← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

للظاهر بواقعة الحال وهزيمة إينال، وبقضية سنجق الوالد، ووجد أنه لطَبَر إينال، كل ذلك قبل تحرير أمر إينال والقبض عليه، ثم لما قبض عليه أردف ذلك القاصد بآخر على العادة في مثل ذلك، فاتفق أن دخل القاصد الأول قبل الثاني بيسير، وعرّف الظاهر الحال، فشكر الوالد في الملأ (١) العام، وإذا بالخبر بالقبض على إينال، فزاد سرور الظاهر، وولّى الوالد نيابة مَلَطْية، عِوَضاً عن حسن قجا أخي تغري بَرْمَش وبعث إليه بتقليدها وتشريفها، وأمر له بمبلغ له صورة، واعتذر إليه بأن هذا الذي كان نصيباً له ولو شغر ما هو فوق ذلك لاستقرّ به، فتوجّه الوالد إلى مَلَطْية بعد تمام أمر تغري برمش والحكمي، وباشرها مدّة، وبها كان مولدي. ثم قدم في أثناء ذلك إلى القاهرة ومعه هدية مستطرفة للظاهر، فاحتفل بقدومه عليه وعظّمه، ورفع من محلّه. ثم أخذ الوالد في الاستعفاء من مَلَطْية، فلم يُجبْه إلى ذلك، ووعده بالجميل وأعاده إليها. وكان له بمَلَطية درس حافل (٢)، وصنّف بها عدّة من الكتب، وكان يحضر مجلسه جماعة من العلماء الأفاضل بها، ودام بها إلى أن استأذن في حضوره إلى القاهرة أيضاً، وحضر مستعفياً من مَلَطْية أيضاً، فأجيب إلى ذلك، وقُرّر في أتابكية حلب، فعاد إليها ودخلها بأُبّهة زائدة، وجرى بينه وبين نائبها قانِباي الحمزاوي (٣) منافسة، وبعث يشكوه للظاهر على ما بيّنّا ذلك في محلّه، ونسبه إلى أمر ذكر أنه يخلّ بناموس السلطنة، والحال أنه مما يزيد في ناموسها، فبرز أمر الظاهر بحمْله مقيّداً إلى سجن قلعة حلب، فبقي قليلاً حتى شفع فيه جماعة من الأعيان، منهم الحافظ ابن (٤) حجر، وظهر للظاهر غرض نائب حلب، فأطلقه وأقطعه مدينة قاقون يأكلها وهو مقيم بالبيت المقدس، فأستاذن الوالد أن يكون بمدينة الخليل ﵇، فأذِن له بذلك، ثم بعث إليه الظاهر بإضافة عذة جهات ومرتّبات له إلى قاقون، ثم بعث يستأذن الظاهر في الحج، فأذِن له فيه، وبعث إليه بنفقة جيّدة، فحج من الخليل مجرَّداً مع بعض جماعة من مماليكه، وهي ثالثته. ثم طلبه السلطان إلى القاهرة، وحين قدِمها أجلّه السلطان، وقام له وأجلسه، ثم قرّر في نيابة القدس، وذلك في محرّم سنة خمسين، وأضاف إليه تقدمة ألف بدمشق، وبعث إليه بأشياء كثيرة ومبلغ ألف دينار، وخرج الوالد إلى نيابتها وباشرها فوق السنة، ثم بعث بالاستعفاء منها فأعفي، وأُمر بالتوجّه إلى دمشق على ما بيده من التقدّمة، وكتب له بأن يكون أمير ميسرة بدمشق، فأقام

стр. 1332

بها مدّة والنقّارات تُضرب على بابه، وهي من نوادره بدمشق، إذ لم تجر العادة الحديثة بذلك سوى لنائب الشام، والأتابك، وحاجب الحجّاب، وأمّا بقيّة مقدَّمين (١) الألوف فكانوا بالطبلين والزمرين إلى كلٍّ منهم. ثم لما خرج العسكر إلى حلب لحفظها من جهان شاه خرج الوالد إليها في أُبّهة وعَظمة زائدة وطُلْبٍ حافل. ثم لما انقضى ذلك قدم إلى القاهرة فأكرمه الظاهر، وأنزله بقصر تمرباي بالكبْش، وأنِس به في خلواته، وكان يسأله في كثير من الأمور الدينية والدنيوية وأحوال قواعد المملكة، ثم زاده على ما بيده بدمشق إمرة عشرين، وبعث إليه بمبلغ ألف دينار، غير ما كان قد رتّبه باسمه وهو مقيم بالقاهرة، وغير ما رتّبه لأولاده على الذخيرة بالقدس، وعاد إلى دمشق، ثم بعث يستأذن الظاهر في الحج، فلم يأذن له وقال إنه (لا يوافق) (٢) أن يتوجّه بمفرده وإن توجّه بجماعته يحتاج إلى مصرف كبير، ثم بعث إليه في العام الثاني بإمرة الحاج بالمحمل الشامي، وبعث إليه خلعة هائلة وركوباً خاصاً بالسرج الذهب والكنبوش الزركش، وبعث بأن يُعطى خمسة آلاف دينار من قلعة دمشق ليتجهّز بها، فأخذها وأضاف إليها من ماله نحوها أو زيادة على ذلك، وخرج إلى الحج في أُبّهة زائدة، وكنا معه في تلك السنة، وكانت حَجّة حافلة جداً، وعاد وقد مات الظاهر، وتسلطن بعده الأشرف إينال، فبعث إليه باستقراره في إمرة الحاج على عادته ثانياً، وأضاف إليه الركوب الثلاث: الشامي، والحلبي، والكرَكي، وبعث إليه بألفي دينار، فحج الخامسة، ثم بعد حضوره بأشهر قليلة توَجّه إلى جهة القاهرة، كعُهُودِ كانت بينه وبين إينال، إن آتاه اللَّه المُلك أن يحضر إليه بغير إذن، وظنّ أن ذلك يتم له، فعورض في ذلك على ما تقدّم بيانه في محلّه، وبعث إليه الأشرف إينال بعَوده من قطْيا، واعتذر إليه في مكاتبة له، ووعده بالجميل، وبعث إليه بأشياء، وعاد إلى دمشق، وأخذ في كل قليل يبعث بالاستعفاء من التقدمة التي بيده بدمشق، ولا يزال حتى أجيب إلى ذلك بمندوحة قدّمنا ذِكرها في محلّها، وأُعطي الوالد إمرة عشرين بطرابلس ليأكلها طَرْخاناً، فتوجّه إليها في سنة تسع وخمسين على ما تقدّم، وأقام على ذلك مدّة بطرابلس، وهو مُعفَى من الخِدم وسائر الكُلَف السلطانية، منعكفاً على الشغل والإشغال بمطالعة الكتب، وإسماع الحديث وإلقاء شيء (٣) من الدروس، وصنّف بها عدّة من الكتب في تلك

стр. 1333

الاستراحة، وأنشأ بها داراً وزاوية، ومدفناً أعدّه لدفن نفسه، آل الأمر بسبب من إنشائه أن دخل طرابلس وبها بغته الأجل، ودُفن به بعد أن خرج من طرابلس وغاب عنها عدّة سنين، على ما ستعرف ذلك. وكان هو بطرابلس في غاية الراحة والحُرمة، وجميع أعيانها يعظّمونه ويتردّدون إليه. ثم إنه بعث إلى الأشرف بما قدّمنا ذِكره من السواقة، ولما وصل ذلك للأشرف المذكور أعجبه وذكره بخير، ثم أعاب على نفسه بنفسه، كونه لم يقدّمه في دولته، ولا نوّه به مع الصحبة القديمة الأكيدة. واتفق أن شغرت إمرة طبلخاناة بدمشق، فاستقرّ به فيها، وكتب إليه بأن يأكلها طَرْخانًا، حتى ينحلّ له ما يليق به، ووعده بالجميل، وبعث إليه مشافهة مع قاصده المتوجّه بالسواقة، فيها غاية التعظيم، فتوجّه الوالد إلى دمشق في أواخر سنة أربع وستين. واتفق أن مات الأشرف اشال بعد قليل من ذلك، وتسلطن ولده المؤيّد، فبعث إليه بطلبه إلى القاهرة، فقدِمها في أوائل شهر رمضان سنة خمس وستين، فاتفق أن جرى للمؤيَد ما جرى من خلْعه، ثم سلطنة الظاهر خُشقدم، فأنس به وقرّبه واختصّ به، وأذِن له أن يقيم بالقاهرة على ما بيده من إمرية بدمشق طَرْخاناً، كما كان، وأذِن له بالاجتماع به في الأسبوع مرتين في يومي الجمعة والثلاثاء، وأعاد إليه بعض مرتّبات كانت باسمه وأخرجت عنه، ورتّب له بحمال عليق (١) وكير ذلك، وجالسه وسارره وشاوره في كثير من أموره، وقبِل الكثير من شفاعاته، وتكلّم في أيامه في كثير من القضايا المهمّة وأنهاها، وانتفع به الكثير من الناس بواسطة ذلك، وقُصد، وتردّد الناس إلى بابه، وازدحموا عليه، مع عدم التفاته إلى شيء مما في أيديهم، وغاية عفّة عن ذلك ونزاهة، وكوتب من أقاصي المملكة في كثير من المهمّات وأنهاها، وأحسن السفارة فيها، ودام على ذلك في حُرمة ووجاهة إلى أن كان من أمر الخليفة المستنجد باللَّه ما تقدّم بيانه في سنة إحدى وسبعين، من أن يكلّم له السلطان في عساه أن يأذن له بالنزول إلى محلّ سُكنى الخلفاء قبله، فاجتمع بالسلطان وكلّمه في ذلك من غير أن يحسب عُقباه، ولا أعمل فيه فِكره، إلى أن كان ما قدّمنا ذِكره من إخراجه إلى مكة المشرّفة، على ما عرفته فلا نعيده، وبيّنّا أيضاً كيف توجّه إلى العراق صحبة الحاج العراقي مع الأمير عبد الحق بن الجُنَيد (٢) أمير الركب في تلك السنة، وكيف جال عدّة من تلك البلاد، وكان قصْده الاجتماع بجهان شاه ملك العراق وتبريز، فكأن من شأن قتْلته على يد حسن الطويل ما تقدّم ذكره.

стр. 1334

ثم كانت وفاة الظاهر خُشقدم، فعاد الوالد إلى هذه المملكة من على جهة حلب، ثم دخل طرابلس في سنة ثلاث (١) وستين هذه في أوائلها، ونزل بداره، فأقام بها منجمعاً عن الناس، متوجّهاً إلى اللَّه تعالى، منعكفاً على العبادة والخير وتلاوة القرآن، مقبلاً على شأنه، وكأنه كان قد أحسّ بفراغ أجله. واتفق أنْ لم تطُل نَوبته بطرابلس إلّا بعض شهور، وبغَتَه أجله بها بعد أن تمرّض بالبطن أياماً، ولما حَدَس أنه يموت، كان معه بعض شيء من حطام الدنيا مبلغاً عيناً نقداً، فأحضره وقسّمه على أولاده وورثته، وكنت أنا إذ ذاك بالقاهرة، فأفرز نصيبي، وفرّق من ذلك المبلغ على جماعة من ذويه وسراريه وكيرهم من ثُلُثه، ثم أحضر الغاسل وأعطاه ديناراً ذهباً، وقال له: كأنّي بي وقد متّ فاحضرْ لغسلي، ثم وصف له كيفية يغسّله عليها، وقال له: خذ سلْبي وما عليّ من الثياب، ثم لزم تلاوة القرآن. إلى أن توفي بعد أيام من هذه الفعلة يسيرة، في ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة مبطوناً شهيدًا، وجُهّز وكفّن وصُلّي عليه بداره في صبيحة يوم الخميس، ثم دُفن بالمدفن الذي كان أعدّه لنفسه. وكان رحمه اللَّه تعالى مشكور السيرة في جميع ولاياته، ذا عدل وإنصاف فيما وليه من أمور المسلمين، كثير الشفقة على خلق اللَّه تعالى، بحيث لما عُزل عن نيابة الإسكندرية أغلق أهلها بابها واستغاثوا، وأرادوا منعه من خروجها حتى تلطّف بهم، وكذا وقع له بمدينة الكرَك، بل قام أهل الكرَك معه، وقالوا له إن شئت نمنعك بهذا الحصن، ونصير أتباعاً لك، ولا علينا من السلطان، وكذا فعل أهل مَلَطْية حين صُرف عنهم، وكان محبّباً للناس، كثير التواضع لأهل التواضع، لا يحبّ سفك الدماء، وما أقدم في جميع ولاياته على سفك دم، لا بحق ولا بغيره، فإنه لم يتفق له ذلك، حتى عُدّ ذلك من نوادره، سوى شنْق حسن قُجا، بحكم خروجه عن طاعة الظاهر، وشقّ العصا مع أخيه تغري بَرْمش. وكان شنقه بأمر الظاهر وحكمه. وكان شهماً، فخمًا، ضخماً، ريّساً، وجيهاً في الدول، سيوساً، مدبّراً، عاقلاً، حاذقاً ذا رأي وتدبير وخبرة بالأمور ومعرفة تامّة، قائماً في أنواع الخير والبِرّ والمعروف بقلبه وقالبه، خيّراً، ديّناً، حسن السمت والملتقى، كثير الأدب والحشمة، ذا تؤدة وسكون، فكِه المحاضرة، حلو المذاكرة، جيّد المعاشرة، ضويّ

стр. 1335

الهيئة، حسن الشكالة، نيّر الوجه، حسن الصورة واللحية وافرها، عارفاً بأيام الناس، ذا حنكة وتجارب ودهاء ومعرفة بطرائق المُلك والملوك والمملكة، بحيث لا يعجبه في ذلك العجب، متأنّقاً في سائر أحواله، متجمّلا في جميع شؤونه (١)، قائمأ بناموس ما وُلّيه على قواعد قدماء الملوك والأمراء. وكان يُضرب بسماطه المَثَل بالقاهرة، فضلاً عن غيرها، حتى كان الكثير من الناس يقرّع جماعة من الأمراء بمصر وغيرهم، خصوصاً في أيام المواكب وهو بالقاهرة لرؤية ذلك. وكان كريم النفس جداً، سخيّاً، معطاءً، بارّاً لأصحابه، كثير التودّد إليهم والقيام معهم، بل ومع من قصده لمهمّ كائناً من كان، محبّاً في العلم والعلماء والطَلَبَة وأرباب الفضائل والكمالات، معظّماً لهم، محبّاً في الفقراء والصالحين والمجاذيب، ذا مهابة وحُرمة وأُبّهة، حتى كان بعض المعتقدين يقول عنه إنه سلطان أولاد الناس وترشح مرة لنيابة الشام في دولة الأشرف بَرسْباي قبل نيابة الكرَك. وكان مع ذلك كلّه شجاعاً، مقداماً، عارفاً بأنواع الفروسية والأنداب والتعاليم، يشارك بفنون ذلك، يخرّج على أكابر مدّعي هذه الفنون، ويُظهِر لهم عيوبهم في ذلك. وله في ذلك حكايات لو سردناها لطال المجال، وكان عفيفاً عن المنكرات والفروج والمسكرات ولقد حلف مرة يميناً بأنه لم يدخل المسكِر باطنه قطّ، وهو بارّ في يمينه، صادق في ذلك. وكان معظّماً عند الملوك، موقّراً، حتى كان الظاهر يخاطبه بيا سيدي، ويرفع من محلّه، وقام له غير مرة وأجلسه. وأمّا الظاهر خُشقدم فناهيك بما كان يعظّمه به، وكان إذا حضر عنده تحرّك له، وربّما قام له في بعض الأحيان وأجلسه. وكان إذا حضر مجلسه أقبل عليه، فلا يتكلّم مع غيره إجلالاً له، إلّا على وجهٍ متضمّن بسؤال أحد ممن حضر ذلك المجلس في شيء يتعلّق بالوالد. وكان له التوجّه التام للعالم الملكوتي والإقبال على الله تعالى، مواظباً على نوافل الطاعات والعبادات من صيام كثير من الأيام، وصيام الثلاثة (٢) شهور في المحرّم. كل ذلك في أيام إمرته، فما بالك في غيرها! مع المواظبة على صلاة الضحى وصلاة الغفلة، وقيام الليل في بعض الأحيان، وملازمة التلاوة والأذكار والأوراد، ومطالعة الكتب، والاشتغال والتصنيف والتأليف. وبلغت عدّة تصانيفه زيادة على الثلاثين، فمن ذلك: - "البرهان المستقيم في تفسير القرآن العظيم".

стр. 1336

-و"التحفة المنيفة في الأحاديث الشريفة" (١)، وشرحها. -و"المذاهب فى اختلاف المذاهب". -و"التحرير في أنواع التعزير" (٢). -و"إجماع الجمهور على مذمّة شراب الخمور". -و"الإشارات في علم العبارات" (٣) في مجلَّدين ضخمين. -و"الكوكب المنير في أصول التعبير" (٤). -و"كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك" (٥) في مجلَّدين أيضًا، واختصره في نحو نصف حجمه، وسمّاه: -"زُبدة كشف الممالك" (٦). ثم اختصر الزُبْدة في مجلّد لطيف سمّاه: -"زُبدة الزُبدة" (٧). وكتاب "الإنشاء الشريف وما به من كل تليد وطريف" (٨).

стр. 1337

- و"الغاية في الطب". - و"المهمل في الغلط المستعمل" (١). - و"الذخيرة لوقت الحيرة" (٢). - و"ديوان خُطَب". - و"ديوان شِعر" في ثلاث مجلّدات. وعدّة رسائل وغير ذلك (٣) مما وقف عليه أكابر العلماء من الأعيان، وقرّظوا (٤) عليها. وله نظم غالبه الوسط وفيه الجيّد. وله كثير من المقاطيع الحسان، وبعض قصائد في مدح النبي ﵊، وفي مدح بعض الأكابر من الملوك والسلاطين، والأعيان من العلماء والرؤساء، على جهة التودّد إليهم والموافاة. - وخمَّس البُردة. - وخمّس بانت سعاد بين المصراعين، فمن ذلك في المطلع من تخميسه إياها قوله: بانت سعاد فقلبي اليوم مَتْبُولُ … وفيه شوقٌ إلى الأحباب موصولُ من وجْدهم في طوى الأحشاء مغلولُ … قد زاد حبّاً فلا يُذْهبه تحويلُ متيَّئم إثرها لم يعد مكبولُ على هذا النمط إلى آخرها. - وخمّس: يا من ترى مدّ البَعوض جناحَها. على هذا النمط أيضًا، أعني بين المصراعين. وهو وأنشدنيه وما قبله وما بعده مما أذكره عنه: يا من يرى مَدّ البعوض جناحَها … وعدْوها من وكرها ورَواجَها وهدوئِها (٥) بمَقِيلها ومراحها … وطنينها وأنينها وصياحها في ظُلمة الليل البهيم الأليلِ

стр. 1338

ويرى عروق نباضها (١) في نحرها … في هام غرود وغاية نكرها وهو العليم بحمدها وبشكرها … ويرى المفاصل والعظام بأسرها والمخ في تلك العظام النُحّل اغفِر لعبدٍ تاب عن فرطاته … وأَسالَ دمعاً جال في وجناته وتذكر الأهوال بعد وفاته … يرجو الرضا (٢) والعفو عن عثراته ما كان منه في الزمان الأولِ وله الكثير من نحو هذه التخاميس، من ذلك تخميس أبيات السُهَيلي (٣) التي أولها: يا من يرى ما في الضمير ويسمعُ وخمّس بيتي الطُغْرائي (٤) اللذَين أولهما: إذا ما لم تكن ملكاً مُطاعا … فكن عبداً لمالكه مطيعا ولم يحضُرني تخميسه لذلك الآن. ووقع بينه وبين الحافظ ابن (٥) حجر شيخ الإسلام وقاضي القضاة مطارحات، فمن ذلك ما كتبه للحافظ المذكور، وهو قوله:

стр. 1339

وقائلة: مَن في القُضاة جميعهِم … يُلازم تقوى الله طُرّاً بلا ضجر ويرأف في الأحكام بالخَلْق كلهمَ … ويدعو لهم في كلل ليلٍ إلى السَحَر؟ فقلت لها: فهو الإمام أُولي النُّهَى … وذاك الشهاب العقلانيُّ بني الحجر له كُتبٌ في كل فنّ لقارئ … وشرخ عجيبٌ للبخاريّ من الخبر وفي النحو والتصريف لم يُر مثلُهُ … كذا في المعاني والبيان وفي الأثر فكتب إليه الحافظ جوابًا له قوله، وأنشدنيه الوالد عنه، وناظمه أجازه: أيا غَرْسَ فضلٍ أثمر العِلم والنَّدَى … فللَّه ما أزكى وما أطيب الثمر يجود ويُنشئ بالغاً ما أراد … فمُستطلع دُرّ ومستنزل دُرَر لك الخير قد حرّكت بالنظم خاطراً … له مدّة في العمر ولّت وما شعر وقلَّدْت جيدي طوق نُعماك جائراً … فعالَا ونُطقًا صادق الخُبْر والخَبَر مناسبة اسمَينا خليل وأحمد … له أُسّ أُولي النظم الإمام الذي غَبَر وكتب إليه الوالد أيضاً، وأنشدنيه لنفسه: نسأل الله بمدحِ وغَزَلْ … عادل في الحكم ولّى وعزلْ أن يمتّعكم لعُمُرٍ لم يزَلْ … في حِمَى يقين ربّنا مما نزلْ فأجابه الحافظ المذكور على ذلك بقوله: أسال الرحمن لي … ولكم صَوناً وحفظاً من وجلْ أنت نِعم الودّ والخِلّ الأجَلّ … يا خليلَ الودِّ ما دام الأجَلْ وله مطارحة أخرى لم يحضُرني الآن ما قاله الوالد، وهو مُثبَت بديوانه، وقد مَلَكَه بعض من الناس بعد موته، فلم أظفر به، ولكنّني أستحضر ما أجابه به الحافظ عن ذلك على وزن ما قاله الوالد وقافيته، وهو قوله: يا أيّها الملكُ الذي لو قصّرتْ … عنّي يداه وقعتُ في الإعسارِ يامن كساني فضلُه من بعد أن … كانت ملابيسي على عواري أهلاً بوارده على بُعد المدى … يروي حديثَ عُلاك عن بشار لما حلفت بأن تمر يد الندى … أبصرتْ من تلك اليمين يسار فاسلَم ودُم وتَرَقّ وابق على المدى … غيظ العدى وبرّة الأنصار إنّ الخليل له بأحمد نسبته … شاعت بها الركبان في الأمصار وغير ذلك من المطارحات بينه وبين جماعة من الشعراء وغيرهم.

стр. 1340

وقد امتُدح صاحب الترجمة من جماعة من أكابر العلماء الأعيان من أهل النظْم في ذلك الزمان، منهم الحافظ ابن (١) حجر على ما وقفت على ما قاله، ومما قاله أيضاً قوله: يا مليك الأمراء العالمين … بعلومٍ شُهرت في العالَمين مرحباً إذ جئت مصراً مرحبا … ادخلوها بسلامٍ آمِنين وقد قدّمنا ذكر ذَين البيتين في متجدّدات سنة سبع وأربعين، وما وقع حين بعثهما، ومنهم القاضي الإمام العلامة، الرئيس، الكامل، كمال الدين ابن (٢) البارزي كاتب السرّ، ﵀، فممّا قاله فيه هذا: بالسيف والقلم افتخرتَ على الورى … يا سيّد الأمراء والوزراءِ لا زلت في درج العُلى متنقّلاً … حتى لقد جاوزت للجوزاء فلأنت حقّاً ما خطبت لرُتبة … إلّا وكنت لها من الأكفاء إنّي على حُسن المودّة باقي … ما حُلّ بالإبعاد عقْدُ ولاء وعهودُكم في خاطري محفوظةٌ … مترقبٌ وقتَ تُجيب (٣) نداء أرجو تمامَ الخيرِ في الدنيا لكم … واللَّهُ ربّي لا يخيبُ رجاء وممّا قاله فيه قاضي القضاة، العلّامة الشيخ، محبّ الدين، أبو الوليد ابن (٤) الشِحْنة (٥) الحنفي، وكنت أنشدته عن المذكور، بسماع الوالد إيّاه منه، ثم أنشدنيه

стр. 1341

المحبّ المذكور لنفسه في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، بمنزله بالقاهرة: أتانا من الغرس الزكيّ يانعُ الثمر … وجاد علينا البحرُ في البرّ بالقَطْر أبى (١) الفضلُ إلّا أن يكون لأهله … وأفضل حتى قلّ وصله شكري وقد أصبح العبدُ المحِب مقصّراً … وأرجو تمامَ الفضل أن تبسطوا عُذري لأنكم فُقْتُمُ (٢) الملوكَ بأسرها … وزدتُمُ على المجموع بالنظْم والنثر كان المحبّ هذا كتب به إلى الوالد من حلب إلى مَلَطْية، حيث كان الوالد نائباً بها، فصدّر به رسالةً مطوّلة، وكتب تحتها كلّها نثراً حسناً جيّداً جدًّا، بطول الشرح في استيفائه هاهنا، ونظم من غير مَن ذكرنا أيضاً، من جماعةٍ من الأعيان في مدحه يطول ذِكرهم، وناهيك له فخراً وشرقاً أن يمدحه مثلُ مَن ذكرنا من الأعيان الأكابر، وقصَدَه أيضًا الكثير من الشعراء في عصره، وامتدحوه بمدائح كثيرة وقصائد طنّانة. فممّن مدحه ابن (٣) شرف الماردِيني، والشهاب الحجازي (٤)،

стр. 1342

وابن (١) الزيرباج، وآخرون (٢) من كثير من مشاهير الشعراء العصريين، ولولا الخوف من الإطناب لذكرت بعضاً مما قالوه فيه من المدائح. وقد جمع الشيخ الإمام العالم، الفاضل، شمس الدين، محمد بن عبد المحسن السكندري (٣) كتاباً ضخمًا في سيرة الوالد، وسمّاه "الدُرَر السنيّة في المحاسن الغرسية" أتى فيه بأشياء كثيرة. وجُمعت له سيرة أخرى لبعض أهل الفضل، سمّاه "الرياض القُدسيّة في المحاسن الغرسيّة"، وجمع الشيخ إبراهيم بن عبد الرزاق (٤) له أيضاً كتاباً، فيه ما امتدُح به من القصائد. وُلد لصاحب الترجمة من الأولاد زيادة على الأربعين، وتزوّج من النساء زيادة على العشرين، وتَسَرَّى من الإماء زيادة على الثلاثين، ومَلَك من المماليك نحو المائتين. وكان يعتق البعض من مماليكه فيزوّجه لبعض من سراريه وأُمّهات أولاده بعد عتقهنّ، بحيث صار الكثير من أولاد مماليكه إخوةَ لأولاده من الأمّهات. وكاتَبَه عدّة من أكابر ملوك الإسلام غير سلاطين مصر، مثل ابن (٥) عثمان مرادبك (٦)، ومثل ابن (٧) قَرَمان (٨) الأمير إبراهيم، ومثل صاحب الحصن الكامل خليل، وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة خليل المذكور.

стр. 1343

وله من الآثار المسجد الذي أنشأه بطرابلس (١)، والمدفن، والدار، والمقعد المعظم الذي أنشأه بدار سعادة ثغر الإسكندرية، وتربة بمدينة سيّدنا الخليل. وهذا ما حضرنا من ترجمته على سبيل الاختصار والاقتصار، ولو استقصينا محاسنه وأحواله وجزئيات أموره لاحتجنا إلى عدّة مجلّدات، وكان آخر شأنه أنه مات تاركلأ للدنيا، مُنجمِعاً عنها وعن بنيها والكثير من أهلها، مع عدم الالتفات إليهم بالكلّية، ملازماً لداره بطرابلس على خيرٍ كثير كما قلناه، مقبلاً على شأنه من غير أن يتناول شيئاً من متعلّقات السلطنة، من سنة إحدى وسبعين إلى هذه السنة، وفعل الكثير من البرّ والخير، وشرى عدّة أماكن فوقفها، وتصدّق بصدقات كثيرة في حال صحبته ومرضه إلى أن تمرّض بالبطن، ومات شهيداً كما ذكرناه في التاريخ الذي بيّنّاه، وكان كفنه مهيّاً عنده من عدّة (٢) سنين، تغمّده الله برحمته، وجمع بيننا وبينه بجنّته دار كرامته. وترك من الورّاث ستة ذكور أنا منهم، وابنة، وثلاث زوجات، منهنّ الست فاختة إبنة الشيخ شمس الدين الحنفي (٣)، الآتية في محلّها إن شاء الله تعالى. ٤٨٧ - خير بك (٤) الأشرفي، (اليوسفي) (٥). أحد مقدَّمين (٦) الألوف بدمشق، المعروف بالبهلوان. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وأُمّر عشرة في دولة الأشرف إينال، ثم لما تسلطن الظاهر خُشقدم أخرجه منفيّاً إلى البلاد الشامية ووقع له أمور، وآل الأمر بعد ذلك أن صُيّر من مقدَّمين (٧) الألوف بدمشق.

стр. 1344

ولما تسلطن الأشرف قايتباي حضر إلى القاهرة، واتفق أن صعِد القلعة والسلطان متغيّر الخاطر على شخص قد غضب عليه وأمر بنفيه، فلما وقع بصره على خيربك هذا أمره بأن يعود هو أيضاً من حيث جاء، فعاد إلى دمشق، وبقي بها إلى أن خرج في التجريدة هذه، المذكورة في هذه السنة إلى شاه سوار مع العسكر الشامي. فلما كانت الكائنة التي قبض فيها على مال (١) باي أخي (٢) شاه سوار الماضية في محلّها من المتجدّدات، اتفق قتْل خيربك هذا فيها فى شهر شوال. وهو في عزّ الستين، أو لعلّه أكملها (أو زاد) (٣). وكان إنساناً حسناً، شجاعًا، عارفاً بالفروسية وأنواع الأنداب والتعاليم، رأساً في الصراع، لا بأس به. وهو صهر الأتابك جرِباش على ابنته الست فَرَج التي عمل عرسها، وقبل أن تُزفّ إليه ماتت أختها، فانقلب الفرح عزاءً على ما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم، ولم يبْن بها. وهي باقية إلى يومنا هذا على بكارتها. ٤٨٨ - دَمرداش السيفي (٤)، تغري بردي المؤذي، (الظاهري) (٥). نائب قلعة حلب. كان من مماليك تغري بردي البَكْلَمُشي الدوادار الكبير، المعروف بالمؤذي (٦)، الماضية ترجمته، واتصل بخدمة الظاهر خُشقدم في أيام إمرته قبل توجّهه إلى دمشق.

стр. 1345

وكان جميل الصورة جدّاً، فرقّاه إلى خازنداريّته، ثم صيّره دواداره بدمشق. ثم لما قدم القاهرة وصُيّر حاجب الحجّاب بها دام دمرداش هذا على دواداريته كما كان، وكان إليه زمام داره، والنهي والأمر، وإليه المرجع فيها. ثم لما تسلطن اختص به أيضاً وقرّبه وأدناه، لكنه تأخّر عن الترقّي بسبب رمدٍ كان قد حصل له. فأضرّ به ودام به مدّة، حتى أشفى فيه على العماء (١)، وانكسر بعينه، فتأخر عن الترقّي بسبب ذلك، وإلّا لكان له شأن. وكان الظاهر يتأسّف عليه لذلك. ولما مات كمشبُغا السيفي يخشباي نائب قلعة حلب، وكان وليها بعناية دمرداش هذا، وبسعيه له عند الظاهر، طلبه الظاهر فولّاها له، فتوجّه إليها، وباشرها مباشرة حسنة، ولم يزل بها إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فصرفه عنها ودام بطّالاً بحلب. حتى توفي بها، أظنّ في هذه السنة. وكان إنساناً حسناً، كيّساً، أدوباً، لا بأس به. ٤٨٩ - دَولات باي الجمالي (٢)، الظاهري. رأس نوبة الجمدارية. كان من خواصّ مماليك الظاهر جقمق ومن خاصكيّته المقرَّبين إليه، وصُيّر (نائب) (٣) رأس نوبة الجَمْدارية في دولة الأشرف إينال، ووقع بسبب توليته لهذه النيابة ما قدّمنا ذِكره في ترجمة جانِبَاي الخشِن (٤)، بل وما قدّمناه في محلّه من المتجذدات في بعض سِنيّ دولة الأشرف إينال من قيام جانِبَاي، وتكلُّمه بكلمات كثيرة، واستشاطته بالحوش في الملأ (٥) العام، بما يُغني عن مزيد إعادته. ودام دَولات باي هذا على هذه الوظيفة إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فجعله رأس نوبة الجمدارية، ولا زال على ذلك حتى بغَتَه الأجل. وكان إنساناً حسناً في ذاته، متجمّلاً في سائر شؤونه (٦) مع عصبية وشجاعة، لكنه كان متعاظمًا، وعنده بعض إسراف على نفسه، سامحنا الله تعالى وإيّاه.

стр. 1346

توفي في هذه السنة. ٤٩٠ - دَولات باي من ضيف الله (١) الأشرفي، الخاصكي. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصُيّر خاصكيّاً في دولة ولده العزيز يوسف ودام على ذلك مدّة مطوّلة، ثم لما تسلطن الأشرف قايتباي عيّنه في جملة الجند إلى سوار، فخرج صحبة قرقماس الجَلَب، وكان أجَلُه هناك. وكان إنساناً حسناً من أعيان الخاصكية الأغوات، ساكناً عاقلاً، أدوباً، حشماً، خيّراً، ديّناً، عارفاً بالفنون والملاعيب، وترشّح للإمرة، ولو عاد من التجريدة سالماً لأمّره. توفي قتيلاً في ذي الحجة. ٤٩١ - • وترك ولده صاحبنا الناصري محمد (٢)، وهو إنسان حسن، حشم كأبيه، بل وأربى عليه في الخصال الحميدة. ولد بالقاهرة في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. وبها نشأ على خير، وقرأ القرآن وشيئاً غيره، وحضر بعض دروس أهل العلم، وتعلّم الآداب والأنداب، مع المحبّة في أهل العلم والفقراء والصالحين وأهل الخير، ويميل إليها، ومخالطتهم بحسن سمت وتؤدة، وكثرة حياء، وبشاشة وجه، وطلاقة مُحيّا، وتواضح، وحُسن سيرة، أعانه الله تعالى. ٤٩٢ - زين العابدين بن يحيى (٣) بن محمد بن محمد بن المُنَاوى، القاهري، الشافعي. الشيخ الإمام، العالم، العامل، البارع، الكامل، أبو السعادات، واسمه محمد أيضاً، ابن (٤) قاضي القضاة الإمام شيخ الإسلام، الشرف المُنَاوي. وقد عرفت ترجمته فيما تقدم في تراجم سنة إحدى وسبعين، وعرفتَ بقيّة نسبه أيضاً.

стр. 1347

ولد صاحب الترجمة في سنة تسع وعشرين وثمانمائة بالقاهرة، وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم وعدّة متون، واشتغل فأخذ عن جماعة، منهم أبوه (١)، وناهيك به، وسمع الحديث عليه وعلى آخرين، ودأَب واجتهد حتى مهر ونبغ. وكان نائب أبيه في حين قضائه، وإليه المرجع في أموره. وألّف وصنّف، فكتب قطعة جيّدة على "مختصر المُزَني" (٢) من الصلاة إلى المحلّ الذي كان قد وقف والده عليه في إلقاء الدرس بالصلاحية المجاورة للإمام الشافعي، وكان ولده هذا قد استقرّ فيها بعد موت والده، وأجاد إلقاء الدروس بها وقرأ (٣) قطعته هذه بها. وكان فاضلاً عالماً، عاملاً، صالحاً، خيّراً، ديّناً، نحواً من أبيه، بل فاقه في أشياء غير الأمور العلمية، مع مشاركته أباه في العلم أيضاً. وكان حَسَن السمت، وعنده تؤدة وحشمة وتواضع. توفي في ليلة الأربعاء سابع شوال، وصُلّي عليه في ضحوة يوم الخميس بجامع المارداني، وكانت جنازته حافلة جدّاً، ودُفن عند والده بتربتهم بالقرب من الإمام الشافعي، ﵁. وكثر تأسّف الناس عليه. ٤٩٣ - ستّ الجركس (٤). ابنة السلطان الأشرف قايتباي. تقدّم في المتجدّدات موتها، وأنها كانت من زوجته الموجودة الآن الخَوَنْد فاطمة ابنة العلائي ابن (٥) خَصبك، وأنها كانت في السادسة من العمر، وأنها دُفنت بتربة أبيها. ٤٩٤ - سرور الطربائي (٦)، الحبشي. الطواشي زين الدين، شيخ الخدّام بالحرم الشريف النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام.

стр. 1348

(ذكر بعضهم أنه) (١) كان عتيقاً لشخص من الأجناد يسمّى طَرَباي بن طرباي الأتابك نائب طرابلس، (والظاهر أنه تولّى خدم طراباي ......... … ) (٢)، واتصل بخدمة الأشرف برسباي، وتنقّل بعد ذلك حتى وُلّي مشيخة الخدم النبوي المشار إليه، فحُمدت فيه سيرته، وظهر دينه وخيره، ودام على هذه الوظيفة عدّة سنين حتى كبر سنُّه وشاخ، وبَغَتَه أجله على ما هو عليه. وكان خيّراً ديّناً، بشوشاً، حسن السمت والملتقى، كثير الأدب والحشمة. وقد ترجمه الجمال ابن (٣) تغري بردي في تاريخه الحوادث (٤)، وقال في ترجمته: وقد كنت أعرف منه الخير والدين، غير أنه مات لوالدتي خادم حبشي من خدّام الحرم الشريف، وذكر الخادم في وصيّته ما عليه من الديون، وأن له عند سرور هذا مائة دينار قرضة حسنة، فأنكر سرور ذلك وقال: ما له عندي شيء. وكان الخادم غير كذوب، لا سيما الشخص يريد عند موته خلاص ذمّته، فكيف يدّعي بما ليس له؟ هذا ما قاله عنه، وما عرفت حقيقة الحال في ذلك، فإن سرور هذا كان من أهل الخير والديانة فيما عرفناه عنه، وعلى ما ذكره عنه يوسف أيضاً. وتوفي سرور هذا بالمدينة الشريفة على وظيفته في يوم الخميس العشرين من صفر، وبها دُفن، هنيئًا له. ٤٩٥ - سُودُون الظاهري (٥). نائب دِمياط. كان من أعيان مماليك الظاهر خُشقدم ومن خاصكيّته المختص به. ولّاه نيابة ثغر دمياط (٦) في أواخر دولته. وكان شاباً حسنًا، متجمّلاً في سائر شؤونه (٧)، عاقلاً، عارفاً، مدبّراً، سيوساً (٨)، عارفاً بأنواع الفروسية.

стр. 1349

توفي في هذه السنة بدمياط، أظنّ على نيابتها، ووُلّي بعده دمياط -فيما أظنّ أيضاً- جانِبَك الفقيه الأشرفي إينال (١)، واللَّه أعلم. ٤٩٦ - سودون القَصْروي (٢). رأس نوبة النُوَب. كان من مماليك قَصْروه نائب الشام، وترجمته مشهورة، وكان مملوكه هذا من خواصّ مماليكه، وصيّره دواداره، واتصل فعله بديوان الجند السلطاني، وصُيّر خاصكيّاً، ثم صُيّر من الدوادارية في دولة الأشرف إينال، ودام على ذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة، ودام كذلك (إلى أن صُيّر نائب القلعة، واستمر حتى) (٣) سلطنة الظاهر يَلباي، فصيّره من مقدَّمين (٤) الألوف ببذْل عشرة آلاف دينار أو نحوها، وهذه التقدمة هي التي كانت بيد قايتباي المحمودي، سلطان عصرنا الآن، وكان نُقل عنها إلى تقدمة أُزْبَك من طَطَخ. الأتابك بعصرنا أيضاً. ولم يزل سودون على هذه التقدمة مدّة يلباي والظاهر تمربُغا إلى أن تسلطن الأشرف قايتباي المذكور، فصيّره رأس نوبة النُوَب في سلطنته، عِوضاً عن نانَق بحكم قتْله في الأولى من تجاريد سوار من القاهرة، ثم عيّنه للخروج صحبة الأتابك أُزْبك وقرقماس الجَلَب، فخرج إليها، وبها كان أجله. وكان إنساناً حسنًا، له سبيل لفعل الخير، ومحبّة في ذلك، مع بخله وشحّه، وحبه في جمع المال، ومع ذلك كله فكان سمحاً بالصدقة، لا سيما على الفقراء والمساكين. ومن آثاره الجامع الذي أنشأه بالباطلية بالقرب من دار سكنه، وبه خطبه، وهو نافع في محلّه. وكان خيراً، ديِّناً، مواظباً على الصلوات مع الجماعات، ولما خرج في ما عُيّن له من التجريدة وهو رأس نوبة النُوَب، خرج إليها بغير تطليب كعادة الأمراء من التطليب، فأخذ الناس في لهجهم بأنه لا يعود وأنه يُكسر، فكان كذلك. توفي جريحاً في ذي الحجة بعد أن كانت الكائنة التي قُتل فيها قرقماس،

стр. 1350

واتفق أن جُرح سودون هذا فيها، وحُمل جرحاً إلى قرب حلب، ولما مات أُحضر إليها فدُفن بها وهو في عشر الثمانين. ٤٩٧ - (شادبك الحمزاوى (١). أحد الأمراء بدمشق. رأيت بخط بعض الناس أنه توفي في كائنة سوار، ولا عِلم عندي غير ما ذكرته) (٢). ٤٩٨ - شادبك المحمدي (٣)، الأشرفي. نائب مَلَطْية، المعروف ببُشُق (٤). كان من صغار مماليك الأشرف بَرسْباي، وأُخرج بعده منفيّاً إلى البلاد الشامية، وتنقّل فيها في عدّة إمرات إلى أن كان من جملة الطبلخانات بدمشق في دولة الأشرف إينال، وهي الطبلخاناة التي قُرّر فيها الوالد في سنة أربع وستين، على ما تقدّم في ذكرنا بعث السواقة إلى الأشرف في سنة أربع المذكورة، وكان قد أخرج شادبك هذا من هذه الإمرة اثنتين (٥) من قراها، يقالً لهما بيت إيما ويعفور جُعلتا رزقه باسمه، والحال أنهما عين الإمرة المذكورة. ولما قدم الوالد إلى دمشق ووجد الإمرة كذلك قد أخرج منها ما ذكرناه من القريتين، كلّمه الكثير من الأعيان، حتى نائب الشام في أن يعرّف السلطان بذلك، فلا أقلّ من أن يعوّضه السلطان عنهما بشيء، فراعى خاطر شادبك المذكور وقال: ربّما يكن ذلك سبباً لإخراجهما عنه، وأكون أنا السبب في ذلك بعد أن صارا له شرعاً، وحُمد على ذلك، وعرفها له شادبك، وكان يعظّمه جدًّا بعد ذلك زيادة عمّا كان، فإنه كان بينهما صحبة قبل ذلك. وانتقل شادبك هذا من ذلك الإقطاع إلى تقدمة ألف بدمشق، ثم إلى نيابة مَلَطية بعد ذلك، ثم تنقّل عدّة ولايات أيضاً بعد مَلَطْية، وأنا غائب بالمغرب، وتعطّل بين ذلك غير ما مرة ثم يعود، وآل أمره أن صُيّر من مقدَّمين (٦) الألوف

стр. 1351

بدمشق، وأضيفت إليه دوادارية السلطان بها، وخرج أميراً على الحاج بالمحمل الهاشمي وعاد. فتوفي في طريقه بالقرب من الكرَك في العشر الأوسط من محرّم. وقد تجاوز الخمسين. وكان حشمًا، أدوباً، فارساً، شجاعاً، حسن الشكل والهيئة، مشكور السيرة في ولاياته مع زُهُوٍ وإعجاب وعصبية. ٤٩٩ - شادبك الأشرفي (١). أحد العشرات، ثم أتابَك حماة المعروف باَص جنك من الناس. كان من مماليك الأشرف إينال، وصار خاصكيّاً بعده، ودام على ذلك إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فأمّره عشرة. ثم لما مات شادبك فرفور (٢) أتابك حماة، قرّره عِوضه، وخرج في نوبة سوار التي قُتل فيها قرقماس. وتوفي بها قتيلاً في ذي الحجة. وكان من المهمَلين. ٥٠٠ - شاهين الفارسي (٣)، الظاهري. الطواشي شجاع الدين، الروميّ الجنس، رأس نَوبة (السُقاة) (٤)، المعروف بغزالي. كان من خدّام فارس (٥) نائب قلعة دمشق الماضي ذكره، ولما توجّه جَرِباش المحمدي المعروف بكُرْد في بعض الأشغال، في البلاد الشامية، في سنة ثلاثٍ وأربعين رأى شاهين هذا وهو عند فارس، فدُهش لحسن صورته وجماله، وأعجبه جدّاً، فلما عاد إلى القاهرة ذكره عند الظاهر جقمق، فبعث إلى فارس المذكور فطلبه منه، فجهّزه فارس إليه مع تقدمة أخرى معه، فأجرى الظاهر عتْقه عليه،

стр. 1352

وجعله خازناً، ثم ساقياً، وعظُم قدره، وشُهر في المملكة والدولة، وقصده الناس في بعض المهمّات، فأنهاها عند السلطان، وصار السلطان يعتني به، ويعيّنه في مهمّات سلطانية، إلى غير ما جهة، وأثرى من ذلك، وحصّل المال الطائل، ودام على ذلك إلى أن مات الظاهر، وآل المُلك إلى الأشرف إينال، فقرّبه أيضاً وأدناه، وعيّنه في غير ما مهمّ، من ذلك ضبط تركة زوجة قانباي الحمزاوي، وحصل له من ذلك المال الطائل. ولما تسلطن الظاهر خُشقَدم صيّره رأس نوبة السقاة، بعد صرف خُشداشه الطواشي زين الدين خُشقدم الأحمدي (١)، الذي توزّر بعد ذلك، الموجود الآن الماضي ذكره. ولم يزل على ذلك حتى تسلطن خُشداشه الأشرف قايتباي، فنال منه بعض تخوّف على نفسه منه في الباطن لأمرٍ ما (٢)، فتمرّض مدّة. وكان في ذلك فراغُ أجلِه. وكان شاهين هذا من أبناء جنسه وجهاً، وأوفرهم جمالاً، وأطولهم قامة واعتدالاً، وضيء الصورة جدًا، بارع الحسن، ذا وضاءة، ولذلك لقّب بغزالي، كأنه نسب إلى الغزال في حسنه، وافتتن به الكثير من النساء، بل والرجال. وله في ذلك أمور تطول حتى استفيض عن الخَوَنْد ابنة جرباش الافتتان به، واللَّه أعلم بذلك. وكان حسن اللفظ والنُطق، وافر الأدب والحشمة، ذا معرفة وخبرة وفصاحة وذكاء وفطنة وفَهم ويقظة، وعنده سكون وتؤدة، وحُسن سمت، وجودة معاشرة، وحلاوة معارضة، وكان ينقد الشعر وفروقه، وقصده عدّة من الشعراء وامتدحوه. وللاخ أبي الفضل في مدحه قصيدة طويلة أستحضر منها قوله في براعة مخلعها: فلم أرطائراً (٣) في الجوّ يشبهها … إلّا الأمير شجاع (٤) الدين شاهينا وبالجملة فكان من نوادر الخدّام، وكان مسرفاً على نفسه، منهمكاً في لذّاتها، عفا الله عنه. توفي في ليلة السبت ثامن جمادى الأولى، ودُفن في غده بعد أن جُهّزَ وأُحضرت جنازته إلى مصلّى سبيل المؤمني، وحضرها السلطان وصلّى عليه.

стр. 1353

واستقرّ في وظيفته بعده بعد مدّة مطوّلة خُشقدم الأحمدي الذي تقدّم أنه أخذ هوعنه. ٥٠١ - طُقْطَمِش (١) المحمدي (٢)، الأشرفي. أحد الخمسات، المعروف بأميراخور. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصُيّر خاصكيّاً بعده، ودام كذلك حتى تسلطن الأشرف إينال، فصيّره من أعيان الأميراخورية، واستمر على ذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فأضاف إلى إقطاعه شيئاً من الأقاطيع، فصار فوق الخاصكية ودون العشرات، فلهذا قيل له "أمير خمسة". واستمرّ على ما هو عليه حتى تسلطن الأشرف قايتباي، فعيّنه للتجريدة، وبها بَغَتَه أجله. وتوفي قتيلاً في ذي الحجة من هذه السنة. وذكر بعضهم أنه مات في ذي القعدة من التي قبلها، واللَّه أعلم. وكان غير مشكور السّيرة، شِرّيراً. واسمه معناه بالتركي: "ثبت" أو "استقر" أو "دام". واستُعمل عَلَماً بعد ذلك. ٥٠٢ - عبد الرحمن الحمزاوي (٣). أحد الأمراء الطبْلخاناة بدمشق. لا يحضُرني الآن شيء (٤) من أحواله. نعم أعلم أنه كان من خواصّ قانباي الحمزاوي نائب الشام، وأنه تأمّر بعده بدمشق طبْلخاناه. وأنه توفي قتيلاً في كائنة سوار في ذي الحجة. ٥٠٣ - عبد القادر بن محمد بن () (٥) الوفائي (٦)، القاهري. المادح، الواعظ، المنشد، المطرب، زين الدين (٧).

стр. 1354

٥٠٤ - عطاء الله بن جامع (١). شيخ عربان بني هَلَبا. كان من المفسدين في الأرض ومن شرار الخلق. ولما خرج يشبُك من مهدي إلى الوجه القِبلي على ما تقدّم ذلك في المتجدّدات ظفر به، فسلخه هو وجماعة من أصحابه، وأغار على بني هَلبَا ونهبهم وبدّد شملهم، كما قد بيّنّا ذلك. ثم أسر نساءهم وذراريهم بواسطة شرور صاحب الترجمة، وحضر إلى القاهرة وقد حمل من نسائهم نحو الأربعمائة امرأة في عدّة مراكب، وقد عرفت ما جرى عليهنّ فيما قدّمناه، وما جرى بسببهنّ أيضاً على الناس بعد رجوع يشبُك، فلا نعيد ذلك. ٥٠٥ - علي بن إسكندر (٢) بن تمان تمر التركي الأصل، القاهري. الأمير علاء الدين، محتسب القاهرة، المعروف بابن الفَيْسي (٣). وهو كمشبُغا الفَيْسي، وكان زوجاً لعمّته، فرُبّي عنده وإليه نُسب. وكان جدّه تمان تمر (٤) من مماليك الأمير الكبير شيخو العُمري (٥) صاحب الخانقاه الشيخونية (٦). وأمّا أمّه فكانت تُسمّى ططر ابنة أسَنْبُغا، وكان من مماليك شيخو أيضاً. وكانت ططر هذه من ذرّية الشيخ أكمل الدين من جهة النساء، وكذا ولدها عليّ هذا.

стр. 1355

وولد بالقاهرة في سنة ٨٣١ وبها نشأ. وتنقّلت به الأحوال حتى وُلّي نقابة الجيش، ثم حسبة القاهرة بعناية أبي الخير النحاس، وجرى عليه مرة من العامّة ما لا خير فيه، وأرادوا قتله، ثم صُرف عن الحسبة، ووُلّي مرة ولاية القاهرة أيضاً وصرف. وله أخبار يطول الشرح في ذكرها، وكان له استحقاق في رزقة الشيخ أكمل الدين الحنفي التي أوقفها على جماعة الصوفية الحنفية بالخانقاة الشيخونية، وعلى جماعة الجامع الشيخوني والذرّية. وكان في كل قليل يقوم في ذلك ويخاصم مستحقّيها ومشايخ الخانقاة أيضاً، وجرت بينه وبين شيخنا الكافِيَجي بسبب ذلك أمور وعقود مجالس، يطول الشرح في ذكرها، ثم آل استحقاقه بعده لابنة له تركها اسمها فاطمة، وهي نحو (١) من أبيها في قيامها في كل قليل، وتسليط من تتزوّجه من الأتراك على مشايخ الخانقاة وجُباة الوقف المذكور، وحصول الضرر بسبب ذلك. وتوفي عليّ هذا وهو الحاجب الثالث بالقاهرة، على ما يغلب على ظنّي في هذه الحجوبية أنها الثالثة. وكانت وفاته في هذه السنة. ٥٠٦ - علي السمرقندي (٢)، الحنفي. نزيل البردبكية برحبة الأيدمُري. كان شاباً حسناً، فاضلًا، ذكيّاً، قدم من بلاده (٣)، بعد أن قرأ (٤) بها، وفضل، واشتغل، ثم لازم بالقاهرة العلاء الحصني في كثير من الفنون، وأخذ عنه كثيراً، وكان قد أنزله بمدرسة بُرْدُبَك الدوادار، التي كانت بيد العلاء المذكور، وبها يُلقي الدرس، ولم يزل بها. حتى توفي بها في هذه السنة بالطاعون، أظنّ في شهر رمضان. ولم يبلغ الأربعين. ٥٠٧ - عيسى بن سليمان (٥) بن خَلَف الطُنُوبي (٦)، القاهري، الشافعي.

стр. 1356

الشيخ الإمام، العالم الفضل، القاضي شرف الدين. ولد في نصف ذي الحجّة سنة إحدى وثمانمائة. وحفظ القرآن العظيم بالقاهرة، ثم اشتغل بالعلم فأخذه عن جماعة، وسمع الحديث وتميّز وشُهر، وذُكر، وناب في الحكم عن الحافظ ابن (١) حجر، ثم انضمّ إلى المقام الناصري محمد ولد الظاهر جقمق وانتمى إليه، وحسُنت حاله بواسطة معرفته إيّاه، وآل به الأمر أن تمرّض بعلّة الاسترخاء، ودام ذلك به نحواَ من ثمان سنين حتى أضرّ ذلك بحاله، فإنه اختلط بسبب ذلك، وكان سبب هذا المرض أنه سقط به سُلَّم كان عليه، وانقطع من لحيته بدرجه، وكان ذلك في سنة ستّ وستين، فتضعضع حاله وطال به المرض، وبيعت كتبه وأمتعة كانت له في نفقته، ودام على ذلك. حتى توفي يوم الأربعاء ثاني عشر صفر، بعد أن قاسى الكثير من الشدائد، وللَّه الأمر. ٥٠٨ - فارس البكتُمري (٢)، الأشرفي. أحد العشرات. كان من مماليك الأمير بَكْتَمُر السعدي (٣)، وهو مشهور الترجمة، وهو الذي أعتقه، ثم اتصل بعده بخدمة إينال العلائي في حال إمرته. ووهِم من قال: ملكه إينال بعد بكتمر، ولما وُلّي إينال الأتابكية، وأمّر الظاهر جقمق ولد الأتابك هذا الشهاب أحمد عشرة جعله والده دواداره، ودام على ذلك حتى تسلطن إينال فصيّره من الدوادارية الصغار، ودام على ذلك وهو مختص بالشهابي أحمد بن إينال. ولما تسلطن الظاهر خُشقدم امتحنه وأخرج عنه دواداريته، ولزم داره مدّة إلى أن تسلطن الأشرف قايتباي، فأمّره عشرة، وعيّنه في التجريدة صحبة الأتابك أُزبك قرقماس الجَلَب، مع جملة العشرات الذين عيّنهم.

стр. 1357

فاتفق أن توفي قتيلاً في المعركة في ذي الحجة. وله زيادة على الستين سنة. وكان حشماً متواضعًا، لا بأس به. ٥٠٩ - (فارس التُنُمي (١). أحد الأمراء بدمشق. كان خازنداراً لتُنُم من عبد الرزاق (٢) نائب الشام، وصُيّر بعده من أمراء دمشق. وتوفي قتيلاً في كائنة سوار. كذا رأيته بخط بعض الناس) (٣). ٥١٠ - فاطمة ابنة إينال (٤). الخَوَنْد ابنة السلطان الأشرف، وزوج الأمير يونس الدوادار، وأخت السلطان المؤيَّد أحمد وشقيقته من أبيه وأمّه الخَوَنْد زينب الخاصكية الآتية في محلّها، والمذكورة غير ما مرة في غير ما موضع من تاريخنا هذا، قد ذكرنا كيفية تزويجها بيونس الدوادار، وهي بكر في أوائل سلطنة أبيها، وكيف جهّزها الجمال يوسف ابن كاتب جَكَم، ووليمة عرسها كيف كانت على ما عرفته. وكانت فاطمة هذه هي الصغرى عن أختها بدريّة زوجة بُرْدُبَك، فإنها كانت الكبرى، ولا زالت فاطمة هذه تحت يونس حتى مات عنها كما تقدّم. ودامت عزباء، ولما تحزك أخوها المؤيّد أحمد لخِتان ولده بثغر الإسكندرية، بعث يستقدم أمّه الخَوَنْد زينب، فاستصحبتها معها. ولما دخلتا الثغر مات من تَوَجَّهتا لأجل ختانه بالطاعون. ثم بعد أيام ماتت فاطمة هذه أيضاً بالطاعون. وكان سِنّها يوم ماتت نحواً من تسعٍ وعشرين سنة. وحُملت رِمّتها إلى القاهرة، ووصلت إليها في يوم السبت تاسع عشرين صفر من هذه السنة، وأُحضرت جنازتها لمصلَّى المؤمني بالبشخاناة (٥) مُسجّاة عليها،

стр. 1358

ونزل السلطان فحضر الصلاة عليها، وحُملت إلى تربة أبيها فدُفنت بها. ٥١١ - قاسم بن عبد الرحمن (١) بن محمد بن علي بن أحمد الربعيّ الأصل، القاهري، الشافعي. زين الدين، المعروف بابن الكُوَيك. ولد بالقاهرة سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، ثم "العُمدة" و"المنهاج"، وعرض على جماعة من أعيان عصره ذلك، واشتغل شيئاً، وحج، وسافر إلى ثغر الإسكندرية، وتعانى القبانة والخياطة، وكان يرتزق منهما، مع المواظبة على تلاوة القرآن. وكان إنساناً حسناً، مباركًا جدّاً. توفي في شعبان. وقد جاوز التسعين. ٥١٢ - قانِباي الأحمدي (٢)، الأشرفي. أحد العشرات ورؤوس (٣) النُوَب، المعروف بالأعمش. وهو غير قانباي الأعمش نائب القلعة. كان صاحب الترجمة من مماليك الأشرف إينال، ونُفي بعد موته، وخُلع ولد أستاذه أحمد، ودام مَنفيًّا إلى أن مات الظاهر خُشقدم، فحضر إلى القاهرة. ولما تسلطن الأشرف قايتباي أمّره عشرة، ثم صيّره من رؤوس (٤) النُوَب وعيّنه في جملة من عيّن من العشرات إلى شاه سوار في نَوبة الأتابك (جانِبَك قُلقسيز) (٥) فخرج إليها، ثم عاد بعد الكسرة، ولما بلغ إلى مدينة غزّة بَغَتَه الأجل.

стр. 1359

(وتوفي) (١) بالطاعون بالقرب منها في شعبان. وكان إنساناً حسناً، ساكنًا. ٥١٣ - قانِباي الحَسَني (٢)، الأشرفي. أحد العشرات، ووالي القاهرة. كان من مماليك الأشرف إينال، ونُفي بعده في دولة الظاهر خُشقدم، وتنقّلت به الأحوال إلى أن تسلطن الأشرف قايتباي فأمّره عشرة، ثم ولّاه ولاية القاهرة بعد أصباي البوّاب الماضي ذِكره، وباشرها مباشرة سيّئة، لكنّني حمدته في الكائنة التي أحضره فيها إبراهيم بن الكرَكي الإمام للخانقاة الشيخونية، لما فُتحت خلوته، وقد تقدّمت برُمّتها، فإنّ قانباي هذا لما توجّه بجماعة الخانقاة إلى داره، وباتوا في توكيله ليلة اعتذر إليهم بانه ما فعل ذلك من اختيار نفسه، وأنه مأمور. ثم أصبح فكلّم ابن (٣) المكوكي في أمرهم وقال: إن بهؤلاء أهل العلم والصُلحاء، ولَطَفَ بقضيتهم، فَحَمَدْتُه على ذلك. ولم تطُل مدّة قانِباي هذا في الولاية. حتى توفي بالطاعون في ليلة الخميس سادس عشر شهر رمضان، وأُحضرت جنازته لمُصَلَّى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضرها في بكرة يوم الخميس. واستقرّ في الولاية بعده خُشداشه يشبُك من حيدر الذي هو عليها إلى الآن، الماضي ذِكره. ٥١٤ - قان بَرْدي الإبراهيمي (٤)، الأشرفي. أحد مقدَّمين (٥) الألوف بمصر. كان من مماليك الأشرف إينال، ممن ملكه الأشرف المذكور من كتابية الظاهر جقمق، وأجرى الأشرف إينال عتقه عليه، ثم صيّره من الخاصكية فاختصّ به وأدناه، ثم صيّره من جملة الدوادارية، وبقي ممن له ذِكر وشُهرة في دولته، ومن ذوي الشرور والظلم والعسف والفِتن التي يعرف بها كل أحد، ودام على ذلك إلى موت أستاذه، فامتُحن بعده ونُفي وسُجن، ثم أُطلق وبقي بالبلاد الشامية مدّة. ولما مات الظاهر خُشقدم حضر إلى القاهرة في سلطنة الظاهر تمربُغا مقتحماً

стр. 1360

على الرئاسة، فلم يلتفت إليه الظاهر تمربُغا، ولهذا كان أشدّ العشرة عليه، وممّن تسلّط على الأتابك قايتباي، وحسّن له السلطنة، وكان من أكبر القائمين معه والمداخلين له في ذلك. فلما تسلطن قايتباي أمّره عشرة، ثم صيّره دوادارًا ثانياً عِوضاً عن كَسْباي، على ما تقدّم ذِكر ذلك في محلّه، ووُلّيها من غير سبْق رئاسة قبل ذلك توجب ذلك، فباشر الدوادارية مدّة شهور، ثم رقّاه إلى تقدمة ألف في أسرع وقت وأقربه، وسكن بالدار الذي (١) بقرب جامع سُنقُر، وأخذ في أثناء ذلك في إنشاء تربة هائلة بالصحراء خارج الريدانية، وهي تُعرف به الآن، واجتهد في إنشائها بالظلم والعسف الشديد، وقطع مصانعة العمال وضربهم، واستعمال البعض منهم بغير أجرة، فاتفق أن أخذه الله تعالى قبل تمام ذلك، وأراح منه ومن ظلمه وعسفه وجَوره الخارج بذلك عن الحدّ. وكان شكلاً حسناً، وعنده شهامة نفس وتجمّل وفروسية، مع تكبُّر وجبروت زائد. توفي في يوم الجمعة سادس شوال في أواخر الطاعون. وقد جاوز الثلاثين سنة. وجُهّز وأُحضرت جنازته لمُصَلَّى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه، وحُمل إلى تربته التي أنشأها بالظلم فدُفن بها. ٥١٥ - قانصوه الجُلُبّاني (٢). أحد الأمراء الطبْلخاناة بدمشق، والحاجب الثاني بها، المعروف بنائب بَعْلَبَكّ. كان من مماليك جُلُبّان نائب الشام الماضي ذِكره، وكان وُلّي نيابة بَعْلَبَكّ في أيام أستاذه فيما أظنّ، وتنقّلت به الأحوال بعده حتى وُلّي الحجوبية الثانية بدمشق على إمرة طبْلخاناة بها. وخرج في جملة العسكر الشامي. وتوفي قتيلاً في ذي الحجّة في نَوبة قرقماس الجَلَب. ويقال إنه كان لا بأس به. ٥١٦ - قانَم الأشرفي (٣). أحد مقدّمين (٤) الألوف بحلب، ودوادار السلطان بها، المعروف بطاز.

стр. 1361

كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، ومن صغار خاصكيته، ودام خاصكيّاً مدّة إلى أن تسلطن المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، فقرّبه وأدناه، وأقطعه حصّة جيّدة بجيبين القصر، وصار من أعيان الخاصكية الثقال، فجازاه على ذلك بأن كان في حزب الأتابك إينال لما وثب عليه وخلعه وتسلطن. ولما تسلطن -أعني الأشرف إينال- أمّره عشرة، وصيّره من رؤوس (١) النُوَب، ولم يزل على ذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فأمّره طبْلخاناة، وصيّره خازنداراً كبيراً، ثم قبض عليه في جملة من قبض عليه من خُشداشيه الأشرفية بالقصر، وسُجن مدّة، ثم أُخرج إلى البلاد الشامية، وآل أمره أن قُرّر في جملة مقدّمين (٢) الألوف بحلب ودوادارية السلطان بها، وخرج مع من خرج لقتال شاه سوار في نوبة الأتابك جانِبَك قُلَقْسيز، فقبض عليه هو والأتابك المذكور في يوم الوقعة الماضي ذِكرها، وسُجنا معاً. وكان قد قرّر عليه شاه سوار مبلغاً لفدائه، فما أذِن السلطان بأن يبعث إليه ذلك. فاتفق أن توفي في سجن سوار في ربيع الأول. وهو في الستين من العمر، أو أكملها. وكان موصوفًا بشجاعة وإقدام ومعرفة بالفروسية، مع تديّن، بطَيش وخفّة، وشُحّ زائد، وتكبُّر، وسوء أخلاق. ٥١٧ - قانَم اليوسُفي (٣)، الظاهري. أحد العشرات ورؤوس (٤) النُوَب، المعروف بنَبْصا (٥). كان من مماليك الظاهر جقمق، وصار خاصكيّاً في دولة الظاهر خُشقدم. ولما تسلطن الأشرف قايتباي خُشداشه أمّره عشرة، وخرج إلى تجريدة شاه سوار في نوبة الأتابك أُزبَك. وبها توفي قتيلاً في يوم الوقعة في ذي الحجّة. قال الجمال ابن (٦) تغري بردي في ترجمته: وكان من الأشرار.

стр. 1362

وأما أنا فلا أعرفه. و"نبصا" معناه بالجركسية واسع العين. ٥١٨ - قايت الظاهري (١). أحد العشارات، ورؤوس (٢) النُوَب، المعروف بالبوّاب، وبالأجرود أيضًا. وربّما عُرف بالأبرص. كان من أعيان مماليك الظاهر خُشقدم، ومن خواصّ خاصكيّته، ثم صيّره بوّابًا، وصار له ذِكر في دولته وشهرة، وقُصد لمهمّات فأنهاها عند أستاذه، ثم اعتراه بياض فاغتمّ أستاذه بسببه، فقام إنسان من الأروام من قاطني الخانقاة الشيخونية، يقال له يوسف الرومي، وربّما قيل له الحكيم، إنسان من الجَهَلَة، فادّعى أنه يداويه ويُبْرئه، وتردّد إليه مدّة مطوّلة وسقاه الاني بلال (؟) غير ما مرة، وقدَح مواضع البياض، وعجز في ذلك، ثم تحمّل له صابع (؟) وأظهر أنه أبراه، وألبسه الظاهر خُشقَدم خلعة، وما نجع أمر قايت المذكور، ولما مات أستاذه تأمّر عشرة في دولة الظاهر يَلَباي، وصُيّر من رؤوس (٣) النُوَب. ولم تطُل مدّته حتى تسلطن الأشرف قايتباي، فنفاه إلى حلب، وبها بَغَتَه الأجل. وتوفي في هذه السنة. وكان شجاعاً مقداماً، عصبية، فظّاً، غليظاً، متهوّراً، غير مشكور. ومات ولم يبلغ الأربعين. واسمه مُفرد معناه بالتركي: "ارجع" إن كانت لم تكن غلطاً عن "قايد"، فإن كانت فمعناها "السعل"، والألِف فيهما معاً للإشباع. وقايتباي من هذه بزيادة باي. ٥١٩ - قجماس الحَسَني (٤)، الظاهري. أحد الطبْلخانات ورؤوس (٥) النُوَب، المعروف بالطويل. كان من مماليك الظاهر جقمق، وصُيّر خاصكيّاَ بعده، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الظاهر خُشقدم فصيّره من جملة الدوادارية، ثم أمّره عشرة، ودام على ذلك

стр. 1363

إلى سلطنة الظاهر يَلِباي، فبعثه بحمل بُرْدُبك البَجْمَقْدار بعد خلاصه من أسر شاه سوار إلى البيت المقدس. ولما تسلطن الأشرف قايتباي خُشداشه طلب منه الدوادارية الثانية، فما أجابه إليه، وأمّره طبْلخاناة، وأعطاها -أعني الدوادارية- لقان بردي الماضي، ومع تأميره إيّاه طبلخاناة فما رضي، وصار في غبن وقهرٍ عظيم. ثم عيّنه السلطان في التجريدة صحبة الأتابك أُزبَك. وبها توفي قتيلاً في يوم موت قرقماس الجَلَب في ذي الحجة. وكان لا بأس به، وعنده شجاعة ومعرفة بالفروسية وأنواع الأنداب، مع شمم زائد وتعاظُم. واسمه تقدّم الكلام عليه في سنة تسعٍ وستين. (ترجمة قرقماس الجلب أمير سلاح) (١) ٥٢٠ - قرقماس من يشبُك (٢) (خُجا) (٣) الأشرفي. أمير سلاح، ثم أمير مجلس. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، ويُذكر بقرابته لبَرسباي قرابة بعيدة. ويقال: معرفته له من بلاده فقط. وهو الذي بعث بجلبه إلى هذه البلاد، فلما أحضر به إليه جعله خاصكيًّا في يوم قدومه عليه، ولهذا قيل له: الجَلَب. ووهِم من قال إنه جعله من الطبلخاناة في يوم قدومه، بل ولا من العشرات. نعم أمّره عشرة بعد ذلك بمدّة يسيرة، ودام على ذلك إلى سلطنة الظاهر جقمق، وهو الذي صُيّر من الطبْلخاناة لأدبه وسكونه وحُسن سمته وعقله من يومه، واستمر على ذلك مدّة سلطنة الظاهر كلها وما نكُب، مع أنه كان من خواصّ الأشرف. ولما تسلطن المنصور عثمان صيّره من مقدَّمين (٤) الألوف على تقدمة دَولات باي الدوادار، حين قبض عليه. ثم لما تسلطن الأشرف إينال صيّره رأس نوبة النُوَب، ودام على ذلك مدّة

стр. 1364

إلى سلطنة المؤيَّد أحمد ابن (١) الأشرف إينال، فرقّاه إلى إمرة مجلس، عِوضاً عن جَرباش كُرْد، لما نُقل إلى إمرة سلاح، عِوضاً عن خُشقدم الناصري، لما نُقل إلى الأتَابكية، عِوضاً عن أحمد نفسه، لما تسلطن بعد والده الأشرف، فلم تطُل مدّته في إمرة مجلس حتى تسلطن الظاهر خُشقدم، فنقله إلى إمرة سلاح في أول يوم من سلطنته، عِوضأ عن جرِباش [الذي] (٢) نُقل إلى الأتابكية عِوضاً عن خُشقدم، بحكم تسلطنه بعد خلع المؤيَّد ابن (٣) الأشرف على ما عرفت كلّاً (٤) من هذه التنقلات في محالّها، واستقر في إمرة مجلس بعده قانَم التاجر، واستمر قرقماس هذا على إمرة سلاح مدّة خُشقدم كلها. وتولّى الأتابكية سنة اثنتين (٥)، وهو لا يتكلّم ولا يُبدي ولا يُعيد، والعادة جرت أن يليها أمير سلاح. ولما تمرّض الظاهر خُشقدم كان قد عيّنه للخروج بتجريدة إلى الوجه القِبلي، على ما عرفتَ ذلك في محلّه، وما جرى في ذلك إلى أن مات خُشقدم وتسلطن يَلَباي، فبعث إلى قرقماس في يوم سلطنته وهو مقيم بساحل مصر، كان قد بَدَرَ للسفر بأن يخرج، فخرج من يومه، ثم بعث يَلَباي في إثره من قبض عليه، وبعث به إلى سجن ثغر الإسكندرية، ولم تطُل مدّته بالسجن حتى خُلع الظاهر يَلَباي، وتسلطن الظاهر تمربُغا، فبعث إليه بإطلاقه وتوجُّهه إلى ثغر دمياط. واتفق في يوم خروجه من السجن دخول يَلَباي إليه، على ما قدّمنا ذلك أيضاً. ولما توجّه إلى ثغر دمياط أقطعه الظاهر تمربُغا إمرة عشرة يأكلها هناك. ثم لما تسلطن الأشرف قايتباي استقدمه إلى القاهرة، وولّاه إمرة مجلس، عِوضاً عن أحمد بن العَيْني. وكان جانِبك قُلَقْسيز قد وُلّي الأتابكية، فصار يُجلس قرقماس تحته بعد أن كان يجلس فوقه بعدّة أنفار، في دولة الظاهر خُشقدم، والستة الأنفار الذين تعدّوه إلى الأتابكية هم: قانَم، ويَلَبَاي، وتمربُغا، وقايتباي، وجانبك قُلَقسيز، وأُزبَك. ثم عيّنه الأشرف قايتباي إلى التجريدة لما عيّن أُزْبَك الأتابك. وقد قدّمنا كيف طلب الاستعفاء من ذلك في يوم نزول النفقة إليه، فما أجيب إلى ذلك. ولما خرج إلى سوار وجرى ما قدّمنا ذِكره. توفي قرقماس هذا قتيلاً في يوم الكائنة في المضيق، وذلك في ذي الحجة، ولم يوقف له على خبر، ولا وُجِدت رِمّته، ولا عُلمتْ كيفيّة قتْله أصلاً إلى يومنا هذا.

стр. 1365

وكان قرقماس هذا إنساناً حسناً، وأميراً جليلاً، شهماً، عاقلاً، أدوباً، حشماً، ذا وقار وتُؤدة، وحُسن سمت، وسلامة فِطرة، وصِدق لهجة، قليل الشرّ، بل عديمه، من كبار الأعيان من الأشراف لم يُداخلهم في أمورهم ولا أحوالهم ولا شاركهم يوماً من الدهر في فتنة وقيام ولا غير ذلك، ولم يتعدّ طوره ولا رأى مكدّراً قطّ سوى تلك القضية الهيّنة الكائنة له في دولة يلباي على ما عرفتها وتزوّج يملك باي أم ولد أستاذه الشهابي أحمد بن الأشرف بَرْسباي، وهو الذي ربّاه في حجره، وداره على ما عرفتَه في ترجمة الشهابي أحمد المذكور. وكان كثير المحبّة والمودّة للوالد يُجلّه ويعظّمه، بل صرّح له في أحيان بقوله: أنت في مقام أستاذنا. وبالجملة فكان من نوادر الأمراء ومن أجلّهم. ٥٢١ - قوزي الظاهري (١). أحد العشرات، ورؤوس (٢) النُوَب. كان من مماليك الظاهر جقمق في حال إمرته، وجعله خاصكيّاً بعد مدّة من سلطنته لصِغَر سنّه. ثم جعله بعد ذلك ساقيًا، ودام على ذلك إلى سلطنة المنصور عثمان بن أستاذه الظاهر المذكور فأمّره عشرة. ولما جرت الكائنة التي خُلع فيها المنصور كان قوزي هذا من حزبه بالقلعة مع من كان معه، فامتُحن بالنفي إلى البلاد الشامية، ودام بها مدّة إلى سلطنة الظاهر خُشقَدم، فاستقدمه وأمّره عشرة أيضاً، ثم صيّره من رؤوس (٣) النُوَب، ودام على ذلك حتى تسلطن خُشداشه الأشرف قايتباي، فعيّنه إلى التجريدة الماضي خبرها، فتوجّه وعاد متمرّضاً، ودام إلى أن بَغَتَه الأجل. وكان ذا حُسن سمْت وتؤدة، وأدب، وحشمة، وتديّن، وسكون، مع حُسن هيئة وشكالة. توفي بالقاهرة بمرضه الذي عاد به في يوم الجمعة ثامن جماد الأول، وهو كهل. وجُهّز وأحضرت جنازته لمصلَّى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه.

стр. 1366

واسمه مُفرد، والواو فيه للإشباع، ومعناه بالتذكير: "حَمَل" وهو اسم عَلَم لولد النعجة، ثم استُعمل عَلَماً على الشخص. ٥٢٢ - لاجين السيفي (١). جَرِباش كُرْد الخاصكي. كان من أعيان الخاصكية، ولا أعلم سيّده الأصلي الآن، وخدم عند جَرِباش المذكور حين تأمّر عشرة، ودام يلازم خِدمته مدّة، واختص به وقرّبه وأدناه، وترقّى إلى الخاصكية بواسطته. وكان إليه المرجع بدار الأتابك جرِباش، وأثرى وحصّل مالًا طائلاً لانتمائه إلى جرِباش، وجهّز ابنته له جهازاً هائلاً، بحيث كان يناظر الخَوَند شقراء حين تجهيز إحدى بناتها في فعله لابنته مثل فعلها. وكان له ذِكر وشُهرة، لا سيما بدار أستاذه جرِباش المذكور. وتوفي في هذه السنة، فيما يغلب على ظنّي. وكان عاقلاً سيوساً، أدوباً، عارفاً، لا بأس به. واسمه عَلَم بالتذكير على طائر. ٥٢٣ - لؤلؤ الأشرفي (٢)، الرومي. الطواشي زين الدين، الزمام والخازندار. كان من خدّام الأشرف بَرْسْباي، وترقّى بعده من الجَمْدارية إلى السقاية، ولا زال حتى وُلّي تقدمة المماليك في دولة الأشرف إينال، ثم صرف عنه، ثم وُلّي في دولة الظاهر خُشقدم وطبقَتَي الزمامية والخازندارية، ثم صرف عنهما، ولزم داره بعدما صودر غير ما مرة، حتى بَغَتَه الأجل. وكان ذا أدب وحشمة ووجاهة في الدول، مع إسراف على نفسه. توفي بطّالًا بداره بعد مرض طال به في ليلة الجمعة سادس عشرين شعبان. وقد جاوز السبعين. ووهِم من قال: (ناهزها) (٣).

стр. 1367

٥٢٤ - لؤلؤ الشريفي (١)، الظاهري. صاحبنا الطواشي، زين الدين، الشابّ الذكيّ، الظريف. كان من صغار خدّام الظاهر خُشقدم، إلّا أنه كان مختصّاً به، فحبّب إليه لمعرفةٍ كانت عنده وانتسابٍ لطلب العلم. وكان فهماً، يقِظاً، حذقاً، فصيحاً بلغة التُرك. قرأ عليّ شيئاً في الفقه وغيره. وكان يستحضر الكثير من جيّد الأشعار باللغة التركية ويدرك معانيها الغامضة. توفي بالطاعون في أواخر شعبان. ولم يبلغ العشرين فيما أظنّ. ٥٢٥ - مال باي (٢) بن سليمان بن محمد بن خليل بن قراجا بن دُلغادر التركماني، البوزاقي، الدُلغادري. أخو شاه سوار وأحد أركان دولته وأعيان إخوته. وقد سمّاه الجمال ابن (٣) تغري بردي في تاريخه "الحوادث": "مغلباي"، وتبِعه على ذلك بعضٌ وهم واهمون في ذلك. فأمّا الجمال فلعلّه معذور في ذلك، فإنه وصفه ابتداءً ببادي الرأي، ثم مات قبل تحرير ذلك، فإنه من آخر ما وصل إليه في تاريخه المذكور، ومات بعد ذلك بقليل. وأمّا من تبعه على ذلك من بعض مؤرّخي (٤) الصعيد فأنا متعجّب منه كيف ما حزر ذلك مع طوَل المدّة بعد ذلك؟! ومعنى مال باي بالتركية: "مال أميرٌ" أو "أميرُ مالٍ"، فالمال عربيّ، والباي معناه: الأمير بلغة التُرك على ما تقدّم ذلك آنفاً. ومن التُركمان من يفخّم باي، فعلى هذا لا يكون معناها الأمير، بل لفظة باي المفخّمة معناها: "الغِنَى" أو "السعادة"، فيكون حينئذٍ معناهما: "مال غنيّ" أو "غِنَى مال"، ثم استُعمل عَلَماً. ورأيت الكثير من التركمان ينطقون بالثاني وليس هو من أسماء الأتراك، بل هو من نوادر الأسماء.

стр. 1368

كان مال باي هذا حضر مع أخيه في الكائنة التي تقدّم خبرها في المتجدّدات، وانهزم سوار وظفر بأخيه هذا بعد أن أُثخن بجراحات ببدنه، وآلت به إلى الموت، فحُزّت رأسه في شوال، وبُعث بها إلى القاهرة مع اثنين (١) من رؤوس (٢) جماعة من سوار الأعيان، فطيف بهم شوارع القاهرة وعُلّقوا أياماً بباب النصر. وكان مال باي هذا أقطعًا، وله بأخيه سوار مزيد الاختصاص والتقرب، وكان عنده من أجلّ إخوته الباقين، وكان يوصف بالشجاعة والإقدام مع تعطّله من إحدى يديه. ومات شابّاً. (ترجمة أصيل الخُضَري) (٣) ٥٢٦ - محمد بن إبراهيم بن علي بن عثمان بن يوسف بن عبد الرزاق بن عبد الله المغربيّ الأصل، الهَنْتَاتي (٤)، الموحدي، القاهري، الشاذلي، المالكي. الشيخ الفاضل، المفنّن، الكامل، البارع، أصيل الدين، المعروف بابن الخُضَري (٥). ولد بالقاهرة في يوم الأربعاء سابع عشرين محرّم سنة ثمانٍ وثمانين وسبعمائة. هكذا ذكره ابن (٦) فهد بخطّه. وذكر بعضهم أنه ولد في سنة أربع وتسعين، فاللَّه أعلم. ولعلّ الأول الأقرب، فإنني كنت لما قدمت من المغرب في مشة إحدى وسبعين جاورت صاحب الترجمة، فسألته عن سِنّه، فذكر لي أمارات تدلّ على ما قلته. ونشأ بالقاهرة أيضًا ذكيّاً، فطِناً، يقِظاً، عارفاً، فحفظ القرآن العظيم، ثم "الرسالة" لابن أبي زيد، أخبرني ذلك عن نفسه، وحفظ غيرها من الكتب أيضاً،

стр. 1369

واشتغل فأخذ عنه جماعة من علماء عصره من سائر المذاهب، وحضر دروس كثير من الأكابر، وسمع الحديث من جماعة. وكان على ذهنه طرف (١) من الطبّ، لكنه كان يخلّط فيه الخبط. وكان مفنّنا، فاضلًا، مشاركًا. وكان له مداعبات وأشياء تُحكى عنه إلى يومنا هذا من المضحكات النادرة، وكان لا يُملّ منه ومن مجالسه، وكان الأعيان من أكابر الرؤساء يتمنّون لقاءه (٢)، وعرف الكثير منهم وصحِبهم، وحصل له بآخرة شبه اختلال، ثم حصلت له رعشة شديدة. وكان متزوّجاً بالمصونة فرَج (٣) ابنة شعبان بن النحاس (٤) رئيس الجرائحية، وكان يسكن بدارها بسُويقة ابن (٥) عبد المنعم، وكانت من خيار النساء، ذات خير وبرّ وتديّن، ولها علينا فضل ومروءة. ماتت في سنة ست وثمانين. وتوفي أصيل صاحب الترجمة في محرّم فيما أظنّ. (ترجمة الحسام ابن (٦) حُرَيز (٧)) (٨) ٥٢٧ - محمد بن أبي بكر بن محمد بن مُحرز بن أبي القاسم الهاشمي، القرشي، العلوي، الحسيني، المغربيّ الأصل، الطهطائي، المنفلوطي، القاهري، المالكي. الشيخ العالم، الفاضل، الكامل، حسام الدين، أبو عبد الله، قاضي القضاة المالكية، السيد الشريف، المعروف بابن حُرَيز. وبقيّة نسبه قد تقدّم في ترجمة أخيه عمر في المتجدّدات حين ذِكرنا لولاية القضاء إيّاه بعد صاحب الترجمة. ولد الحسام هذا بمنفلوط في العشر الأخير من شهر رمضان سنة أربع وثمانمائة.

стр. 1370

وقدم مع أبيه إلى القاهرة وهو صغير، فقرأ (١) بها القرآن العظيم على الجمال ابن (٢) الإمام الحسني الشريف، وجوّده، ثم تلاه بمكة بالسبع على الشيخ محمد الكيلاني أحد أصحاب الشمس ابن (٣) الجَزَري، ثم حفظ "العمدة"، و"الشاطبية" قبل ذلك، و"الرسالة" لابن أبي زين، و"الألفية"، كل ذلك في حالة صِغره، وعرض على الجمال الأفقهُسي، والبدر الدماميني، والشمس البساطي، والجلال البُلقيني، والولي العراقي، والعزّ ابن جماعة، والحافظ ابن (٤) حجر، والتلواني، وآخرين. ثم اشتغل بالعلم فأخذ عن الشيخ عُبادة، والشمس البساطي، والشمس العمادي، وغيرهم. وسمع الحديث على الولي العراقي، وبمكة المشرّفة على الزين ابن (٥) عباس. ووُلّي قضاء بلده عن الحافظ ابن حجر فمن بعده، ثم تدرّك الأعمال المنفلوطية مدّة، ووقع له بها أمور يطول شرحها. وفي تلك الأيام ورد عليه يخش باي الأشرفي، فتقاولا حتى أثبت عليه بعد ذلك بأنه وقع في حقّه بما يقتضي التكفير، كَوْنه سبّه، وكان ذلك ذريعة لقتل الظاهر يخش باي فيما يزعم بالشرع. وفد أُخبرتُ من كثير ممن أثق به من أهل منفلوط، بأن الحسام هذا قام في تلك الكائنة لغرضٍ ما، والله أعلم. وكان كثير الدولبة للأقصاب وعمل السُّكّر، وله الكثير من المستأجرات والمزدرعات وغير ذلك من أنواع المتاجر، وأثرى من ذلك ومن غيره جدّاً، واتّسع حاله، وشُهر ببلده، بل بالصعيد كله، بل بالقاهرة، وقطنها على ما هو عليه من الدولبة واتساع الدائرة، وآل به الأمر أن وُلّي القضاء المالكية بمصر بعد وفاة الولي السنباطي، وكان القائم بولايته الجمال بن كاتب جكم طمعاً في ماله، فوليه في التاريخ الماضي في محلّه من كتابنا هذا، وباشره بعفّة وحُرمة وافرة وشهامة، وأخذ في الانكباب على المطالعة والاشتغال بإلقاء الدروس ومطالعة كتب الحديث والتفسير والفقه والأدب والتاريخ، فإنه لما وُلّي صار يُلمز بأشياء، منها: كونه غير عالم، وصار يستحضر بواسطة صهره، ودأبه الكثير من ذلك الذي دأب له. وكان ذكيّاً، سريعاً في فهمه وإدراكه، ولم يكن من العلماء، ومن عدّه منهم فلغرضه عنده، فرحِم الله امرءاً عرف نفسه فلم يتعدّ طوره. وكان الحسام هذا لا يتزايا (٦) بزِيّ القضاة غالباً، بل كان يركب الفرس،
следующие страницы →