← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

عدّة كثيرة قتلوا، وآخرون (١) فُقدوا أصلًا ورأسًا، وأن الذي قُتل من المماليك السلطانية نحو المائتين (٢) مملوك، والخبر في كيفيّتها على جليّتها وحقيقتها الظاهر لنا عدم تحريره، فإنني كنت حريصًا على ذلك على وجه أمرّره من غير زيادة ولا نقص، وطالما مالت عن ذلك جماعة، ويخبر كلٌّ بحسب غرضه، وما تهواه نفسه، حتى سألت عنه من السوارية أيضًا، فوجدتهم يختلفون فيه، ويناقض بعض منهم، ومن المصريّين أيضًا البعض، فلهذا أعرض عن بيان كلٍّ من كلام المخالفين لبعضهم البعض، لكنْ محصّل ذلك كسر العسكر المصري وقتْلهم القتل الذريع وأسْرهم ونهْب ما في أيديهم، بحيث عاد من خلّص مسلوبًا ( … ) (٣). وكان معهم بعض من العساكر الشمالية. ولما ذكر الجمال ابن (٤) تغري بردي كيفية هذه الوقعة بما اعتمده من بعض الأفواه، أطال الكلام في ذلك، وخبّط فيه، بل وتكلّم بما تهواه نفسه، لا بإنصاف، يظهر ذلك لمن نظر في كلامه في ذلك وتأمّله، وكان على بصيرةٍ من أمر عسكرنا المصري، بل عسكر هذه المملكة جميعه في هذه الأيام، فلا فائدة في اشتغالنا بردّنا عليه بما لا إليه. (وأمّا يشبُك قمر، فما تم له خبر حتى أدركه أجله، فمات بعد دخوله القاهرة بأيام) (٥). [خروج يشبُك من مهدي لتسلُّم تمربُغا] وفيه، في يوم الإثنين سابعه، خرج يشبُك من مهدي الدوادار، ومعه جماعة من الأمراء الإينالية، وجمعٌ من مماليكه، متوجّهًا إلى جهة تمربُغا ليتسلّمه من نائب غزة، ويتوجّه به إلى ثغر الإسكندرية، ليقيم بها بالثغر، لا بسجن ولا نحوه، مما يضيّق به عليه، وتقدّم الإذن له بأن يسكن فيها بدار العزيز يوسف بن بَرْسْباي، وأن يركب إلى الجمعة والعيدين، ولا يوَكَّل به (٦). (ورود مكاتبة تمربُغا على السلطان باستمراره كما كان) (٧) وفيه -أعني هذا اليوم في آخر نهاره- ورد كتاب الظاهر تمربُغا على السلطان وهو يتلطّف فيه ويعتذر إليه غاية الاعتذار، وخاطبه فيه بمولانا

стр. 1157

السلطان، وكتب له فيه عن نفسه: "المملوك تمُرْبُغا"، وذلك على خلاف عادة السلاطين المنفصلين في الكتابة للمتّصلين، على أن الظاهر يلباي كاتَبَ بذلك أيضًا، والمؤيَّد أحمد، ثم ذكر تمربُغا هذا في كتابه من جملة ما قاله: إنه يقسم باللَّه العظيم، أنه ما توجّه لطلب مُلك، بل خوفًا على نفسه حيث صار يبلغه وهو بثغر دمياط أشياء تؤدّي إلى ذلك، أو إلى سجنه بثغر الإسكندرية، وأطال الكلام في اعتذاره، وكان الكتاب بخط الظاهر تمربُغا بيده. ولما ورد على السلطان وعرف أنه بخطّهِ بعد وقوفه عليه، بسط عُذره في ذلك وقبِله منه (١). [الأضحية في العيد] (وفيه، في يوم الخميس عاشره، كان عيد الأضحى، فأقيم الموكب بالقصر على العادة في مثله، وذبح السلطان ونحو الضحايا، وفرّق قبل ذلك على عادة من تقدّم من الملوك. [زيادة أسعار الغِلال] وفيه -أعني هذا الشهر في هذه الأيام- تحسّنت الأسعار في الغلال، وبلغ سعر الإردبّ القمح سبعمائة درهم نُقْرة، وارتفع سعر جميع الغِلال. وأمر السلطان بفتح بعض شُوَنه، وأبيع من ذلك بناقص سعر غير السبعمائة، وحصل من ذلك بعض رِفق) (٢). [طلوع نائب غزة إلى السلطان بالقلعة] وفيه، في يوم السبت ثاني عشره، وصل إلى القاهرة أرغون شاه نائب غزّة، وصعد إلى القلعة، وتمثّل بين يدي السلطان، وقبّل له الأرض، وأخبره بأنه سلّم الظاهر تمربُغا للأمير يشبُك الدوادار، فأنِس السلطان إليه، ثم خلع عليه، (وبعث إليه بأشياء تليق به، وأركبه فرسًا من خرجكانه (؟) بالسَّرْج الزَرْكَش (٣)) (٤). [أسر الشريفين سبع وسبّاع وتخليصهما] وفيه، أعني هذا اليوم، وردت الأخبار من جهة الحجاز بأن الشريف خنافر (٥)

стр. 1158

أمير الينبوع أغار على الشريف سبع (١) وأخيه سبّاع (٢) ولدي هجّان، الذي تقدّم خبر أخذهما لركب الينابعة، وأن خنافر المذكور قتلهما وأخرين معهما، واستخلص جميع ما كانا قد أخذاه، فشُكر الشريف خنافر على ذلك. [إخراق المماليك بالوزير والأستادّار] وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشره، أخرق المماليك الجُلبان بالوزير والأستادّار، فضربوهما ضربًا مؤلمًا، وبهدلوهما بهدلة زائدة، ولم ينتطح فيهما شاتان (٣). [الفتنة لعدم تفرقة اللحوم بالقلعة] وفيه، في يوم الثلاثاء، خامس عشره، لم يحمل الوزير اللحم الذي يفرّق على المماليك بالقلعة على العادة، فقامت فتنة كبيرة بسبب ذلك، وضجيج كثير من العبيد والغلمان الذين تطلّعوا لأخذ اللحم، وخطفوا الكثير من العمائم في هذا اليوم، وأفحشوا في ذلك، وصادف نزول الجُلبان (من طباقهم) (٤)، وثاروا في هذا اليوم يطلبون الزيادة في جوامكهم ومرتّباتهم، وكثُر الاضطراب في هذا اليوم والهَرَج بالقلعة، حتى فحش ذلك، وخرج فيه عن الحدّ، وغُلّقت أبواب القلعة، واستمر الحال على ذلك ساعة كبيرة، حتى نزل إليهم بعض الأمراء واسترضاهم، وتلطّف بهم، وتعطّف بخواطرهم، ووعدهم بعمل مصالحهم على لسان السلطان، وسكن الحال شيئًا (٥). [قبض والي القاهرة على مثيري الفتنة من البعيد] وفيه، في يوم الأربعاء، سادس عشره، ركب قانِبَاي الحَسَني الأشرفي والي القاهرة بأعوانه، وقبض على كثير من العبيد، ممن كان بالأمس في كائنة خطف العمائم ومن غيرهم، بل أكثر من قبض عليه ممن لا دخل له في تلك الكائنة، حتى حصل على كثير من الناس من أهل الخير وغيرهم الضرر البالغ من ذلك، حيث قبض على عبد الواحد منهم، فتعطّلوا من خدمهم في قضاء أشغالهم، وسعى

стр. 1159

الكثير في خلاص عبيدهم، فأطلق البعض، وطُلع إلى السلطان بآخرين فضُربوا، وقُطعت آذان الكثير منهم، وذلك في يوم السبت تاسع عشر ذي حجّة هذا، وشُهّروا بشوارع القاهرة (١). [وصول مكاتبة أُزْبَك نائب الشام بأخبار الحرب بين ابن عثمان وابن قرمان] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثاني عشرينه، وصل تغري بَرْدي الأرمني الخاصكي، والبَجْمَقْدار الذي تقدّم خبر خروجه إلى البلاد الشامية، لكشف الأخبار، وعلى يده مكاتبة أُزبَك نائب الشام، يذكر فيها بأن السلطان محمد بن عثمان ملك الروم كان لما قصد أحمد بن قَرَمان، ونازله بعساكره وحاصره، ورد الخبر عليه بأن الفرنج تحرّكوا على بعض بلاده لما استغنموا غيبته، فرحل متوجّهًا إلى بلاده، وأن أحمد بن قَرَمان تبِعه في عساكره، وقاتل عسكر ابن (٢) عثمان مقاتلة شديدة، حتى كسرهم وهزمهم. هكذا قال في مكاتبته، ولم يكن الأمر كما قاله على إطلاقه، بل لما رحل ابن (٣) عثمان عن [ابن] (٤) قَرَمان، وتبعه أحمد المذكور أدرك بعضًا من عساكره المتأخّرة، فوقع له معهم مقاتلة، لا أنه فعل ذلك مع العسكر العظيم الذي فيه ابن (٥) عثمان أو أميره (٦). [القبض على الوزير الأهناسي] وفيه، في يوم الخميس، رابع عشرينه، قبض السلطان على الوزير الصاحب الحاج محمد الأهناسي، ووكّل بطبقة الزمام (٧). [توقف النيل عن الزيادة] وفيه، في يوم الجمعة، ثم يومان (٨) بعده، وهما السادس والعشرون (٩) والسابع والعشرون (١٠) توقف النيل عن الزيادة هذه الثلاثة الأيام المتوالية، وقلق

стр. 1160

الناس بسبب ذلك وانزعجوا، وكثُر القلق، لا سيما والغلاء مرتفع في الأسعار في كل شيء، وقد ارتفع جدًّا قبل هذا الحادث، فما ظنُّك به بعده، وكثُر أنكاد الناس زيادة عمّا كانوا عليه، وزاد جور العربان بالنواحي من البلاد والأرياف، حتى آل أمر الكثير منها إلى الخراب، خصوصًا والأتراك في أمرٍ مَريج، وفي اشتغال بأنفسهم. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه (١). [زيادة النيل والفرح بذلك] وفيه، في يوم الإثنين، ثامن عشرينه، مَنّ اللَّه تعالى بزيادة النيل، وحصل بذلك السرور الزائد للناس والفرح، وتتابعت الزيادة، واستمرت حتى كان الوفاء على أتمّ وجه وأحسنه، كما سيأتي ذلك في التي تليها إن شاء اللَّه تعالى (٢). (كائنة السارق ستْر الليث بن سعد ﵁ (٣) وفيه، أعني هذا اليوم، قُبض على شخص تجرّأ على ضريح الإمام الليث بن سعد، فسرق الستر من عليه، وكشف اللَّه بواسطة سرقته الستر عنه، فقطعت يده، وطيف به شوارع القاهرة، وتعجّب الكثير من الناس من عظيم جرأة هذا، وإقدامه على مثل ذلك، وماذا كان بقلبه حين فعل ذلك، وكاد العامّة أن تبطش بهذا التعيس، بل كادوا أن يقتلوه، ولو علم به جمع كبير قبل قطْع يده مثلًا لقتلوه، لكنْ لما قُطعت يده سكن عنه الحال شيئًا. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه (٤). [ظهور ابن شُغَيْتة من اختفائه] وفيه ظهر الصاحب زين الدين قاسم شغيتة من اختفائه، فلم يُلتَفَت إليه، ولا عُرّج عليه (٥). [الإفراج عن الوزير الأهناسي] وفيه، في يوم الثلاثاء، تاسع عشرينه، أُفرج عن الوزير الحاج محمد الأهناسي، وخُلع عليه باستقراره في الوزارة على عادته مستمرًا، وصُرف ولده ( … ) (٦) عن نظر الدولة (٧).

стр. 1161

(كائنة إحضار ابن (١) الكَرَكي الوالي إلى الخانقاه الشيخونية) (٢) وفيه-أعني هذا الشهر- الكائنة بالخانقاه الشيخونية، وهي أنه فُتحت بها خلوة البرهان إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل الكرَكيّ الأصل، القاهري، الحنفي، الشيخ برهان الدين أبي (٣) الوفاء، إمام السلطان، ثم شيخ الخانقاه الأشرفية بعد ذلك، المعروف بابن الكرَكي، وأُخذ منها بعض أثاث له كان بها ومتاع، ما بين ثياب بدن وفرش، وآنية صيني، وغير ذلك، مما لو قُوِّم جميعه لما بلغت قيمته خمسة عشر دينارًا، أو لعلّ أقلّ من ذلك بكثير، فأحضره ومعه الشرطة إلى الخانقاه المذكورة، وقبض على جماعة من أهل الخانقاه ما بين متردِّدين وخدّام وغيرهم من الصوفية، وممن يبيت بها، وادّعى أنه أُخذ له من خلوته شيء كثير (٤). وهو كاذب فيما قال، وحملوا -أعني المقبوض عليهم- إلى دار الوالي، وباتوا في التوكيل بهم ليلة بمسجد بالقرب من منزل الوالي المذكور، في ليلة مُحِرّة، وكانوا جماعة مع صِغَر المسجد، وحصل عليهم الأذى والضرر والتشويش ما لا عنه مزيد. وكان بهم جماعة من أهل العلم، بل والصالحين، مثل الشيخ عبد القاهر البرجساني، الآتية ترجمته في سنة سبع وثمانين، إن شاء اللَّه تعالى، وشيخنا المحقّق يونس الأدِرنائي الرومي، والشيخ العالم الفاضل عبد الحميد الطالبي، والفاضل جبريل، والعبد الصالح غرس الدين ابن (٥) كاتب الغيبة، والشيخ الفاضل الصالح محيي الدين محمد بن سندان الرومي، وغيرهم ممن ذُكر بالعلم والدين والخير والفضل، ولم يحتشم معهم في ذلك، مع علمه بأنهم ليسوا ممن يُتّهم بمثل ذلك، وإن كانت الكائنة من بعض أهل الخانقاة من الأوباش والأطراف، ومع ذلك فلم يأمر هؤلاء بالإنصراف، بل داموا في التوكيل بهم ليلة وبعضًا من يوم ثانٍ، حتى أظهر والي الشرِطة الاستحياء منهم، بل ربّما قصد الكرَكي (٦) نكاية بعض أهل العلم منهم وقهره، وكثُر الدعاء عليه بسبب ذلك، وآل الأمر في ذلك بعد خراب البصرة أن أمروا برمي التراب، ثم وُجدت الحوائج المذكورة بسطح الخانقاه وقد رُمين بها. وإبراهيم هذا موجود الآن بزمننا هذا، فلنُترجمه على عادتنا في ذلك:

стр. 1162

[ترجمة البرهان الكرَكي] ٣٨١ - وُلد بالقاهرة في سنة خمسٍ وثلاثين وثمانمائة. وبها نشأ مُقِلًّا، وأحفظه والده القرآن العظيم في حالة صِغره. وذكر هو عن نفسه بأنه حفظ "الكنز"، بل وغيره، وأنه عرض على جماعة، منهم: الكمال بن الهُمام، وغيره، وأظنّه ليس كما قال. ثم تعانى القراءة في الاتباع على بيوت الناس وفي اسطبلاتهم، مع معانية الأذان والميقات وعرف الوقت وبرع في ذلك شيئًا، ثم ناب عن والده في رياسة وقت بجامع ابن (١) طولون، وصار يؤذّن مع المؤذّنين به، ثم اتصل بخدمة الأتابك جَرباش كُرْد مؤذّنًا له. ذكر لي التاج محمد بن الكردي الآتية ترجمته في سنة تسع وثمانين: كان إمامًا لجربالش هذا، وهو الذي كان السبب في إيصال إبراهيم هذا به، أن جرِباش كان في قليل يقول: في أيّ شيء هذا المؤذّن، وكان لا يعجبه صوته. وكان قد لازم قبل ذلك الشهاب ابن (٢) العطار وقرأ عليه "البخاري" سردًا فيما أخبر عن نفسه، وكذا "مسلم"، وأنا أعرف كونه قرأ عليه "مسلمًا"، وأما "البخاري" فيمكن ذلك، ولازم الشمس إمام الشيخونية أيضًا، يظهر أنه يقرأ عليه، وكذا شيخنا النجم القَرْمي، وأخذ عنهما شيئًا، ثم اتصل بخدمة الأشرف قايتباي في أيام إمرته مؤذّنًا، ثم صار يؤمّ به أيضًا، وجمع بين الأذان والإمامة عنده. ولما تسلطن صار من أئمة القصر، وداخل السلطان، وتحشّر فيه جدًا، ثم أنزله يشبُك من مهدي في صوفية المؤيَّديّة، وحضرها مدّة وهو على إمامته، لدناءة نفسه ومزاحمة الطلبة، وإلّا فقد كان في كفاية وغنية. ثم أخذ في العُلوّ والارتفاع بعد موت التقيّ الشُمُنّي، وسعى في وظائفه فحيل بينه وبينها وجود مولود كان لتركة الشيخ، ستأتي ترجمته في ترجمة الشيخ إن شاء اللَّه تعالى، في تراجم (هذه السنة) (٣)، وما أمكنه إلّا أن يكون نائبًا عن الولد، طمعًا في أنه يموت، فيستقلّ هو بها، وأشربها قلبه، وصار يحضر في حضور تربة قانِبَاي في المشيخة لحضورها، ولازم ذلك مدّة، ثم تعاظم عن ذلك، فصار يبعث والده إلى حضورها نائبًا عنه. وداخل يشبُك الدوادار وتحشّر فيه، وصار يربّي نفسه عنده، ويعرف بها بطريقة تغلب فيها شاشان، وراج بعض الرواج، لا سيما وهو يدري اللغة التركية، وكذا صار دأبه مع السلطان أيضًا، في تعريف نفسه بنفسه بحِيَل في ضمن كلام، حتى أقام لنفسه

стр. 1163

ناموسًا، واكتسب الوجاهة. ثم أخذ في التظاهر للناس بأنه متمكن من السلطان غاية التمكن، فقُصد من الناس وخدموه بالرِشَى والأموال، وأثرى من ذلك. وأنشأ دارًا بالروضة والصليبة وزخرفهما، وركب الخيول المسوَّمة، والنقلة في هيئة القضاة بالكنبوش. ووُلّي وظائف البدر بن عُبيد اللَّه بعد موته بعناية يشبُك الدوادار، كمدرسة أمّ السلطان، والمحمودية، والبَرْسْبائية، وغير ذلك، وأخذ في التعاظم والشمم الزائد، مع مزيد البأو، وبطر الحق، وغمص الناس، ثم أخذ بعد موت العلّامة الأمين الأُقصُرائي وولده في السعي في مشيخة الخانقاة الأشرفية المستجدّة، ولا زال به حتى تسلّط على السلطان، فولّاه إيّاه على كُره منه، بعد أن أسمعه كلمات مُنكية، وتكلّم في نظر الكِسوة أيضًا، ووُلّي بعض تداريس شيخنا العلّامة السيف الحنفي بعد موته، وعلم كره كل ذلك، ولم يقنع ولا شبع، ولم يعرف ما كان فيه من الفقر والفاقة والمشي إلى قراءة الأسباع، بل وربّما عمل إمام بعض الوقف مع الواعظ، وبشيء ما كان عليه من الشهر بالمواذن في بعض النيابات في الأذان والميقات عن أبيه وغيره، فأخذ بعد ولايته لهذه المناصب الجليلة يتعاظم على الخلق كافّة ويترافع، حتى على أعيان العلماء وكبار الرؤساء، وصار يهزأ بهم ويذكرهم عند السلطان بالمعايب والمثالب، ويرميهم بالعظائم والمصائب، تارةً تصريحًا، وتارة تلويحًا، وأخرى كناية، ومرة بحِيَل في أثناء كلامه، مُظهرًا بأنه لا غرض له عند من تكلّم فيه بضروب من الحِيَل، مثل ذكر باب خير يقصد به الشرّ، ويدخل في ضمنه ما شاء مما أراده من تنقيص من أراد، ورمي الناس أجمعين لعظائم من الأمور، وقلّ من سلِم من شرّه، وذكره بالسوء من سائر الطوائف، حتى الأتراك على ما أخبر به السلطان عنه بعد نكبته على ما سنذكرها، حتى كان السبب الأعظم في تطرّق فساد كبير، وظهر منه من الأمور والشرور ما لا مزيد عليه. ثم ما كفاه ذلك كله حتى أخذ يتعاظم على العلماء والمشايخ الموجودين بعصرنا، ويُظهر لهم في وجوههم بأنه أعلم الناس، وأنه كان مخفيًا لعدم جاهه، وأنه الآن قد ظهر بالجاه، وصار يجمع جماعة من الناس من طلبة وغيرهم، فيظهر أنه تلقّى الدروس، واستدعى جماعة من فُضلاء أهل العلم من أهل الخير والسكون والفقر والفاقة، وأمرهم بأن يقرأوا عليه، مُظهرًا بأنه يلقي لهم الدروس، وكان في الحقيقة هو الآخذ عنهم، حتى تدرّب بهم في أشياء كثيرة، وأكبّ على المطالعة، وصار يُظهر أنه مجاز بالفنون والتدريس من عدّة (١) من أعيان العلماء، منهم: شيخنا

стр. 1164

الكافِيَجي، وبعث إليه في الخفية يسأله أن يكتب له إجازة بالإذن والفنون والتدريس، وأن لا يزكّيه فيها، كونه إمام السلطان، وأن يقدّم التاريخ. وكتب له شيخنا بضدّ ما قصده، وله في ذلك قضية طويلة. ثم ما كفاه جميع ذلك حتى بقي يُظهر، بل يذكر للناس أنه قرأ على الكمال ابن (١) الهُمام وأخذ عنه، وأنه لازمه مدّة، بل وباحَثَه، وقد غيّر ذلك بوقاحته عند من يعرف حقيقته بين ظهراني الناس، الذين هم بحاله عارفون، ثم ما كفاه ذلك حتى صار يتسلّط على من وجد الآن من علماء العصر، وقضاة القضاة، ومشايخ الإسلام، وبقي يحطّ عليهم في وجوههم، فما بالُك في أقفيتهم، وأفحش في ذلك بحيث خرج فيه عند الحدّ، بسماجته وقلّة أدبه. واتفق له ذلك مع مثل الشمس الأمشاطي قاضي القضاة الحنفية، والبرهان اللقاني قاضي المالكية، والقطب الخيضري قاضي قضاة دمشق، وآخرين، مع حال كون البعض منهم على مناصبهم (وفي) (٢) مجالس البخاري بالقلعة، وهو القارئ يصغّر وجوه الأعيان والطلبة، فيظهر بين الأتراك أنه فائق على جميع من حضر ذلك المجلس، ويهدر من المهملات، وكثير من الخرافات، توطئة لرواجه، ويعرف من نفسه أن الذي هو فيه لا شيء، فيرضى برواجه عند العوام، ولا عليه من ظهور زيفه عند الخواصّ، بل ربّما أساء في ذلك المجلس على بعضٍ ممن يحضره. وأمّا طنزه فيه على الناس وإظهار التهكّم، فأمر لا ينكره من كان يحضر ذلك المجلس، ثم صار يكتب على الفتوى، ويذكر أنه يريد إتمام القطعة الهائلة التي عملها الإمام العلّامة الكمال بن الهُمام على "الهداية"، بل ربّما كتب شيئًا بما أراده مما يكاد أن يُعدّ من الهذيانات والتُرَّهات، بالنسبة لكلام ابن (٣) الهُمام وعُلوّ تحقيقه، حتى أنشد بعض الظرفاء حين رأى شيئًا مما كتبه: سارت مشرّقة وسرت مغرّبا … شتّان بين مشرّق ومغرّب وأنشدت أنا في ذلك أيضًا ارتجالًا: ما بين ما قلت وقال الكمال … إلّا تضادّ النقص ثم الكمال ويا ليته في الترتيب الكمال بن الهُمام، ودع الكلام في ناحية، بل ولا في الترتيب حام حول حماه، فلعلّ اللَّه حفظ الشرح وحماه. ثم صار يحضر ما وليه من الدروس من أعيان الطلبة، فيُبدي فيها من التهوّر والأمور التي يضحك منها ما لو دُوّن لكان محيّرة للناظر. وأخذ في أثناء دروسه يظهر الإنكار على

стр. 1165

مثل الكبار من دون الأيدي والأبصار، كالشيخ أكمل الدين وغيره. ثم لما مات الشمس الأمشاطي قاضي الحنفية أخذ يرشّحِ نفسه للقضاء، ويُظهر للناس أن يتولّاه، بل ويُظهر أنه سُئل به، وأن السلطان شافَهَه في ذلك، وأنه امتنع من ذلك، وأشاع ذلك إشاعة فاشية لكل أحد، وجزم كثير من الناس، بل جميع من بلغه ذلك عنه أو سمعه منه لصحبته، إلّا أنا فإنّني مع ما كان يذكره ما توهّمته بأن يكون فضلًا عن أن أجزم به، لعلمي بشهامة السلطان، وكذب هذا القائل. ثم لما عيّن الغزّي للوظيفة، وهو أجمل من الأول، لكنّه دلّس على السلطان في أمره، فأخذ هو يُظهر أنه قد عجّز السلطان، وحتى إذا لم يُجبه عدل عنه إلى الغزّي، وأنه سُئل عن العرف، فأجاب بأنه لا يصلح لذلك، وكان هو قد أخذ في أسباب السعي في القضاء، وتكلّم مع من يحسن ذلك، ينال السلطان من الأتراك، حتى بلغني أنه لما كلّم السلطان، في ذلك نَهَر الذي تكلّم به وقال: إن الناس قد أكلوا فهمنا في توليته لمشيخة الأشرفية وتولية القضاء، وما وقع من السلطان غير ذلك أصلًا، وكاد أن يهلك غمًّا حين ولاية الغيب، وأخذ في إظهار حمده للَّه وشكره في كونه نجَّاه من ذلك، وصرفه عنه باختياره، وإلَّا فقد كان ولي، ثم إنه شرع في عمارة مكانٍ هائل بداره، زيادة على ما كانت عليه أولًا وثانيًا، وهدم ما كان قد أنشأ (١) بها بطرًا، بعد أن كان يسكن بالأجرة، وهو عاجز عن دفعها، ويجيء إلى مطبخ الخانقاة الشيخونية، وبيده سطل نحاس، يأخذ فيه نصيب والده من الخبز والطعام الذي بها لصوفتها، ويحمل ذلك لمنزل أبيه ليأكله وإيّاه، ثم شرع في بناء ما قصده من الزيادة على بركة الفيل، فأدخل في بنائه قطعة من البركة، وبدر فيها على كثير من جيرانه، مُدَّعيًا بأنه بإذنٍ من السلطان، ومن ذا الذي يعارضه. وبناه على هيئة غريبة نادرة بهذه البلاد على ترتيب أهل الشام من عمل المربّع، ومقابلة الإيوان، وتوسّط الدار ما بينهما بركة ماء، ومن الجانبين حوضين للزراعة بهما، وحمل إليه الكثير من الناس أشياء ما بين أخشاب ورخام، وغير ذلك من آلات البناء، واستعمل جماعة من الرؤساء في ذلك، منهم: الكاتب على ذلك، ومنهم الواقف في هيئة الشادّ، وغير ذلك، وفرغ ذلك وأتمّه، وبلغ السلطان ذلك، وبينا هو في ألذّ عَيش وأهنئه (٢) أخذه اللَّه من الجانب الذي إليه يركن، وهو أستاذه السلطان الذي في الحقيقة أنشأه وأظهره، فنكبه وما مرّ ذلك على وهمه قط، بعث إليه بالطواشيّة، ومعهم الفَعَلة، وهدموا ما بناه بحضوره،

стр. 1166

ودام ذلك أيامًا والفَعَلَة تأخذ منه الأجرة والطواشية أيضًا يأخذون ما جرت به عوائدهم في مقابل ذلك، وبلغ الناس ذلك، فهرع الكثير منهم إليه يُظهرون السلام عليه، وأكثرهم به شامت لما عندهم منه من الكمائن، وصار هو يُظهر أن ذلك ليس من تغيّظ السلطان عليه وإنّما هو لما نُقل إليه من أن البناء قد دُخل به إلى البركة، وأن السلطان أراد بذلك المصلحة له بقطع ألسِنة الناس عنه، وأنه بعث إليه بالاعتذار عن ذلك، ونحو ذلك من كلامٍ ساقط الاعتبار، مُؤذِنٍ بالفشار. وكان السلطان قد تحقق ما هو عليه من الشرور والفجور، والمصائب والمعايب والمثالب، وقلّة الدين، واتّهامه على ما يقال بأشياء كثيرة، منها مَيله إلى المُرد والعبيد الحبش وغير ذلك. ثم زاد بغيره عليه لما بلغه عنه من أمور مهولة ظهرت له بعد نكبته إيّاه، مما لا يمكن شرح ذلك، من ذلك إدخاله بنفسه فيما لا يعنيه، بل ربّما ذكر بالممالأة على السلطان، وأنه في حين سفره للشام ووعكه في تلك البلاد تكلّم بكلمات نُقلت للسلطان فيمن يؤول (١) إليه المُلْك، بل ربّما نقل له عنه أنه قال والسلطان متمرّض في المحفّة ما بين دمشق وحماة أو نحوها: أَسرِعوا به لئلّا يموت في الطريق، فنُقتل عن آخرنا، وبقي يحرّض الخاصكية في الحثّ على السير، ويداخلهم في أمور كثيرة تتعلّق بما بعد موت السلطان على تقدير موته، هذا كلّه بعد إحسان السلطان إليه وتقديمه له، وتنويهه به بعد خموله وعدم شهرته، بل ووضاعته بين الناس، بحيث لم يذكر قبل سلطنة أستاذه ولا في عداد الطلبة، فضلًا عن المشايخ. نعم كان له ذكر بأحواز الصليبة وجامع ابن (٢) طولون في عداد المؤذّنين، بل والمنغّمين بأكرية وفيرة، وأنعم عليه بدارٍ شراها له، وهي التي زاد فيها الزيادة لما وُلّي بعد شرائها، ثم هدم ذلك بَطَرًا، وزاد الثانية التي أمر السلطان بهدمها، ثم أعطاه مبلغ ألف دينار في وقت ليجهّز ابنته، ثم صحبه معه حين حج، وقرّبه وأدناه، ورقّاه إلى الوظائف السنيّة، فمشيخة الأشرفية وقراءة الحديث بالقلعة، وكثير من الوظائف الماضي ذكرها. واقتنى الجواري البيض والحبش والسود والعبيد، والحشم والخدم، والخيول المسوَّمة، والأقمشة الكثيرة الهائلة، وتزوّج بثلاثٍ من النسوة غير السراري، ووصلت مرتباته من الإمامة والجوالي، وتعلّق نظر الكِسوة والمسموح على المكْس، ومتحصّل وظائفه زيادة على العشرة (٣) دنانير في اليوم على ما أشيع ذلك

стр. 1167

إشاعة فاشية، زيادة على ما يدخل إليه من الهدايا والتقادم والرِشى وغير ذلك، ومع ذلك كله فبلغ السلطان عنه أنه ماذا فعله معه السلطان، وماذا الذي هو فيه، وأنه أهلٌ لأنْ (١) يفعل معه أضعاف ذلك مُضاعفة، وأن ذلك كلّه قليل في حقه، وأنه له الأيادي على السلطان والجميلة والمانة تفوق ما له هو عليه، لأنه هو الذي علّمه وأدّبه وهذّبه، وعلّمه المناسك حين حج، وأنه ربّما كان سببًا لسلطنته، وأنه اختار له طالعًا سعيدًا يوم تسلطن، وأنه يردّه عن أشياء كثيرة من مظالم العباد، إلى غير ذلك من كلمات وأشياء لا تصدر عمّن له أدنى مسألة (٢) في العقل، كل ذلك لطيشه وخفّته وحدّة مزاجه، مع ذمامة هيئته، ودناءة أصله، فإنه من فلّاحي بلاد الكرَك في الأصل، وكان والده قدم القاهرة شابًا حدثًا، فخدم بعض ( … ) (٣) بعض القرّاء وعلّمه القرآن، فكان ذلك سببًا بعد ذلك في كونه اتصل ببعض الأمراء، حتى وصل ولده بعد ذلك إلى ما وصل، وصار يتزايا مع دعواه بأنه من كبار العلماء، وأنه صار شيخ الشيوخ بزيّ غير أهل خرقته التي يدّعيها من لبسه الحنيني المشفر بالألوان، واستعمال الشدّ بالحبكة الفضّة الصامت، والدواة المحلّاة بالفضة، والجلوس على الحرير، ولبس الثياب المختصّ (٤) بالأتراك في بعض ثيابه التحاتي، بل والفواقا (٥) حين جلوسه، والتعميم بالملف بالحاشية والحبكة بالشناشل والشنانيل في أطرافه، إلى غير ذلك. وبالجملة فكان ولم يزل من مساوئ الدهر، وباللَّه العجب كيف كان يقع في مثل هذه الأمور مع مثل هذا السلطان، وهو يعلم ويتحقّق منه أنه دائمًا يتفحّص عن أحوال الناس، لا سيما أحوال مثله، وكان هو في الغالب ينقل إليه ما هم الناس فيه بزيادات يكذب فيها، لأجل أغراض له فاسدة، واتفق له وقائع مع أناس متعدّدة، أسفر فيها عن قلّة مروءة زائدة، لو عددناها لطال المجال واتسع المقال. وقد عرفتَ ما ذكرناه من الكائنة معه لأهل الخانقاة الشيخونية، فقِس على ذلك. وآل به الأمر بعد هدم داره أنْ قام عليه بعضٌ ممن أخذ منهم الرشى على أمور لطول الشرح في ذكرها، لا وجود لها، ليأخذ عليها، بل أخذ ذلك بإيهامه لمن أخذ منه شيئًا، وتفتّحت عليه الأبواب. وآل به الأمر بعد هذا أيضًا أن ادُّعي عليه بقتيل، فأمر السلطان القاضي الشافعي أن ينظر في ذلك، فأُحضر إليه موكَّلًا به إلى مجلس الشافعي بالسابقية، وصولح أولياء القتيل وكتب بينهم مبارأة وحكم

стр. 1168

بها. وحكم بها، وبلغ السلطان ذلك، فما أحبّه، وبلغه هو ذلك عن السلطان فخاف جدًّا، واختفى من يومه ذلك غاية الاختفاء، واحترز على نفسه، ودام في اختفائه إلى يومنا هذا، وله نحو الأربع سنين في الاختفاء، وبقي يُرجف بقتله، ثم يُرجَف بنفيه إن وُجد وخلّص من التلف، وأشيع عنه بأنه ابتُلي في جسده، واللَّه أعلم. وأمّا ما له من الفضيلة على وجه الإنصاف، فقد سمع على التقيّ الشُمُنّي في "المغني" لابن هشام أو قرأ (١) عليه، ولم أحرّر ذلك، وحضر دروس التقيّ الحصني في أشياء، وربّما قرأ عليه وعلى شيخنا النجم القَرْمي، وعرف الميقات كما يعرفه آحاد العوامّ من رؤساء المؤذّنين، لا أعلم له فضيلة غير ذلك. نعم له قابلية وبعض ذكاء، ولو عرف نعمة الله تعالى عليه وراعاها وعمل بمبتغاها وراعى الناس، ووقف عند ما وصل إليه من المناصب، فلا أقلّ من التكلّف بأن يناسب أهلها في الصورة الظاهرة، لأمكن أن يحصل له بعض رياسة نفسانية، ولَنَال حظًا من الشُهرة بذكر خير، ولكن لا تبديل لخلق اللَّه. ولعلّ ما وقع لهذا المسكين لم يقع لأحد قبله، ولا ما وقع منه لم يكن اتفق من أحدٍ ممن قبله، بل ولا بعده، مع ما هو فيه من المكر والخداع. وهذه ترجمته على سبيل الاختصار والاقتصار، ولم يبلغ في ذلك المعشار، ومن عرف حاله وباله صدَّقني في المقالة. وسنذكر نُبَذًا من تفاصيل مما هاهنا أجملنا من أحواله، كلّا (٢) في محلّه من سِنِيّ وقوعه ونزوله إن شاء اللَّه تعالى (٣). (ذكر خروج هذه السنة وما فيها من الملاحم والفِتَن وغير ذلك) (٤) وخرجت هذه السنة -أعني سنة اثنتين وسبعين المذكورة- وقد وقع فيها من الفِتَن ما ظهر منها وما بطن ما لا يكاد أن يُحدّ، ولا يُضبط بعدّ، فكادت أن تكون -بل لعفها كانت- سنة لا نظير لها في هذا القرن من كثرة الفِتَن والأنكاد والشرور الكائنة بها، والفساد وهلاك العباد وخراب البلاد، ووجود الحروب والملاحم بسائر

стр. 1169

الأقطار، وغالب البلاد والأمصار في مشارق الأرض ومغاربها، من تغيّر الدول ووقوع الخطوب والكروب، وكثرة الحروب، وغلاء الأسعار، والقتال بين المسلمين، بل والكفّار والأتراك والأملاك والعربان والتركمان، ومخافة السُبُل وقلّة الأقوات والزراعات، واعتراء الفواكه والثمار العاهات والآفات، لا سيما بالبلاد الشامية. وقد عرفت أحوال الديار المصرية، من تغيّر أربعة سلاطين في نحو أربعة أشهر، بل خمسة إن شئتَ، بخيربك. وكان في أول هذه السنة من الوباء العظيم في بلاد الروم والمغرب، بل وبلاد الفرنج من برّ الأندلس، وما والى تلك النواحي، مما هو على البحر المحيط (وبقربه) (١) من بلاد الفرنج، فأفنى به الخلق الكثير والجَمّ الغفير بالطاعون والوباء، والمقاتلة بين عساكر ابن (٢) عثمان والفرنج، والفِتن ببلاد ابن قَرَمان بين ابن (٣) عثمان وأحمد بن قَرَمان قريبه من النساء على ما مر، والفِتَن بين جهان شاه وحسن بن قرايُلُك، وقتْل جهان شاه مع مُلكه الطائل وشهامته وسلطنته. ثم الحروب الثائرة ببلاده وبالعراقين وبلاد العجم، إلى أن آل ذلك إلى قطع رأس القان بو سعيد في السنة الآتية، فما ذلك إلّا عن فِتن كثيرة وحروب كثيرة، ثم فتنة شاه سوار بن دُلغادر بهذه المملكة، وحروبه أولًا وثانيًا، ثم الفِتَن بأعالي بلاد الصعيد. ثم ما بَلَغنَا من المصيبة العظمى ببلافى المغرب، في أخذ طَنْجَة وأصيلا من بلاد الإسلام، وصيرورتها دار حرب وكُفر، ثم فِتَن فاس الباقية، بل وحصارها في هذه السنة من بني وَطّاس الذي دام بعد ذلك، ثم تغيُّر صاحب تونس على صاحب تِلِمْسان، ونقْض صاحب تِلِمْسان الصلحَ الكائن بينه وبين صاحب تونس المذكور ثانيًا، على ما تقدّم بيانه. وأمّا بلاد الأندلس فناهيك بفِتَنها التي لا تنقطع، القائمة بين المسلمين والكفّار، وكذا الفِتَن القائمة بين طوائف الكفار أيضًا، أنفُسِهم في بعضهم البعض، من ألْفُنْش صاحب قَشْتَالة، وكذا البرطُقال والكيتلان وغيرهم. وما كان من الشرور في طريق الحجاز، وأخْذ ركب الينابعة، ثم المقتلة الكائنة بعد ذلك بين خنافر وسبْع وسَبّاع ولدي هجّان الماضي ذِكرهم، والفِتن الكائنة بِقِبْليّ مصر وبحريّها شرقًا وغربًا، ومقاتلة العربان أيضًا بعضها البعض، وما غاب عنّا ببلاد الهند والسند والصين واليمن، فلعلّ كذلك، ولعلّ هذه السنة كانت من أصعب السنين للمعتبرين، ولمن نظر وتبصّر وباللَّه المستعان (٤).

стр. 1170

ذكر نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووَفَياتهم في هذا الزمان سنة ٨٧٢ ٣٨٢ - إبراهيم بن خليل بن شاهين الطرابلسيّ المولد، الدمشقي، القاهري. أخي الشاب السعيد، الشهيد، صارم الدين. ولد بطرابلس في سنة ثلاث وستين وثمانمائة. وحُمل إلى دمشق فنشأ بها شيئًا، ثم استُقدم مع الوالد إلى القاهرة، فانتشأ بها شيئًا، وأُقرئ القرآن، وتعلّم في صِغَره شيئًا من الأنداب، وكان فطِنًا ذكيًا، عزيزًا عند الوالد جدًا. وأمّه أم ولد اسمها بلبل، كانت تركية الجنس، خيّرة، ديّنة، استولدها الوالد عدّة أولاد غير ولدها هذا قبل ذلك، وعقد عليها، ولما أُخرج الوالد إلى مكة استصحبهما معه، ثم إلى العراق، ولما عاد الوالد من العراق اتفق أنْ بَغَتَ إبراهيم هذا أجَلُه بقرب الرُها، وتوفي (٢) (في يوم الأربعاء تاسع عشرين شعبان) (٣) وصنع له والده تابوتًا حمله فيه، إلى أن وصل به إلى طرابلس، فدفنه بالمدفن الذي أعدّه لنفسه، وعليه أُنزل الوالد بعد ذلك حين مات بعد شهور، على ما سيأتي في تراجم سنة ثلاث وسبعين. وكان شابًا لطيفًا، ظريفًا، ذكيًّا، فهمًا، بصدد كل خير، وما أمهله أجَله، عوّضه اللَّه تعالى الجنّة، وجعله فَرَطًا وذُخرًا (٤). ٣٨٣ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن شرف بن منصور بن محمود بن توفيق بن محمد بن عبد اللَّه الزُرَعي، الدمشقي، الشافعي.

стр. 1171

الشيخ برهان الدين، المعروف بابن قاضي عجلون (١)، وهي شهرة جدّه على ما قد بيّنّاه. ولد صاحب الترجمة بدمشق في سنة (إحدى وتسعي وسبعمائة) (٢). وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، ثم عدّة متون في فنون، واشتغل إلى أن شُهر بالفضل، وأخذ عن جماعة من علماء عصره ذلك، وأفتى فيما أظنّ ودرّس، وسمع الحديث على الشيخ العلّامة شهاب الدين ابن (٣) حجر، والجمال ابن الشرائحي، وحدّث، وسمع منه الفضلاء، وناب في القضاء بدمشق، وكان محمودًا في أحكامه وقضائه، حسن السيرة. توفي في محرم، وكانت جنازته من مشاهير الجنائز الحافلة المشهورة بدمشق، وكثُر ثناء الناس عليه بعد موته لخيره ودينه وأمانته وعفّته ومحاسنه الجمّة، ورثاه ابن (٤) اللبودي. ٣٨٤ - أبو القاسم بن جهان شاه (٥) بن قَرا يوسف (بن قَرا محمد بن بيرم خُجا التركماني الأصل. الأمير، السلطان ابن الشرفاء صاحب مملكة كرمان وما والاها. ولي كرمان سنة قتل أبيه، ودام ( … ) (٦) سبب ذلك مدّة، وصار له ذكر وشهرة وعظمة، حتى جرى على أبيه ما جرى من حسن بن قرايُلُك، على ما سيأتي قريبًا إن شاء اللَّه تعالى، فوفد صاحب الترجمة على أخيه حسن علي ( … ... ) (٧) ليجتمعا على محاربة حسن المذكور، أعني الطويل، فلم يأمن حسن علي على نفسه، بسبب قتله غيلة في هذه السنة، فلم يتهيّأ (٨) ( … ) (٩) كما جرت

стр. 1172

عادة أمير كرمان بذلك ( … ) (١). وكان أبو القاسم هذا لا بأس به فيما أُخبرت عنه) (٢). ٣٨٥ - أحمد بن أسد (٣) بن عبد الواحد الأميوطي الأصل، السكندري، القاهري، الشافعي. الشيخ العالم، الفاضل، شهاب الدين، (المقرئ) (٤)، المعروف بأبيه. ولد بالإسكندرية في سنة ثمانٍ وثمانمائة (٥). وانتقل مع أبويه إلى القاهرة، فنشأ بها وحفظ القرآن العظيم في حالة صِغَره، ثم "المنهاجَين الأصلي والفرعي"، و"ألفيّة العراقي" و"ألفيّة ابن (٦) مالك"، و"الشاطبية" و"الرائية"، وغير ذلك، وعوض محفوظاته على جماعة من كبار العلماء الأعيان، ثم أدرك الأخذ عن جمع منهم بعد اشتغاله بالفنون، فمن مشايخه: الشمس القاياتي، والشمس الونائي، والجلال المحلّي، والبرهان البَيْجُوري، والطَنْدَتائي، والنظام السّيرامي، والعَلَم البَرَواني، والشهاب الصِّنْهاجي، والشمس الشَطَّنُوفي، والشيخ عُبَادة، والشهاب الحِنّاوي، ولازمَه في المقدّمة وانتفع به، وشارك في غالب فنون العلوم، ولكنه اشتهر بعلم القراءات، فكان مقرئ العصر في وقته، ومن شيوخه في ذلك ابن (٧) الجَزَري، وابن (٨) الزراتيتي إمام البرقوقية، وشيخ الناس في القراءات (٩). وسمع الحديث على جماعة، منهم الحافظ ابن (١٠) حجر وطبقته، بل ومن هو أعلى منه، كالمُسنِدين الثلاثة الذين أحضروا من الشام، بعناية الأمير تغري بَرْمَش الجلالي الفقيه، الماضي خبرهم في أوائل تاريخنا هذا. وأخذ في علوم الحديث عن التقيّ المقريزي، وبرع في فنون، وشُهر وذُكر، وكتب الخط الحسن المنسوب، وجلس للإفادة، وانتفع به

стр. 1173

الناس بعد ذلك، وأخذوا عنه في علوم القراءات (١) وقصده الناس لذلك، وأخذ عنه في ذلك جمعٌ من الفضلاء الأعيان. وكان بيده عدّة تداريس، كتدريس القراءة (٢) بالظاهرية البرقوقية بين القصرين، وكذا المؤيَّديّة، وتصدير بالسابقية، وكان بيده إمامة جامع الحاكم، ودام على ذلك مدّة، ثم أمّ بالزيْنبية، وناب في الحكم عن الولي السقطي، فمن دونه. وكان قبل ذلك يتعانى التكسُّب بالشهادة ويؤدّب الأطفال، وكان له همّة علِيّة في الأخذ عن الناس، ولا يتحاشى عن الاستفادة والأخذ عمّن كان ممّن شُهر بالفضيلة، كما هو دأب طلبة العلم الذين قصدهم بكثير الفوائد وزيادة المراد في الفضائل، بخلاف ما عليه أهل زمننا الآن، ولهذا كثُر الجهل وذاع وفشا وشاع، ولم يبق في ذلك نزاع، وربّما صنّف وألّف. وله نظْم. ونظم "رسالة ابن (٣) المجدي" في الميقات، وقيّد على كثير من كتب الحواشي المفيدة، ووُلّي قراءة الحديث بالقلعة. ولم يزل يواظب على الشغل والاشتغال، مع الدين والخير والعفّة وحسن السمت والسيرة إلى أن عنّ له أن يحجّ في هذه السنة، وعاد فتمرّض في عَوده. حتى توفي بوادي الصفا بين الحرمين الشريفين في ذي الحجة منها. ٣٨٦ - وترك ولده الشيخ العالم الفاضل البارع الكامل ( … ) (٤) الذي أبو الفضل محمد. ولد بالقاهرة في سنة ( … ) (٥) وثلاثين وثمانمائة. وبها نشأ وحفظ القرآن العظيم، وحفّظه والده، وعرضه على جماعة، واشتغل فأخذ عن جماعة أيضًا، منهم والده، وشاركه في بعض أشياخه، وأخذ عن شيخنا العلّامة الكافِيَجي أيضًا، وعن العَضُد السيرامي، وسمع الحديث على جماعة، ورُشّح مرة للقضاء والأكبر، وطلبه السلطان ليراه، ثم لم تتّفق له ولايته، وكان أشيع عنه بأنه يغلّ في الوظيفة المال. وهو إنسان حسن السمت والملتقى، كثير السكون، ناب في الحكم، وكان عارفًا بالقراءات أيضًا، وترجمته نحوًا من ترجمة أبيه. (ترجمة التقيّ الشُمُنّي) (٦) ٣٨٧ - أحمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي بن يحيى بن

стр. 1174

محمد بن خَلَفَ اللَّه بن خليفة بن محمد القسنطيني، المغربيّ الأصل، السكندري، الشُمُنّي (١)، القاهري، المالكي، ثم الحنفي. الشيخ الإمام، والقرم الهُمام، العالم العلّامة، الحَبْر الفهّامة، البحر النحرير، الشهير الخطير، شيخ الإسلام، تقيّ الدين بن كمال الدين، أحد أعيان أفراد العلماء الأعيان، مشايخ الإسلام. وترجمة والده الكمال مشهورة، وقد ذكره الحافظ ابن (٢) حجر في "إنبائه". ولد التقيّ صاحب الترجمة ولده هذا في العشر الأخير من شهر (٣) رمضان سنة إحدى وثمانمائة (٤) بثغر الإسكندرية وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم، ثم عدّة متون منها ابن (٥) الحاجب الفرعي لأنه كان مالكيًّا أولًا، واعتنى به والده فاستجاز له ( … ) (٦) من شيخَي الإسلام: البُلقيني، وابن (٧) الملقّن، والحافظ زين الدين العراقي، وآخرين، ثم انتقل به والده من إسكندرية إلى القاهرة في سنة ست وعشرين فاستوطنها، وأسمعه الحديث على جماعة، وحضر به على الشيخ أبي الفضل بن الإمام التِلِمْساني، ونشأ ذكيًّا فطِنًا يقظًا، حذِقًا، حادّ الذهن، مفرط الذكاء، واشتغل فأخذ في الفنون العلمية بأسرها العقلية والنقلية عن جماعة. فمن مشايخه: العلاء البخاري، والنظام السيرامي، وهو الذي كان السبب في تحنيفه، وذلك أنه كان يرافق الزين طاهر في القراءة على البساطي، فاتفق أن أجاز البساطي طاهر المذكور، وأخّر إجازته للتقيّ هذا، فغضب من ذلك، وكان النظام دائمًا يحبّبه في مذهب أبي حنيفة ﵁ حين ملازمته له، لا سيما، وكان كثير الإحسان إليه، فانتقل إليه، واغتبط به

стр. 1175

النظام، وزاد في إحسانه إليه خصوصًا، وكان التقيّ هذا في بداية أمره مملِقًا، فاعتنى النظام بشأنه، ورتّب له مرتّبًا من ماله، ولازمه التقيّ هذا زيادة عمّا كان عليه قبل ذلك، وقرأ عليه الكثير من تصانيفه. ومن مشايخه أيضًا: الشيخ أبو بكر العجمي الطبيب، والشهاب بن المجدي، وابن (١) الهائم، والشمس الشطَّنوفي، والشهاب الصِّنهاجي، والشمس الزراتيتي، وأخذ عن والده أيضًا الكثير، وقرأ علوم الحديث على الحافظ ابن (٢) حجر، وسمع عليه أيضًا "ألفيّة العراقي"، وله مشايخ أُخَر عدّة، ولم يزل يدأب ويحصّل ويجتهد حتى مهر وبرع وشُهر وذُكر (٣)، وأشير إليه بالفضيلة، وتصدّر لنفع الطلبة والإقراء والتدريس في زمن صباه وشبوبته، وحياة الكثير من مشايخه، وانتفع به الجمع الجمّ من أعيان الطلبة من أهل كل مذهب، وافتخروا بالأخذ عنه، وطارت شهرته وبعُد صيته، وصنّف وألّف، فمن تصانيفه "شرح النقاية" في عدّة مجلّدات، وهو شرح جيّد كثير النفع، تُلُقّي بالقبول من كل قبيل، و"شرح نظْم نخبة الفِكر" لوالده في علوم الحديث، وله "الحاشية" المفيدة على "الشفاء" و"الحاشية على مُغني ابن (٤) هشام" وغير ذلك. ولما أنشأ قانباي الجركسي تُربته التي تُنسب لأستاذه، الماضي ذِكرها غير ما مرة، ولّاه مشيختها وإمامتها وخطابتها، وأنزله بسَكنٍ جيّدٍ جعله له بها، وكان يعتني به وبشأنه، وقُصد للمشكلات والمعضلات وكثير من المهمّات في كل فنّ، فأتى بما يُستغرب ويفيد، وأوضح ذلك غاية الإيضاح، وعُيّن غير ما مرة للقضاء فامتنع، وعُدّ بأخرة من أئمّة الإسلام، كل ذلك مع الدين المتين وقوّة اليقين والخير والصلاح، وكثرة الانجماع عن بني الدنيا، وعدم الالتفات إلى أحدٍ منهم وإليها. وكان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة ومحبّة قديمة. ولما قدمتُ من المغرب في شوّال سنة إحدى وسبعين اجتمعت به فأنِس لي وإليّ، وكان متعلّلًا فسألته الإجازة، فشافهني بها في ثالث ذي القعدة، وأكرمني، وسمعت الكثير من فوائده، ولا زال متعلّلًا حتى زاد به الحال. وتوفي في ليلة السبت سادس عشرين ذي الحجّة، ودُفن من الغد بتربة قانباي المذكورة. وكانت جنازته حافلة ومشهدًا من أحفل المشاهد، وكثُر تأسّف الناس عليه.

стр. 1176

٣٨٨ - • وترك ولده جلال الدين عبد الرحمن (١) صغيرًا، له دون السنة، فإنه ولد في أوائل هذه السنة، ونشأ يتيمًا، وقام البرهان بن الكرَكي، الماضي ذكره قريبًا، بالسعي في أخذ وظائف أبيه، وآل الأمر أن صار نائبًا عنه فيها (فدرّس باسم الوالد) (٢)، ثم ترعرع الجلال هذا ونشأ نشأة حسنة، وأُحفظ القرآن العظيم وعدّة كتب متون في الفقه والنحو، وغيرذلك، وعرضها على جماعة من الأعيان، ثم أخذ في الاشتغال بعد ذلك، وأخذ عن جماعة، منهم: الصلاح الطرابلسي، والشيخ حمزة المغربي، والجلال السيوطي، والشمس ابن (٣) خادم الشيخونية، والشيخ يونس الرومي، وآخرون (٤). وهو ملازم الاشتغال، وبصدد الانتقال مع جودة ذهنه وحذقه، وعليه آثار النجابة، وعنده مع حداثة سنّه كياسة وعقل، وتؤدة، وسكون، وحُسن سمت. وحج في سنة ثمانٍ وثمانين، وذُكر عنه الخير في طريقه، وبيده وظائف أبيه، وهو يباشر ذلك من حضور المشيخة بالوصفية بتربة قانباي المذكورة والإمامة والخطابة، وهو ساكن بالتربة المذكورة، بالسكن الذي كان به والده، جعله اللَّه تعالى خَلَفًا باقيًا، ونفع به كما نفع بأصله، وجعله من غاية العلماء، ورحِم سَلَفه الكريم. ٣٨٩ - إسماعيل بن إسماعيل بن عبد القادر النابلسي (٥). شيخ العشير بنابلس. كان لا بأس به بالنسبة لغيره. توجّه في هذه السنة مع جماعة العشير والمُشاة القوّاسة صحبة العسكر، فاتفق أن مات قتيلًا في الوقعة (٦). ٣٩٠ - أسَنْبُغا (٧) من صفر خُجا المؤيَّدي. نائب باب القُلّة من قلعة الجبل. كان تركيًّا تتريّ الجنس، من مماليك المؤيّد شيخ، وصيّر خاصكيًّا في دولة الظاهر جقمق، ثم قرّره في نيابة باب القُلّة، وتفقّد إقطاعه فلعلّه زاده شيئًا فيما

стр. 1177

أظنّ، ودام على هذه الوظيفة بباب القُلّة مدّة سنين في عدّة دول، إلى أن تسلطن الأشرف قايتباي، فأخرجه في نوبة سوار الماضي ذِكرها، وأراد بذلك إبعاده لحدّة مزاجه وشراسة أخلاقه، حتى لم يحتمله السلطان. ويقال إنه كان السبب الأعظم للعسكر في دخولهم المضيق الذي كان أعظم الأسباب في هلاكهم. وذُكر أن الأتابك جانبك قُلقسيز لما تبع عسكر التركمان على ما قدّمناه، ووصل إلى هذا المضيق، استشار من معه في دخوله، فبَدَرَ أسنَبُغا هذا من دون الناس كلهم بأن قال ما معناه: ما الذي جرى علينا ولنا حتى لا ندخل؟ وتكلّم بكلمات كثيرة كانت أقرب الأسباب الداعية إلى دخول العسكر لذلك المضيق، لفراغ أجله المسكين. وكان إنسانًا متهوّرًا، كثير الخباط، حادّ المزاج، غير محمود السيرة، وكان به فتْق عظيم (١) في حالبه، ومع ذلك فكان جبّارًا عنيدًا، وشيطانًا مَريدًا، كثير الإسراف على نفسه، كثير الحَلَف بالطلاق، حتى كان يُلمز بأنه مع زوجته في الحرام، وكان يعاب بذلك جدًّا، لكونه خالف عادة أبناء جنسه في ذلك. توفي قتيلًا في الوقعة في ذي القعدة شرّ قتْلة، وكان له من العمر نحو الثمانين سنة (٢). ووُلّي نيابة باب القُلّة بعده سُنقُر الأشرفي إينال (٣)، وهو بها الآن إنسان لا بأس به فيما أُخبرت. ٣٩١ - أُلْماس الأشرفي (٤) أتابك حلب. كان من صغار مماليك الأشرف برسباي، وصُيِّر من الخاصكية بعده، ثم تنقّلت به الأحوال بعد ذلك في عدّة ولايات بالبلاد الشامية، وخصوصًا بحلب، وآل به الأمر أن وُلّي أتابكيّتها، ودام بها حتى خرج في نوبة سوار مع العسكر الحلبي، في أول الخرجات إليه. وتوفي قتيلًا في أوائل ربيع الأولى، وقد جاوز الخمسين سنة. وكان حسن السمت والملتقى، والشكل والهيئة، والسيرة، خيّرًا، ديّنًا، مشهورًا بالشجاعة.

стр. 1178

واسمه لفظ تركيّ معناه: "ما يموت"، وهذا إذا كان بضمِّ الهمزة، وهو المشهور. ومنهم من قال إن اسمه بالفتح، وهو اسم بالعربي، عَلم على الحجر المعروف بحجر الماس، ومنهم من فتح وجعل عِوض السين صادًا وقال: إن معناه: ما يأخذ. والأول هو المستعمَل المشهور المعروف، لأنه فيه قرائن تدلّ على ذلك، ولم نعلم في هذه الدولة التركية، بل ولا قبلها من تَسَمَّى بهذا الاسم أميرًا بل ولا غيره قبل صاحب الترجمة، سوى ألْماس الحاجب صاحب الجامع المعروف به، وترجمته مشهورة في محلّها، وبعده من الأمراء ألْماس الأشرفي قايتباي نائب صفد، الآتي في وفيات سنة تسع وثمانين إن شاء اللَّه تعالى. وأمّا ألْماس العلائي الآتي في وفيات سنة سبع فهو رابعهم، ولعلّه يُعدّ أميرًا. فإنه كان بيده إقطاع هائل، وعَدَّه البعض من الخمسات، وبعضهم عَدَّه من الخاصكية، وإنما قيل له الأمير مجازًا، على ما وقع الاصطلاح عليه في هذه المملكة في الأمير. ٣٩٢ - أيْدكي الأشرفي (١). أحد العشرات ورؤوس (٢) النُوَب. كان من صغار مماليك الأشرف بَرسْباي وتنقّلت به الأحوال بعد موته حتى أُمّر عشرة في دولة الأشرف قايتباي، وعيّنه في البحر مرة لسوار، وبها بَغَتَه أجَلُه، وكان جركسيّ الجنس متحركًا (؟) وعنده شجاعة وإقدام مع إسراف على نفسه. توفي قتيلًا في الوقعة الثانية في سابع ذي القعدة يوم الإثنين، وقد جاوز الستين فيما يغلب على الظنّ. واسمه تقدّم الكلام عليه. ٣٩٣ - بُرْدُبَك المحمدي (٣) الظاهري. أمير سلاح المعروف بهجين. كان من مماليك الظاهر جقمق وخاصكيّته، ثم صيّره بَجمَقْدارًا، ثم أمّره

стр. 1179

عشرة. ولما مات أستاذه وجرت فتنة المنصور خالفه، ونزل مع خُشداشه جانِبك نائب جُدّة ومعه آخرون (١)، وكانوا السبب في كسرة ولد أستاذهم، وأعيب ذلك عليهم. ولما تسلطن الأشرف إينال قُرّر في الأميراخورية الثالثة، ثم دام على ذلك مدّة، حتى تسلطن الظاهر خُشقدم، فصيّره أميراخورًا ثانيًا، ثم ولّاه تقدمة ألف، ثم صيّره جان دارًا على القاعدة القديمة، وبقي على ذلك مدّة، ولم تشتهر هذه الوظيفة كما كانت، فنقل بُرْدُبَك هذا إلى حجوبية الحجّاب، ثم منها إلى الأميراخورية الكبرى في دولة خُشداشه وأغاته في طبقته الظاهر تمُربُغا، فإنه اطمأنّ له واستأمنه على ذلك، ووليها عِوضًا عن الشهاب بن العَيْني، حين نقل إلى إمرة مجلس، ثم نُقل إلى إمرة سلاح، عِوضًا عن جانِبَك قُلقسيز، وذلك في دولة خُشداشه أيضًا الأشرف قايتباي، على ما عرفت هذه التنقّلات فيما مضى في المتجدّدات من هذه السنة، وعُيّن عقيب ذلك إلى الخروج مع الأتابك جانِبَك قُلقسيز في نَوبة سوار الأولى من القاهرة والثانية من تجاريده، وبها لقيه الأجل. وكان شكلًا حسنًا، مرتفع القامة ولذا قيل له: "هجين" تشبيهًا به في طول قامته، وأريد بذلك صفة مدح له، وإن كانت لفظة هجين مُستقبحة لغةً في عُرف العرب، وكان حشمًا وقورًا، كثير الأدب، وعنده فروسية وشجاعة. توفي قتيلًا يوم الوقعة الثانية من وقعات سوار في يوم الإثنين سابع ذي القعدة قتيلًا. وما وقف له على خبر موته ولا عُرفت كيفية قتلته، بل ما وُجدت رِمّته. ولم تزل وظيفة إمرة سلاح شاغرة مدّة بعده، حتى اتفق خلاص جانِبك قُلقسيز من أسر شاه سوار، وكانت الأتابكية قد خرجت عنه لأُزبَك من طَطَخ الذي هو بها إلى الآن، [فـ]ــــقرّر جانِبَك في إمرة سلاح، عِوضًا عن صاحب الترجمة، وعُدّ ذلك من النوادر. وسيأتي ذِكر هذه الولاية في محلّها. وكان سنّ بردبك هذا نحوًا من ستين سنة يوم قُتل. واسمه تقدّم الكلام عليه فيما مرّ. ٣٩٤ - بَك بُلاط (٢) الأشرفي.

стр. 1180

أحد أمراء طرابُلُس. (ووهِم من سمّاه بلاط بل غلط) (١). كان من مماليك الأشرف إينال وخاصكيّته الأعيان، وكان له ذِكر وشهرة في دولته، وأُخرج بعد موت أستاذه إلى طرابلس على إمرة عشرين بها، ودام على ذلك إلى أن خرج من طرابلس مع عسكرها صحبة إينال الأشقر نائبها إذ ذاك إلى شاه سوار بن دُلغادر، وبها بَغَتَه الأجل في الوقعة الأولى مع النوّاب. وكان شابًا حسنًا لا بأس به بأخرة، وهو الذي جرت للأتابك قانَم التاجر لما أن كان من جملة مقدّمين (٢) الألوف، في دولة الأشرف إينال ما جرى، وضربه بالدبّوس، وقد ذكرنا هذه الكائنة في محلّها من تاريخنا هذا، وهذا هو الفاعل لها. توفي قتيلًا في أوائل ربيع الأول في يوم الوقعة الأولى. وكان شابًّا حين موته. واسمه مركّب من: "بَك" وهي هاهنا بمعنى: "القويّ"، وإن كانت تُستعمل بمعنى الأمير، لكنّ المناسب هاهنا الأول، لأن بُلاط الآتية بعده معناها الفولاذ، فالمناسب فيها القوّة، فكأنه قيل: فولاذ قوي، ويجوز أن يكون الثاني مُرادًا أيضًا، ويبقى المعنى أمير فولاذ، ثم استعمل عَلَمًا على الشخص كما في غيره. ٣٩٥ - بَيْسَق العلائي (٣) الأشرفي. أحمد الخمسات. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصار خاصكيًّا في دولة الظاهر جقمق، واستمر على ذلك إلى سلطنة الأشرف إينال (٤)، فقرّبه وأدناه، وزاد في إقطاعه، أو غيّره بأجوَد منه، ثم جعله بَجْمَقْدارًا، وذُكر في دولته، وقُصد لأمور وأنهاها عند الأشرف المذكور، ولم يزل على ذلك إلى أن تسلطن الظاهر خُشقدم، فصيّره من الخمسات لِضيق الأقاطيع والازدحام عليها، ودام على ذلك إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فعيّنه في التجريدة صحبة الأتابك جانِبَك قُلَقسيز في أول تجريدة خرجت إلى سوار من القاهرة، على ما عرفت ذلك وكان بها أجَلُه. وبَيسق هذا هو زوج ابنة أخت الجمال يوسف بن تغري بردي المؤرّخ صاحبنا، الآتي في وَفَيات سنة أربع وسبعين إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 1181

وكان بَيْسق هذا إنسانًا متعاظمًا، وعنده شمم زائد مع فروسية وشجاعة وعصبية، وحُسن سمت وتؤدة. واسمه تقدّم في: بَيسق اليشبُكي في سنة ثلاث وخمسين. (توفي في يوم الوقعة من ذي القعدة يوم الإثنين سابعه (١)) (٢). ٣٩٦ - تَمُربَاي الأشرفي (٣). أحد العشرات ورؤوس (٤) النُوَب المعروف بالساقي. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصيّر خاصكيًّا بعده، ثم رقّاه إينال الأشرفي إلى السقاية، فدام بها مدّة، وبها عُرف، وأُمّر عشرة في دولة الأشرف قايتباي، وعُيّن في أول نَوبات سوار من القاهرة، فاتفق أنْ بَغَتَه أجله هناك في كائنة سوار مع العساكر المصرية. وكان إنسانًا مسرفًا على نفسه، منهمكًا في لذّاتها، لا يُعرف بفضيلة. توفي قتيلًا في يوم الإثنين سابع ذي القعدة يوم الوقعة الثانية الماضية في محلّها. وقد قارب الستين سنة. ٣٩٧ - تَمُرْبَاي الحَسَني (٥) الظاهري. أحد الطبْلخاناة المعروف بالسلحدار. كان من مماليك الظاهر جقمق، وصيّره خاصكيًّا في دولته، ثم سِلَحدارًا، ودام على ذلك مدّة حتى عُرف بذلك. ولما تسلطن الظاهر خُشقدم أمّره عشرة، وصيّره من جملة رؤوس (٦) النُوَب، واستمر على ذلك إلى أن تسلطن خُشداشه الظاهر تمربُغا، فأمّره طبْلخاناة، عِوضًا عن لاجين اللالا، كما قدّمنا ذلك. ولما جرت كائنة كسر العسكر من سوار، أخذ تَمُرباي هذا أسيرًا هو ونَوروز الآتي، ويشبُك الآتي أيضًا، فحبسوا ببعض القلاع، ثم قُتلوا صبرًا.

стр. 1182

وقيل إن تمُربَاي ويشبُك قُتلا صبرًا في يوم ضرب رقاب المماليك السلطانية الذين وقعوا في قبضة سوار، وجعلهم صفًّا واحدًا، وضرب أعناقهم. وأمّا نَوْروز فحبسه مع الأتابك جانِبَك قُلَقسيز. وكان تمرباي هذا أميرًا حشمًا، عارفًا، أدوبًا، عاقلًا، عصبية، مع بعض إسراف على نفسه. ٣٩٨ - تمرباي الظاهري (١). أحد العشرات، المعروف بقُزَل. كان من مماليك الظاهر جقمق، وتنقّلت به الأحوال في الجندية إلى أن تسلطن الظاهر تمربُغا، فأمّره عشرة، وعيّنه الأشرف قايتباي في التجريدة لسوار، صحبة الأتابك جانِبَك قُلَقسيز، فأدركه أجَله بها. وكان غير مشكور. توفي قتيلًا في يوم الإثنين سابع ذي القعدة يوم الوقعة. وقد جاوز الستين. ٣٩٩ - تَنِبَك السيفي (٢) جانِبَك الثور. أحد العشرات. كان من مماليك جانِبَك الثور نائب الإسكندرية، وهو مشهور الترجمة، وهو الذي وُلّي الوالد نيابة الإسكندرية عِوضًا عنه. تنقّلت الأحوال بمملوكه صاحب الترجمة، حتى نزل في ديوان الجند السلطاني، ثم صُيّر خاصكيًّا، ثم تأمّر عشرة في دولة الظاهر خُشقدم، ودام على ذلك مدّة، حتى خرج في هذه التجريدة لسوار، على ما تقدّم ذِكره آنفًا، فاتفق أنْ بَغَتَه أجله. وتوفي قتيلًا في الوقعة الثانية من التجريدة الأولى من المصريّين. وقد بلغ الستين أو جاوزها. وكان أدوبًا، عاقلًا، حشمًا، ساكنًا.

стр. 1183

٤٠٠ - تَنَم الحَسَني (١) الأشرفي. نائب حماة، المعروف بخوني. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصُيّر خاصكيًّا ثم ساقيًا في دولته، وسجنه الظاهر بعد موت الأشرف بثغر الإسكندرية، ثم نقله إلى سجن قلعة صفد، ثم أطلقه، وبقي بتلك البلاد مدّة، حتى تسلطن الأشرف إينال، فقدم القاهرة، فأمّره الأشرف المذكور عشرة، وصيّره من رؤوس (٢) النُوَب. ولما تسلطن الظاهر خُشقدم أمّره طبلخاناة، ثم صيّره رأس نَوبة ثانيًا، ثم نقله إلى نيابة حماة دفعةً واحدة على ما تقدّم في محلّه، وتوجّه من حماة في نوبة سوار في أول التجاريد إليه مع النواب، فاتفق أن تمرّض بحلب بمرض المفاصل، وكان يَعتريه دائمًا في كل قليل، وكان أجله في ذلك. وتوفي بحلب في العشرين من ربيع الأول. وكان بخيلًا شحيحًا، غير مشكور. ٤٠١ - جارقُطْلُو السيفي (٣) دولات باي. الخاصكي، وأحد الأميراخورية. كان من مماليك دَولات باي الدوادار الماضي ذكره، وتنزّل في ديوان الجند السلطاني، ثم صُيّر خاصكيًّا، ثم من جملة الأميراخورية. وهو الذي تقدّم خبر خروجه من القاهرة في محرّم من هذه السنة بملاقاة الحاج، والإقامة في جماعة معه، وعارضهم مبارك شيخ بني عُقبة الآتي ذكره، وجرت بينهم مقاتلة، وقُتل فيها جارقُطْلو هذا ومعه جماعة، وتقدّم ذلك في المتجدّدات. وكان جارقُطْلُو هذا لا بأس به. واسمه مركَّب من: "جار" بالتفخيم، ومعناه: أربع، و"قُطْلُو" معناه: المبارك أو البركة، لأنه قيل: أربع بركات، وهو بلغة التُرك. ثم استُعمل علمًا على الشخص على العادة في مثله.

стр. 1184

٤٠٢ - جانِبَك المؤيَّدي (١) الأشقر المعروف بالبوّاب أيضًا. أحد مقدَّمي الألوف بحلب. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصُيّر خاصكيًّا بعده، ثم بوّابًا في دولة الظاهر جقمق، ودام على ذلك مدّة، وعُرف بالبوّاب لذلك. ولما تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم أمَّره عشرة. ثم لما تسلطن الظاهر تمربُغا أخرجه إلى حلب على تقدمة ألف بها، ثم لما خرج العسكر إلى شاه سوار، وكان معهم، فقُتل في الوقعة الثانية. وله من السنّ نحو السبعين سنة. وكان لا بأس به. ٤٠٣ - جِهان شاه (٢) بن قرايوسُف بن قَرا محمد بن بيرم خُجا التركماني الأصل. القان الأعظم، صاحب المشرق، وملك العراقين، وممالك أذَرْبيجان، وهي تبريز وما والاها من الشرق إلى مدينة شيراز. وكان يُدعى تمرزاه على عادتهم في تلك البلاد مع ملوكهم من السلاطين وأولادهم. وقد عرفتَ في مواضع متعدّدة من كتابنا هذا ترجمة بعض أولاد قَرايوسف، ونبذة من ترجمة قَرايوسف نفسه، بل ونبذة من أخبار جهان شاه هذا وأولاده، فأنت على بصيرة من أمره. ولد بعد العشرة وثمانمائة تقريبًا. ونشأ شجاعًا مقدامًا، داهية من الدواهي، ثم آل به الأمر إلى أن مَلَك بعد أخيه قَرايوسف، وجرت له خطوب وحروب، ووقائع يطول الشرح في تعدادها مع عدّة من الملوك ومع ولده بير بُضاغ لما خرج عن طاعته، وملك بُنْدار على ما مرّ ذلك آنفًا، ووقع بينه وبين المصريين منافرة، كما كان ذلك أيضًا مع والده قبله، لا سيما في زمن المؤيَّد شيخ، وأرجف مرارًا بمجيئه، أعني جهان شاه، للبلاد

стр. 1185

الحلبية، وكان قد عادى الكثير من الملوك، لا سيما حسن بن قرايُلُك، وجرت له معه خطوب كبيرة وحروب كثيرة، وقصده غير ما مرة، وآل الأمر بأخرة أنْ قصد حسن المذكور بعساكره في هذه السنة، ثم لم يحصل منه على طائل، ووقع الوباء والغلاء بعسكره، فأمره برحيل عائدًا، فرحل جلّ عسكره، وبقي هو بمكان أعجبه، فأقام فيه للشرب ومعه جماعة من أمرائه وقوّاته، فقط نحو الألف وخمسمائة فارس، بعد أن لم يبق من عسكره غيرهم إلّا رحلوا، ووصل خبره مع بعض جواسيس حسن، فبدَرَ بأن بعث إليه ابنه محمد بك جريدة، وسار هو في إثره، وأسرعوا في ذلك، وهم نحو الأربعة آلاف فيما بلغني. ويقال بل كانوا أول ممن كان مع جهان شاه، فأدركوه وهو نازل سكران ثمل، طافح سُكرًا هو وأمراؤه، و مسكه له على ما شُهر، وكان وصول عسكر حسن إليه ليلًا، فلما قربوا منه دقّوا طبوله، ثم أحاطوا به من سائر جهاته وأولئك على عدّة وفي غفلة، فما استفاق منهم من استفاق إلّا والسيف عمّال فيهم، وتعاضد حسن وابنه، والتحم القتال، وكُسر جهان شاه أفحش كسرة على أقبح وجه، وقُتل جهان شاه المذكور، ولم يُشعَر به قاتله وانهزم من طال عُمُره، بل ما سلم إلّا القليل. وقُتل ولده محمد أيضًا، وأُخذ ولده العلّامة الفاضل يوسف مأسورًا، ثم سُملت عينه، ثم علم حسن بعد ذلك بقتل جِهان شاه، فيقال: إن إنسانًا من أوباش عسكر حسن قبض عليه في الهَرَجة، فصار يقول له: لا تقتلني أنا جهان شاه، وقال له: تكذِب، وما التفت إليه لعبارته، بل سلبه ما عليه، ثم حزّ رأسه وعلّقها في قَرَبوص سَرْجه، على ما جرت به العادة هناك، أنه إذا وقع القتال وقُتل علّق كل إنسان من العسكر رأسًا معه، إيذانًا بشطارته، وأنه ممن قتل حتى يرى الملك ذلك، فكان هذا أهم عرض قاتل جهان شاه، وكان ذلك ليلًا، ولما عاد حسن عن مكان المعركة للنزول بمكان بقيّة ليلته عاد عسكره معه، ومنهم قاتل جهان شاه، فاتفق أن سقطت منه الرأس وهو لا يشعر بها، فلما أصبح أشيع قتل جهان شاه، فتفحّص حسن على ذلك حتى وُجدت ببابه مع قاتله، فعرف أنه قتل لما سأل منه غير صاحبها فقال: قتلته وكانت رأسه معه فسقطت نفسي، فأمر حسن بأن يتتبّع خبره ذلك الرجل، فوُجدت الرأس، ويقال: بل قُتل. ثم لما أحسّ حسن بقتله بعث من يتفحّص عنه في القتلى، فوُجد ميتًا من جراحات به، فحُمل كما هو إليه وحُزّت رأسه بعد ذلك، ثم بعث بها إلى القاهرة، وهذا والأول أقرب ما قيل في ذلك. ويقال: إن جهان شاه قاتل بنفسه وهو صاح مستفيق على نفسه، عازمًا على الرحيل من المكان الذي كان به، وإنّما دَهَمَه حسن ليلًا، فما أمكنه إلّا مقابلته،

стр. 1186

وكان في جمعٍ قليل، وأحيط به من سائر جهاته، فثار وقاتل بنفسه إلى أن قُتل. ويقال: بل كان مريضًا معلبًا (١)، وهم يُخفون مرضه، وأذِنوا للعسكر بالرحيل، ثم أرادوا الرحيل به فوجدوه محتضرًا، فأقاموا لأجل ذلك، ثم مات حتف أنفه، ثم أدركهم حسن بعساكره، وكان قد دُفن جهان شاه بمكانٍ لئلّا يطّلع عليه، حتى يبعث بأخذه بعد ذلك، فأخرجه حسن وحزّ رأسه، وبعث بها إلى مصر. ويقال: بل لما قُتل في الوقعة أخذه جماعته، وحملوه كما هو وهو قتيل لبلاده، وإن حسن لما تحقّق موته حزّ رأسًا من أعراض رؤوس (٢) القتلى وسلخها، وحُشيت قطنًا، ثم أشاع أنها رأس جهان شاه، وبعث بها إلى القاهرة. وكان قتْله في أحد الربيعين، ووصلت هذه الرأس إلى القاهرة في التاريخ الذي قد بيّنّاه في سلطنة الظاهر تمربُغا. واتفق هبوب ريح شديدة جدًا في يوم دخولها للقاهرة، وكانت حازة وأثارت غبارًا عظيمًا أصفر (٣) سدّ ما بين الخافقين، وعُدّ ذلك من النوادر، في كونها ثارت في يوم وصول هذه الرأس، وكان مع هذه الرأس لما وصل بها إلى القاهرة فَرَس مُسرَج مُلجَم، عليه لبْس كامل، وذكر أن ذلك فرس جِهان شاه التي قُتل عليها. ورأيت أنا في ذلك اليوم الرأس والفَرَس. وعُلّقت هذه الرأس على باب زويلة عدّة أيام، بعد أن طيف بها من القلعة، إلى أن وصل بها للباب المذكور. وكان جِهان هذا من مشاهير الملوك وأكابرها وأجلّها، ذا رأي وتدبير وعقل تام، ومن أكثر الملوك مالًا ورجالًا وعددًا وعُدَدًا، وأقواهم (٤) على القتال جَلَدًا، وأدراهم (٥) بالمكر والخداع، وكانت لديه فضيلة في فنون من العلوم، وله يد في بعضها. بل يقال إنه عُدّ من العلماء في بعض فنون عقلية، وكان يحبّ أهل العلم والفضائل ويميل إليهم، مع إظهاره أنه من أهل التحرير والعدل. وكان سيوسًا، كل ذلك مع خُبث في اعتقاده، وعدم سلامته في عقيدته مع فسق وفساد وانهماك في لذّات نفسه، مُدمنًا على الشُرب، حتى ربّما احتجب عن عسكره الشهر فما فوق لا يصحو أصلًا، وكان في غالب أوقاته في حال سفره وإقامته في كل ليلة (٦)

стр. 1187

ابنةً بِكرًا تُحضَر إليه من أيّ وجهٍ كان، وغالب ذلك، بل الكلّ بالحرام، ومن أيّ طائفة كانت تلك الإبنة، ثم إذا استكبر بها كأنها حُرِّمت على غيره، فلا تُطْلَق إلى حال سبيلها، بل تُعطّل وتُعوّق، حتى اجتمع عنده من ذلك ما شاء الله من النساء، وكان يترك شاربه ويحلق لحيته على عادتهم في تلك البلاد. وكان شجاعًا مقدامًا، بطلًا، ضرغامًا، ظالمًا، غاشمًا، سفّاكًا للدماء، كثير التعاظم والجبروت، غير مكترثٍ بأمور دينه، ومع ذلك كله فكان خيرًا من أبيه وجدّه، وغالب إخوته. وله الآثار العظيمة ببلاده كتبريز وغيرها، من ذلك المدرسة المعظَّمة بتبريز. ومما أنشدني الأخ أبو الفضل لغيره في هجو جِهان شاه ما سمعه من بعض الأفواه بتلك البلاد لما توجّه إليها صحبة الوالد في سنة إحدى وسبعين: كبَّرْتُما الأمر وعظّمتُمَاه … فقلتُمُ للشاه شاهان شاه ومن تكون الشاة أُمًّا لهُ … فما يكون التَّيسُ إلّا أباه وهو معنى غريب. واسمه مركّب من: "جِهان" وهو لفظ فارسي معناه: الزمان، وشاه معناه: الملك، فكأنه قيل: ملك الزمان. وأمّا شاهان شاه فمعناه: ملك الملوك، وهو الذي نُهي في الحديث الشريف عن التسمّي به. ومَلَك بعد جِهان شاه ولده حسن علي وسيأتي شيء (١) من ذلك. ٤٠٤ - جِهان كِيْر (٢) بن علي بن عثمان قرايُلُك بن طرغلي التركماني، القرايُلُكي. الأمير السلطان، زين الدين، صاحب آمِد وماردين وما والاهما من ديار بكر، و (٠٠٠) (٣) حسن الطويل. ولد صاحب الترجمة في حدود (٤) العشرين وثمانمائة تقريبًا. ونشأ تحت كنف أبيه وجدّه قرايُلُك، وقدم القاهرة مع أبيه، وقُرّب وأُقطع تقدمة ألف بمصر، ثم ولّاه الظاهر جقمق نيابة الرُها وكثرت جنوده، لأنه بقي بها

стр. 1188

مدّة مطوّلة. ثم لما مات عمّه حمزة بن قرايُلُك مَلَك البلاد بعده مع وجود والده، أعني عليًّا أخا حمزة. ويقال إن حمزة عيّنه في ( … ) (١) توليّه هذا، أو أشار بتملّكه من بعده لدينه وعقله وخيره، وباشر السلطنة مدّة، وقُصد من جِهان شاه وغيره، واستنجد بالظاهر جقمق، وكان متغيّظًا عليه فلم يُنجده، ثم انضمّ ( … ... ) (٢) أخوه وصار يعضده، وبعثه على جيش لقتال عمّه الشيخ حسن فقتله، ومن حينئذٍ ( … ) (٣) في أخيه حتى ( … ... ) (٤) ولا زال حتى وثب على آمِد فأخذها منه بحيلة وا ( … ) (٥) أن يملك عن جِهان ( … ... ) (٦) وبقي محصورًا بها ( … ) (٧) والسكة والخطبة باسم ( … .... ) (٨) ليس له من الأمر شيء ( … ... … ... ) (٩) والغالب على الأمر ( … ... … ... .... .... .... .... ) (١٠). توفي في شهر ربيع الثاني، أو جماد الأول، من هذه السنة. وكان من ( … ) (١١) حسن بعده بالمملكة ( … ) (١٢). (ترجمة السلطان الظاهر خشقدم) (١٣) ٤٠٥ - خُشقدم (١٤) من ناصر الدين المؤيَّدي (الرومي) (١٥). السلطان، الملك، الظاهر، أبو سعيد، سيف الدين، صاحب الديار المصرية

стр. 1189

والأقطار الحجازية والبلاد الشامية وما والى ذلك. قد تقدّم في المتجدّدات من ترجمته ما قد عرفتَ من كونه روميّ الجنس، أرنؤوطي القبيلة. جلبه إلى مصر الخواجا ناصر الدين، واشتراه المؤيَّد شيخ في سنة خمس أو ست عشرة (١) وثمانمائة، وإنه دام كتابيًّا حتى أخرجه المظفّر أحمد بن المؤيَّد، أو أخرجه أستاذه على غالب ظنّي، وصيّره المظفّر خاصكيًّا. ثم لما تسلطن الظاهر جقمق ساقيًا، ثم أمّره في سنة خمس وأربعين عشرة بسفارة تغري بردي البكلمشي المؤذي، ثم صيّره من رؤوس (٢) النُوَب، ثم أخرجه على تقدمة ألف بدمشق في سنة خمسين. وكان رفيقًا للوالد بها حين كان الوالد من جملة المقدَّمين بها وأمير ميسرة. وكان خُشقدم هذا يجلس خامس أو سادس جالس بعد الوالد في مجلس جُلُبّان نائب الشام، وكان يكثر التردّد إلى منزل الوالد جدًّا، مع صحبة بينهما أكيدة. ثم استُقدم إلى الآخرة من جملة مقدَّمين (٣) الألوف بها على حجوبية الحجّاب، عِوضًا عن تَنِبَك البُرْدُبكي، لما أُخرج إلى دمياط في كائنة سعيد عبد قاسم الكاشف، على ما تقدّم ذلك. وكان قدومه للقاهرة كما قد بيّنّاه بواسطة تمربُغا وأبي الخير النحاس بمالٍ بذله لهما وللسلطان، على ما عَرَفَتَه آنفًا. واستمر في الحجوبية مدّة حتى تسلطن الأشرف إينال، فنقله إلى إمرة سلاح، وهي من النوادر. ووليها عن تَنِبَك البردبكي أيضًا لما نُقل إلى الأتابكية، بحكم سلطنة الأتابك إينال بعد ولاية الأتابكية لولده الشهابي أحمد المؤيَّد، ثم صرفه في ثاني يوم من سلطنته كما تقدّم ذلك، ودام على إمرة سلاح مدّة إينال كلها، وخرج باشا على العساكر في نَوبة ابن (٤) قرمان. ثم لما تسلطن المؤيَّد أحمد بن إينال بعد أبيه جعله أتابكًا عِوضًا عن نفسه، وكان ذلك مقصدًا لأبيه من قبله، ومقصد المؤيَّد أيضًا، إنفاذًا لهذه الوظيفة عن الجراكسة لما هو ظاهر. وما كان إلّا الذي أراده الله تعالى، حتى ولي السلطنة على الكيفية التي تقدّمت في سنة خمس وستين في يوم سلطنته، وقد عرفتها فلا نعيدها. وباشر السلطنة بحرمة وافرة، لا سيما بأخرة، مع أن سلطنته كانت أبعد ما في الأذهان، لكونه روميّ الجنس، وما جرت العادة بسلطنة هذا

стр. 1190

الجنس، وزاد في أول سلطنته كثيرًا من الوظائف لم تكن قبله، وعُدّ ذلك من نوادره، واضطربت أحواله في أوائل سلطنته بقدوم جانَم نائب الشام، كما بيّنّا ذلك، فقام بتدبير عَوده إلى دمشق، وأحسن التدبير في ذلك، وتحيّل غاية التحيّل، حتى أعاده من حيث جاء، ثم ثبّت قدمه في المُلك، وكان القائم بسلطنته في نفس الأمر جانِبَك نائب جُدّة، ثم بلغه أنه في قصد الوثوب عليه، فعاجلَه بقتله، على ما مرّ ذلك آنفًا. ثم استبدّ بالأمر، وضخم وعظُم، ثم كاد أن يضطرب ملكه اضطرابة أخرى، يعني قتل جانِبَك، ودبّر فأحسن التدبير في بنائه، على ما تقدّم ذلك أيضًا، ومن يومئذٍ أخذ في زيادة العظمة الهائلة، وشاع اسمه وبعُد صيته، وهابَه الكثير من الملوك، وطال وصال، وجمع الكثير من الأموال، وعظمت له الأحوال، وكثُرت مماليكه، وزادت شرورهم، وشانوا سُؤددَه بأخرة بأفعالهم القبيحة، واقتنى من كل شيء أحسنه، وكان متجمّلًا في جميع شؤونه (١) وأحواله. وأمّا تحرّيه في الملابس، فلعلّ لم يقع لسلطانٍ قبله ما وقع له في ذلك، فإنه كان يتغالى في ذلك، وكان يُعمل له الثوب البَعْلَبَكيّ بأربعين دينارًا، ولا يعجبه منه إلّا العجب، فما بالك بالمخمل، والحرير، والجوخ والصوف وغير ذلك. وكان يخترع أنواعًا من الملابس الحسنة. وكان مليح الشكالة، حسن القَدّ والهيئة، معتدل القامة إلى الطول أقرب، مع نحافة بدن باعتدال، وبياض لون تعلوه صُفرة نيّرة بهيّة، حسن اللحية، منوّر الشيبة، وكان شجاعًا، مقدامًا، عارفًا بفنون الفروسية وأنواع الملاعيب، له شهامة ومهابة ووقار وأدب وحشمة، وعظمة زائدة في سلطنته، وعقل تام وحنكة، ومعرفة بتجارب الأمور، وسياسة وتدبير، وخبرة وصبر وجلادة، وبعض تواضع، وحجّة في العلم وأهله، يُجلّ مقام العلماء ويعظمّهم. وكان يسأل عن أمور يستشكلها. وكان له التفات لِما يهمّه في أمور دينه، وكان يشارك في بعض القراءات (٢)، عارفًا بلغة التُرك، يقظًا في تكلّمه بالعربية، مع عُجمة في لسانه. وكان مع ذلك إلى الفصاحة أقرب، وكان يُعاب بالشَرَه في تحصيل الأموال من أيّ وجهٍ كانت، مع حرص وطمع، وبعض غلّ، بل وشُح. وأعيب أيضًا بتقديمه في دولته الكثير من الأسافل والأوباش وأطراف الناس، ومن لا ذِكر له، وأخْذ الرِشا على كثيرٍ من الولايات والوظائف، وعلى القضاء بمصر، فما ظنّك بغيرها. وعادى السلطان، الغازي، المجاهد الأعظم، محمد بن عثمان ملك الروم،

стр. 1191

وهي من نوادره، وإن كانت العداوة لم تظهر، لكنْ قد علم بها كل أحد، ومن ثَم وحينئذٍ تنافرت قلوب ملوك الروم والمصريّين، وكفّت تلك الملوك عن مراسلة صاحب مصر، وكذا صاحب مصر، حتى إن السلطان أبا يزيد يلدرُم بن محمد بن عثمان مَلَك بعد أبيه، وله الآن نحو الأربع سنين في المُلك، ولم يقع بين المصريين وبينه مراسلة. وكان عند خُشقدم هذا بأخرة البطش والفتك بمن أراد، وطال أمله وساء عمله، فلا جَرَم صار مَهيبًا في أواخر عمره، وقدّم الكثير من مماليكه، ورقّاهم إلى الرُتَب السنيّة، وما ثارت في أيامه فتنة كبيرة، ولا دهمه داهم. ولما بدت الفِتَن تثور من شاه سوار، وابن (١) عثمان، وحسن الطويل بَغَتَه أجله، وما أدرك شيئًا من ذلك. وكان كثير المكر والحِيَل، أسود الباطن. ذكر لي من أثق به أنه كان من يهود الأرنؤوط لا من نصاراها، والصُفرة التي كانت تعلوه كانت من أعظم الدلائل على صدق هذا القائل، واللَّه أعلم. توفي الظاهر هذا في يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة، على ما تقدّم، بعد مرض طال به مدّة، وهو يودي به إلى أن غلبه، فانقطع به، ثم صار يرجَف بموته في كل قليل، إلى أن كان حقيقة في التاريخ المذكور، وقد قدّمنا ذلك في محلّه. وكان سنّه نحو الخمس والستين (٢) سنة أو فوقها. وجُهّز وأُخرجت جنازته قبل سلطنة غيره، وعُدّ ذلك من نوادره، ودُفن بتربته التي أنشأها بالصحراء، وهي من آثاره، وبها مدرسة جليلة بخطبة، ورؤي بعد موته في النوم في حالة غير مرضية، واللَّه أعلم. ٤٠٦ - سالم الزواوي (٣)، المغربي، المالكي. (الشيخ العالم السا … ... … (٤)) (٥) قاضي القضاة المالكية بدمشق.

стр. 1192

توفي بها في صفر من هذه السنة، وما عندي شيء من أحواله غير ذلك (١). ٤٠٧ - سبّاع بن هجّان (٢). السيد الشريف الحسيني، أمير مدينة الينبوع. كان صرف عنها بخنافر، فاتفق أن نُقل النقلة الماضي ذكرها في المتجدّدات، وهي خروجه على ركب الينابعة ومعه أخوه سبع، وجموع من عربانه، فأخذ الركب المذكور عن آخره، كما مرّ ذلك. ولما بلغ السيد خنافر أمير الينبوع ذلك خرج قاصده، ووصل إليه على غرّة وحين غفلة، فأغار عليه، واسترجع جميع ما أخذه، وما ذهب من ذلك شيء (٣). وقُتل سبّاع هذا في ذي القعدة، أو أوائل [ذي] الحجة. ٤٠٨ - سبع بن هجّان (٤). أخو الذي قبله، كان مع أخيه في سائر الحالات، ومعه قُتل في يوم واحد، في الكائنة التي تقدّمت على يد السيد خنافر، على ما عرفت ذلك، فلا نعيده. ٤٠٩ - سُنقُر الظاهري (٥). شمس الدين، أتابك طرابلس، المعروف بالعائق، وبالجُعَيدي أيضًا. كان من مماليك الظاهر جقمق في أيام إمرته، وصُيّر خاصكيّا بعد سلطنته، ثم خازندارًا صغيرًا، وكان يعينه في بعض مهمّات في كل قليل، ثم أمّره عشرة، ثم صيّره أميراخورًا ثالثًا، ودام على ذلك إلى سلطنة المنصور، فنقله إلى الأميراخورية الثانية، عِوضًا عن بَرسْباي الإينالي المؤيَّدي لما قبض عليه، وبعثه إلى سجن الإسكندرية مع دَولات باي، ويلباي الذي تسلطن بعد ذلك، على ما تقدّم كلٌّ من ذلك في محلّه. ولما جرت الكائنة التي خُلع فيها المنصور، كان سُنقُر هذا من الذين معه وعنده بالقلعة. فلما تسلطن الأشرف إينال أخرجه مَنْفيًّا إلى البلاد الشامية، ورأى

стр. 1193

بتلك البلاد الكثير من الخطوب والأهوال. وتنقّل بها في عدّة أماكن بطّالًا منها بطرابلس، وكنّا بها إذ ذاك. ولما تسلطن الظاهر خُشقدم قدم إلى القاهرة، فأمّره عشرة، ثم صيّره من جملة رؤوس (١) النُوَب، ودام على ذلك إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فأخرجه إلى أتابكية طرابلس. وبها توفي في هذه السنة. ورأيت من أرّخه في التي بعدها، واللَّه أعلم. وكان سُنقُر هذا عاين عند اسمه كثير الوقاحة والجرأة من يومه، مع تهوّر زائد وإسراف على نفسه وانهماك في لذّاتها. وكان شجاعًا، مقدامًا، عارفا بكثير من أنواع الفروسية مع قوّةٍ عنده، وشدّة بِنْية بدنية. وكان سنّه يوم مات زيادة على الخمسين سنة فيما أظنّ، أو لم يبلغها، واللَّه أعلم. واسمه تقدّم الكلام عليه. ٤١٠ - سودون البُرْدُبكي (٢)، المؤيَّدي. أحد مقدَّمين الألوف بدمشق، المعروف بالفقيه. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصار خاصكيّا بعده، ودام على ذلك مدّة من السنين، وهو لا يُلتفت إليه في عدّة دول، حتى تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة، ثم ولّاه حسبة القاهرة، وباشرها بعفّة وديانة وحُسن سيرة، ثم ولّاه الظاهر يلباي نيابة القلعة، ثم لما جرت كائنة يشبُك الفقيه أخرجه الظاهر تمربُغا إلى دمشق على تقدمة ألف بها. وبها توفي في هذه السنة. وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا، ساكنًا، متواضعًا، يدّعي التفقه ويقتني الكتب ويقرأ القرآن، مع حُسن سمت وتؤدة. ٤١١ - سودون الشمسي (٣)، الظاهري.

стр. 1194

أحد مقدّمين (١) الألوف بمصر، المعروف بالبرقي. كان ممن بقي من كتابية الأشرف برسباي، ومَلَكه الظاهر جقمق بعده إن صحّ أن الأشرف لم يعتق من كان في ملكه حين قرُب موته، فإنه قيل إنه أعتق جميع من كان في ملكه في زمن موته، واللَّه أعلم. وصيّره الظاهر خاصكيًا في أيامه، ثم رقّاه أنْ جعله بَجْمَقْدارًا، ومات الظاهر وهو على ذلك. ولما خُلع ولد أستاذه المنصور عثمان امتحنه الأشرف إينال، ثم هرب واختفى مدّة سنين. يقال إنه كان مختفيًا بمكان بالبرقية حيث كان سكنه، ثم ظهر في أواخر دولة الأشرف إينال. ولما تسلطن الظاهر خُشْقَدم أمّره عشرة، وصيّره من رؤوس (٢) النُوَب، ثم نقله إلى الأميراخورية الثانية. ثم لما جرت كائنة قتل جانِبَك نائب جُدّة قُبض عليه، وبُعث به إلى سجن ثغر الإسكندرية، ثم أطلقه وبعث به إلى دمشق من جملة مقدَّمين (٣) الألوف بها. وحجّ أميرًا على المحمل الشامي في سنة إحدى وسبعين. ولما تسلطن خُشداشه الظاهر تمربُغا بادر من فرحه بالمجيء إلى القاهرة، ولما وصل إلى الخانكة وعلم بذلك الظاهر تمربغا غضب، وأمر به أن يعود من حيث جاء، لكونه جاء بغير إذن، وشفع فيه فيما قيل شفاعة من شفع فيه، لكنّه بعث إليه بمركوب بسَرْج ذهب وكنْبوش مزركش وكاملية، وأعاده إلى دمشق، وذلك بواسطة الأتابك قايتباي، وخرج الأتابك المذكور إليه إلى حيث هو بالخانكة وطيّب خاطره، ولما عاد إلى دمشق زاد وعكه من قهره، سيما وقد كان لما قدم من الحاج قدم موعوكًا، فزاد ما به من قهره. واتفق أن خُلع الظاهر تمربُغا، وتسلطن الأشرف قايتباي، وبلغه ذلك ففرح به غاية الفرح. وكان الأشرف المذكور أول ما تسلطن عيّنه في مقدّمين (٤) الألوف بالقاهرة، وبعث إليه بذلك، وأمره أن يقيم بدمشق، ولا يتحرّك لسفرٍ حتى ينصل من مرضه، ثم يتوجّه مع العساكر المعيّنة لشاه سوار، ويعود معهم بعد ذلك، فما صبر عن القاهرة وتجهّز، وهو في تلك الحالة، وقدم القاهرة بغير إذن، ولم ينكر عليه السلطان ذلك، وأبطله من التجريدة لوعكه. وكان لما قدم صعِد إلى القلعة وهو في غاية الوعك بجهدٍ جهيد، وخلع السلطان عليه كاملية، ونزل إلى داره، ولم يَنشَب أنْ بَغَتَه [أجلُه]. وكان إنسانًا حسنًا، ذا هيئة حسنة، وعنده شجاعة وإقدام. توفي في يوم الأربعاء ثامن عشرين شعبان، وله نحو الخمسين سنة.

стр. 1195

وأُحضرت جنازته لسبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه، وأظهر التأسّف عليه. وذكر بعضهم موته في شهر رمضان، وما علمت ذلك. ٤١٢ - شادبك الأشرفي (١). أتابَك حماة، المعروف بفرفور. كان من مماليك الأشرف بَرْسْباي ومن صغارهم، وتنقّلت به الأحوال بعده حتى وُلّي أتابكية حمّاة. ولما كانت نوبة سوار الأولى خرج في جملة عسكر حماة. وتوفي قتيلًا في يوم الوقعة في ربيع الأول، وقد جاوز الخمسين سنة. ٤١٣ - طوغان العُمري (٢)، المؤيَّدي. أحد الطبْلخانات بمصر، المعروف بميق، وبصهر الوليّ، لكونه كان قد صاهر الوليّ السَّفْطي قاضي القضاة، على ابنة الوليّ المذكور. كان طوغان هذا من مماليك المؤيّد شيخ، وصُيّر خاصكيًّا بعده، ودام على ذلك إلى سلطنة خُشداشه الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة في أول دولته، ثم أضاف إلى إمرته أخرى، وصُيّر من الطبْلخانات على ما بلغني. ولما جرت كائنة يشبُك الفقيه، وخُلع الظاهري يلباي، أخرج طوغان هذا إلى دمشق، أظنّ على إمرةٍ بها، وخرج في تجريدة سوار في هذه السنة. وبها توفي قتيلًا في يوم الوقعة. وكان لا بأس به، ساكنًا، قليل الشرّ، مختصًّا بالظاهر خُشقدم، مقرَّبًا لديه. ومات عن نحو من سبعين سنة أو أكملها. ٤١٤ - ظافر بن جاء الخير (٣) الروميّ الأصل، الفرنجي، المغربي، التونسي. قائد طرابلس، وأحد الأمراء الكبار لعثمان صاحب تونس. ولد بتونس قُبيل القرن.
следующие страницы →