← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ثم توجّه إلى إقليم الغربية لا لقضية، وجاءته التقادم من كل جهة، وهو يجرّد ما جاءه من الكُشّاف ومشايخ العربان والمدركين ونحوهم، وأقام بها نحو الثلاثة أيام. ثم توجّه إلى الشرقية، ولم يظهر لسفره إلى هذه الأقاليم الثلاثة (١) فائدة ولا نتيجة، بل شمل الخراب غالب تلك النواحي أو القرى، بواسطة الكُلَف الشاقّة التي تكفي السلطان ومن معه، وتسلّط الكثير من الغلمان والخدمة والأتباع على خلق الله تعالى. ولم يَخَف مفسد، ولا ارتدع قاطع طريق. وكان دأب السلطان الانتقال من بلدة إلى أخرى، وأخذ تقادم البلاد، بل وطمع المفسدون (٢) في الناس، وزاد فسادهم بذلك، وقطْعهم الطُرقات، حتى وقع ذلك بالقرب من وطاق السلطان، بل على بعض الحواشي السلطانية والأعوان، وكان ذلك من نادر عجائب الأحوال، ووقع بسببه من الوهن في المملكة ما لا خفاء فيه، وإن لم يكن ذلك مما يظهر للسلطان، فإنه تابعٌ في ذلك هواه، مشغولٌ بما هو فيه من شرهه لأخذ الأموال، جازمًا بأن ما هو فيه مما فيه المصلحة. والله أعلم. وطالت إقامته بالشرقية (٣). [شهر ذي الحجة] وفيها استهلّ ذو (٤) الحجّة بالأحد بالرؤية، وما هُنّيء السلطان بهذا الشهر، ولا ركب فيه القضاة، لكون السلطان مسافرًا، على ما عرفت ذلك. [طلب قاضي القضاة السيوطي لإلقاء خطبة عيد الأضحى بالسلطان] وفيه - أعني هذا الشهر، في يوم الثلاثاء، ثالثه، ورد مرسوم من قِبل السلطان إلى القاهرة إلى قاضي القضاة الشافعية الوليّ السيوطي، بطلبه إلى عند السلطان ليصلّي به صلاة عيد النحر بمدينة فارسكور، إذ هو خطيب الخطباء، فتجهّز المذكور، وخرج متوجّهًا إليه، بعد أن حمل معه برسم السلطان أشياء من نوع الهدية إليه، من ذلك أربعة قناطير من السكر المكرّر، ومن أجناس الحلوى وأنواعها أشياء كثيرة (٥).

стр. 1297

[تفقّد مقياس النيل] وفيه كان عيد النحر يوم الثلاثاء، ووافق ذلك سادس عشرين بؤونة (١) من شهور القبط، وتفقد فيه ابن (٢) أخي الرذّاذ المقياس، وأخبر بأن القاعدة خمسة أذرع واثنان وعشرون إصبعًا، فبشّر بذلك، ثم أصبح في يوم الأربعاء ثاني العيد فنزل وكسر البحر، إلى أن كان من أمر الكسر والوفاء ما سنذكره. (تعييد السلطان بفارسكور) (٣) وفيه عمل السلطان عيد الأضحى بمدينة فارسكور كما قلناه، وكان الناس بالقاهرة في غاية مايكون من النكد، بسبب غلاء الأسعار، ومخافة السُبل، وظهور الفِتن والأنكاد، وموت العيال والأولاد، وغيبة الكثير من الناس عن ديارهم ومنازلهم وجماعتهم، خصوصًا ذلك بأثر الطاعون، فأخذ الناس في الحزن على من مات لهم من أولادهم وأقاربهم، لا سيما وقد دخل العيد الموجب لذِكر الأحباب، وما كفى الناس ذلك كله، حتى قطعت الضحايا المرتبة في الديوان السلطاني، وكان جلّ غرض السلطان بتعييده خارج القاهرة توفرة هذه الضحايا، ولم يفرّق الأعيان والرؤساء ممن كان وجد بهذا العيد بالقاهرة الضحايا (٤) على العادة في كل سنة، اقتداء بملكهم، ولسان حالهم يقول: الناس على دين ملوكهم. فكان هذا العيد الذي هو موضوع السرور والفرح من نوادر الأعياد، وأشبهها بالمآتم، لا سيما وقد صادف كآبة الناس وأحزانهم، وقبض خواطرهم من وجوه عديدة، قد عرفتها آنفًا، ومن أثناء المتجدّدات الماضية فلا نعيدها. هذا والسلطان يتنقل في تلك البلاد من بلدة إلى أخرى، ومن ناحية إلى ناحية، لأخذ التقادم، حتى من مشايخ الفلّاحين وكبارهم، وكان يتوجّه بنفسه إلى الناحية، حتى تحضر إليه هدية من له ذِكر، أو شُهرة هناك، بمالي أو نحوه، وحصلت المفاسد الزائدة، والضرر البالغ على أهل تلك النواحي، لا سيما بواسطة أوباش الأتباع من ( ...... ) (٥)، فإنهم بقوا يأتون (٦) البلد من تلك البلاد لأجل الخطف، فإذا لم يجدوا شيئًا، أو لم يكفهم ما أخذوه للوقيد، أخذوا أبواب الناس، حتى نقل بعض المجازفين، وأظنّه ما جازف في هذه، بأنهم فعلوا ذلك بأبواب بعض المساجد. وأما الطواحين وغيرها فلا تسأل عنها في ذلك، وهلك

стр. 1298

الفقراء وطمعت العرب بواسطة ذلك، ولعلّ ذلك كان من أعجب النوادر وأغربها (١). [وقوع بطاقة بوصول قاصد حسن بن قرايُلُك ومعه رأس القان بو سعيد] وفيه، في يوم الإثنين، سادس عشره، وقعت بطاقة على جناح الحمام، تخبر بأنّ قاصد حسن بن قرايُلُك واصل إلى القاهرة، وعلى يده مكاتبة مرسِلِه، وصحبته رأس القان الأعظم بو سعيد ملك العجم، وأشيع ذلك بالقاهرة، واستبعده الكثير من الناس، لا سيما الأعاجم من أهل تلك الممالك التي بيد بو سعيد، وقالوا: إن بو سعيد المذكور صاحب تخت سمرقند وهَرَاة وما والاهما من الممالك التمرية، وكيف يُتصوّر أن يقطع حسن رأسه، وما المناسبة لذلك، بل عدّوا ذلك من قبيل المحالات للعادة. ثم أشيع الخبر أيضًا بأن بو سعيد المذكور جاء نجدة لحسن علي بن جهان شاه، فوقع له ما وقع، وكان الأمر بخلاف هذه الإشاعة، وسنذكر ما حرّرناه من ذلك في ترجمة بو سعيد هذا، في تراجم هذه السنة إن شاء الله تعالى (٢). [عودة السلطان إلى ضواحي القاهرة] وفيه، في يوم الأربعاء، ثامن عشره، وصل السلطان من سفره إلى ضواحي القاهرة، ونزل بالمَطَرية، وبها تغدّى، ثم ركب في آخر نهاره قاصدًا الديوانية، فنزل لها بمخيّم نُصب له بها، وبات بمخيّمه ذلك، على قصد دخول القاهرة في صبيحة يوم الخميس، والصعود إلى قلعته، وعاد من سفرته هذه ولم يبتّ بها أمرًا من الأمور، سوى أنه أحضر إليه المفسد الذي يقال له ابن (٣) شعبان (٤) بالبحيرة، فسلخه، وقُتل معه جماعة من أعوانه، وكان قد قبض قبل ذلك عليه بمدينة قنا من مدّة شهور. ولما عاد إلى جهة القاهرة، ونزل على جيبين القصر، قبض على

стр. 1299

مُهَنّا بن عطية (١)، وحمزة البوقاوي (٢)، وضربهما بالمقارع، ووعد أهل تلك النواحي بأنه لا يولّي عليهم إلّا من ينصفهم. ثم إنه عيّن برقوق أحد مقدَّمين (٣) الألوف، ووعدهم بأنه سيرسله مولَّياً عليهم، كاشفًا على التراب، وينظر في مصالحهم، ويكشف عنهم الظلامات، وأنه يولّيه كشف الرم أيضًا، وأنه يقيم عنه في ذلك نائبًا يرجع في أموره إليه. وكان الذي ناب عنه في كشف الرم جَكَم قَرا، وفعل السلطان ذلك بعد أن حضر إلى القاهرة، وحصل ببرقوق وجَكَم بعض تمهيد للبلاد، وقمعا الكثير من المفسدين. وكان في خروجهما من المصالح ما ليس في خروج السلطان نفسه. (دخول السلطان للقاهرة وطلوع قاصد حسن إليه برأس بو سعيد ملك العجم) (٤) وفيه، في يوم الخميس، تاسع عشره، دخل السلطان إلى القاهرة بعد أن ركب في صبح هذا النهار من الريدانية بقماش الموكب السلطاني، وكان تقدّم أمره لقاصد حسن الطويل الماضي خبره، بأنْ يتقدّم السلطان ويجلس بالخانقاة الأشرفية البَرسْبائية، حتى يجتاز السلطان عليه، مظهراً بأنه فعل ذلك معه لتنزّهه وفُرجته، والقصد غير ذلك، وهو إظهار نفسه، وبيان ترتيب مملكته، وأن يرى عساكره، فإنه يوهم من مرسله، لا سيما حين بعث برأس بو سعيد الإشارة به إلى فخامته، بل هالى قوله إنكم إن لم تكونوا معي أفعل معكم كما فعلت ببو سعيد هذا، مع كونه أوسع ملكًا منكم، وأكثر مالًا وجمعًا، وهذا كان مراد حسن، والله أعلم. ومراد قايتباي أيضًا بالقرائن الدّالّة على ذلك، فإنه لما أُحضرت الرأس المذكورة إلى السلطان، وتقدّم المَشَاعلي ليأخذها، لأجل إشهارها بالقاهرة، وتعليقها بباب زُويلة، منع السلطان من ذلك، وأمره بها أن تُدفن، على ما سنذكره. لأنه فهم من مرسِلها ما ذكرناه لك. ثم لما ركب السلطان من الريدانية سار في موكب حافل جدًّا، وعظمة زائدة، وأُئهة هائلة إلى الغاية، وأُحضرت القبّة والطير، فحملها برقوق على رأس السلطان، لغياب الأتابك في التجريدة، وكان على السلطان الفوقاني الأبيض البَعْلبَكّي بالطرز السود الخليفتي، وهو متقلّد بالسيف بالسّفْط الذهب، راكمث على مركوب من خاصِّ خيله بالسرج الذهب والكنبوش الزركش المعظّم الحافل، وقد

стр. 1300

غُطّي عنق المركوب بالزركش على العادة في ذلك. وحُملت الغواشي الأطلس السلطانية، والغاشية الذهب بين يديه، وعُملت جميع أُبّهة الموكب والأسباب المعدَّة له، وروعي فيه جميع ما يجب عندهم في عادتهم رعايته، وسار في موكبه ذلك، إلى أن دخل من باب النصر، وقد ارتجّت له القاهرة، ثم فُرشت الشُقق الحرير بين يديه، تحت رِجلَي فرسه، وهو يمنعهم من ذلك، ونُثر عليه الفضّة، وربّما نُثرت عليه خفائف الذهب أيضًا، ودام علي سيره بهذه الهيئة إلى أن اجتاز بالأشرفية، ورآه قاصد حسن على تلك الهيئة والأبّهة والعظمة الزائدة. ولما جازه السلطان قام فركب فرسه صاعداً القلعة، فرأى أمرًا مهولًا من اجتماع الناس والخلائق في هذا اليوم، وقعادهم (١) لرؤية السلطان، وكان يومًا مشهودًا إلى الغاية لأجل الفُرجة لا غير، وأمّا الدعاء للسلطان فكان قليلًا جدًّا، لِما قد عرفتَه من الأسباب، فلا نعيد ذلك. ولما صعد السلطان إلى القلعة أقيمت الخدمة بالحوش السلطاني، وصُفّت الجند على العادة، من باب المدرج إلى الحوش، ثم نزل (٢) السلطان على الدكّة بالحوش، وحين استقر به الجلوس وافاه قاصد حسن المذكور، فقبّل الأرض بين يديه، وأخرج رأس بو سعيد، بعد أن ناوله مكاتبة مرسله، فرأى السلطان الرأس، ثم أمر بها، فدُفنت، بعد أن صرّح بحضرة قاصده بأن لا تُشهّر ولا تُعلّق، بل تُدفن بمكان جيّد، وأظهر أن ذلك إجلالًا له، لأنه من كبار ملوك الإسلام، ومن أهل الديانة والعدل، وأنه ليس بينه وبين هذه المملكة عداوة. ثم فتح مكتوب حسن، فإذا هو مكتوب بالفارسية، وقد كُتبت بعض ألفاظه بماء الذهب، كل ذلك إيذاناً بأنه ملك بلاد العجم، وسلك في مكاتبته طرائق تلك الملوك، لا ملوك التُركمان بديار بكر، وقُرئت هذه المكاتبة، فكان من ضمنها قضية بو سعيد المذكور، وأبرق في مكاتبته وأرعد، بل ورغا وأزبد، وحُقّ له ذلك، إذ وصل إلى ما لم يصل إليه لا هو ولا أجداده التراكمة الأجلاف، ولا جدّه قَرايُلُك، مع جلالة قدره بينهم، وأين كنّا حتى وصلنا، وكانت هذه أول ظهور مباينات حسن لهذه المملكة، لكنْ ظهورًا خفيًّا في حُسن عبارة. ثم خلع السلطان على القاصد المذكور، ونزل إلى مكانٍ أُعِدّ له، وأُجريت عليه المرتبات، وأشيع بأن مرسِله بعث بكتف بو سعيد إلى ابن (٣) عثمان، وبكتفه الأخرى إلى جهة أخرى، وكذا فخِذيه، وما علمت صحة هذا بعد ذلك على تحرير صادق (٤).

стр. 1301

[الخلعة بكشف الشرقية على برقوق] وفيه - أعني هذا اليوم - بعد أن نزل قاصد حسن المذكور، خلع السلطان على برقوق أحد مقدَّمين (١) الألوف بكشف الشرقية على ما عرفت، ترشّحه لذلك فيما تقدّم، ووعد السلطان به لأهل الشرقية (٢). [وصول الخبر إلى السلطان بعودة الجند إلى حلب] وفيه، في يوم الإثنين، ثالث عشرينه، ورد الخبر على السلطُان من حلب على يد ساع، ثم أعقبه نجّاب آخر، وطلعا للسلطان معًا، بأن العساكر جميعها وصلت إلى حلب من بلاد شاه سوار، فاضطربت الناس وماجت القاهرة لورود هذا الخبر، وكثُر القال والقيل والكلام، فمن الناس من أشاع بأنهم دخلوا حلب منهزمين، مكسورين من عساكر شاه سوار، ومنهم من أشاع قَتْلهم عن آخرهم. ومنهم من أشاع بأنهم انتصروا وعادوا. وكثرت الأقاويل مثل هذا وأشباهه، كلٌّ بحسب غرضه، ثم كان من تحرير ذلك ما سنذكره. [ثورة جماعة من أهل الخانقاة الشيخونية على الكافِيَجي] وفيه - أعني هذا اليوم - ثار جماعة من أهل الخانقاة الشيخونية على شيخنا العلّام الكافِيَجي، ودخلوا إليه متجرّئين عليه بقاعة المشيخة، فأخذوا في الشكوى إليه عن قضية قطع الخبز والطعام المعلوم لهم بالخانقاة، وأسمعه بعضٌ من سفهائهم كلمات فيها قلّة الأدب، فلم يؤاَخِذْ على ذلك، بل أظهر أنهم معذورون، وأن الخير سيكون، وأن الغلاء وقلّة الموجود من قال الخانقاة هو الذي ألجأ (٣) إلى ذلك. وكان قد قُطع ذلك بعض أيام، فأمر بإعادته فأعيد. ثم كان بعد ذلك ما سنذكره. (ورود الخبر بكسرة العسكر بموقعة شاه سوار) (٤) وفيه، في يوم الثلاثاء، رابع عشرينه، وصل إلى القاهرة تنِبَك الظاهري، أحد العشرات ورؤوس (٥) النُوَب، وكان أحد من عُيّن من العشرات إلى التجريدة، فأخبر

стр. 1302

برجوع العساكر إلى حلب، وما أشاع كيفية ذلك للناس. نعم أشيع بأنه قُتل منهم جماعة من الأعيان والخاصكية، وستأتي أسماؤهم في التراجم إن شاء الله تعالى، ثم تحرّر من خبرهم وقضية عَودهم، ما ملخّصه، أنهم لما توجّهوا إلى قتال شاه سوار، وخرجوا جميعًا إلى جهة بلاده، ووقع بينه وبين البعض منهم حرب، وقبض على أخيه مال (١) باي، وفرّ هو على ما تقدّم، فظنّ من بقي من العساكر أنه فرغ منه ومن أمره، فأخذوا في إفساد البلاد وخرابها ونهبها، حتى بلغوا القصدَ من ذلك ونهاية أربهم، وكان هو انحاز إلى جهة، وما بلغوا منه الأرب، ولا نالوا الغرض، فأقاموا بتلك البلاد، وطالت مدّة إقامتهم بها، بعد خرابها، وكان المكان الذي انحاز بقومه مكانًا حصينًا يقال له جبل القرص، لا يمكنهم أن يصلوا إليه فيه. وكان هو قد بعث العيون في العسكر لتجسّس أخبارهم وإعلامه بها شيئًا فشيئًا، وأكّد عليهم في مطالعته بأحوالهم، هذا والعسكر في البلاد من جهة الغلاء، ووقع فيهم القحط الشديد الذي ما عنه مزيد، بواسطة خراب البلاد وإفسادها، وهذا من قلّة رأيهم وتدبيرهم الذي كان فيه تدميرهم. وأبيعت الواحدة من البقْسُماط بثلاثة دراهم فضة، والعليقة الواحدة من الشعير بدينار ذهب، وأبيعت التطبيقة البقل بدينارين، لأجل كثرة المحاجر بتلك البلاد وحفاء الخيل. ومات من المشاة الذين دخلوا مع العسكر إلى تلك البلاد جمعٍ وافر (٢) من الجوع، فوقع اتفاق العسكر على القود إلى حلب، ولو فعلوا هذا أولا لكان أنسب، ثم لما عزموا على ذلك أخذوا في أسبابه، وكان لهم إلى حلب طريقان، أحدهما طريق وعرة مضيقة، والأخرى سهلة واسعة، فقوي عزم الأتابك أُزْبَك على العَود من الطريق الواسعة فسلموا، وسار الأتابك من الضيّقة، وبلغ سوار ذلك، فبَدَرَ بجمع وافر من عسكره، وتوصّل إلى الأتابك ومن معه من العساكر من محارص (؟) يعرفها التركمان، ووصل إليهم وهم في غفلة عنه، ولا شعور لهم به، وأخذ من وصوله إليهم في عرقبة جِمالهم، فاستدّت عليهم الطرق وهم في المضائق. وكان إينال الأشقر قد اتفق أن تقدّم فلم يعد، بل لما بلغه ذلك لم يلْوِ على أحدٍ خوفًا من عساكر التركمان. وأمّا الأتابك أُزبَك فكان يلي إينال الأشقر وخلص قبل دهوم الأمر، وأفا من وراءهم (٣) من العساكر وهم قَرقماس الجَلَب، وسُودُون القصرُوي، وآخرون (٤)، فدهمهم سوار بجنوده، وأحاط بهم من سائر الجهات، وجاءهم من

стр. 1303

السهل والجبل، ووقع بينهم حرب شديدة، من قاتل فيها قُتل، ومن هرب ربّما سلِم أو أُسِر، وفيهم من قتل أيضًا. ولما بلغ الأتابك أُزْبَك ذلك أظهر أنه يتوجّه لإحضار من تقدّم من العسكر، وسار قبله كإينال الأشقر ليعودوا (١) نجدة للعسكر الذين في المقاتلة، فتوجّه مُظهرًا ذلك، وفي الحقيقة فائزًا بنفسه، فإنه لم يعد، وقُتل قرقماس الجلب في هذه المعركة، ومن اتفق أن وُجد معه، وهم جماعة كبيرة من الأمراء المصريّين والشاميّين أيضًا. ثم عاد شاه سوار من حيث جاء، بعد أن عاش، وصال واستطال، وقتل ونهب وأسر، وفعل أفعالًا عجيبة في هؤلاء. ولو لم يتقدّم إينال الأشقر والأتابك أُزْبَك وإلّا لكان لهم ما كان لهؤلاء. وصار التركمان يتبعون من مرّ فيلحقونه ويأخذونه أسيرًا، وسبوا الغلمان ونحوهم. وأمّا المماليك فيأخذونهم أسرًا. ولقد حكى لي من أثق به أن امرأة شابّة كانت في هيئة الرجال وبزيّهم ولباسهم، وكان معها آلة السلاح، وقاتلت وأسرت ستة من المماليك، فأوثقت كتافهم وهم مطيعون خاضعون ثم لما أحضرتهم إلى وطاقهم كشفت عن عورتها وقالت: انظروا، توبيخًا لهم، فنظروا فإذا هي امرأة، فكانت هذه من نوادر الأخبار في هذه الكائنة إنْ صدق من أخبر بها، وأظنّ صِدق ذلك، لِما حصل عندهم من الرعب من التركمان. ويا لله العَجَب، كيف يغفلون عن أنفسهم وهم بين ظهراني العدوّ، وفي بلاده، وهو له الأعيُن عليهم فيهم، وهم لا مروءة لهم أن يفعلوا مثل ما فعل من بعث العيون إليه، ليوقفوهم على ما هو فيه، وما يعزم عليه! وقُتل جُلّ العسكر في هذه الكائنة، ونُهبت أموال الجميع ممن سلم أيضًا، وبقي منهم شرذمة قليلة ممن فاز مع إينال والأتابك أُزْبَك، وممن كان قد سبق من هؤلاء أيضًا، وجاز المجاز قبل عرقبة الجمال، على أنه أخذ منهم جمع (٢) بعد الفُرجة، وكانوا وراء الجمال إلى جهة حلب، لكنهم كانوا قريبًا، فأدركهم التركمان، ومن فاز لم يعد ولم يَلْو على أحد، وتمّوا على هزيمتهم، وهم يتوهّمون وصول عسكر شاه سوار إليهم، جادّين في سيرهم، إلى أن دخلوا حلب في غاية التعب والعناء والنصَب، والجهد الجهيد، والكدّ الشديد، ولا خبرعندهم فيما جرى لمن وراءهم (٣)، أعني على التفصيل. وأمّا إجمالًا فقد تحقّقوا القتل والكسرة والنهب والأسر، بل ولا بعثوا من يعلم لهم جليّة الأخبار وحقيقة الأحوال، بل لم يصدّقوا بخلاص أنفسهم، ولا عليهم ممن وراءهم (٤).

стр. 1304

ولما دخلوا حلب ونظروا إلى ما هم فيه من الغلّ والخذلان اقتحموا العَود إلى الأوطان، ولم يتوقفوا على إذن السلطان، فعادوا في خفية، شيئًا فشيئًا، وهم في أنحس الأحوال، منهوبون مسلوبون، بل من سلم منهم عادت فيهم المساءة الذين كانوا معهم، وسلموا حين الاختلاط وكثرة الخباط، فنهبوا منهم أشياء كثيرة، بل وقتلوا منهم من توسّموا أن معه المال، من استفردوا به، ثم صاروا يدخلون القاهرة على الأجهار بعد ذلك. وكان السلطان لما بلغه ذلك وجّه مكْس رأس نوبة الجَمْدارية لينفق في العسكر جامكية أربعة (١) شهور، وكذلك العليق، ونقموا، أعني من بقي منهم إلى أن يردّ عليهم ما يعتمدوه في أمرهم، ولا يزالوا بحلب، فعاد مكسى بعد ذلك في أواخر المحرّم من الآتية، بعد أن كادوا أن يقتلوه، وما خلّص يحيا إلّا بجهدٍ جهيد، بل أوسعوه سبّا ولعنًا، وربّما عرّضوا بذكر مُرسِلِه (٢). [إجمال حوادث السنة] وخرجت هذه السنة العجيبة في السنين، على ما عرفت، فيها من الفِتَن والشر ور، والحروب والحرور، والطاعون والفساد، وهلاك العباد، وخراب البلاد، وحصول الأنكاد، التي لا تكاد أن تُحدّ ولا تُضبط بعد، ليس بخصوص القاهرة، وملك تغيّر فقط، بل بغالب البلاد والأقاليم شرقًا وغربًا، من عِظَم الفِتَن والملاحم. أمّا بهذه المملكة فقد عرفتَ ذلك بما فيه المقنعٍ، وأمّا غيرها فبلاد الشرق قد عرفتَ وتحقّقت قتلة القان الأعظم بو سعيد إجمالا، فقِس على ذلك التفصيل، وكيف يُقتل مثل هذا الملك. وأمّا الغرب فالأندلس مشهور الأحوال لا يحتاج إلى دليل على بيان ما فيه من الفِتَن، وشرور الكفّار في الليل والنهار، بل والمسلمين بعضهم مع البعض. وأمّا فاس وأعمالها، فقد أشرنا لك غير ما مرة ما كانت فيه من الفِتَن من قبل السبعين إلى بعد الخمس وسبعين، وما هم فيه بنو (٣) وَطّاس، من معاداة صاحبها السيد الشريف محمد بن عِمران، وتجرُّئهم عليه ومحاصرتهم إيّاه، ومنازلة فاس المرّة بعد المرّة، الكَرّة بعد الكَرّة وما هم فيه أهل فاس من البلاء بطول المحاصرة.

стр. 1305

وأمّا تِلِمْسان فقد عرّفناك أيضًا ما كانت فيه من الأحوال، بنقض الصلح الذي اتفق عليه صاحب تونس، أولًا وثانيًا. وأمّا تونس فهي أخفّ فِتنًا من غيرها، هذا مع ما فيه عِربانها من الشقاق والنفاق. وأمّا غير هذه الممالك فبالضرورة أن تكون كذلك. ومع هذا كله فالظلم الظاهر عَمّال، وقطع الطرقات والمخاوف المتداولة، والأحكام الباطلة، والأراجيف الهائلة، وأخْذ الأموال، وتغيّر الأحوال، ولكل إنسان في ذلك حظ ونصيب بحسب حاله، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون.

стр. 1306

ذِكر نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووَفَياتهم في هذا الزمان سنة ٨٧٣ (ترجمة ابن (٢) بيغوت) (٣) ٤٥٣ - إبراهيم بن بيغوت (٤) الجركسيّ الأصل، الدمشقي. صارم الدين، حاجب الحجّاب بدمشق، ووالده بيغوت من صفد خُجا الأعرج المؤيَّدي هو نائب صفد. وقد تقدّمت ترجمته. تنقّل ولده هذا بعد أبيه في عدّة إمريّات بالبلاد الشامية، بعد محنةٍ اتفقت له في أيام حداثته في حياة أبيه، في دولة الظاهر جقمق، فإنه كان سجنه من أجل أبيه، ثم أحضره مرة من السجن إلى بين يديه، وأمر به فضُرب ضربًا مُبرحًا ظُلمًا، فإنه فعل معه ذلك بذنب أذنبه والده، وأعيب ذلك على الظاهر، كيف وقد قالى الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ثم تنقّلت به الأحوال بعد ذلك، حتى استقر في دولة الأشرف إينال، في الإمرة العشرين التي كانت بيد الوالد، زيادة على ما بيده من التقدمة بدمشق، بعد أن سعى إبراهيم في ذلك السعي الحثيث، وبذل فيها المال، مع علمه برياسة الوالد، وكثرة كُلفه، وما كان فيه، ومع علمه باستحقاقه لِما هو فوق ذلك. ومع ذلك فلم يُراع ولا تأدّب معه، وما حمده الناس على ذلك. ثم وُلّي في دولة الظاهر خُشقدم، خُشداش والده، نيابة قلعة دمشق بمالٍ بذله في ذلك أيضًا، ثم صُرف عنها، ثم آل به الأمر إلى حجوبية الحجّاب بدمشق. وخرج

стр. 1307

في التجريدة مع نائب الشام. واتفق أن بقي فيمن بقي من العساكر الذين خرج عليهم سوار في المضيق، فقُتل في ذي الحجة في يوم المعركة. وكان حشمًا، ذا هيئة وشكالة، عارفًا بأمور دنياه، متجمّلًا في شؤونه (١)، عاريًا عن الفضائل، لا بأس به في بعض الأحوال والسيرة، وهو الذي استبدل دار كمشبُغا طولو بدمشق وجدّد إنشاءها (٢)، وأنشأ بقربها حمّامًا من لَبَش الدار، وهي الآن على ما أنشأها عليه، وهي من مشاهير دُور الأمراء بدمشق، وبها كان يسكن الوالد وهو بدمشق، مع ما أضافه إليها من عدّة دُور بأحوازها. وكان سنّ إبراهيم هذا حين مات زيادة على الستين سنة فيما أظنّ. ٤٥٤ - أحمد بن قايتباي (٣). الطفل الشهيد، شهاب الدين ابن (٤) السلطان الأشرف سيف الدين، سلطان العصر، تقدّم في المتجدّدات كيف مات في الطاعون. وأنه من الخَوَنْد فاطمة الخاصكية (٥)، ودُفن بتربة والده، وهو في الرابعة من العمر. (ترجمة الإشليمي) (٦) ٤٥٥ - أحمد بن محمد بن صالح بن عثمان بن محمد بن محمد بن الإشليمي (٧)، الحُسَيني مولداً، القاهري، الشافعي. الأديب الفاضل، البارع الكامل، شهاب الدين، المعروف بابن صالح، وتارة بالإشليمي. ولد بالحسينية في حدود العشرين وثمانمائة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، و"العُمدة" و"المنهاج" و"ألفيّة ابن (٨) مالك" وغير ذلك، وعرض على جماعة من أعيان علماء عصره، وأجازه منهم جماعة،

стр. 1308

منهم: الحافظ ابن (١) حجر، والمحبّ ابن (٢) نصر الله، والمجد البرماوي. ثم أخذ في الاشتغال وله نحو الخمس عشرة (٣) سنة ودأب واجتهد في تحصيل الفنون، فمن مشايخه الشمسان (٤): القاياتي، والونائي، والتقيّ الشُمُنّى، وأبو (٥) القاسم النُويري، والشهاب الحِنّاوي، والعضد السيرامي وآخرون (٦). وأخذ في علوم الحديث عن الحافظ ابن (٧) حجر، ونظم نظمًا جيّدًا، ونثر أيضًا وأجاد في ذلك. فمن نظمه في مليح اسمه خضر وفيه اكتفاء بديع: أضحى ينادي خضِر … ثغري بجفني حما. هـ يا حبّذا كاسُ طِلا … وحبّذا عين حيا (٨). هـ (٩) ومنه فيمن اسمه فَرَج، وفيه تضمين وتورية مثلّثة، وهو غاية في الجودة والحسن: شكا (١٠) فؤادي هَمَّ الصدِّ يا فَرَجُ … وفيك أصبح صدري ضيّقا حَرِجا واستيأس القلب حتى رحت أنشده … يا مشتكي الهمّ دعه وانتظِر فَرَجا (١١) وله بديهة وفيه موارية ظاهرة وتصحيف: للهِ مجدُ الدين من سيّدٍ … بقُربه أصبح قدري جليلْ يرفعني حتّى على نفسِه … فلا عدمتُ الدهرَ مجدًا أثيلْ (١٢) ومدح الحافظ ابن (١٣) حجر بقصيدة بائية طنّانة مشهورة، وأولها: لواحظه تجني وقلبي يُعذَّبُ … فلا سَلَوني عنه ولا الصبرُ يَعْذُبُ (١٤) وله غير ذلك من الأشعار، وكان يحبّه الكثير من الرؤساء والأعيان، لا سيما الكمال ابن (١٥) البارزي كاتب السرّ، فإنه كان مقرَّباً عنده، مختصّاً به غاية، وحج

стр. 1309

معه في السنة التي خرج فيها بأخته الخَوَند نول، زوجة الظاهر، واستنابه على ما معه من النقد وأركبه المحمل الذي كان مُعَدًّا لراحته. ووُلّي عدّة وظائف، من ذلك تدريس قبّة الإمام الشافعي ﵁. ومن غريب ما اتفق له في ولايتها، أن إنسانًا رأى في منامه كأنّ الإمام الشافعي، ﵀، جاء إلى صاحب الترجمة ليسلّم عليه، فلم يمض على ذلك إلّا اليسير، حتى وُلّي هذه الوظيفة. وكان إنسانًا حسنًا، فاضلًا، خيّرًا، ديّنا، ذا سمت حسن وتؤدة وعفّة وأمانة، فكِه المحاضرة، لا يُملّ منه ولا يُرغب عنه. توفي في يوم الإثنين عاشر شعبان. وحُكي عن موته حسنة، وكانت جنازته حافلة. ٤٥٦ - (أحمد بن محمد بن سليمان البكري، الدمشقي، الشافعي. ( … ... … ) (١) شهاب الدين، المعروف بابن الصابوني (٢)، المتكلّم عن ولده في الوظيفة بدمشق ( … ... ) (٣) نظر الجيش، كان ( … ) (٤) دمشق ( ...... ) (٥). ولد بد [مشق] وبها نشأ ( … ) (٦) في تاريخـ (ـه). وتوفي إلـ ( … ... ) (٧) مسجونًا بقلعة دمشق) (٨). ٤٥٧ - (أحمد بن محمد بن علي بن أبي بكر محمد بن المزلّق (٩)، الحلبي الأصل، الدمشقي، الشافعي. الخواجا التاجر، الرئيس، شهاب الدين، أحد الـ ( … ) (١٠) [التـ]ـجار بدمشق.

стр. 1310

وله ( … ) (١) وما داخَلَ [الدولة كأ] (٢) خيه. [وكان إنسانًا] حسنًا ( … ) (٣). توفي [يوم الـ]ـــثلاثاء ثالث [عشر المحرّم] (٤)) (٥). ٤٥٨ - أركماس الظاهري (٦). أحد العشرات، (ورؤوس (٧) النُوَب) (٨)، المعروف بقَرا. كان من مماليك الظاهر خُشقدم، ومن جُلبانه المختصّين به، صيّره خاصكيًا، ثم بوّابًا في دولته، فكان له شهرة في الدولة، وأُمِّر عشرة في سلطنة الظاهر يَلَبَاي، وصُيّر من رؤوس (٩) النُوَب، ثم أخرجه الأشرف قايتباي بعد سلطنته منفيًا إلى حلب، وأظنّ أُمّر بها إمرة هيّنة. وبها توفي بالطاعون فيما أظنّ. وكان شابًا حسنًا، متوسط السيرة، عارفًا بأنواع الملاعيب والفروسية. ولم يبلغ الثلاثين من العمر. واسمه تقدّم الكلام عليه فلا نعيده. ٤٥٩ - أصيل الخُضَري (١٠) محمد بن إبراهيم بن علي. وسيأتي في مرتبته في المحمّدين إن شاء الله تعالى. ٤٦٠ - آقباي اليحياوي (١١)، الأشرفى. أحد العشرات.

стр. 1311

كان من مماليك الأشرف إينال، ومن خاصكيّته، وأُخرج منفيًّا بعد موته، ثم حضر بعد موت الظاهر خُشقدم. ولما تسلطن الأشرف قايتباي أمّره عشرة، ودام على ذلك إلى أن بَغَتَه أجله. وكان شابًا حسنًا، له فروسية وعنده شجاعة، وحسن هيئة وتؤدة. توفي في ليلة الأحد رابع شوال، في أواخر الطاعون مطعونًا. وأُحضرت جنازته إلى مصلّى سبيل المؤمني، ونزل السلطان للصلاة عليه. ٤٦١ - آقبردي الأشرفي (١). أحد العشرات ورؤوس (٢) النُوَب، المعروف بالهوّاري، خُشداش الذي قبله. كان من مماليك الأشرف إينال، ومن خواصّ خاصكيّته، ونُكب بعده ونُفي إلى الصعيد، ودام به إلى أن جرت كائنة نائب جُدّة في دولة الظاهر خُشقدم كما تقدّم، ونُسب فيها جماعة إلى أشياء توسّع خوف آقبردي هذا، فلحق ببعض عُربان هوّارة بالوجه القِبلي، ومكث عندهم مدّة، ولذا عُرف بالهوّاري، ثم حضر القاهرة بعد موت الظاهر خُشقدم. ولما تسلطن الأشرف قايتباي أمّره عشرة وصيّره من رؤوس (٣) النُوَب، فلم تطُل مدّته حتى بغته الأجل بالطاعون. وكان شابًا حسن الهيئة والشكالة والصورة، مع نُحُولٍ زائد، وإسراف على نفسه كثير، توفي في ليلة الثلاثاء، ثامن عشرين شهر رمضان. وقد أكمل الثلاثين من العمر. وأُحضِرت جنازته لمصلَّى المؤمني، وحضرها السلطان. ٤٦٢ - أنْصْباي الإبراهيمي (٤)، الأشرفي. الخاصّكي، وأمير اخور التبن والدريس، المعروف بالأعور. كان من مماليك الأشرف إينال، وصُيّر خاصكيّاً بعده، ثم وُلّي أميراخورية التبن والدريس. وكان أعورًا، مسرفًا على نفسه، غير مشكور.

стр. 1312

توفي بالطاعون في هذه السنة، وما حرّرتُ شهر وفاته، ولعلّه رمضان. وولي بعده هذه الوظيفة محمد بن مسافر، وهي بيده إلى الآن. واسم صاحب الترجمة غلط عن أنص باي، فباي قد عرفت معناها وأنها تركية. وأمّا أنص فيقال إنها لغة جركسية معناها (١). ٤٦٣ - آياس البَجاسي (٢). نائب (القدس. كان من مماليك تَنِبَك البُجاسي نائب الشام، وهو مشهور الترجمة، وليس من مماليكه غيره، وتنبك بَرسْباي البُجاسي نائب الشام الماضي من قريب، و [قاسى] (٣) آياس هذا بعده الأهوال، ونزل في ( … ) (٤) الجند السلطاني، ثم أُمّر بغزّة، ثم عاد إلى القاهرة، ثم وُلّي نيابة القدس في دولة الظاهر خُشقدم بمالٍ بذله في ذلك، وذلك في سنة ٨٦٣، عِوَضًا عن حسن بن محبوب الكردي (٥)، ولم يلبث أن عُزل بشاه منصور (٦)، وعاد إلى القاهرة، ودام بها حتى عُيّن إلى حلب في جملة من عُيّن لشاه سوار، فأدركه أجله. وتوفي بحلب في هذه السنة، وما علمتُ هل مات قبل الوقعة أو بعدها. وكان شيخًا منوّر الشيبة) (٧). ٤٦٤ - إينال الزيني (٨)، الأشرفي. أحد القرانصة المقطَعين، المعروف بالفقيه. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، واعتنى بالفقه وأخذه عن جماعة، حتى حصل منه جانبًا كبيرًا، وتميّز فيه حفظًا واستحضارًا للمنقولات، وتصدّى لإقرائه، وكان له حلقة حافلة جدًا بالأتراك وغيرهم بالخانقاه الشيخونية، وانتفع به جماعة،

стр. 1313

منهم آياس الفقيه (١) الآتي في وفيات ثلاثٍ وثمانين إن شاء الله تعالى. وكان خيّرًا، ديّنًا، فاضلًا، فقيهًا، يستحضر المسائل الكثيرة جدًّا. توفي في هذه السنة، وما حرّرت شهر وفاته. ٤٦٥ - إينال باي الأشرفي (٢). أحد العشرات ورؤوس (٣) النُوَب، المعروف بميق. كان من مماليك الأشرف إينال ومن خاصكيّته، ونُفي بعده إلى الصعيد ودام به إلى ما بعد وفاة الظاهر خُشقدم، فحضر إلى القاهرة، ثم لما تسلطن الأشرف إينال أمّره عشرة، وصيّره من جملة رؤوس (٤) النُوَب، فلم ينْشب أن بَغَتَه أجله بالطاعون. وكان شابًا حسنًا، فارسًا، شجاعًا، عارفًا بأنواع الفروسية الملاعيب، له جرأة وإقدام، كريمًا، سَمْح الأيادي، حسن السصت والملتقى، لا بأس به. توفي في يوم السبت تاسع عشر شهر رمضان. ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه بسبيل المؤمني، وأظهر التأسّف لأجله. ٤٦٦ - بَرْسْباي الأبوبكري (٥)، الأشرفي. أحد العشر ات ورؤوس (٦) النُوَب، المعروف بأمير اخور. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي وخاصكيّته، بل وخواصّه، ولما تسلطن الأشرف إينال صيره من الأميراخورية الخاص، ودام على ذلك مدّة، ثم أمّره عشرة في أواخر دولته، ثم صيّره من رؤوس (٧) النُوَب، ودام كذلك حتى تسلطن المؤيَّد أحمد ابن (٨) الأشرف إينال المذكور. فعيّنه للبشارة بسلطنته لنائب غزّة، وعاد. ثم لما تسلطن الظاهر خُشقدم قبض عليه في جملة من قبض من الأشرفية بالقصر،

стр. 1314

وسُجن بثغر الإسكندرية، ثم نُقل إلى سجن قلعة المَرْقَب، ودام إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فاستقدمه إلى القاهرة، وأعاده إلى ما كان عليه، من كونه أمير عشرة ورأس نوبة، ثم عيّنه في هذه التجريدة لشاه سوار، وبها بَغَتَه أجَلُه. وكان إنسانًا حسن الهيئة والملتقى، كثير الأدب والحشمة، مع بعض إسرافٍ على نفسه، لكنْ في سترة وبحشمة. توفي قتيلً في ذي الحجّة. وكان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة ومحبّة إلى الغاية. وكان سنّه زيادة على الستين سنة. ٤٦٧ - بُوسعيد (١) بن أحمد بن ميران شاه بن تمرلنك. القان الأعظم، سيف الدين، صاحب سمرقند وبُخارَى وما والاهما من بلاد ما وراء النهر. وبقيّة نسبه قد تقدّم في ترجمة أُلُوغ بك. كان صاحب الترجمة من أعظم سلاطين الإسلام وملوكهم، وغلط بعض المؤرّخين (٢)، بل كذب، حيث قال: وفيها هلك الطاغية الخارجي بو سعيد، فإنه بعيد عن معرفة أحوال هذا الملك وأخباره فَظَنَّه كَجَدّه، ولما وقع لجهان شاه ما وقع من قتله على يد حسن الطويل، وبلغ ذلك بو سعيد هذا بادر بالمشي على مملكته تبريز وأعمالها، واستلاش حسن الطويل ولم يأخذه في عينه، وظنّ أنه قتل جهان شاه، وفرّ لبلاد نفسه، ولم يعسر عليه أنه يتملّك العراقين وتبريز، فأراد انتهاز الفرصة قبل أن يليها أحد من أقارب جهان شاه بن قَرا يوسف أو أولاده، وخرج من سمرقند بكثير من عساكره، وبثّ جماعات منهم في أطراف مملكة أذَرْبَيْجان، فملكوا الكثير منها من غير ممانعة ولا مدافعة، فعلم من قصد بأنهم لا طاقة لهم ببو سعيد، وظنّ هو أن المملكة صارت له، وأنه لا معارض له فيها، وظنّ أنه لا يصل قَدْر حسن إلى أن يملك العراقين، فلم يحسب حسابه، ولا أخذ حذره منه، ولا من حسن علي بن جهان شاه الذي مُلّك بعد أبيه. وسار بو سعيد

стр. 1315

هذا قاصدًا تبريز من طريق وسَطي، وهو جازم لا يشكّ في أنه يملكها، وكانت خزائنه بالأموال الطائلة. ورآه يبعد عنه بأيام على عادتهم في ذلك، ولما توغّل البلاد وقع القحط في عساكره، وبلغ حسن ذلك، فتنبّه له وأعمل فِكره في أخذه، حتى تم له ذلك على ما ستعرفه، وخصوصًا لما بعث بو سعيد بأمّه لحسن للتلطّف به، فأذكره ذلك حَدَس بأنه في جهدٍ وغلبة، فتنبّه لأخذه، وأعمل الحيلة في ذلك، ولذلك خبر يطول، وفيه زيادة ونقص، ولم أحرّره كما ينبغي، فلهذا لم أسطره، ولكن الذي تجدّد لي من هذه الكائنة، أن حسن لما بلغه ما فيه عسكر بو سعيد من جهة القحط، واشتغالهم بأنفسهم، طمع فيهم. وكان بين عسكره وبين عسكر بو سعيد مسيرة ثلاثة أيام. ولما بعث بو سعيد ابنه إليه، في قضية عدم المعارضة في أمر الميرة، أعادها إلى ذكرها من بعده، وأحسّ بو سعيد بشرّ، فأعادها إلى حسن ثانيًا، مظهرًا الدخلة عليه في عدم تعرّضه لعساكره في أمر الميرة، وكان قد بعث إلى بلاد شَمَاخي (١) بطلب الميرة، وبلغ حسن ذلك، فبعث لصاحب شماخي بمنعه من ذلك، ثم ندب ولده للسير خلفه وهو مُجدّ، وحسن بأثره، وكان يقصد بو سعيد بإعادة أمّه تثبيط حسن عن سيْره إليه، وإعاقته عن ذلك، فإنه أكّد عليها في أن تعيقه عن مسيره إليه، وإلّا فقد هلك، وأحسّ بذلك، وعلم بحيلة بو سعيد لينجو بنفسه، فعاكَسَه في مقصده، وجدّ في سيره، وولده قد خرج قبله، فأدرك الولد عسكر بو سعيد هذا وهم في أسوأ (٢) حال وغلبة، بعد أن بلغ حسن مكان خزانته، فقاطع عليها ومَلَكَها عن آخرها، وبعث في الحال من يوصل هذا الجند لعسكر بو سعيد، ليبعدهم عنه، ويقع رعب حسن في قلوبهم، وأنه واصل، ثم وصل من قدّامه ووراء عسكر بو سعيد بن حسن، فالتقيا على عساكر بو سعيد، لم يجد بُدًّا مز المقاتلة، فوقعت الحرب بينهما ساعة، ثم انجلت عن قتْل بو سعيد أو حزمه، ثم أخِذ فحزّ رأسه أو نحو هذا، كل ذلك بعد الهزيمة. هذا ما تحرّر لي من ذلك. ووهِم من قال بأن بو سعيد هذا جاء نجدة لحسن علي بن جهان شاه على حسن، بل إنّما جاء لأخذ البلاد منه لاستلياشه، واستلاش حسن أيضًا، وكان فعله هذا في هذه السنة، ولعلّه في ذي القعدة أو شوّال، والله أعلم. وحُزّت رأسه، فيقال بعد أسره، وقيل بعد أن وُجد قتيلًا بالمعركة. ويقال غير ذلك. والله أعلم.

стр. 1316

وكان بو سعيد هذا من أجلّ ملوك الإسلام، ومن أهل العلم والفضل والديانة والخير. وله ببلاده الآثار العظيمة. وبعث حسن برأسه إلى القاهرة على ما بيّنّا ذلك، وأمر السلطان حين قدومها للقاهرة بدفنها، وعرف ما غرض حسن من إرساله بها لهذه البلاد، فلهذا أمر بأن تُدفن. ووهِم من قال: طيف بها القاهرة والمنادي معها (١)، بل كذب. ولعلّ اسم "بو سعيد" هذا غلط عن أبي سعيد، هذا هو الأقرب. ووهِم من قال بأنه "بوصعيد". وهذا الاسم عَلَم عليه لا كُنْيَة. ٤٦٨ - • وولي بعده مُلكَ سمرقند ولده أحمد، وهو نحوٌ من أبيه في ترجمته، ويُذكر بحسن السيرة والعلم والعدل، والعقل التام. وهو شاب، وبيده مُلك سمرقند ليومنا هذا. - • وله أخ يسمّى محمود، هو صاحب مملكة بَلْخَشَان، وهو متّفق هو وأخوه متحاببان، لا شنان بينهما ولا تباغُض. ويُذكر محمود هذا أيضًا بحُسن السمت والسيرة والعدل. ٤٦٩ - بيبرس الأشرفي (٢). رأس نوبة النُوَب، المعروف بخال العزيز وبأخي خَوَنْد أيضًا، وهي زوجة الأشرف بَرسْباي الخوَنْد الكبرى جُلبان، أمّ العزيز يوسف، الماضي ذِكرها في ترجمة ولدها. ولم يكن بيبرس هذا شقيقًا للخَوَند ( … ... ) (٣) أمّها (٤). وأحضر بيبرس هذا في دولة الأشرف بَرسْباي مع أقارب خَوَند المذكورة، فيقال إنه لم يملك، وكان من الخاصكية في دولة الأشرف المذكور، ولم يُمتحن بعده، لأنه لم يُشهر بشرّ ولا بإثارة فتنة، بل كان ممن يسالم كل طائفة. وتأمّر عشرة في دولة الظاهر جقمق لا سيما وقد قيل إنه هو الذي كان السبب في القبض على العزيز، وإنه أعلم به يَلَباي، على ما عرفت ذلك آنفاً، لا سيما في ترجمة العزيز، بل وفي ترجمة الظاهر يلباي.

стр. 1317

ثم لما تسلطن إينال الأشرف رقّاه إلى إمرة طبلخاناة في أيامه، ثم صيّره بعد ذلك من جملة مقدَّمين (١) الألوف، ثم ولي حجوبية الحجّاب عِوَضًا عن بَرسْباي البُجاسي، لما نُقل إلى الأميراخورية الكبرى، بعد وفاة يونس العلائي، في طاعون سنة أربع وستين، على ما تقدّم ذلك في محلّه، ودام كذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فنقله إلى رأس نوبيّة النُوَب، عِوَضاً عن قانَم التاجر، لما نُقل إلى إمرة مجلس، عِوضًا عن قرقماس الجَلَب، لما نُقل إلى إمرة سلاح، عِوضًا عن جَرِباش المحمدي، لما نقل إلى الأتابكية، عِوَضًا عن خُشقدم، بحكم سلطنته بعد خلع المؤيَّد، على ما عرفتَ جميع هذه التنقلات في محالِّها، ثم لم تطُل مدّة بيبرس هذا في الرأس نَوبته، حتى قُبض عليه في جملة الأمراء الأشرفية المقبوض عليهم بالقصر، وقبض عليه لا لشرّه، بل مندوحةً لأخذ إمرته ووظيفته، وسُجن بالإسكندرية مدة، ثم أُطلق ووُجّه به إلى القدس بطّالًا، فدام به بعد أن وصل إليه الخبر بذلك، وتجهّز وخرج، ودام بالقدس بعد ذلك بطّالًا إلى أن بَغَتَه الأجل بها. وكان من عقلاء الأمراء، إنسانًا حسنًا، ذا سكون وحُسن هيئة وتؤدة، وسلامة فِطرة، لكنه كان مسرفاً على نفسه. وكان بينه وبين الوالد صَهارة لتزوّجه بأخته الست أصيل، أخت الخَوَند جُلبان الماضي ذِكرها في محلّه من سنة تسع وستين، وكان ممن يعظّم الوالد جدًّا، ويساعده على أخته المذكورة، وكان بخلاف جَكم في ذلك. توفي بيبرس هذا في أواخر شهر رمضان، أو أوائل شوّال. وله نحو السبعين سنة أو أكملها. واسمه مركَّب من "باي" وهو الأمير، و"برس" وهو الفهد، واستُعمل عَلَمًا. ٤٧٠ - تغري بردي (٢) المنصوري. أحد العشرات المعروف بالأرمني، أصله من الفرنج الفرنتيّين (٣)، وهم طائفة معروفة، ونشأ بكَنَف المقام الفخري عثمان ابن (٤) الظاهر جقمق قبل أن يتسلطَن، ثم نُسب إليه بعد سلطنته، وكان من خواصّه، وممن يقربه المنصور لشجاعةٍ كانت عنده، ولما تسلطن الظاهر تمربُغا أقطعه إقطاعاً جيداً، وكان من الخاصكية قبل

стр. 1318

ذلك أيضًا. ثم لما تسلطن الأشرف قايتباي بعثه إلى الأتابك أُزْبَك بعد كائنة سوار، التي قبض فيها على الأتابك جانِبك قُلقسيز، فأحضره من الشام، وهو حينئذٍ نائبًا بها، ليَلي الأتابكية بالقاهرة، ثم أمّره عشرة بعد ذلك، وعيّنه صحبة الأتابك المذكور إلى التجريدة، بعد أن صيّره من رؤوس (١) النُوَب، وخرج وما عاد. وتوفي قتيلًا في ذي الحجّة. وكان غير مشكور السيرة مع عصبية فيه وإقدام. ٤٧١ - تمر باي (٢) الجُلُبّاني (٣). أحد الأمراء بدمشق، (ورأس (٤) النَوْبة) (٥). ذكر (بعض الناس فيما رأيت بخطّه أنه توفي قتيلًا في كائنة سوار. ولا أعلم شيئًا من أحواله غير ما ذكرته) (٦). ٤٧٢ - تمرباي الحَسَني (٧)، الظاهري، الخاصكي. كان من مماليك الظاهر جقمق، وصُيّر خاصكيّا في أوائل دولة الظاهر خُشقدم، ودام على ذلك حتى عُيّن مع التجريدة صحبة الأتابك أُزبَك، فخرج إليها، وبها بَغَتَه الأجل. وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديِّنًا، كثير الأدب والحشمة. توفي قتيلًا في ذي الحجّة. ٤٧٣ - جانِبَك السيفي (٨) تغري برمش التُركماني. دوادار السلطان بدمشق، وأحد مقدَّمين (٩) الألوف بدمشق.

стр. 1319

كان من مماليك تغري برمش التركماني البَهَسْني، نائب حلب، المشهور الترجمة، وتنقّلت به الأحوال بعده، فنزل في ديوان الجند السلطاني، ثم صُيّر خاصكيًّا، ثم وُلّي نيابة قلعة صفد، ثم صُيّر من مقدَّمين (١) الألوف بدمشق، ووُلّي دوادارية السلطان بها، وخرج في التجريدة هذه إلى سوار مع العسكر الشامي، وبها بَغَتَه الأجل. وكان إنسانًا متهوّرًا، كثير الدعوى، ويُظهر أنه من ذوي العقول التامّة، ومن أهل الرأي والتدبير والمعرفة، ولم يكن قريبًا مما يدّعيه، فضلًا أن يكون ذلك فيه. توفي قتيلًا في ذي الحجّة في كائنة سوار المذكورة. ٤٧٤ - جانبك الشمسي (٢)، المؤيَّدي. أحد العشرات، المعروف بقُجا، ومعناه: شيخ. كان من مماليك المؤيد شيخ، وطالت أيامه في الجندية عدّة سنين في عذة دولى، حتى آلت السلطنة إلى خُشداشه الظاهر خُشقدم، فأمّره على إمرةٍ هيّنة جدًّا تقارب أقاطيع بعض الأجناد، حتى ذكر لي من أثق به على أنه في أقاطيع بعض الخاصكية ما هو أَمْيَز مِن إمرة جانِبَك هذا، وليتها دامت معه، بل لما كانت فتنة يشبُك الفقيه، التي خُلع فيها الظاهر يَلباي، وتسلطن الظاهر تمربُغا، أراد نفيه حتى شفع فيه، فبقي بالقاهرة بطّالًا حتى بَغَتَه الأجل. وكان إنسانًا ساكنًا، قليل الشرّ، لا بأس به. وذكر الجمال ابن (٣) تغري بردي عنه أنه كان من المهملين، وذلك على عادته في وصف من لا شرّ ولا خير عنده بذلك. وذكر بعضهم عنه أنه كان مسرفًا على نفسه، والله أعلم بذلك. توفي بالقاهرة بطّالًا في يوم الأربعاء رابع عشر المحرم، وهو في الشيخوخة. ٤٧٥ - جان بُلاط (٤) الأشرفي. أحد العشرات. كان من مماليك الأشرف إينال، ومن أعيان الخاصكية في أيامه وخواصّه،

стр. 1320

وصيّره ساقيًا في دولته، ثم امتُحن بعد موته، وأُخرج من القاهرة. ولما تسلطن الأشرف قايتباي أمّره عشرة، وكان قدم القاهرة بعد موت الظاهر خُشقدم، ولم تطُل مدّته حتى بَغَته الأجل في زمن الطاعون. وكان شابًا حسنًا، جميل الصورة، حسن الهيئة، ذا أدب وحشمة، وحُسن مداراة ومعرفة، لا بأس به. توفي في يوم السبت سادس عشرين شهر رمضان، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلَّى سبيل المؤمني. واسمه مركَّب من "جان" وهو: الروح و"بلاط" التي هي غلط عن فولاذ. ومعناه: روح فولاذ، أو فولاذ روح، ثم جُعل عَلَمًا. ٤٧٦ - جانَم الظاهري (١). أحد العشرات، ورؤوس (٢) النُوَب، المعر وف بالمجنون. كان من مماليك الظاهر خُشقدم، وصيّر خاصكيًّا في دولته، ودام على ذلك مدّة حتى تسلطن الظاهر يَلَباي، فصيّره من العشرات، ثم لما تسلطن الأشرف قايتباي بعد فتنة خلع (٣) تمربُغا أخرجه منفيًّا إلى البلاد الشامية، فيما يغلب على ظنّي، وبها توفي في طاعون هذه السنة. كان شابًا طائشًا، حادّ المزاج، سيّئ الأخلادتى، كثير الحركة، ولهذا لُقّب بالمجنون. وكان سنّه يوم مات نحو الثلاثين سنة. ٤٧٧ - جَكَم المحمدي (٤) الظاهري. أحد الطبلخانات، والحاجب الثاني، وابن (٥) أخت السلطان الأشرف قايتباي سلطان العصر. كان من مماليك الظاهر خُشْقدم، وتعارف بخاله الأشرف قايتباي في أيام إمرته، ورُوعي لأجله، فأمّره أستاذه الظاهر خُشقدم عَشَرة في دولته. ثم

стр. 1321

لما تسلطن الظاهر تمربُغا لم يُنكب في جملة الخُشقدمية، بل زاد رِفعة لأجل خاله، لا سيما وقد صار الأتابك، فأمّره تمربُغا طبْلخاناة، وصيّره حاجباً ثانيًا، عِوضاً عن قانِبَك السيفي يشبُك بن أزدمر، بحكم عجزه، ودام على الحجوبية. حتى توفي بالطاعون في يوم الخميس ثالث عشرين شهر رمضان. وسِنّه نحو الثلاثين سنة. وكان ذا شجاعة وفروسية، لكنّه غير مشكور السيرة، وحضر خاله السلطان الصلاة عليه بمصلّى سبيل المؤمني، وكانت جنازته حافلة. واسمه قد تقدّم الكلام عليه، أظنّ في جَكَم نائب كركر في سنة ثمانٍ وستين. ٤٧٨ - جقمق المؤيَّدي (١). أحد العشرات. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصيّر خاصكيًّا بعده بمدّة، أظنّ في أوائل دولة الظاهر جقمق سمِيّه، ثم صيّره نائب رأس نَوبة الجمدارية، ودام إلى أن أمّره الأشرف إينال عشرة بدمشق، وخرج إليها. ولما تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم أُمّره عشرة بالديار المصرية، وقرّبه واختصّ به، ودام على ما هو عليه، إلى أن جرت كائنة خلع يَلَبَاي، فأخرج عنه الظاهر تمربُغا إمريّته، ولما تسلطن الأشرف قايتباي رتّب له دينارين في اليوم، فأكلهما. إلى أن توفي في هذه السنة، فيما يغلب على ظنّي. وكان إنسانًا حسنًا، عاقلًا، حشمًا، خيّرًا، ديّنًا، ساكنًا، ذا بشاشة وحُسن سمت. ٤٧٩ - جوهر اليشبُكي (٢)، الهندي، الطواشي، صفيّ الدين الخازندار، والزمام، المعروف بالتركماني. كان عتيقًا لأخت يشبُك الجَكَمي الأميراخور، وكانت زوجًا لأقبُغا التُركماني نائب الكرَك، الذي وُلّيها عن الوالد، ونُسِب إليه فقيل: التُركُماني، لأنه كان في خدمته مع سيّدته، وكان هو يدّعي بأنه من خُدّام يشبُك نفسه، فلهذا صار ينسب نفسه إليه، كأنّه أنِف أن يُنَسب إلى المرأة، ونسي أن ذلك مما يشينه في دينه، على

стр. 1322

ما نطق به الحديث الشريف النبوي، على قائله أفضل الصلاة والسلام، فيمن يُدعى لغير سيّده العتْق له. ثم اتصل ببيت السلطان، وتنقّل في عدّة أشياء مما يتعلّق بالطواشية إلى أن صار شادّ الحوش، ثم نُقل إلى الخازندارية والزمامية، بعد عزل لؤلؤ عنهما، وبذل المال في ذلك. وهو الذي أنشأ الغَيط الهائل بدو (١) بالجيزية. وقد رأيت هذا الغَيط. ولم يخلّف جوهر هذا بعد موته كبير مال، سوى هذا البستان. ولم يكن فيه فضيلة ولا خلّة محمودة. وكان كثير التودّد إلى الوالد والتردّد إليه، وإظهار محبّته وصحبته. وكان في الحقيقة من صغار الخدّام، وإنّما جاءته السعادة بغتةً (٢) بذَين الوظيفتين، وكان غير مشكور السيرة. توفي في ليلة الجمعة مستَهلّ جماد الأولى بمرضٍ طال به. وكان في عشر السبعين، أو أكملها. وأُحضرت جنازته إلى مُصلّى سبيل المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه، وولَّى وظيفتيه بعده الخادم جوهر النَوروزي الآتي إن شاء الله تعالى. ٤٨٠ - حسن بن بغداد (٣)، المعروف بابن بدر الدين. شيخ العربان ببعض أقاليم الغربية ببلدة محلّة المرحوم. كان يُتَّهم بكَنْز المال وسعته. وتوفي في جماد الأول. وقد عُمّر، فلعلّه جاوز الثمانين، وخلّف عدّة أولاد. ٤٨١ - حسن بن محمد بن حسن الكيلاني (٤)، العجمي، الصالحي، الشافعي. نزيل الخانقاة الشيخونية.

стр. 1323

قدم القاهرة في أواخر سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وأنزله شيخنا الكافِيَجي، ﵀، بخلوةٍ من الخانقاة الشيخونية، وظهرت لديه فضيلة وطلب عِلم، وأخبر أنه أخذ عن جمْع جَمّ من علماء بلاده وغيرهم، وأنه جال الكثير من البلاد، وأنه أقام بدمشق مدّة بصالحيّتها، ثم ببيت المقدس. وكان حسن الكتابة، يجيد كتابة المنسوب، وكتب بخطه كثيرًا. وكان حسن السمت والملتقى، كثير البشاشة وطلاقة الوجه، حسن الهيئة، يُظهِر التجمّل في شؤونه (١)، وعنده تديّن وخير، مع تعاظُم وشَمَم. وأخذ كثيرأ عن شيخنا العلّامة الكافِيَجي، وكتب شيئًا من تصانيفه. وتوفي في سابع عشر شهر رمضان. وهو شاب، أظنّه لم يبلغ الأربعين. وترك شيئًا من الكتب بخطّه الحسن، وغير ذلك، وأوصى لشيخنا الكافِيَجي، وللشيخ علاء الدين العيلاني بلديّه، وأقرّ بأن له ورّاثًا ببلاده، ولا زال موجوده تحت يد شيخنا حتى مات، فاستولى عليه ديوان الحشْرية، مع موجود شيخنا رحمه الله تعالى. ٤٨٢ - حسين بن محمود (٢) بن () (٣) الأصبهاني، العجمي، الرفاعي، الشافعي. الشيخ الصالح، الملك، القدوة، العارف بالله تعالى، حسام الدين، نزيل النحرارية من الوجه البحري، بزاويةٍ أنشأها هناك. كان أحد الأفراد المسلّكين من أهل اليقين، وحزب الله المفلحين، من ذوي الخير والصلاح، حسن السيرة، كثير العفّة والتواضع، والانجماع عن الناس، لا سيما بني الدنيا، وكان لا يتردّد إلى أحد من خلق الله تعالى من الأكابر، ذوي الدنيا، مع ملازمة الإنقطاع إلى الله تعالى، وكثرة العبادة والسخاء الزائد، قدم إلى هذه البلاد بعد أن جال في مبدأ (٤) أمره، وأكثَرَ السياحات، وطاف الكثير من أقطار الأرض شرقًا وغربًا، كالعجم والهند، وبحر الظُلمات، وبلاد التُرك، ودخل

стр. 1324

الحبشة، وحج وآل أمره أنْ قَطَن النحرارية بزاوية أنشأها بها وانقطع فيها للعبادة إلى أن أدركه أجله. وكان حسن المحاضرة فكِهَها، يستحضر الكثير من أعاجيب البلاد التي جالها. ذكره الجمال ابن (١) تغري بردي بنحو ما ترجمناه. ثم سألت عنه من بعض أهل النحرارية، فأخبرني بنحو ذلك، وأثنى عليه جدًّا. توفي في ليلة الأربعاء العشرين من جمادى الأولى، ودُفن بزاويته المذكورة. وكان قد جاوز التسعين. ٤٨٣ - خديجة ابنة محمد (٢) بن سليمان بن سعيد. الشابّة الشهيدة، السعيدة، أمّ الفضل، ابنة شيخنا العلّامة، أستاذ العالم، الشيخ محي الدين الكافِيَجي. وُلدت بالقاهرة قبل الستين وثمانمائة. ونشأت تحت كنف أبيها، فأحفظها القرآن العظيم، وقرأتْ بعض الرسائل الفقهية وغيرها، ثم عقد لها والدها على الشيخ نجم الدين ابن (٣) الرفاعي (٤)، شيخ قبّة الأشرف بَرسْباي، تجاه تربة الأشرف المذكور، الكائنة بالصحراء، ثم طُلّقت منه قبل البناء بها لأمرٍ اختاره شيخنا، فاتفق أن طُعنت عقيب ذلك، وكان أجَلها في ذلك. وكانت شابّة جميلة، ذكية، يقِظة، فطِنة، وكان قد أجهزها شيخنا جهازًا جيدًا بجملة. وكان لشيخنا ولد أخت سُمّي مصطفى، ستأتي ترجمته أيضًا، كان من غَرَض شيخنا وقصْده تزويجها إيّاه فيما خلا (٥) وقصده. وغَلَبَت أم خديجة هذه عليه، حتى عقد لها على النجم المذكور. ثم بلغ شيخنا بأنه أعيب عليه ذلك، كونه يترك

стр. 1325

ولد أخته، ويعطي هذه الابنة للأجنبيّ، فتأثر من ذلك، ولا زال حتى فارقها من النجم المذكور، وعزم على أن يزوّجها المصطفى المذكور، فما قُدّر ذلك، وماتا جميعًا. وكانت وفاتها في شعبان. ووهب شيخنا أكثر جهازها لأمّها، وكانت أمّ ولد لشيخنا، وعقد عليها بعد ولادة هذه الابنة، ثم لما ماتت ابنتها أبعدها عنه، بأنْ طلّقها، وأخرجها لنفرته منها، لا سيما لمعارضته في عدم إزواج ابنتها لابن أخت الشيخ، ثم تصدّق بأكثر ما بقي من جهازها أيضًا. ٤٨٤ - خُشقدم (١) (السيفي جار قُطْلُو. أحد الأمراء بدمشق. كان من مماليك الأمير جار قُطْلُو نائب الشام. تنقّلت به الأحوال بعده حتى صُيّر من جملة الأمراء بدمشق. وتوفي قتيلًا في كائنة سوار. هكذا رأيته بخط بعض الناس، ولا أعلم شيئًا عنه غير ما ذكرته) (٢). ٤٨٥ - خليل بن شاهين (٣) الشيخي، الصفوي، (الأشرفي) (٤)، المقدسيّ المولد، القاهري، الحنفي. الأمير، الوزير، الصاحب، غرس الدين، أبو الصفا، المعروف بنائب الإسكندرية، سيّدنا ومولانا وشيخنا، الوالد، تغمّده الله تعالى برحمته ورضوانه، وأباحه بحبوحة جنّاته. ولد بالقدس الشريف، بالمدرسة الخاتونية، في يوم الجمعة، حادي، أو

стр. 1326

ثالث عشر شعبان، سنة إحدى أو ثلاث عشرة، فيما رأيته. وكان والده إذ ذاك حاجبًا بها، وشادًّا على القُمامة قبل أن يلي النيابة بها، ومرضت والدته فأرضعته أمّ الشيخ برهان الدين ابن (١) الدّيري قاضي القضاة، وهي زوج شيخ الإسلام قاضي القضاة الشمس ابن (٢) الديري، وما علمتُ هل هي أم شيخنا شيخ الإسلام السعد ابن (٣) الديري أم لا، فإن الوالد كان يقول بأنه أخ (٤) للبرهان المذكور من الرضاع. ومن غريب ما وقع في أمر حمل والدته به أنها كانت تلد الإناث، وما ولدت ذكرًا قبله، فصارت تتمنّى الذَكَر، فاتفق أنْ حملت به، فخرجت من القدس إلى مدينة حبرون (٥)، حيث مدفن سيّدنا الخليل على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فدخلت إلى حرمه ليلًا، ثم كشفت عن بطنها، وأمَسَّته سردابه، ونذرت شيئًا وافرًا من المال أن تكون صدقة لفقراء حرمه، إن ولدت ما في بطنها ذكرًا، وأن تسمّيه الخليل. فلما وضعته كان ذكرًا بإذن الله تعالى، فسمّته الخليل، ثم وفت بما نذرته، ثم ألبسته في أذنه خَرصًا من ذهب بلؤلؤة ذكرت أنها شَرَتها بخمسين دينارًا ذهبًا، ونذرت لله عليها إن أكمل ولدها سبع سنين أن تلقي هذه الجوهرة في صندوق النَدر لسيّدنا الخليل على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام. وترعرع هو ونشأ بالقدس وحفظ به القرآن العظيم. وكان ذكيًا، حذقًا، فهمًا، فطِنًا، حادّ الذهن، لبيبًا، ثم أخذ في الاشتغال فبحث "القدوري" على بعض أهل العلم بالقدس، وتعانى الطلب وحُبّب إليه. ٤٨٦ - • وكان والده شاهين من مماليك الظاهر برقوق، مَلَكه عن شيخ الصفوي أمير مجلس لما أخرج إلى القدس بطّالًا. ويقال إنه تتريّ الأصل، مسلم، من مدينة سراي، وإنّما سُمّي شاهينًا، لأنّ التتر كانت في أول دولة الظاهر في مَقتٍ وإبعاد. ووُلّي شاهين هذا بعد مدّة من موت الظاهر شادّية القمامة بالقدس، بعد حجوبيّتها، ثم ترقّى إلى نيابتها في أواخر دولة الناصر فرج. ثم لما مات الناصر فرج، وكانت تلك الفِتن، انجمع شاهين هذا عن الدولة، وقطن بالقدس مدّة فارًّا من الفِتن، فإنه كان ممن له شهرة (٦) بالشجاعة والقوة، ويُحكى عنه في ذلك ما يشبه الكذِب. ولم يزل إلى سلطنة الأشرف بَرسْباي، فحضر إلى القاهرة بعد أن

стр. 1327

كان قدِمها قبل ذلك في أول سلطنة الظاهر ططر، ثم عاد لإمرته وبقي بها مدّة حتى قدم هذه القدمة الثانية في سنة سبع أو ثمان وعشرين، ورتّب له الأشرف ثلاثة آلاف درهم في الشهر يأكلها طرخانًا، مع لحم وعليق وغير ذلك، ووعده بالجميل، ودام بداره منجمعًا عن الناس، لا يتردّد إلى سوى الأتابك بيبغا المظفري (١)، وربّما خرج معه إلى الصيد لمعرفته بالجوارح وأحوال الشَكْرخانه. وكان الأتابك المذكور قد رتّب له شيئًا على ديوانه. ومن هنا وهِمَ من قال إنه خدم عند الأتابك، ولم يكن ذلك كما قال. ثم بغته أجله بالقاهرة في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة، ودُفن بالقرافة، بتربة والد زوجته أسندمر الشيخي (٢)، والدة الوالد الست عائشة (٣) الماضية ترجمتها في سنة ٨٥٧ هـ. فاتصل الوالد بعد موته بخدمة أزبك الأشقر (٤) الدوادار الكبير، وكان عنده في مقام الولد لا الخدّام، لكونه ولد خُشداشه، وجعله شادّأ على الأحواش السلطانية، ومتكلّمًا على الصيادين، وقرّبه واختصّ به لحذقه وذكائه وكماله من حالة صِغره، ودام إلى أن أخرج أزبَك المذكور إلى القدس بطالًا، فانجمع الوالد عن الناس، وداوم الاشتغال بالعلم والمطالعة، وأخذ عن جماعة من كبار العلماء، وجالس العلّامة العلاء البخاري، وحضر دروسه، وأخذ عن السعد ابن (٥) الديري، والزين التفهني، والسراج قارئ "الهداية"، والعلاء الرومي، والشيخ يحيى السيرامي، والكمال ابن (٦) الهُمام، وشيخنا العلّامة الكافِيَجي، وكان شيخنا المذكور يعظّمه جذاً ويُجلُّه. ومن مشايخه الأمين الأقُصُرائي، والنجم القَرْمي، والتقيّ الشُمُنّي، ولازمه باخرة مدّة، وأخذ بدمشق عن جماعة منهم القوام قاضي القضاة الحنفي. ومن مشايخه البدر العُيني، والعَلَم البُلقيني، والشمس القاياتي، والشمس البساطي،

стр. 1328

والشمس الوَنَائي، والمجد بن نصر الله، والبدر التِنّيسي، والعزّ عبد السلام البغدادي، والتقي بن قُندُس شيخنا، والبرهان الباعوني، والبدر بن عبد المنعم، وجماعة يطول الشرح في تعدادهم من غالب بلاد الإسلام شرقًا وغربًا ما بين هند وعجم وروم، وغير ذلك من علماء الإسلام، ومشايخ مصر والشام، ممن أخذ عنهم، وأذِن له بعض أعيانهم الأكابر بالفُتيا والتدريس، ولازم مجلس حافظ العصر شيخ الإسلام ابن (١) حجر في سماع الحديث، وسمع عليه الكثير، وسمع عليه بعض تصانيفه أيضًا، وأجازه وأثنى عليه في إجازته وعلى ما صنّفه، فمن جملة قوله في إجازته بحيث يشهد له كلمن (!) سمعه، فإنه فاق كلمن (!) سبقه في كلما (!) جمعه وطارحه بالشِعر، وراسله، وأحبّه، وذكره في مواضع من تاريخه "إنباء الغمر" (٢)، وسنذكر ما طارحه به من الشعر، بل وما مدحه به، وكفاه فخرًا أن امتدحه مثل ابن (٣) حجر على ما ستقف على ذلك. ولما انجمع عن الناس بعد إخراج أُزبَك إلى القدس، طلبه الأشرف بَرسْباي حين أُجري له ذِكره عنده بالنباهة، فولّاه النظر على الخاصرّ بالثغر السكندري، عِوضًا عن ابن (٤) الصُّغَيّر، وباشره بحُرمة وافرة وعفّة زائدة، حتى عجب الأشرف من ذلك، وأضاف إليه نظر الذخيرة وبيع البُهار بها، ثم بعث إليه باستقرَاره بالحجوبية بها، ثم رقاه إلى نيابتها عِوضًا عن جانِبك الثور (٥)، مضافًا لِما بيده من الوظائف، وعُدّ ذلك من النوادر، كون الحاجب الذي هو كالأمين على النائب يصير نائبًا على حجوبيّته، وأقام من يتكلّم عنه من قِبله في النظارة والحجوبية، وحُمدت سيرته في مباشرة جملة هذه الوظائف، وشُكِرت أحكامه، وأحبّه أهل الثغر، ثم حضر إلى القاهرة، فتلقّاه الأشرف بالرحب، وشكره في الملأ (٦) العام من العسكر وأعيان الدولة، واتفق أن تزوّج بأخت الخَوَنْد جُلبان الست أصيل، الماضية ترجمتها، ثم عاد إلى الثغر ودام به، وهو مُكبّ على الاشتغال، واجتماع الكثير من علماء الثغر بذلك العصر في مجلسه ومذاكرته معهم وسماع الحديث به، ثم بعث يستعفي من الذي هو فيه، ويلتمس حضوره القاهرة كير ما مرة، حتى أجيب إلى ذلك، وحضر إليها على إمرة طبلخاناة كانت بيده، بل وزيادة عليها البَسْلقون (٧).

стр. 1329

وغلط، بل كذب من قال إنه حضر من الإسكندرية على نحو الطبلخاناة، فإنها كانت طبلخاناة وزيادة، وكان يحضر الخدمة السلطانية مع مقدَّمين (١) الألوف، ثم أضيف إليه نظر دار الضرب، ثم أُمّر على الحاج بالمحمل، وخرج إلى الحج بأُبّهة، زائدة في سنة تسع وثلاثين، وكانت ثانية له، فإنه حج قبلها حجّة الإسلام صحبة والده، ثم عاد في التي تليها، ولازم أيضًا مجالس شيخ الإسلام ابن (٢) حجر في سماع الحديث، وسمع عليه الكثير وعلى غيره من العلماء، بل كان له بداره مجلس محفوف بالعلماء، ثم طلبه الأشرف للوزارة، فامتنع من ذلك، فألخ عليه، فاشترط عليه شروطًا، ثم وليها في سنة أربعين، وباشرها مدّة يسيرة، ورأى بها ما لا يليق به من الأمور، فاستعفى منها، فأجيب إلى ذلك، وبقي على ما بيده من الطبْلخاناة، ثم ولّاه نيابة الكَرَك والشَوْبك، عِوضًا عن عمر شاه لاستئمان السلطان إيّاه. وكانت الكرَك إذ ذاك من أجلّ النيابات، وكانت قلعتها مشحونة بالأموال، والحواصل بالغلال. حدّثني الوالد صاحب الترجمة قال: لما ولّاني الأشرف الكرَك ورأى في وجهي أمارة الكراهة لخروجي من القاهرة، قال لي في خلوة: أتدري لماذا ولّيتُك الكرَك؟ قال: فقلت: نعم، ليبعدني مولانا السلطان عن مشاهدة وجهه الذي هو عندي أعظم من ألف كرَك، ولأنه ملّني. فقال: لا واللَّهِ، إتما ولّيتها لك لتكون معقلًا وذخيرة لولدي، فإنني سأموت عن قريب، فإنه كان متضاعفًا، وكأنه أحسّ من نفسه ما لم يعهده قبل ذلك منها، وكان ذلك مقدّمات مرض موته، وكان لا يُظهر ذلك. ثم قال له: وأنا أعرف أنني إذا متّ ربّما قاموا على ولدي، وربّما احتاج إلى حصنٍ ما قربه فيجيء إليك، وهذه خالته عندك مثل أمّه. قال: ثم أخذ يوصيني على أشياء كثيرة. ولهذا لما فُقد العزيز من الدور السلطانية وكثُرت الأقاويل في شأنه كان من جملة ما قيل إنه ذهب إلى زوج خالته بالكَرك، وكان هذا القول في الحقيقة سببًا لتنبُّه الظاهر على صرف الوالد من الكرَك. ثم لما خرج الوالد إلى الكرَك أقام بها نحو السنتين، ثم صُرف عنها بآقبْغا التركماني (٣)، وبعث به إلى صفد على أتابكيّتها يأكلها طرخانًا مُعفى عن الكُلَف

стр. 1330

السلطانية والخِدم. وكان بلغ الظاهر بأن الوالد لما خرج من الكرَك سلّمها لآقبْغا على أكمل وجه وأجمله، مع إظهار حشمة وكلمات فيها تعظيم الظاهر، فعرف له ذلك، وكان سبباً لوفور حُرمته في دولته واعتنائه بشأنه. وكان ذلك خلاف القياس. وباشر الوالد أتابكية صفد، وبها إذ ذاك نائبها حينئذٍ، الأمير إينال العلائي (١)، المتسلطن بعد ذلك، وهو الملك الأشرف الماضي ذِكره، فرافقه بها مدّة يسيرة حتى كلان إينال يركب ويحضر إليه في كل قليل بمنزله، وكان بينهما صحبة أكيدة ومحبّة زيادة عمّا كان قبل ذلك، لكنْ ما ظهر نتيجة ذلك بعد سلطنته، لعوارض قد أشرنا إلى شيء منها فيما مضى، عند ذِكرنا حضور الوالد إلى القاهرة، في أوائل سلطنة الأشرف إينال هذا، ثم دام بصفد يسيراً، حتى كانت قضية إينال الحَكَمي (٢) وتَغْري بَرْمَش (٣) نائبي الشام وحلب، وتوجّه العساكر إليه، فخرج الوالد صحبة العسكر الصفدي، على أن إينال قال لة: أنت مُعفًى عن الخدم والأسفار، فلم يرض الوالد بإقامته بصفد، وكان معه جماعة من جياد الأجناد والمماليك النافعة، فقال: لا أتقاعد عن مهمّ السلطان، وخرج بطُلْب جيّد وأُبَّهة، واتفق كسرة إينال الحكمي بعد أن كانت الكسرة أولًا على السلطانيين من إينال ووقعت سناجقهم، ولم يبق منها في ذلك اليوم سوى سنجق الوالد بيد شخص من مماليكه، يقال له أسندمر، ثبت به بمكان، فاتفق أن تراجعت العساكر، فاجتمعوا إلى هذا السنجق ثم كرّوا وحملوا على إينال الحكمي فهزموه، وخفي عليهم حال إينال. وكان الوالد في أثناء هذه الهرجة وجد طبَرَ (٤) إينال الحَكمي مُلقى على الأرض، فأخذه ووجد به سبع عشرة (٥) ضربة سيف، فأحضره الوالد لآقبُغا التمرازي (٦)، الذي كان ولّاه الظاهر نيابة الشام من الأتابكية، وبعثه لحرب إينال، وعرّفه أن هذا طبر إينال، وأنه إن لم يكن مات أو بلغ قريباً من مرتبة الموت ما كان طَبَره وقع من يده. وحضر جماعة من الأعيان، وعرفوا بأن هذا طَبَر إينال، فكتب آقبُغا مكاتبات

стр. 1331

للظاهر بواقعة الحال وهزيمة إينال، وبقضية سنجق الوالد، ووجد أنه لطَبَر إينال، كل ذلك قبل تحرير أمر إينال والقبض عليه، ثم لما قبض عليه أردف ذلك القاصد بآخر على العادة في مثل ذلك، فاتفق أن دخل القاصد الأول قبل الثاني بيسير، وعرّف الظاهر الحال، فشكر الوالد في الملأ (١) العام، وإذا بالخبر بالقبض على إينال، فزاد سرور الظاهر، وولّى الوالد نيابة مَلَطْية، عِوَضاً عن حسن قجا أخي تغري بَرْمَش وبعث إليه بتقليدها وتشريفها، وأمر له بمبلغ له صورة، واعتذر إليه بأن هذا الذي كان نصيباً له ولو شغر ما هو فوق ذلك لاستقرّ به، فتوجّه الوالد إلى مَلَطْية بعد تمام أمر تغري برمش والحكمي، وباشرها مدّة، وبها كان مولدي. ثم قدم في أثناء ذلك إلى القاهرة ومعه هدية مستطرفة للظاهر، فاحتفل بقدومه عليه وعظّمه، ورفع من محلّه. ثم أخذ الوالد في الاستعفاء من مَلَطْية، فلم يُجبْه إلى ذلك، ووعده بالجميل وأعاده إليها. وكان له بمَلَطية درس حافل (٢)، وصنّف بها عدّة من الكتب، وكان يحضر مجلسه جماعة من العلماء الأفاضل بها، ودام بها إلى أن استأذن في حضوره إلى القاهرة أيضاً، وحضر مستعفياً من مَلَطْية أيضاً، فأجيب إلى ذلك، وقُرّر في أتابكية حلب، فعاد إليها ودخلها بأُبّهة زائدة، وجرى بينه وبين نائبها قانِباي الحمزاوي (٣) منافسة، وبعث يشكوه للظاهر على ما بيّنّا ذلك في محلّه، ونسبه إلى أمر ذكر أنه يخلّ بناموس السلطنة، والحال أنه مما يزيد في ناموسها، فبرز أمر الظاهر بحمْله مقيّداً إلى سجن قلعة حلب، فبقي قليلاً حتى شفع فيه جماعة من الأعيان، منهم الحافظ ابن (٤) حجر، وظهر للظاهر غرض نائب حلب، فأطلقه وأقطعه مدينة قاقون يأكلها وهو مقيم بالبيت المقدس، فأستاذن الوالد أن يكون بمدينة الخليل ﵇، فأذِن له بذلك، ثم بعث إليه الظاهر بإضافة عذة جهات ومرتّبات له إلى قاقون، ثم بعث يستأذن الظاهر في الحج، فأذِن له فيه، وبعث إليه بنفقة جيّدة، فحج من الخليل مجرَّداً مع بعض جماعة من مماليكه، وهي ثالثته. ثم طلبه السلطان إلى القاهرة، وحين قدِمها أجلّه السلطان، وقام له وأجلسه، ثم قرّر في نيابة القدس، وذلك في محرّم سنة خمسين، وأضاف إليه تقدمة ألف بدمشق، وبعث إليه بأشياء كثيرة ومبلغ ألف دينار، وخرج الوالد إلى نيابتها وباشرها فوق السنة، ثم بعث بالاستعفاء منها فأعفي، وأُمر بالتوجّه إلى دمشق على ما بيده من التقدّمة، وكتب له بأن يكون أمير ميسرة بدمشق، فأقام

стр. 1332

بها مدّة والنقّارات تُضرب على بابه، وهي من نوادره بدمشق، إذ لم تجر العادة الحديثة بذلك سوى لنائب الشام، والأتابك، وحاجب الحجّاب، وأمّا بقيّة مقدَّمين (١) الألوف فكانوا بالطبلين والزمرين إلى كلٍّ منهم. ثم لما خرج العسكر إلى حلب لحفظها من جهان شاه خرج الوالد إليها في أُبّهة وعَظمة زائدة وطُلْبٍ حافل. ثم لما انقضى ذلك قدم إلى القاهرة فأكرمه الظاهر، وأنزله بقصر تمرباي بالكبْش، وأنِس به في خلواته، وكان يسأله في كثير من الأمور الدينية والدنيوية وأحوال قواعد المملكة، ثم زاده على ما بيده بدمشق إمرة عشرين، وبعث إليه بمبلغ ألف دينار، غير ما كان قد رتّبه باسمه وهو مقيم بالقاهرة، وغير ما رتّبه لأولاده على الذخيرة بالقدس، وعاد إلى دمشق، ثم بعث يستأذن الظاهر في الحج، فلم يأذن له وقال إنه (لا يوافق) (٢) أن يتوجّه بمفرده وإن توجّه بجماعته يحتاج إلى مصرف كبير، ثم بعث إليه في العام الثاني بإمرة الحاج بالمحمل الشامي، وبعث إليه خلعة هائلة وركوباً خاصاً بالسرج الذهب والكنبوش الزركش، وبعث بأن يُعطى خمسة آلاف دينار من قلعة دمشق ليتجهّز بها، فأخذها وأضاف إليها من ماله نحوها أو زيادة على ذلك، وخرج إلى الحج في أُبّهة زائدة، وكنا معه في تلك السنة، وكانت حَجّة حافلة جداً، وعاد وقد مات الظاهر، وتسلطن بعده الأشرف إينال، فبعث إليه باستقراره في إمرة الحاج على عادته ثانياً، وأضاف إليه الركوب الثلاث: الشامي، والحلبي، والكرَكي، وبعث إليه بألفي دينار، فحج الخامسة، ثم بعد حضوره بأشهر قليلة توَجّه إلى جهة القاهرة، كعُهُودِ كانت بينه وبين إينال، إن آتاه اللَّه المُلك أن يحضر إليه بغير إذن، وظنّ أن ذلك يتم له، فعورض في ذلك على ما تقدّم بيانه في محلّه، وبعث إليه الأشرف إينال بعَوده من قطْيا، واعتذر إليه في مكاتبة له، ووعده بالجميل، وبعث إليه بأشياء، وعاد إلى دمشق، وأخذ في كل قليل يبعث بالاستعفاء من التقدمة التي بيده بدمشق، ولا يزال حتى أجيب إلى ذلك بمندوحة قدّمنا ذِكرها في محلّها، وأُعطي الوالد إمرة عشرين بطرابلس ليأكلها طَرْخاناً، فتوجّه إليها في سنة تسع وخمسين على ما تقدّم، وأقام على ذلك مدّة بطرابلس، وهو مُعفَى من الخِدم وسائر الكُلَف السلطانية، منعكفاً على الشغل والإشغال بمطالعة الكتب، وإسماع الحديث وإلقاء شيء (٣) من الدروس، وصنّف بها عدّة من الكتب في تلك

стр. 1333

الاستراحة، وأنشأ بها داراً وزاوية، ومدفناً أعدّه لدفن نفسه، آل الأمر بسبب من إنشائه أن دخل طرابلس وبها بغته الأجل، ودُفن به بعد أن خرج من طرابلس وغاب عنها عدّة سنين، على ما ستعرف ذلك. وكان هو بطرابلس في غاية الراحة والحُرمة، وجميع أعيانها يعظّمونه ويتردّدون إليه. ثم إنه بعث إلى الأشرف بما قدّمنا ذِكره من السواقة، ولما وصل ذلك للأشرف المذكور أعجبه وذكره بخير، ثم أعاب على نفسه بنفسه، كونه لم يقدّمه في دولته، ولا نوّه به مع الصحبة القديمة الأكيدة. واتفق أن شغرت إمرة طبلخاناة بدمشق، فاستقرّ به فيها، وكتب إليه بأن يأكلها طَرْخانًا، حتى ينحلّ له ما يليق به، ووعده بالجميل، وبعث إليه مشافهة مع قاصده المتوجّه بالسواقة، فيها غاية التعظيم، فتوجّه الوالد إلى دمشق في أواخر سنة أربع وستين. واتفق أن مات الأشرف اشال بعد قليل من ذلك، وتسلطن ولده المؤيّد، فبعث إليه بطلبه إلى القاهرة، فقدِمها في أوائل شهر رمضان سنة خمس وستين، فاتفق أن جرى للمؤيَد ما جرى من خلْعه، ثم سلطنة الظاهر خُشقدم، فأنس به وقرّبه واختصّ به، وأذِن له أن يقيم بالقاهرة على ما بيده من إمرية بدمشق طَرْخاناً، كما كان، وأذِن له بالاجتماع به في الأسبوع مرتين في يومي الجمعة والثلاثاء، وأعاد إليه بعض مرتّبات كانت باسمه وأخرجت عنه، ورتّب له بحمال عليق (١) وكير ذلك، وجالسه وسارره وشاوره في كثير من أموره، وقبِل الكثير من شفاعاته، وتكلّم في أيامه في كثير من القضايا المهمّة وأنهاها، وانتفع به الكثير من الناس بواسطة ذلك، وقُصد، وتردّد الناس إلى بابه، وازدحموا عليه، مع عدم التفاته إلى شيء مما في أيديهم، وغاية عفّة عن ذلك ونزاهة، وكوتب من أقاصي المملكة في كثير من المهمّات وأنهاها، وأحسن السفارة فيها، ودام على ذلك في حُرمة ووجاهة إلى أن كان من أمر الخليفة المستنجد باللَّه ما تقدّم بيانه في سنة إحدى وسبعين، من أن يكلّم له السلطان في عساه أن يأذن له بالنزول إلى محلّ سُكنى الخلفاء قبله، فاجتمع بالسلطان وكلّمه في ذلك من غير أن يحسب عُقباه، ولا أعمل فيه فِكره، إلى أن كان ما قدّمنا ذِكره من إخراجه إلى مكة المشرّفة، على ما عرفته فلا نعيده، وبيّنّا أيضاً كيف توجّه إلى العراق صحبة الحاج العراقي مع الأمير عبد الحق بن الجُنَيد (٢) أمير الركب في تلك السنة، وكيف جال عدّة من تلك البلاد، وكان قصْده الاجتماع بجهان شاه ملك العراق وتبريز، فكأن من شأن قتْلته على يد حسن الطويل ما تقدّم ذكره.

стр. 1334

ثم كانت وفاة الظاهر خُشقدم، فعاد الوالد إلى هذه المملكة من على جهة حلب، ثم دخل طرابلس في سنة ثلاث (١) وستين هذه في أوائلها، ونزل بداره، فأقام بها منجمعاً عن الناس، متوجّهاً إلى اللَّه تعالى، منعكفاً على العبادة والخير وتلاوة القرآن، مقبلاً على شأنه، وكأنه كان قد أحسّ بفراغ أجله. واتفق أنْ لم تطُل نَوبته بطرابلس إلّا بعض شهور، وبغَتَه أجله بها بعد أن تمرّض بالبطن أياماً، ولما حَدَس أنه يموت، كان معه بعض شيء من حطام الدنيا مبلغاً عيناً نقداً، فأحضره وقسّمه على أولاده وورثته، وكنت أنا إذ ذاك بالقاهرة، فأفرز نصيبي، وفرّق من ذلك المبلغ على جماعة من ذويه وسراريه وكيرهم من ثُلُثه، ثم أحضر الغاسل وأعطاه ديناراً ذهباً، وقال له: كأنّي بي وقد متّ فاحضرْ لغسلي، ثم وصف له كيفية يغسّله عليها، وقال له: خذ سلْبي وما عليّ من الثياب، ثم لزم تلاوة القرآن. إلى أن توفي بعد أيام من هذه الفعلة يسيرة، في ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة مبطوناً شهيدًا، وجُهّز وكفّن وصُلّي عليه بداره في صبيحة يوم الخميس، ثم دُفن بالمدفن الذي كان أعدّه لنفسه. وكان رحمه اللَّه تعالى مشكور السيرة في جميع ولاياته، ذا عدل وإنصاف فيما وليه من أمور المسلمين، كثير الشفقة على خلق اللَّه تعالى، بحيث لما عُزل عن نيابة الإسكندرية أغلق أهلها بابها واستغاثوا، وأرادوا منعه من خروجها حتى تلطّف بهم، وكذا وقع له بمدينة الكرَك، بل قام أهل الكرَك معه، وقالوا له إن شئت نمنعك بهذا الحصن، ونصير أتباعاً لك، ولا علينا من السلطان، وكذا فعل أهل مَلَطْية حين صُرف عنهم، وكان محبّباً للناس، كثير التواضع لأهل التواضع، لا يحبّ سفك الدماء، وما أقدم في جميع ولاياته على سفك دم، لا بحق ولا بغيره، فإنه لم يتفق له ذلك، حتى عُدّ ذلك من نوادره، سوى شنْق حسن قُجا، بحكم خروجه عن طاعة الظاهر، وشقّ العصا مع أخيه تغري بَرْمش. وكان شنقه بأمر الظاهر وحكمه. وكان شهماً، فخمًا، ضخماً، ريّساً، وجيهاً في الدول، سيوساً، مدبّراً، عاقلاً، حاذقاً ذا رأي وتدبير وخبرة بالأمور ومعرفة تامّة، قائماً في أنواع الخير والبِرّ والمعروف بقلبه وقالبه، خيّراً، ديّناً، حسن السمت والملتقى، كثير الأدب والحشمة، ذا تؤدة وسكون، فكِه المحاضرة، حلو المذاكرة، جيّد المعاشرة، ضويّ

стр. 1335

الهيئة، حسن الشكالة، نيّر الوجه، حسن الصورة واللحية وافرها، عارفاً بأيام الناس، ذا حنكة وتجارب ودهاء ومعرفة بطرائق المُلك والملوك والمملكة، بحيث لا يعجبه في ذلك العجب، متأنّقاً في سائر أحواله، متجمّلا في جميع شؤونه (١)، قائمأ بناموس ما وُلّيه على قواعد قدماء الملوك والأمراء. وكان يُضرب بسماطه المَثَل بالقاهرة، فضلاً عن غيرها، حتى كان الكثير من الناس يقرّع جماعة من الأمراء بمصر وغيرهم، خصوصاً في أيام المواكب وهو بالقاهرة لرؤية ذلك. وكان كريم النفس جداً، سخيّاً، معطاءً، بارّاً لأصحابه، كثير التودّد إليهم والقيام معهم، بل ومع من قصده لمهمّ كائناً من كان، محبّاً في العلم والعلماء والطَلَبَة وأرباب الفضائل والكمالات، معظّماً لهم، محبّاً في الفقراء والصالحين والمجاذيب، ذا مهابة وحُرمة وأُبّهة، حتى كان بعض المعتقدين يقول عنه إنه سلطان أولاد الناس وترشح مرة لنيابة الشام في دولة الأشرف بَرسْباي قبل نيابة الكرَك. وكان مع ذلك كلّه شجاعاً، مقداماً، عارفاً بأنواع الفروسية والأنداب والتعاليم، يشارك بفنون ذلك، يخرّج على أكابر مدّعي هذه الفنون، ويُظهِر لهم عيوبهم في ذلك. وله في ذلك حكايات لو سردناها لطال المجال، وكان عفيفاً عن المنكرات والفروج والمسكرات ولقد حلف مرة يميناً بأنه لم يدخل المسكِر باطنه قطّ، وهو بارّ في يمينه، صادق في ذلك. وكان معظّماً عند الملوك، موقّراً، حتى كان الظاهر يخاطبه بيا سيدي، ويرفع من محلّه، وقام له غير مرة وأجلسه. وأمّا الظاهر خُشقدم فناهيك بما كان يعظّمه به، وكان إذا حضر عنده تحرّك له، وربّما قام له في بعض الأحيان وأجلسه. وكان إذا حضر مجلسه أقبل عليه، فلا يتكلّم مع غيره إجلالاً له، إلّا على وجهٍ متضمّن بسؤال أحد ممن حضر ذلك المجلس في شيء يتعلّق بالوالد. وكان له التوجّه التام للعالم الملكوتي والإقبال على الله تعالى، مواظباً على نوافل الطاعات والعبادات من صيام كثير من الأيام، وصيام الثلاثة (٢) شهور في المحرّم. كل ذلك في أيام إمرته، فما بالك في غيرها! مع المواظبة على صلاة الضحى وصلاة الغفلة، وقيام الليل في بعض الأحيان، وملازمة التلاوة والأذكار والأوراد، ومطالعة الكتب، والاشتغال والتصنيف والتأليف. وبلغت عدّة تصانيفه زيادة على الثلاثين، فمن ذلك: - "البرهان المستقيم في تفسير القرآن العظيم".
следующие страницы →