظيع، والأمر المُدْلهِمّ الشنيع، وإن في قصده تجهيز العساكر للذبّ عن المسلمين، وليس ببيت المال ما يقوم بذلك، وإن كثيرًا من الناس معهم زيادات في أرزاقهم ووظائفهم وأقاطيعهم وفائض أوقافهم، وإن السلطان قصْده أخْذ ذلك لهذه المصلحة. فمال الخليفة والقضاة إلى شيء، معناه الإجابة إلى ذلك والرضا (٢) به، وإن لم يصرّحوا، وقبل تمام تصريحهم بالرضا (٣) وهم في أثناء ذلك، إذ بعث اللَّه لهم في ذلك المجلس بشيخنا الإمام العلّامة، شيخ الإسلام، الشيخ أمين الدين يحيى بن الأُقصُرائي الحنفي، فحضر وجلس في رتبته، فبدر كاتب السرّ الزين بن مُزْهر بأن أعاد عليه ذلك المقال الذي قاله، فأنكر الشيخ أمين الدين ذلك المقال غاية الإنكار، ثم قال في الملأ العام من ذلك المجلس: لا يحلّ للسلطان أخذ مال أحدٍ من الناس إلّا بوجهٍ وطريق شرعي، ولو نفد جميع ما في بيت المال، فلا يحل له أخذه من أحدٍ شيئًا، حتى ينفد جميع ما في أيدي الأمراء من الأموال والمتاع والأثاث والأقمشة مما لا يُحتاج إليه في الحرب، وكذا جميع ما في أيدي الجند، فإذا لم يبق في أيديهم شيء، ففي ذلك الحين إن كان المهم من الضروريات في الدفع عن المسلمين حلّ ذلك، لكن بشرائط متعدّدة، وهذا هو دين اللَّه. وهذا محصَّل ما قاله الشيخ أمين الدين وملخّصه جمعناه، وإن لم يكن بلفظه، إذ المجلس في ذلك اليوم طال وكثُر فيه اللغط، وطالت المكالمة في ذلك أيضًا بين الأمين الأُقصُرائي والزين بن مُزْهر، ويُظهِر مساعدة الملك ظاهرًا، وهو مع الشيخ أمين الدين في الباطن، بقرائن دلّت على ذلك في أثناء كلاميهما. وكان الخليفة والقضاة بعد ذلك كذلك. ثم أخذ الزين بن مُزْهر كاتب السرّ في تقليل الكلام وبراعة الاختتام، وخُتم الأمر على غير طائل من أهل الشرع لما قصده السلطان، وانفضّ بذلك المجلس، وبلغ ذلك الخاصَّ والعام، فكثُر دعاء الناس في ذلك اليوم للشيخ أمين الدين، وزاد الثناء عليه، وعُدّ ما قاله (من النوادر) (٤)، ومن القيام في اللَّه تعالى والقول بالحق، جزاه اللَّه تعالى خيرًا عن دينه ومروءته. وكان السلطان في بداية هذا المجلس أظهر أنه يريد السفر بنفسه لقتال شاه

стр. 1146

سوار، فقال الخليفة والقضاة: ليس في سفر السلطان بنفسه فائدة في هذه الكائنة ولا مصلحة للمسلمين، بل الأَوْلَى تجهيز العساكر. فأخذ السلطان في الاعتذار بقلّة المال، وكان ذلك براعة الاستهلال لمقصده، حتى وقع بعده ما ذكرناه. ثم لما انفضّ هذا المجلس من الخليفة والقضاة والمشايخ، أخذ السلطان في الكلام مع الأمراء في أمر التجريدة، وذكر لهم أيضًا بأنه يريد السفر بنفسه، وطال الكلام في ذلك أيضًا. ثم نودي بالحوش السلطاني بأن العرض في يوم السبت، وأنه من تعيّن في ذلك اليوم للسفر فليكن على أُهبة. ثم قام السلطان فدخل إلى الدُهيشة وهو مُظْهر ومصمّم على ما عزم عليه وقصده من أخذه أموال الناس، لشرهه في ذلك، لكنّه بقي في حيرةٍ في أمر الفقهاء، وفكّر في كيفية ذلك، وما هو السبيل والمندوحة إليه، ولو كان ذلك بأدنى مناسبة وملابسة، حتى لا يشاع عنه مخالفة العلماء في ذلك (١). (أخْذ الملك الظاهر تمربُغا بثغر دمياط) (٢) وبينا هو في تحيّر هذا الافتكار قبل أن يستقر به الجلوس، وقبل نزول كاتب السر إلى منزله، دهمه الخبر، وهو أدهى وأمرّ بأمرٍ اتفق أشغله اللَّه تعالى به وبنفسه عن قصده، بأنْ ورد إليه الخبر من يشبُك من مهدي الدوادار الكبير، وكان قد خرج قبل ذلك من القاهرة متوجّهًا إلى بلاد الشرقية، بسبب محمد بن عجلان (٣)، شيخ العربان بها، وبسبب عيسى بن سيف (٤)، وأنه وقع له معهما أمور، وأنهما انهزما منه بمن معهما من عربانهما، وتوجّها إلى ثغر دمياط، وأخذا منها الملك الظاهر تمربُغا، وحضرا به إلى جهة الصالحية، وما عليه مقصدهم و إلى أين مسيرهم، ولا ما المراد بذلك. فانزعج السلطان لهذا الخبر غاية الانزعاج، واشتدّ عليه الأمر، وعظُمت المصيبة، وترادفت البليّة، وتصاعدت القضية، ولعلّ ذلك لشؤم مقصده، وسوء ما دبّره من أخذ أموال المسلمين، ومع ذلك فلا معتبر ولا مذكّر، على أنه نسي ما كان فيه من التدبير، وأخذ في الانتقال لتدبير آخر أهم

стр. 1147

الآن من الأول، ففكّر في تجهيز تجريدة للعربان قبل الشروع في ذلك الأمر الذي تقدّم الكلام عليه، وهو ما قصده وأضمره من أخذ الأموال، لأجل تجريدةٍ لشاه سوار. ثم حدس في نفسه بأن عسكره مختلف عليه ويلتفتون إلى غيره، لا سيما وهم لا يريدون الأسفار ولا الخروج إلى التجاريد، فسُقط حينئذٍ في يده، وحار في أمره ومقصده، لا سيما وقد كثُرت الأقوال في قضيّة تمربُغا، وحسب الفعال حسبانات، وكثرت الخباطات، وشاع بجملة هذه المقتضيات بين الناس الكثير من الإشاعات على مقتضى الأغراض والشهوات، منها أن ابن عجلان إنما توجّه للظاهر تمربُغا، وأخَذه وتوجّه به بدسيسة من العساكر المصرية، لا سيما الظاهرية، وأنهم توافقوا على ذلك، وسيركبون، وإليه يتوجّهون، أو إذا قَرُب إلى القاهرة يخرجون إلى لقائه، ثم يقومون معه على السلطان، ونُسِب هذا إلى جميع العسكر، وأن المحرّك له هو الظاهرية. ومنها أن هذا شغل الظاهرية فقط، وأنهم دسّوا إلى تمربُغا قبل ذلك، لكونهم يقدّمونه في نفس الأمر على السلطان هذا، لا سيما وقد ظهر لهم منه خلاف ما كانوا يؤمّلونه منه، وخصوصًا وقد قرّب أعداءهم (١) الأشرفية الكبار والصغار، وانتمى إليهم وانتموا إليه. ومنها أن نفس تمربُغا خاف على نفسه من السلطان ومن الظاهريين اللذين قرّبهما، فتوسّع خياله، فأضمر الخروج إلى الشام ليلحق بمن هناك ويتسلطن، ثم يعود إلى القاهرة ويقاتل السلطان، ويملك كما كان. ومنها أن يشبُك من مهدي باطَنَه على الخروج، وتواطأ معه على ذلك، وإلّا لكان قام عليه فقبضه، وكثُرت هذه الظنون في هذا اليوم بمثل ما قلناه، ودام ذلك من باكر النهار إلى آخره. ثم فترت الأخبار إلى أن كان ما سنذكره (٢). [عودة سودون المصري بعد كسر العسكر أمام شاه سوار] وفيه، في يوم الأربعاء، رابع عشرينه، عاد سودون المنصوري، وكان قد عُيّن قبل ذلك في يوم ورود الخبر بكسر العسكر على يد شاه سوار، ليخرج إلى كشف ذلك وتجريده على أتم وجه، وتجريد جند العسكر المصري، فتوجّه وعاد في هذا اليوم، وأخبر أن سبب عَوده هو أنه لما سار إلى جهة البلاد الشامية وصل

стр. 1148

إلى مكان ببحريّ الصالحية، وإذا بعربان ابن (١) عجلان من أصحاب تمربُغا وقد وافوه، ونهبوا جميع ما كان معه، حتى مراسيم السلطان، ولم يتركوا له غير ما معه من المراكيب لا غير، فعاد على أقبح وجه، فعظُم ذلك على السلطان وزاد ما به. ثم سأله السلطان فيما بينه: هل رأى تمربُغا نفسه، فأخبر بأنه لم يره. وقيل: بل قال له: رأيته على بُعد. ويقال إنه علم باطن الأمر وأخفاه عن السلطان، لأنه من حزب تمربُغا وأحد أنْياته. [انتداب تغري بردي الأرمني للسفر إلى البلاد الشامية] وفيه، أعني هذا اليوم، ندب السلطان تغري بردي الأرمني (٢)، أحد الخاصكية، وعيّنه للسفر للبلاد الشامية، عِوَضًا عن سودون المذكور، وأمره بالخروج لوقته لأجل تجريد جند العسكر المصري، وعَوده إليه بذلك سريعًا. [النداء بحظر الخروج من الدور بعد العشاء بالقاهرة] وفيه، في يوم الجمعة، سادس عشرينه، نودي من قِبَل السلطان بشوارع القاهرة بأن أحدًا لا يخرج من داره بعد صلاة العشاء، ولا يحمل سلاحًا، ولا يتتام على وإن ونحو ذلك، وهدّد من خالف هذه المناداة، كل ذلك مخافة اتفاق بعض العسكر ليلًا للخروج إلى الظاهر تمربُغا، كما وقع له هو في ليلة كائنة خيربك التي أدّت وآلت إلى سلطنته، وكان ذلك بمندوحة ما قدّمناه من الأوهام التي أشيعت. [نجاة تمربُغا بنفسه والاستيلاء على مخلّفاته] وفيه، في آخر النهار، ورد الخبر من يشبُك الدوادار بأنه عيّن جماعة عليهم جَكَم قَرا للكبس على الظاهر تمربُغا، وأنهم لما توجّهوا إليه كادوا أن يظفروا به، ففاتهم ونجا بنفسه. وذكر يشبُك في مكاتبته أن السلطان لا يهتم لذلك، فإنه سيؤخذ عن قريب، وذكر فيها أيضًا بأنه لما فاز تمربُغا بنفسه ترك ما كان معه من جِمال وأثاث وغير ذلك من رحله، وكان [معه] (٣) ثلاثة جمال أو أربعة محمّلة بالزاد، وقطار بغال عليها قماشه وأثاثه في أخراج، وأنهم ظفروا بمملوك (٤) كان له

стр. 1149

قد أخرجه ليأخذه معه، وكان من خواصّه، وممّن شراه بمبلغ كبير. وكان هذا المملوك غير مُلتحٍ، وذكر فيه أيضًا أنه لما جاء يشبُك الخبر بهذا، ندب جماعة أُخر أيضًا بعد فوز تمربغا بنفسه، وهم عدّة من العربان والجند أيضًا سريّة، وجعل عليها سيباي العلائي (١) الكاشف بعد ذلك، وحرّضهم على لحوق تمربُغا. وكان ما سنذكره (٢). [طلب السلطان من يشبُك العودة إلى القاهرة] ثم ورد على يشبُك الخبر من السلطان بطلبه إلى القاهرة فيقال: لعلّ السلطان توهّم منه ما أشيع عنه من المواطأة مع تمربُغا، هكذا ظنّ بعض، وأظنّ أنا أن السلطان لم يخطر ذلك بباله، بل ولا توهّمه في يشبُك. نعم أشاع عنه بعض ذلك. وفيه، في يوم السبت، سابع عشرينه، وصل يشبُك من مهدي الدوادار إلى القاهرة وطلع إلى القلعة، وعرّف السلطان بما وقع مفصَّلًا. [ولاية الخيضري قضاء الشافعية بدمشق] وفيه -أعني هذا اليوم- استقر القاضي، الشيخ، الحافظ، قُطْب الدين الخَيضري، كاتب سرّ دمشق حينئذٍ، في وظيفة القضاء الشافعية بدمشق، عِوَضصا عن علي بن الصابوني، مضافًا ذلك لكتابة السرّ (٣). [ولاية ابن المزلّق نظر الجيش] وفيه أيضًا، استقرّ البدر حسن بن الخواجا شمس الدين بن المزلّق (٤) في وظيفة نظر الجيش على عادته أولًا، وذلك عِوَضًا عن العلاء بن الصابوني أيضًا، بحكم القبض عليه، وبذلٌّ كل من القُطب (٥)، والبدر في ذلك مالًا (٦) له صورة على ما أشيع عنهما (٧).

стр. 1150

(أخْذ الركب اليَنْبُعي وما فيه من التجار) (١) وفيه -أعني هذا اليوم أيضًا- ورد الخبر بأن الركب من الينابعة، وكان قد توجّه قبل ذلك من القاهرة لجهة المشرّفة مكة، وكان فيه السيد الشريف علي بن بركات، أخو صاحب مكة الماضي ذِكره، القاضي أبي (٢) البركات بن ظهيرة قاضي جُدّة، وجميع من كان فيه من التجار، أُخذ عن آخره من العربان الذين أحضرهم سبع وسَبّاع ولدا (٣) هجار السيدان الشريفان صاحبا (٤) الينبُع، وأن النهب استقصى جميع الركب عن آخره، حتى لم يُبْقوا لهم شيئًا من المال ولا من أنواع المتاجر، وهو شيء كثير. ثم كان من أمر ذلك ما سنذكره (٥). [عودة سيباي العلائي دون الإمساك بتمربُغا] وفيه، في آخر هذا اليوم أيضًا، وصل سيباي العلائي الأشرفي، الماضي خبر بعث يشبك إيّاه، في أثَر تمُربُغا، وعاد ولم يحصل به على طائل، وأخبر سيباي المذكور السلطان بأنه لقي الأمير يشبُك الجمالي بمدينة قطْيا، وأخبره بأن تمربُغا اجتاز به، ولم يتعرّض له فيما معه من الأموال التي أحضرها من البلاد الشامية، وكانت شيئًا كثيرًا، فحدس السلطان بواسطة هذا الخبر، بأنّ تمُربُغا إنّما توجّه من تخيّله وتوسّع خوفه، وكان الأمر كذلك على ما سيأتي ذلك. وبالجملة فخفّ عن السلطان ما كان يجده قبل ذلك من أمر خروج تمربُغا، وهان عليه الأمر، وكان بعد ذلك ما ستعرفه (٦). [إقامة والد المؤلّف بطرابلس] وفيه، في يوم الأحد، ثامن عشرينه، قدم عليّ إلى القاهرة إنسان من أتباع الوالد، يقال له علي بن مُغُلْطاي (٧)، من عند الوالد، فأخبر بأنه قدم من العراق من على جهة حلب، ووصل بعد ذلك إلى طرابُلُسَ، وله بها عدّة شهور، وهو مقيمٍ بها بالدار التي أنشأها بها، وأحضر على يده مكاتبة من الوالد للأمير تمراز، وتحفة من التُحَف المستظرَفَة، برسم إهدائها للسلطان، وتعريفه بوصوله وبأحواله، فدخلت إلى تمراز الشمسي، أمير سلاح بعصرنا الآن، وأوصلته المكاتبة وما معها، فأظهر

стр. 1151

الفرح بعَود الوالد إلى هذه البلاد، ثم وعد بأنه سيجتهد غاية الاجتهاد عند السلطان في أمر الوالد، لكن بعد أن يتفرغّ السلطان مما هو فيه من هذه الهموم التي ترادفت عليه. (ورود الخبر بهلاك العسكر المصري) (١) وفيه في يوم الإثنين، تاسع عشرينه، وصل ساعٍ من قبل أُزبَك نائب الشام بمكاتبته، يخبر السلطان فيها بأن العسكر المصري هلك غالبه، ولم يسلم منه إلّا القليل ممن لا عبرة به، وأن أمراءه (٢) ذهبوا جميعًا في القتال. وسنذكر قريبًا كيفية هذا القتال بعد أن ورد الخبر به في تاريخ ورده كما سيأتي، ونذكر ما جرى على من أخبر. ولما ورد هذا الخبر على السلطان، وقُرئت هذه المكاتبة بعد فضّها بالقصر بين الملأ (٣) العام، وانزعج السلطان ومن حضر من هذا الخبر أشدّ الإنزعاج، وعظُم على الناس ذلك، بأن السلطان، بل وجمع من الناس كانوا يترجّون العسكر المصري، بل وكانوا يظنّون أن شاه سوار لما فعل ما فعل مع عساكر البلاد الشامية، وأنه لا بُدّ يعود العسكر المصري عليه فيكسره، أو إذا بلغهم عنه ما فعله وهم بعيدون (٤) عنه أخذوا في تدبير الحيلة في عَودهم سالمين بوجهٍ من الوجوه، وكان التوهّم بهلاكهم (٥) توهّمًا بعيدًا. ولما جاء الأمر بخلاف مُرتَجَى (٦) السلطان، بل والناس، أوجب ذلك تضاعف الهمّ وعظم المصيبة والبليّة وازديادها عمّا كانت، ولهذا عظُم ذلك على السلطان (٧). [تفقّد مقياس النيل] وفيه -أعني هذا اليوم، ووافق سادس عشرين بؤونة (٨)، تفقّد ابن (٩) أبي الروّاد المقياس، وأخبر بأن القاعدة جاءت ستة أذرُع وأربعة عشر إصبعًا، وطلعت البشارة بذلك في يوم ورود هذا الخبر، وكان يومًا على الأتراك عسيرًا، بل وعلى غيرهم من كثير من الناس.

стр. 1152

[مشاورة السلطان الأمراء] وفيه، أعني هذا اليوم، بعث السلطان بطلب الأمراء مقدَّمين (١) الألوف، وتشاوَرَ وإيّاهم في سفره إلى قتال شاه سوار بنفسه، فأشاروا عليه بعدم ذلك، وأنه ليس برأي، وأن الرأي إنّما هو في تجهيز العسكر إليه ثانيًا، فاحتجّ السلطان بقلّة المال عَودًا وانعطافًا لِما هو في قصده وضميره، من أخذه أموال الناس. وذكر السلطان بأن المال معدوم (٢) من الخزائن السلطانية. وطال الكلام في هذا اليوم فيما بينهم في ذلك، حتى قال يشبُك الدوادار: يخرج الجند بغير نفقة له يقوم الأمر المهم، فبدر أزدمر الإبراهيمي الطويل، فإن قال (٣): متى عُهد بمصر ذلك، ومن ذا الذي سمع قطّ أن عسكر مصر خرج منها بغير نفقة إلى غير ذلك من كلمات. (تعيين العسكر لشاه سوار بن دُلغادر) (٤) وفيه -أعني هذا اليوم- لما وقع القال والقيل، وانتهى أخذ السلطان في تعيين تجريدة أخرى للخروج إلى قتال شاه سوار، فعيّن من الأمراء الأمير قرقماس الجَلَب أمير مجلس، وسودون القصروي رأس نوبة النُوَب، وقَراجا الأشرفي الطويل، وأزدمر الإبراهيمي الطويل، وهما من مقدَّمين (٥) الألوف، وذكر أنه تعيّن ألف من الجُند المماليك، وعدّة من الأمراء العشرات وأراد يشبُك الدوادار السفر، فمُنِع من ذلك، فبدر بأن قال: إن لم أسافر أنا بنفسي، فأنا أُعِين العسكَرَ بعشرين ألف دينار من مالي، ثم التفت إلى أزدمر الطويل، وقال: وأعطيك من مالي أيضًا ألف دينار. وقال له السلطان: وأنا أعطيك ألف دينار أيضًا، يعني بذلك زيادة على النفقة المعتادة لمثله. فقبّل أزدمر الأرض للسلطان، ثم قبّل يد يشبُك الدوادار، وانفضّ المجلس على ذلك (٦). [التشاور في مساعدة السلطان] وفيه -أعني هذا اليوم- لما انفضّ هذا المجلس ونزل الأمراء من القلعة، بقي يشبُك الدوادار بها، فجلس وجلس حوله جماعة من أعيان مباشري (٧) الدولة، فأخذ يشبك في الكلام معهم في مساعدة السلطان في هذا المهم، ثم فرضوا أموالًا

стр. 1153

طائلة على جماعة كثيرة من أنواع وأجناس شتّى، فلا فائدة لنا في ذكرهم (١). [وصول أزبك نائب الشام إلى نواحي حلب] وفيه -أعني هذا اليوم- في آخره، ورد الخبر على السلطان من أُزبك نائب الشام، بأن الأتابك جانِبَك قُلقسيز قد وصل إلى قريب حلب، وهو على الدخول إليها عن قريب، وأنه في حِرْز الأمن والسلامة على ما بلغه ذلك، ثم بلغه كذلك هذا الخبر فيما بعد، وكان بعض التركمان قد وضع كذلك لغرضٍ ما، وظهر أن جانبك المذكور قد أسره شاه سوار، وأنه في قبضته هو وآخرون (٢) من الأمراء على ما سنذكره (٣). [شهر ذي الحجّة] وفيها كان أول ذي الحجة بالقاهرة بالثلاثاء، يقال برؤيةٍ ثبتت، وكان بالحجاز وغيره من الأقطار بالأربعاء، على ما عُرف بعد ذلك. [ارتفاع الأسعار] واستهلّ هذا الشهر والناس في حال عجيب وأمر غريب من نوادر الأخبار غير (٤) السارّة، بل الضارّة. وكانت الأنكاد والغلاء الكبير. وقد زاد السعر في الغلال جميعها، وارتفع سعر القمح عمّا كان قبل ذلك، حتى بلغ الإردبّ إلى سبعمائة درهم، وارتفعت سائر الأسعار بسائر الأقوات في سائر النواحي، وكانت الأحوال غير مُرضية، وكثُرت الأنعية بديار المسافرين، وعُمِلت الأعزية. وكانت القاهرة في هذه الأيام عجيبة الأقوال، وللَّه الأمر (٥). [التهنئة بالشهر] وفيه طلع القضاة والمشايخ ومن له عادة بالطلوع إلى القلعة لتهنئة السلطان بالشهر، وكانت تهنئة، وفي الحقيقة تعزية. [تغليظ السلطان القول لأزدمر الطويل] وفيه -أعني هذا اليوم أيضًا- وقع بين الظاهرية الكبار خُشداشي السلطان

стр. 1154

وبين الأشرفية الإينالية من الأمراء، من كلا الطائفتين، مقاولة في الكلام، ومحاورة بحضور السلطان وبين يديه، وأغلظ السلطان فيه القول لأزدمر الطويل، وتوقع الناس عقيب ذلك ثورانًا (١) فيه، بل أشاعوا بأن ستكون، ثم لم يكن شيء (٢) من ذلك (٣). [مصادفة يشبُك الجمالي لتمربُغا بقطيا] وفيه، في يوم الأربعاء ثانيه، قدم يشبُك الجمالي من البلاد الشمالية، وطلع إلى القلعة، وأخبر أنه لما صادف تمربُغا بقَطيا، لم يتعرّضه بأذى ولا ضرر، ثم أثنى على تمربُغا خيرًا. ويشبُك الجمالي هذا هو أحد مقدَّمي الألوف بعصرنا الآن، والزَّرَدْكاش الكبير، وهو من مماليك الجمال بن كاتب جَكم. وقد مرّت ترجمته فيما أظنّ. (ذكر القبض على الظاهر تمربغا) (٤) وفيه، في يوم الخميس ثالثه، ورد الخبر بالقبض على تمربُغا بالقرب من غزّة. وكان من خبر ذلك أن السلطان كان قد بثّ مراسيمه إلى غزّة وغيرها من الجهات بالتفحص على تمربُغا، والقبض عليه إن أمكن ذلك، عقيب نجاة (٥) تمربُغا وخروجه من ثغر دمياط. (!). وكان تمربُغا هذا قد سار من قَطْيا لما لم يُظفَر به، ووقع ما تقدّم خبره من فوزه بنفسه، وترك حموله وأثاثه على ما مَرّ بيان ذلك، وكان معه محمد بن عجْلان الماضي ذِكره، وعيسى بن سيف، بجمعٍ من عربانهما التابعين لهما. وكان معه ناظر ثغر دِمياط المسمَّى بأبي الفتح، ومعه ابنان من مماليك الظاهر خُشقدم، وهما دَولات باي، وتَنَم ونحو أربعة من المماليك أيضًا، ووصلوا إلى خان يونس، وظنّ أن نائب غزّة ينضمّ إليه، أولا أقل من أن لا يتوجّه، واتفق أن نائب غزّة حين ورد عليه مرسوم السلطان ركب بجماعة، ومعه عسكر غزّة، وقصد جهة خان يونس، فصادف تمربُغا به، بل رآه رأي العين، فانهزم تمربُغا منه إلى بعض الجهات من غير قتال، وتفرّقت عنه أصحابه لما رأوا عسكر غزّة متقحّمين عليهم، وثار القوم

стр. 1155

في أثره، واتفق أن تبعه دوادار أرغون شاه نائب غزّة، وإنسان آخر من مماليك السلطان الأشرف قايتباي، ممَن كان بغزّة في بعض المهمّات، فما يتعلّق بالسلطان، ومعهما جُمَيعَّة لا بأس بها في القوّة. وكان نائب غرة توجّه لجهة أخرى تابعًا أثر تمُربُغا، اتفق أن أدركه الدوادار هذا بجمعٍ من نجوع العرب، فأخذه ووصل به إلى غزّة ليلًا، فدخلها قبل عَود أستاذه أرغون شاه، ثم حضر أرغون شاه فكتب إلى السلطان بإعلامه بذلك، والتماسه من يجهّزه إليه السلطان ليتسلّم تمُربُغا منه. ثم اختشى أرغون شاه من طول ذلك عليه، لئلّا تقوم فتنة أو نحوها، فركب بعساكره، وحمل تمربُغا معه، وقصد الديار المصرية. وكان لما وصل الخبر إلى السلطان أمر يشبُك من مهدي الدوادار بالتّوجّه ليتسلّم تمربُغا، فاتفق أن وافاه ببلبيس، وتسلّمه منه على ما سنذكره (١). (ورود الخبر بأسر الأتابك جانبك وغيره) (٢) وفيه، في يوم السبت، خامسه، وصل إلى القاهرة إنسان من الخاصكيّة، ممن كان مع العسكر المصري، يسمَّى يشبُك (ويُعرف بقمر، وهو من الخاصكية من مماليك الظاهر جقمق) (٣)، وكان قد أُسر حين وقعة سوار، وفادَى عن نفسه بألفي ومائتي دينار، وضمنه فيها الأتابك جانِبك قُلقسيز، وهو في أسرهم أيضًا، فأطلق هذا ليعمل مصلحة نفسه في إحضار المال. ولما قدم القاهرة أخبر أن شاه سوار المذكور أسر جماعة كثيرة من الأمراء المصريّين ومن الخاصكية، وأنه قرّر على الأتابك جانِبَك قُلقسيز أربعة وثلاثين ألف دينار، يحملها إليه حتى يطلقه، وندب الأتابك السلطان بحلب سبعة عشر ألف دينار، وعلى يشبُك الأشقر تسعة آلاف أيضًا، وعلى نَوروز المعروف بحُمَيدان كذلك، وعلى ابن (٤) والي الحجر من أمراء حلب مبلغًا لا يحضرني كمّيّته الآن. وكذا على علي بن القيشاني من أمراء حلب أيضًا، وعلى جماعة أخر جُمل يسيرة من المبلغ. وأخذ يشبُك قمر المذكور في تهيئة المبلغ الذي قُرّر عليه، لكونه ضمنه منه الأتابك جانِبَك، وكذا شرع قصّادُ مَن ذكرنا من الأمراء في تحصيل ما قُرّر على أستاذيهم. ثم أخبر يشبُك قمر المذكور عن كيفية هذه الكائنة، وأنها كانت من مشاهير الوقعات، وأنه مات بها

стр. 1156

عدّة كثيرة قتلوا، وآخرون (١) فُقدوا أصلًا ورأسًا، وأن الذي قُتل من المماليك السلطانية نحو المائتين (٢) مملوك، والخبر في كيفيّتها على جليّتها وحقيقتها الظاهر لنا عدم تحريره، فإنني كنت حريصًا على ذلك على وجه أمرّره من غير زيادة ولا نقص، وطالما مالت عن ذلك جماعة، ويخبر كلٌّ بحسب غرضه، وما تهواه نفسه، حتى سألت عنه من السوارية أيضًا، فوجدتهم يختلفون فيه، ويناقض بعض منهم، ومن المصريّين أيضًا البعض، فلهذا أعرض عن بيان كلٍّ من كلام المخالفين لبعضهم البعض، لكنْ محصّل ذلك كسر العسكر المصري وقتْلهم القتل الذريع وأسْرهم ونهْب ما في أيديهم، بحيث عاد من خلّص مسلوبًا ( … ) (٣). وكان معهم بعض من العساكر الشمالية. ولما ذكر الجمال ابن (٤) تغري بردي كيفية هذه الوقعة بما اعتمده من بعض الأفواه، أطال الكلام في ذلك، وخبّط فيه، بل وتكلّم بما تهواه نفسه، لا بإنصاف، يظهر ذلك لمن نظر في كلامه في ذلك وتأمّله، وكان على بصيرةٍ من أمر عسكرنا المصري، بل عسكر هذه المملكة جميعه في هذه الأيام، فلا فائدة في اشتغالنا بردّنا عليه بما لا إليه. (وأمّا يشبُك قمر، فما تم له خبر حتى أدركه أجله، فمات بعد دخوله القاهرة بأيام) (٥). [خروج يشبُك من مهدي لتسلُّم تمربُغا] وفيه، في يوم الإثنين سابعه، خرج يشبُك من مهدي الدوادار، ومعه جماعة من الأمراء الإينالية، وجمعٌ من مماليكه، متوجّهًا إلى جهة تمربُغا ليتسلّمه من نائب غزة، ويتوجّه به إلى ثغر الإسكندرية، ليقيم بها بالثغر، لا بسجن ولا نحوه، مما يضيّق به عليه، وتقدّم الإذن له بأن يسكن فيها بدار العزيز يوسف بن بَرْسْباي، وأن يركب إلى الجمعة والعيدين، ولا يوَكَّل به (٦). (ورود مكاتبة تمربُغا على السلطان باستمراره كما كان) (٧) وفيه -أعني هذا اليوم في آخر نهاره- ورد كتاب الظاهر تمربُغا على السلطان وهو يتلطّف فيه ويعتذر إليه غاية الاعتذار، وخاطبه فيه بمولانا

стр. 1157

السلطان، وكتب له فيه عن نفسه: "المملوك تمُرْبُغا"، وذلك على خلاف عادة السلاطين المنفصلين في الكتابة للمتّصلين، على أن الظاهر يلباي كاتَبَ بذلك أيضًا، والمؤيَّد أحمد، ثم ذكر تمربُغا هذا في كتابه من جملة ما قاله: إنه يقسم باللَّه العظيم، أنه ما توجّه لطلب مُلك، بل خوفًا على نفسه حيث صار يبلغه وهو بثغر دمياط أشياء تؤدّي إلى ذلك، أو إلى سجنه بثغر الإسكندرية، وأطال الكلام في اعتذاره، وكان الكتاب بخط الظاهر تمربُغا بيده. ولما ورد على السلطان وعرف أنه بخطّهِ بعد وقوفه عليه، بسط عُذره في ذلك وقبِله منه (١). [الأضحية في العيد] (وفيه، في يوم الخميس عاشره، كان عيد الأضحى، فأقيم الموكب بالقصر على العادة في مثله، وذبح السلطان ونحو الضحايا، وفرّق قبل ذلك على عادة من تقدّم من الملوك. [زيادة أسعار الغِلال] وفيه -أعني هذا الشهر في هذه الأيام- تحسّنت الأسعار في الغلال، وبلغ سعر الإردبّ القمح سبعمائة درهم نُقْرة، وارتفع سعر جميع الغِلال. وأمر السلطان بفتح بعض شُوَنه، وأبيع من ذلك بناقص سعر غير السبعمائة، وحصل من ذلك بعض رِفق) (٢). [طلوع نائب غزة إلى السلطان بالقلعة] وفيه، في يوم السبت ثاني عشره، وصل إلى القاهرة أرغون شاه نائب غزّة، وصعد إلى القلعة، وتمثّل بين يدي السلطان، وقبّل له الأرض، وأخبره بأنه سلّم الظاهر تمربُغا للأمير يشبُك الدوادار، فأنِس السلطان إليه، ثم خلع عليه، (وبعث إليه بأشياء تليق به، وأركبه فرسًا من خرجكانه (؟) بالسَّرْج الزَرْكَش (٣)) (٤). [أسر الشريفين سبع وسبّاع وتخليصهما] وفيه، أعني هذا اليوم، وردت الأخبار من جهة الحجاز بأن الشريف خنافر (٥)

стр. 1158

أمير الينبوع أغار على الشريف سبع (١) وأخيه سبّاع (٢) ولدي هجّان، الذي تقدّم خبر أخذهما لركب الينابعة، وأن خنافر المذكور قتلهما وأخرين معهما، واستخلص جميع ما كانا قد أخذاه، فشُكر الشريف خنافر على ذلك. [إخراق المماليك بالوزير والأستادّار] وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشره، أخرق المماليك الجُلبان بالوزير والأستادّار، فضربوهما ضربًا مؤلمًا، وبهدلوهما بهدلة زائدة، ولم ينتطح فيهما شاتان (٣). [الفتنة لعدم تفرقة اللحوم بالقلعة] وفيه، في يوم الثلاثاء، خامس عشره، لم يحمل الوزير اللحم الذي يفرّق على المماليك بالقلعة على العادة، فقامت فتنة كبيرة بسبب ذلك، وضجيج كثير من العبيد والغلمان الذين تطلّعوا لأخذ اللحم، وخطفوا الكثير من العمائم في هذا اليوم، وأفحشوا في ذلك، وصادف نزول الجُلبان (من طباقهم) (٤)، وثاروا في هذا اليوم يطلبون الزيادة في جوامكهم ومرتّباتهم، وكثُر الاضطراب في هذا اليوم والهَرَج بالقلعة، حتى فحش ذلك، وخرج فيه عن الحدّ، وغُلّقت أبواب القلعة، واستمر الحال على ذلك ساعة كبيرة، حتى نزل إليهم بعض الأمراء واسترضاهم، وتلطّف بهم، وتعطّف بخواطرهم، ووعدهم بعمل مصالحهم على لسان السلطان، وسكن الحال شيئًا (٥). [قبض والي القاهرة على مثيري الفتنة من البعيد] وفيه، في يوم الأربعاء، سادس عشره، ركب قانِبَاي الحَسَني الأشرفي والي القاهرة بأعوانه، وقبض على كثير من العبيد، ممن كان بالأمس في كائنة خطف العمائم ومن غيرهم، بل أكثر من قبض عليه ممن لا دخل له في تلك الكائنة، حتى حصل على كثير من الناس من أهل الخير وغيرهم الضرر البالغ من ذلك، حيث قبض على عبد الواحد منهم، فتعطّلوا من خدمهم في قضاء أشغالهم، وسعى

стр. 1159

الكثير في خلاص عبيدهم، فأطلق البعض، وطُلع إلى السلطان بآخرين فضُربوا، وقُطعت آذان الكثير منهم، وذلك في يوم السبت تاسع عشر ذي حجّة هذا، وشُهّروا بشوارع القاهرة (١). [وصول مكاتبة أُزْبَك نائب الشام بأخبار الحرب بين ابن عثمان وابن قرمان] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثاني عشرينه، وصل تغري بَرْدي الأرمني الخاصكي، والبَجْمَقْدار الذي تقدّم خبر خروجه إلى البلاد الشامية، لكشف الأخبار، وعلى يده مكاتبة أُزبَك نائب الشام، يذكر فيها بأن السلطان محمد بن عثمان ملك الروم كان لما قصد أحمد بن قَرَمان، ونازله بعساكره وحاصره، ورد الخبر عليه بأن الفرنج تحرّكوا على بعض بلاده لما استغنموا غيبته، فرحل متوجّهًا إلى بلاده، وأن أحمد بن قَرَمان تبِعه في عساكره، وقاتل عسكر ابن (٢) عثمان مقاتلة شديدة، حتى كسرهم وهزمهم. هكذا قال في مكاتبته، ولم يكن الأمر كما قاله على إطلاقه، بل لما رحل ابن (٣) عثمان عن [ابن] (٤) قَرَمان، وتبعه أحمد المذكور أدرك بعضًا من عساكره المتأخّرة، فوقع له معهم مقاتلة، لا أنه فعل ذلك مع العسكر العظيم الذي فيه ابن (٥) عثمان أو أميره (٦). [القبض على الوزير الأهناسي] وفيه، في يوم الخميس، رابع عشرينه، قبض السلطان على الوزير الصاحب الحاج محمد الأهناسي، ووكّل بطبقة الزمام (٧). [توقف النيل عن الزيادة] وفيه، في يوم الجمعة، ثم يومان (٨) بعده، وهما السادس والعشرون (٩) والسابع والعشرون (١٠) توقف النيل عن الزيادة هذه الثلاثة الأيام المتوالية، وقلق

стр. 1160

الناس بسبب ذلك وانزعجوا، وكثُر القلق، لا سيما والغلاء مرتفع في الأسعار في كل شيء، وقد ارتفع جدًّا قبل هذا الحادث، فما ظنُّك به بعده، وكثُر أنكاد الناس زيادة عمّا كانوا عليه، وزاد جور العربان بالنواحي من البلاد والأرياف، حتى آل أمر الكثير منها إلى الخراب، خصوصًا والأتراك في أمرٍ مَريج، وفي اشتغال بأنفسهم. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه (١). [زيادة النيل والفرح بذلك] وفيه، في يوم الإثنين، ثامن عشرينه، مَنّ اللَّه تعالى بزيادة النيل، وحصل بذلك السرور الزائد للناس والفرح، وتتابعت الزيادة، واستمرت حتى كان الوفاء على أتمّ وجه وأحسنه، كما سيأتي ذلك في التي تليها إن شاء اللَّه تعالى (٢). (كائنة السارق ستْر الليث بن سعد ﵁ (٣) وفيه، أعني هذا اليوم، قُبض على شخص تجرّأ على ضريح الإمام الليث بن سعد، فسرق الستر من عليه، وكشف اللَّه بواسطة سرقته الستر عنه، فقطعت يده، وطيف به شوارع القاهرة، وتعجّب الكثير من الناس من عظيم جرأة هذا، وإقدامه على مثل ذلك، وماذا كان بقلبه حين فعل ذلك، وكاد العامّة أن تبطش بهذا التعيس، بل كادوا أن يقتلوه، ولو علم به جمع كبير قبل قطْع يده مثلًا لقتلوه، لكنْ لما قُطعت يده سكن عنه الحال شيئًا. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه (٤). [ظهور ابن شُغَيْتة من اختفائه] وفيه ظهر الصاحب زين الدين قاسم شغيتة من اختفائه، فلم يُلتَفَت إليه، ولا عُرّج عليه (٥). [الإفراج عن الوزير الأهناسي] وفيه، في يوم الثلاثاء، تاسع عشرينه، أُفرج عن الوزير الحاج محمد الأهناسي، وخُلع عليه باستقراره في الوزارة على عادته مستمرًا، وصُرف ولده ( … ) (٦) عن نظر الدولة (٧).
следующие страницы →