← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

(ولاية اليحياوي نيابة حلب) (١) وفيه، في يوم الخميس، خامسه، خرج الأمر بنقل قانصوه اليحياوي (نائب طرابلس) (٢) منها إلى نيابة حلب، عِوضاً عن إينال الأشقر، وكتب لإينال الأشقر بحضوره إلى القاهرة من جملة مقدّمين (٣) الألوف بها، وأنعم على قانصوه بثمانية آلاف دينار ليعمل بها مصالحه (٤). [تعيين لاجين الظاهري في كشف الجسور] وفيه، قُرّر في كشف الجسور بالبهنساوية بالوجه القِبلي لاجين الظاهري اللالا أحد مقدَّمين (٥) الألوف. [تعيين يشبُك جن في تجريدة لإزاحة العربان] وقُرّر أيضاً في كشف الجسور بالبحيرة يشبُك جن أحد المقدَّمين أيضاً، وأمر يشبُك بأن يتوجّه سريعاً في تجريدة عُيّنت معه لإزاحة العربان العُصاة عن تلك البلاد وخرج. [نيابة يشبُك البُجاسي بطرابلس] وفيه أيضاً خرج الأمر ليشبُك البُجاسي نائب حماة باستقراره في نيابة طرابلس، عِوضاً عن قانصوه اليحياوي، المتقدّم خبر استقراره في نيابة حلب (٦). [نيابة بلاط اليشبُكي بحماة] وفيه أيضاً استقر في نيابة حماة بلاط اليشبُكي دوادار الحاج إينال كان أحد مقدَّمين (٧) الألوف بدمشق حينئذٍ، نقلاً إليها من التقدمة، عِوضاً عن يشبُك البُجاسي بمالٍ بذله في ذلك (٨).

стр. 1402

[تعيين نائب مَلَطية أتابكاً لحلب] وفيه أيضاً استقر تغري بردي بن يونس نائب مَلَطْية كان في أتابكية حلب، عِوضاً عن تمراز، بحكم نقله إلى التقدمة ألف التي شُغرت بدمشق عن بلاط المستقر في نيابة حماة (١). [حجوبية الحجّاب بدمشق] وفيه أيضاً استقر في حجوبية الحجّاب بدمشق محمد بن مبارك، عِوَضاً عن إبراهيم بن بيغوت، بحكم وفاته على ما تقدّم في أول وفيات الخالية (٢). [أخْذ أمير التركمان ابن رمضان قلعة سيس] وفيه، في يوم الأحد، خامس عشره، وصل الخبر من حلب من الأتابك أُزبك على يد قاصده بمكاتبة، يذكر فيها بأن ابن (٣) رمضان أمير التركمان الرمضانية أخذ قلعة سيس من أعوان شاه سوار، فسُرّ السلطان بهذا الخبر، وجهّز لابن رمضان خلعة وشكره على ذلك (٤). [طلب جانبك من ططخ تحوُّل النجم القرمي من المدرسة القانبائية] وفيه، في الأربعاء، ثامن عشره، بعث جانِبك من طَطَخ أميراخور كبير إلى شيخنا النجم القَرْمي قاضي العسكر وشيخ المدرسة القانِبَائية بسُويقة ابن (٥) عبد المنعم يأمره بالتحوّل من سكنه بالمدرسة المذكورة، وأعاد عليه ما كان قد تحدّث فيه أولاً، ثم بَطَل فأعاده في هذه الأيام، حتى كلّمه جماعة من الأعيان في ذلك، فسكت. [قطْع الخبز والطعام عن الصوفية بالخانقاة الشيخونية] وفيه - أعني هذا الشهر - قُطع الخبز والطعام المرتّب للصوفية بالخانقاة الشيخونية، واحتجّوا بوجود الغلاء، وأنه لم يكن في الوقف ما يُصرف على ذلك،

стр. 1403

وكثُر القال والقيل من الصوفية، وما أفاد كلامهم شيئاً، ودام المرتّب مقطوعاً إلى أول السنة الآتية على ما سنذكره فيها، وكيف أعيد في أولها. [شهر جماد الأولى] وفيها استهلّ جماد الأولى بالإثنين بالرؤية، وطلع القضاة ومن له عادة بالطلوع للتهنئة، وهنّأوا (١) السلطان. [سفر الشريف القصيري إلى البلاد الشامية] وفيه - أعني هذا الشهر في هذا اليوم - خرج السيد الشريف علاء الدين القصيري الكردي ناظر الأشرف وناظر خانقاة سرياقوس - ووهِم من قال: سعيد السعداء - مسافراً إلى جهة البلاد الشامية لبعض مَهمّات تتعلّق بالسلطان ندبه إليها. (إفراج سوار عن الأتابك قُلَقْسيز) (٢) وفيه، في يوم الأحد، سابعه، وصل (الأمير) (٣) قَرَاجا السيفي جانِبَك، نائب جدّة، أحد العشرات، من حلب إلى القاهرة، وأخبر بأن الأتابك جانِبَك قُلَقْسيز أفرج شاه سوار عنه، وبعث به معزَّزاً مكرّماً إلى حلب، وصحبته قانِبَاي الخاصّكي قد أُفرج عنه أيضاً، وأراد بإفراجه عن الأتابك جانِبَك المذكور ليكون سفيرأ له بينه وبين السلطان في الصلح والرضا (٤) عنه، من غير أن يخبر بالكيفية التي عليها يكون الصلح (٥). (ترجمة قراجا نائب جُدّة) (٦) ٥٥٢ - وقراجا (٧) المذكور هو موجود الآن على الإمرة العشرة التي كانت بيده، ويُعرف الآن هو أيضاً بنائب جُدّة لكونه وُلّيها. وهو - أعني قراجا هذا - من مماليك جانِبَك نائب جُدّة، وكان من المختصّين به والمقرَّبين لديه، ومن أرباب الوظائف عنده، ونزّله في ديوان الجند السلطاني في أيامه، ثم دام على جنديّته إلى أن قُتل أستاذه على ما مرّ بيانه، ثم

стр. 1404

صُيّر خاصكيّاً بعد ذلك فيما أظنّ، وأمّره الأشرف قايتباي عشرة، وجعله شادّاً على بندر جُدّة لكونه لديه خبرة، فباشر ذلك، وتكرّرت ولايته لذلك وغير ما مرة، وصودر في أثناء ذلك، وأُخذ منه جملة من المال، وما حُمدت مباشرته بجُدّة فصُرف عنها، وهو باقٍ على إمرته الآن. إنسان حسن السمت والملتقى، تعلوه سُمرة، يُظهر العفّة والتديّن والسياسة والخبرة بالأمور، وهو بخلاف ذلك، وآل إليه النظر على أوقاف أستاذه بعد موت جانَم الجُدّاوي (١) نائب حماة، وفعل قراجا في هذا الوقف وفي التكلّم عليه أفعالاً عجيبة يطول الشرح في ذكرها. وهو من أبناء الخمسين فما فوقها. [نزول السلطان إلى بركة الجب] وفيه، في ليلة الأربعاء، عاشره، نزل السلطان للركابة ببركة الجبّ، ثم عاد من يومه ذلك، وكان ذلك قبل أن يلبس الصوف (٢). [لبْس السلطان الصوف] وفيه، في يوم الجمعة، ثاني عشره، ووافق حادي عشر هاتور من شهور القِبط، لبس السلطان الصوف في وقت صلاة الجمعة، وألبس الأمراء على العادة. [إرتفاع أسعار الغلال] وفيه - أعني هذا الشهر - ارتفع سعر الغلال جدّاً في هذا اليوم عن الذي كان قبل ذلك من السعر، فبيع الإردبّ القمح بألف ومائتي درهم، وهي أربعة أشرفية ذهباً، وكان سعر الشعير والفول نحو السبعمائة درهم، وأبيع الحِمل التبن بثلاثمائة درهم. وكان الغلاء في الكثير من الأشياء والتي كانت موجودة، ثم أشيع بأن سبب هذا الغلاء هو توجّه يشبُك الدوادار إلى بلاد الصعيد، وتحكير الغلال بها، وإمساك ذلك عن الناس (٣).

стр. 1405

[شهر جمادى الآخرة] وفيها استهلّ جمادى الآخرة بالأربعاء، وهُنّئ به السلطان. [تنزُّه السلطان بخليج الزعرفان] وفيه، في يوم السبت، ثامن عشره، نزل السلطان إلى جهة خليج الزعفران للتنزّه به، وكان تقدّم أمره بنصب الخيام (١) به، فنزل بالخيام وأقام هناك ثلاثة أيام في أكل وشرب وتنزُّه. ولما كان يوم الإثنين العشرين من الشهر عاد إلى القلعة (٢). [عزل إينال الأشقر من نيابة حلب] وفيه، في يوم الثلاثاء، حادي عشرينه قدم إينال الأشقر إلى القاهرة من حلب معزولاً عن نيابتها، وطلع إلى السلطان، ثم نزل إلى دار أُعِدّت له، وهي دار نانَق (٣). [نزول السلطان من القلعة] وفيه، في يوم الأحد، سادس عشرينه، نزل السلطان من القلعة، فسيّر وعاد إليها. [مسير السلطان إلى جهة الخانقاة السرياقوسية] وفيه، في يوم الإثنين، سابع عشرينه، نزل السلطان أيضاً وسار إلى جهة الخانقاة السرياقوسية، فسيّر ثم عاد من يومه (٤). [نظارة البيمارستان المنصوري والأوقاف] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثامن عشرينه، استقر القاضي أبو الفتح أحد كُتّاب المماليك في نظر البيمارستان المنصوري ونظر الأوقاف، عِوضاً عن الشرف عبد الباسط بن البَقَري (٥) بعد عزله عنهما (٦).

стр. 1406

[شهر رجب] وفيها استُهلّ رجب بالخميس بالرؤية، والغلاء في تزايد، وارتفعت الأسعار فيه عمّا قدّمناه في كل شيء ذكرناه وغيره أيضاً، وطال هذا الغلاء بهذه البلاد وغيرها. وللَّه الأمر (١). (ولاية لاجين إمرة مجلس) (٢) وفيه، في يوم الخميس، ثامنه، استقر في إمرة مجلس لاجين الظاهري اللالا أحد مقدَّمين (٣) الألوف، وكان قد أشيع بأنه تولّاها إينال الأشقر. ويقال إنها عُرضت على إينال المذكور فأبى إلّا الرأس نوبيّة الكبرى، لِما فيها من الحكم والظلم، ووُلّي لاجين هذه الوظيفة عن قرقماس الجَلَب، بحكم وفاته قتيلاً في كائنة شاه سوار على ما تقدّم ذلك في محلّه آنفاً. وكانت هذه الوظيفة شاغرة هذه المدّة (٤). [عيادة السلطان لإينال الأشقر] وفيه، في يوم السبت، عاشره، نزل السلطان لدار إينالى الأشقر يعوده من مرض أصابه بعد حضوره من حلب، ولم يزل به هذا المرض وهو ينصل، ثم يعاوده إلى أن كان موته به بعد ذلك بمدّة، على ما سيأتي في سنة وفاته، وهى سنة ست وسبعين (٥). (قدوم قُلَقسيز إلى القاهرة) (٦) وفيه، في يوم الإثنين، تاسع عشره، قدم الأمير الكبير الأتابك جانِبَك قُلَقسيز إلى القاهرة، وصعِد إلى القلعة من يومه هذا، وحين قرُب من السلطان قام إليه واعتنقه وترحّب به وأنس إليه، ثم أحضرت كامليّة هائلة تليق به، فألبسها وقُيّد له مركوب خاص من خيول السلطان ومراكيبه بالسرج الذهب والكنبوش الزركش، فأركب من عند باب البحرة من الحوش السلطاني، وكان ذلك من نوادره، ثم نزل

стр. 1407

إلى داره في موكب حافل، وهرع الناس لداره للسلام عليه، وكان لنزوله يوماً مشهوداً. ثم أخذ الناس في القال والقيل، وكثُر كلامهم في شأنهْ، وماذا يولّى من الوظائف، وقد كان الأتابك، ثم كان له ما سنذكره (١). [طلب كتاب وقف المدرسة القانبائية] وفيه، في يوم الثلاثاء، عشرينه، بعث جانِبك الأميراخور الكبير إلى شيخنا الشيخ نجم الدين القَرْمي فطلبه ومعه كتاب وقف المدرسة القانبائية، ليحرّر منه قضية سكناه بالمكان بالمدرسة المذكورة، ووقع قال وقيل حتى ركب شيخنا الكافِيَجي، ﵀، إلى جانِبَك ونهاه عن مثل هذا الأمر، وخوّفه عاقبة تشويشه على النجم المذكور، وآل الأمر إلى سكوته عنه. (ولاية قُلَقسيز إمرة السلاح) (٢) وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشرينه، استقر في إمرة سلاح الأتابك جانِبَك قُلَقسيز، وكانت شاغرة نحو السنة وسبعة شهور من يوم قتل بُرْدُبك هجين في نوبة شاه سوار، فاستقر جانِبَك هذا فيها عِوضاً عنه، وقرّر في الطاعة أيضاً (٣). [ولاية إينال الأشقر رأس نَوبة النُوَب] وفيه، أعني هذا اليوم أيضاً، استقر إينال الأشقر في رأس نَوبة النُوَب عِوضاً عن سودون القصرُوي، وهو أيضاً وُلّيها عن سُودُون هذا بحكم شغورها بعد موته في نوبة شاه سوار، وقُرّر في تقدمته جانِبَك الدوادار، وكانت مضافة إلى الذخيرة. (المشاورة في إحضار الأتابك أُزبَك من شاه سوار) (٤) وفيه، في يوم الثلاثاء، كانت المشاورة بين السلطان وأمرائه بعد أن بعث بطلبهم إليه في أمر شاه سوار، ومجيء من بقي من العساكر بحلب من الأمراء كالأتابك أُزبَك وغيره، ومجيء قاصد شاه سوار الذي كان قدم صحبة الأتابك جانِبَك إلى حلب أو عقيبه بعد إطلاقه، وطالت المشاورة في ذلك، وآل الأمر إلى

стр. 1408

كتابة مرسوم بحضور الأتابك أُزْبَك من حلب هو ومن معه من الأمراء، وإحضار قاصد شاه سوار معهم. واتفق من الغرائب أن الأتابك خرج من حلب إلى جهة مصر قبل ورود الأمر عليه بذلك ووصوله إليه (١). [الإشاعة بالصفح عن شاه سوار] وفيه كُتب مرسوم لنواب البلاد الشامية بأن التجريدة ستخرج بعد شهر رمضان إلى جهة حلب لأجل شاه سوار هذا، بعد أن أشيع بالقاهرة بأنه سيقع الصفح، فتعجّب الناس من هذه الإشاعة المناقضة لهذا الحال، وتحيّروا في هل الأمر، راجع إلى الصلح أم إلى القتال؟ (٢). (ترجمة جقمق نائب دمياط) (٣) وفيه - أعني هذا اليوم - استقر في نيابة دمياط جقمق الظاهري (٤). ٥٥٣ - وجقمق هذا موجود إلى يومنا هذا الذي نحن به في عصرنا الآن، فلْنُترجمه: أصله من تركمان البلاد الحلبية. ويقال إنه كان مكارياً بحلب بعد قدومه إليها من بلاده، ثم قدم بعد ذلك القاهرة، وصار تبعاً عند الصارمي إبراهيم خازندار المقام الناصري محمد بن الظاهر جقمق، وآل به الأمر أن نزل في ديوان الجُند السلطاني فى دولة الظاهر المذكور بواسطة إبراهيم المذكور، وذلك لدعابة وبجاحة وتمسخُر كان يُبديه له، ودام على ذلك مدّة إلى سلطنة الأشرف قايتباي، فسعى في نيابة دمياط، يقال بمالٍ بذله في ذلك. وكان قبل ذلك قد صُيّر خاصكيّاً على إقطاع جيّد، فوُلّي دمياط في هذا اليوم وباشرها، وحصل له منها المال والمنقوع على ما قيل، ثم صرف عنها، فسعى في نيابة القدس ظنّاً منه أنها فيما قصده فوق دمياط، فوُلّيها بعد هذا التاريخ وتوجّه إليها، فلم ينتُج له بها أمر، وصُرف عنها وعاد إلى القاهرة، فرتّب له

стр. 1409

السلطان عشرة آلاف درهم في الشهر يأخذها على أقساط (١)، ولم يُقطِعه شيئاً من الأقاطيع، فأكل هذه الجامكية مدّة وهو في مقام الأمراء العشرات، بل فوق الكثير منهم في حَشَمه وخدمه وشؤونه (٢) وثروته. واتصل بالسلطان، بل وبكثير من أكابر الأمراء. ولم يزل السلطان ينبسط إليه، ويُظهر هو له التمسخُر والبجاحة ويُضحكه دائماً في الملأ (٣) العام من الأمراء وغيرهم بدُعابته، ويعجب السلطان وغيره ما يُبديه من ذلك التمسخر والدُعابة. ودام على ذلك إلى أواخر سنة تسع وثمانين. فلما عرض السلطان الجيش لأجل ما يقال إنه يسافر أو نحو ذلك، فقطع من جامكية جقمق هذا أربعة آلاف وأبقى معه ستة، وقال له: امشِ على نحو ما يكفيك من هذه الستة آلاف، فحصل عنده بذلك تشويش بالغ، وهو باقٍ على هذا، بل وعين السلطان ناظرة إلى قطع الكل من جامكيّته فيما أُخبرتُ. وجقمق هذا إنسان حسن، خفيف الروح، كريم النفس، يحب أهل العلم ويعظّمهم جدّاً، وله ثروة وبعض أملاك، وعنده حسن معاشرة وحلاوة مذاكرة. وهو ممن جاوز الستين (٤) سنة. سامحنا اللَّه تعالى وإيّاه. [شهر شعبان] وفيها استهلّ شعبان بالسبت، وطلع القضاة للسلطان فهنّأوه (٥) بالشهر في هذا اليوم من هذا الشهر. [إنتهاء عمارة السبيل بالقشّاشين] وفيه - أعني هذا اليوم - كان نهاية عمارة السبيل الذي أنشأه السلطان بخُط القَشاشين (٦) من تحت الربع، ولعلّه أول عمايره التي من نوع البِرّ والمعروف، وجاء سبيلاً هائلاً حسناً، لعلّه ما وُضع قبله مثله، وبُني عليه المكتب المعظّم للسبيل، وحصل به النفع في ذلك الخُط (٧). [عودة يشبُك الدوادار من الصعيد] وفيه، في يوم الإثنين، رابع عشرينه، وصل يشبك الدوادار من بلاد الصعيد

стр. 1410

بعد أن غاب بها نحواً من سبعة (١) شهور، وبات بها وجالها شرقاً وغرباً، بُعداً وقُرباً، وفعل بها أفعالاً عجيبة، وأقام بها متنقّلاً من مكان لمكان. وكان من جملة أفعاله ما يُشكر عليه ومنها ما يُذمّ عليه. فمن الذي يُشكر عليه قمع الكثير من المفسدين من العربان وغيرهم وقطع جاذورتهم وعدم محاباته لأحدٍ في ذلك، ومنهم محمود شيخ بني عدي بأعمال منفلوط، فإنه لا زالَ به حتى أخذه، لكنه فعل فعلاً عجيباً، وهو أنه جعله في سيخ وشواه حيّاً على النار، وأقام على منفلوط نازلاً بها بباب المحروق بها على كوم أمر بتمهيده بالجراريف حتى توطّاً له، وكان في أيام النيل، فدام بها مدّة وأباد الكثير من المفسدين، وخَوزَق جماعة حتى وقع رعبه في قلوب الكثير من أهل تلك النواحي، وقعدت البلاد وقَلّ الفساد، وإن كان ذلك بضروب من الأفعال غير (٢) الجائزة شرعاً. ومن أفعاله التي يُذمّ عليها ظلمه الكبير وجوره وعسفه على كثير ممن لا ذنب له ولا جُرّة في شيء، وأخذ الكثير من الأموال من غير وجهها، بما يطول الشرح في ذكره. ولما تمثَّل يشبُك هذا بين يدي السلطان خلع عليه خلعة هائلة، ونزل إلى داره في موكب حافل. ثم بعد أيام بعث إلى السلطان بتقدمة هائلة ما بين خيول (وجِمال) (٣) ورقيق، وأعسال وسكاكر وغلال، ومن الذهب النقد العين على ما أخبرني به سيباي العلائي (٤) مائة ألف دينار وثلاثة عشر ألف دينار، ومن الشعير عشرين ألف إردبّ، كل إردبّ بدينارين. وبعث إليه بمخازيم ببواقي بلاد تُحرَّر بنحو الخمسين ألف دينار ونحوها، فكان مجموع ذلك بالبواقي نحو المائتي ألف دينار، وهذا من نوادر الغرائب، وغرائب النوادر التي لم يُسمع بمثلها (٥). فلا حَول ولا قوّة إلّا باللَّه، إنّا للَّه، كيف يكون الجواب عن هذا المال في غدٍ بين يدي ذي الجلال. نسأل اللَّه تعالى العفو والعافية، وأن ينفعنا بالكَفاف وبيسيره علينا، ولا يجعل لنا اعتناء بما فوقه إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

стр. 1411

[شهر رمضان] وفيها استهلّ شهر رمضان بالأحد وهُنّئ به السلطان. [النداء على بيع القمح] ونودي في هذا الشهر، في هذا اليوم، على القمح بألف درهم الإردبّ، وأن لا يباع بفوق ذلك، ومن باع بالزيادة فلا يسأل ما يجري عليه، وهدّد من خالف هذه المناداة ومن باع بأكثر من ذلك. ثم أمر السلطان بفتح هديّتين من شُوَنه وبيع منها القمح بهذا الشهر في هذا اليوم، وحصل بهذا مشْي علامة الناس وبعض رِفق ومشْي حال، وأبيع الخبز بستة نُقرة الرطل بعد أن كان بتسعة. وكان الإردبّ الشعير قد أبيع بتسعمائة الإردبّ فأبيع في هذه الأيام بأقلّ من ستمائة، وللَّه الحمد على ذلك (١). (المناداة بطلوع من له شيء عند السلطان ليردّه عليه) (٢) وفيه أيضاً - أعني هذا اليوم - نودي من قِبَل السلطان بأن من أُخذ منه شيء من المبلغ من أولاد الناس في مقابلة بعْث البديل إلى التجريدة، بل وغير أولاد الناس، فلْيطلع إلى القلعة ليردّ السلطان ما كان قد أخذه منهم إليهم، وأن طلوعهم يكون إليه في يوم الأحد ثامن الشهر هذا. ولما سمع الناس هذه المناداة تعجّبوا من ذلك، وكون هذا مالٌ كبير له جُرم عظيم، وقد فرغ من أعطاه عمّا أعطاه، وما ثَمَّ محرّك للردّ ولا مندوحة ظاهرة، فكيف سمح به السلطان؟ وخفي سبب ذلك عن كثير من الناس، واختلفت أقاويلهم في ذلك، فمن قائل: رأى السلطان شيئاً ما في ذلك. ومنهم من قال: خاف من الدعاء. ومنهم من قال: إنه ردّه بغير سبب، كما أخذه بغير سبب. ولم يُعلم إلى يومنا هذا ما السبب في ذلك. والظاهر أنه رأى شيئاً ما في مثل ذلك. بل ويذكر أنه ذكره السلطان لبعض الناس. واللَّه أعلم (٣). (وصول الأتابك أُزبَك بمن معه من حلب) (٤) وفيه، في يوم الخميس، خامسه، وصل الأتابك أُزبَك من حلب بمن معه

стр. 1412

ممن بقي من الأمراء، وهم: تمر الحاجب، وقَراجا الطويل الأشرفي، وأزدمر الطويل الأشرفي أيضاً، وبعض عشرات وأجناد، وهم في غاية العياء والتعب والعلّة، وقدم صحبتهم شاه بُضاغ أخو سوار المعزول قبل ذلك عن نيابة الأَبُلُسْتَين، بحكم استيلاء سوار عليها. واسمه أنه مولى. وطلع الجميع إلى القلعة وقبّلوا الأرض بين أيادي السلطان، وتحرّك من على دكّته لمجيء الأتابك أُزبك، وقام له بنصفه الأعلى، وكذا فعل معه حين خلع عليه، وخلع أيضاً على بقية الأمراء والخيل فواقي بوجهين. ونزل الأتابك والأمراء معه إلى داره، وخلع على كل من الأمراء فوقاني بطرز زركش بحسب مقامه. وأمّا شاه بُضاغ فخلع عليه كاملية بفرو سمّور، ونزلوا بعد أن عُرضت الأسرى ممن قبض عليهم من أقارب شاه سوار وجماعته على السلطان، وكان فيهم أخوه يحيى المعروف بكاوُر، فأمر السلطان بسجنه وإيّاهم بالبرج من قلعة الجبل (١). [وصول قاصد ابن قرمان بمكاتبة] وفيه، في يوم السبت، سابعه، قدم إلى القاهرة قاصد ابن (٢) قرمان أحمد صاحب لارندة وقونية وما والاهما من ملك الروم الأدنى بمكاتبة وهو يشكو (٣) فيها من السلطان محمد بن عثمان ملك الروم (٤). [ردّ السلطان على أولاد الناس بعض ما أخذه منهم] وفيه، في يوم الأحد، ثامنه، طلع أولاد الناس وغيرهم ممن كان أخذ السلطان منهم المال، ثم نادى بأنه يردّه إليهم، وحين اجتمعوا بالقلعة جلس السلطان على دكّة من الحوش، وأخذ في ردّه عليهم ما كان قد أخذه منهم، فردّ إلى البعض جميع ما كان أخذه، وإلى البعض نصفه، وإلى آخرين بأقلّ من النصف، ولم يردّ على ذوي الأقاطيع شيئاً إلّا بعض ما ندر (٥). [تعيين ابن الكُوَيز في نظارة الخاص] وفيه، في يوم الخميس، ثاني عشره، استقر في نظارة الخاص زين الدين

стр. 1413

عبد الرحمن بن الكُوَيْز بعد صرف التاج عبد الله بن المقسي بعد اختفائه، وهذه الثانية من ولاية ابن (١) الكُوَيز لنَظارة الخاص من يوم حضوره من بلاد الروم، وسُرّ الكثير من الناس بولاية الزين هذا وصرْف ابن (٢) المقسي لسوء مباشرته ولظلمه الذي آل به إلى ما تعرفه أو ستعرفه إن شاء اللَّه تعالى (٣). [نيابة ابن فُطَيس بالقدس] وفيه استقر يوسف الجمالي الغوري، المعروف بابن فُطَيس فى نيابة القدس، عِوَضاً عن دَمِرداش العثماني، بحكم نقله إلى نيابة سيس قبل ذلك (٤). وكان يوسف هذا قد ولي قبل ذلك أستادّارية الأغوار بدمشق. وهو في الأصل من أتباع جانم نائب الشام. [طلوع قاصد شاه سوار إلى السلطان بالقلعة] وفيه، في يوم الإثنين، ثالث عشرينه، طلع قاصد شاه سوار الذي حضر قبل ذلك إلى القلعة واجتمع بالسلطان، وكان قد أحضر معه بعض هدية، فلم يأذن السلطان له بأن يطلع بها إليه، وكانت بعض جمال بخاتي وبعض مماليك وجواري. ولما تمثّل هذا القاصد بين يدي السلطان أوصل مكاتبة مرسِلِه إليه، ففُضَّت وقُرئت، فكانت تتضمّن طلب الصلح على شروط ذكرها شاه سوار، منها أن يُعطى إمرة التركمان، وتقدمة ألف بحلب، وأنه إذا فعل معه ذلك سلّم عينتاب. ثم طال المجلس بين القاصد والسلطان. وكان هذا القاصد ممن عنده حركة وتفُوّه ومعرفة بالكلام. وكثُر الكلام في هذا المجلس، ولم يظهر لأحدٍ ممن حضره لعلّ الأمر انفصل في هذا المجلس على الصلح أم غيره. لكنه لما نزل القاصد بغير خلعة، بل وعاد لمرسله بلا خلعة ظهر أنه لا صلح (٥). [انتقال الشمس إلى برج الحَمَل] وفيه، في يوم الأربعاء، خامس عشرينه، نُقلت الشمس إلى برج الحَمَل في الساعة الرابعة من الليل، ووافق ذلك سادس عشر برمهات من شهور القبط. وكان هذا أول فصل الربيع.

стр. 1414

[شهر شوّال] وفيها استهلّ شوّال بالثلاثاء، وكان العيد، وخُلعت فيه الخُلَع على العادة في ذلك، وكانت شيئاً كثيراً لغرر ناظر الخاص بها، لكونه أول ما ولي وجاءه هذا الحال. (ولاية الزين ابن الكُوَيز معلّميّة المعلّمين) (١) وفيه، في يوم الخميس، سابع عشره، استقر في وظيفة معلّمية المعلّمين - أعني كبير المهندسين - بدر الدين محمد بن الكُوَيز الذي ولي نظارة الخاص بعد ذلك، (وستأتي) (٢) ترجمته في محلَّها إن شاء اللَّه تعالى (٣). [خروج المحمل من القاهرة] وفيه، في يوم السبت، تاسع عشره، كان خروج المحمل والحاج من القاهرة، وأميرهم يشبُك الجمالي الماضي ذكره، وأمير الأول آقبردي الأشرفي، وتتابع خروج من بقي من الحجّاج بعد ذلك، ثم استقلّوا بالرحيل من البِركة، فالأول في يوم الإثنين حادي عشرينه، والمحمل في يوم الثلاثاء ثاني عشرينه. وخرج صحبتهم الشيخ الإمام العلّامة كمال الدين ابن (٤) إمام الكاملية وهو موعوك، وأشير عليه بعدم السفر، فأبى إلّا ذلك، كأنه أراد أنه إن مات يكون ممن مات على الحج، وكان كذلك، فإنه مات بثغر حامد في خامس عشري شوال هذا كما سيأتي في ترجمته وفي تراجم هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى. وكان قد قدم من المغرب في هذه السنة صاحبنا الشيخ العالم، العامل، الفاضل، الكامل أبو عبد اللَّه محمد بن () (٥) المغربي، التِلِمْساني، المالكي، المعروف بابن القصّار، خطيب جامع البيطار بمدينة واهران، وأحد أجِلّاء أصحاب الولي الملك سيدي إبراهيم التازي الماضي ذكره، بل وذِكر ابن (٦) القصار هذا أيضاً فيما تقدّم. وكان قدومه برسم الحج، فخرج حاجّاً ثم جاور بمكة وبها مات في أثناء هذه السنة. وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى (٧).

стр. 1415

[قيام أهل الخانقاة الشيخونية على العلاّمة الكافِيَجي] وفيه - أعني هذا الشهر - تحزّب جماعة من أهل الخانقاة الشيخونية وقاموا على شيخنا العلّامة الكافِيَجي لأجل قطع المرتّب بها، ودخلوا إلى إينال الأشقر وقد وُلّي رأس نَوبة النُوَب، وهو الناظر على الخانقاة المذكورة، فبعث إلى شيخنا بعمل مصالح أهل الخانقاه، فقال له في جواب ذلك إنه هو أيضاً الناظر، فلينظر في متحصّل الوقف ومصروفه، لعلّ يفيض ما يعاد به المرتّب فليفعل، وقامت هرجة كبيرة في ذلك، ورسّم على جابيها الذي يقال له محمد السعدي عدّة أيام، وعُمل الحساب، فما وُجد شيء ليُعاد به المرتّب، ودام الأمر على ذلك إلى أول الآتية. [كائنة الجلال ابن سُوَيد] وفيه - أعني هذا الشهر - كائنة الجلال ابن (١) سُوَيد في قضية منعه شيئاً من أوقاف مدرستهم، ووُكّل به في المدرسة القانِبائية من أعوان إينال الأشقر، وآل الأمر إلى تغريمه الكثير من المبلغ ببيع أشياء له، والإستعادة على من شَرَى شيئاً من الوقف، والتخلية بينه وبين المبعدين (٢). وقد أشرنا إلى بعضٍ من ذلك في ترجمة الجلال (٣) هذا على ما عرفت فيما مرّ. [كائنة القاضي ابن بكور الشافعي] وفيه - أعني هذا الشهر أيضاً - كائنة القاضي () (٤) ابن بكور الشافعي، أحد نواب الحكم الشافعية، ووكّل به بدار إينال الأشقر، وغرم فوق الأربعين ديناراً لقضيةٍ ما، ثم خلّص. [زيادة شرور إينال الأشقر] وفيه - أعني هذا الشهر - زادت شرور إينال الأشقر، وصار الكثير من الناس لا يرتمي إلّا من داره، وعمل في الناس البطيط (!)، وشكا (٥) إليه شاهد فقطع كُمَّه، وحرث على ثور من بقر أركبه إيّاه (٦).

стр. 1416

(بداية عمارة تربة السلطان) (١) وفيه أيضاً كان بداية عمارة السلطان لتربته بالصحراء، وأول ما بدأ به عمارة الحوض السبيل، ثم حفر الصهريج (٢). [شهر ذي القعدة] [ضرب السلطان الكُرَة] وفيها استهلّ ذو (٣) القعدة بالأربعاء، وابتدأ (٤) فيه السلطان بضرب الكُرة ومعه الأمراء مقدَّمين (٥) الألوف على العادة (٦). [قدوم مبشّري العقبة] وفيه - أعني هذا الشهر - قدم مبشّرو (٧) العَقبة بكتبها وأخبروا بالأمن والرخاء، وأخبروا بموت العلامة الكمال إمام الكاملية وابن (٨) إمامها وكثُر أسف الناس عليه. [شهر ذي الحجّة] وفيها استهلّ ذو (٩) الحجّة بالجمعة، وطلع القضاة فهنّأوا (١٠) السلطان به. وفيه في يوم السبت ثانيه انتهى ضرب السلطان للكرة، وكان آخر يوم من لُعبها. (تعيين التقي الحصني في مشيخة الشافعي) (١١) وفيه - أعني هذا اليوم - بعد فراغ السلطان من الكرة بعث إلى الشيخ العلّامة التقي الحصني يطلبه، فلما حضر عنده أجلّه وعظّمه وقام له، والتمس منه الدعاء، ثم قرّره في تدريس المدرسة الصلاحية المجاورة لقبّة الإمام الشافعي،

стр. 1417

رضي اللَّه عنه، وشافهه بذلك، وذلك عِوَضاً عن الكمال ابن (١) إمام الكاملية، بحكم وفاته على ما ذكرنا. وخلع على التقي المذكور خلعة معتادة لمثله، ونزل في مشهد حفل إلى المدرسة المذكورة (٢). ثم أخذ إبراهيم بن الكَركي يشيع بأنه هو الذي أرشد السلطان إلى أن يُولّي التقي هذا لكونه شيخه، وهو كاذب فيما أشاع بلا نزاع. [أُضحيات العيد] وفيه كان العيد (بالسبت) (٣)، وكانت الضحايا موجودة (٤). [مقياس النيل] وفيه، في يوم الأربعاء، سابع عشرينه، ووافق سادس عشرين بؤونة (٥) قصد أبو (٦) الرذّاذ المقياس، وأخبر بأن القاعدة بلغت ستة أذرع وعشرين إصبعاً، فبشّر به، ثم أصبح من غده، وهو الخميس، فنودي عليه - أعني النيل - بزيادة خمسة أصابع. [نزول السلطان إلى خليج الزعفران والمطرية] وفيه، في يوم الجمعة، ركب السلطان ونزل إلى ناحية خليج الزعفران والمطرية، فسيَّر وعاد من يومه. [تأخّر مبشّر الحاج] وفيه - أعني هذا الشهر - لم يرد مبشّر الحاج على العادة، بل تأخّر حتى قيل إنه لا مبشّر في هذه السنة، ثم قدم إنسان يقال له قانصوه الجمالي من الخاصكية في السنة الآتية، وكان قد أخذه أخور في طريقه فتعوّق به. وخرجت هذه السنة على ما قد عرفته من الفِتَن والشرور والأنكاد والغلاء، ولكن الحال يترجّح وللَّه الحمد.

стр. 1418

ذِكر نُبَذٍ (١) من تراجم الأعيان ووَفَيَاتهم فىِ هذا الزمان سنة ٨٧٤ ٥٥٤ - (أحمد بن سعيد بن [سعيد] (٢) التلمساني (٣)، السنوسي (٤)، المغربي، المالكي. الشيخ العالم، الفاضل القاضي في ( … ) (٥) قاضي المالكية بدمشق. قدم من تِلِمْسان إلى هذه البلاد، وتنقّلت به الأحـ[ــوال] حتى وُلّي قضاء الإسكندرية، ثم [آل] أمره أنْ وُلّي قضـ[ــاء] دمشق غير ما مرة، وأذهب أموا [لاً]، جمّة في ذلك، منها لما قام ابن (٦) عبد اللَّه في ذلك ونقله، ووثب على ( … ... … ... ) (٧). وتوفي ( … ) (٨) في ليلة الأربعاء ( … ) (٩) ربيع الآخر وهو مصروف عن القضاء. ٥٥٥ - أحمد بن سعد الدين ( ............ ) (١٠).

стр. 1419

( … ... … ... … ... … ) (١). ٥٥٦ - أحمد بن العطّار (المصياتي (٢)، شهاب الدين) (٣) الطرابلسيّ (٤). باشر الحكم على عدّة جهات سلطانية بطرابلس، وكان إنساناً حسناً، خيّراً، أدوباً، جيّد المباشرة، باشر عدّة جهات بحُرمة، وكان الجميع ( ......... … ) (٥) وغيره و ( … ... … ) (٦) حسن. وكان فكه المحاضرة، بشوش الوجه، حسن الهيئة والشكالة، متجمّلاً في شؤونه. توفي في هذه السنة (٧).

стр. 1420

٥٥٧ - أحمد بن علي بن يوسف بن محمد بن الفرّاش (١) القاهري، الحنفي. الخطيب، العدلى، الرضيّ، شهاب الدين، أبو النجا. خطيب جامع شيخو، وأحد ( … ) (٢) الخانقاة الشيخونية بالرومي ( … ... ) (٣) وأسلافهم ببني الفرّاش. كان جدّه خطيباً مصقعاً، وله ( … ) (٤)، وكان خطيباً حسن ( … ) (٥) جامع شيخو، وكان الواقف ( … ... ) (٦) جامعه شيخاً أول ( … ) (٧) بغاية فصاحة. وولد [هو] بالقاهرة في سنة ٨٣١ ونشأ بالجامع المذكور. وأُحفِظ [القرآن العظيم] (٨) وبعضاً من المتون، واشتغل ( … ) (٩) وحضر دروس بعض مشايخ ( … ) (١٠) القاهرة، ومنهم الكمال بن الهُمام، وآخرون (١١) قبله وبعده، وكان بيده خطابة الجامع شريكاً لإخوته، ولهم شرط النظر في الجامع أيضاً. وكان أبو النجا هذا حسن الأداء في خطبته وقراءته، ومنهم أيضاً إمارة الحاج ( … ... ) (١٢) عدّة سنين ( … ... … ) (١٣). وكان متجمّلاً في شؤونه (١٤) يتكسّب بالتجارة ( ............... ) (١٥) المنهاج في الجامع. وكان ( … ... … ... ) (١٦) حسن العشرة، فكِه المحاضرة، مع لهو يسير. توفي في شهر شوال بعد آخر العيد رحمه اللَّه تعالى) (١٧). ٥٥٨ - أحمد بن قَرَطاي (١٨) الطرابلسي، المالكي، ثم الشافعي. القاضي شهاب الدين، المعروف بابن قَرَطاي، وليس بأبيه، بل لعلّه جدّه أو نحو ذلك، فإنّني ما حرّرته. هذا كان من أعيان طرابلس ومن أكابر رؤسائها، ووُلّي بها القضاء المالكية

стр. 1421

غير ما مرة، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي لأجل القضاء، فتولّى القضاء الشافعية بها أيضاً في دولة الظاهر خشقدم، وكان له جُرأة (١) وإقدام على الأمور المَهُولة، وما كان خالياً من فضيلة. وكان عنده حشمة وتؤدة وحُسن سمت، وعشرة، وفكاهة محاضرة. توفي في هذه السنة فيما أظنّ. وهو في عشر السبعين. ٥٥٩ - بُتخاص العثماني (٢)، الظاهري. أحد العشرات، والحاجب الثاني. كان من مماليك الظاهر برقوق، ولم يزل جندياً نحواً من ستين سنة في عدّة دول، إلى أن تسلطن الظاهر جقمق، وهو خُشداشه، فأمّره عشرة لزيادة معرفته له، وإلّا فقد تسلطن من الظاهرية غير ما واحد كالمؤيَّد، وطَطَر، وبَرسْباي. ثم ولّاه الظاهر المذكور نيابة ثغر دمياط، ثم قبض عليه وكُفي، ثم أعيد إلى القاهرة بطالاً. ولما تسلطن الأشرف إينال أمّره عشرة على إمرة أُزبك من طَطَخ، أتابك زمننا الذي نحن فيه الآن المذكور آنفاً. وكان الأشرف إينال المذكور قد قبض عليه، ثم رقّاه الأشرف المذكور إلى الحجوبية الثانية عوضاً عن شمام الحَسَني، ودام على ذلك مدّة حتى تسلطن الظاهر خُشقدم، فأخرج الحجوبية عنه لقانِبَك السيفي يشبُك بن أزدمر، الآتي في محلّه. وبقي بُتخاص على إمرته فقط. ولما تسلطن الظاهر يُلَباي بعد موت الظاهر خُشقدم أخرج عنه الإمرة لعجزه وكِبَر سنّه. ووهِم من قال: إن الظاهر خُشقدم هو الذي أخرج إمرته عنه، وقرّر في إمرته سُودُون العلائي الظاهري، المعروف بالصغير لالا، في سنة ثمانٍ وثمانين إن شاء اللَّه. ودام بُتخاص هذا ملازماً لداره، ورتّب له ما يكفيه من الجامكية إلى أن بغته الأجل. وكان إنساناً حسناً، خيِّراً، ديّناً، ساكناً، متواضعاً، عفيفاً عن المنكرات، والفروج.

стр. 1422

توفي في شهر ربيع الأول. وقد ناهز المائة من العمر. ويقال: إنه آخر من مات من مماليك الظاهر برقوق. واسمه مركّب من: "بط" بالطاء وضمّ الموحَّدة، والباء غلط عنها. ومعناه: الضمّ. و"خاص" وهو عربي، ومعنى (١) المجموع: أي ضمّ خاص وهو بالتركية. ومن الأتراك من قال: إن معناه فخذ، وهو القصر خاص. فإن الفخذ يسمّى في أيضاً، إذ هذه اللفظة مشتركة بين الضمّ والفخذ. ولعلّ الثاني أَولَى، لكن الأول من فقه آخرين أظهر. واللَّه أعلم. ٥٦٠ - بيبرس من طَطَخ (٢) الأشرفي. أحد مقدَّمين الألوف بدمشق، المعروف بالطويل. كان من مماليك الأشرف برسباي، وممن صُيّر خاصكيّاً في دولته، ثم نكب بعد موته، وقُبض عليه، ونُفي حين سلطنة الظاهر جقمق، ولم يزل مَنْفيّاً إلى سلطنة الأشرف إينال، فاستقدمه إلى القاهرة، وأمّره عشرة، وصيّره من جملة رؤوس (٣) النُوَب، واختص به وقرّبه وأدناه، وصار له ذِكر في دولته وشهرة، وقُصد لأمور، فأنهاها عند السلطان، ودام كذلك إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فصيّره أمراخوراً ثالثاً، عِوَضاً عن بُرْدُبَك هجين، ثم قبض عليه مع الأشرفية بالقصر، وسُجن بثغر الإسكندرية مع خُشداشه، ثم أُخرج إلى القدس فدام به بطّالاً حتى تسلطن الأشرف قايتباي، فصيّره من مقدَّمين (٤) الألوف بدمشق على التقدمة التي كانت بيد الوالد قبل ذلك بمدّة، لما أن كان بدمشق، ولم يزل على هذه التقدمة حتى بَغَته الأجل. (وتوفي) (٥) بدمشق في هذه السنة، فيما يغلب على الظنّ. وكان ذا سمت حسن وتؤدة، وله وجاهة وأدب وحشمة، وعنده شجاعة وفروسية، إلّا أنه كان مسرفاً على نفسه.

стр. 1423

٥٦١ - تمرباي السيفي (١) أُلْماس الأشرفي. نائب قلعة حلب. كان من مماليك أُلْماس الأشرفي بَرسْباي أتابك حلب الماضي في سنة اثنتين (٢) وسبعين. ولما مات أستاذه نزل في ديوان الجند السلطاني، ثم صُيّر خاصكيّاً، ثم أمّره الأشرف قايتباي عشرة، ثم ولّاه نيابة قلعة حلب، فلم تطُل مدّته بها، وبغته الأجل. وتوفي في المحرّم وهو شاب. وكان لا بأس به. ويقال: إنه من مماليك الأشرف إينال، وإنه عُرف بأخرة لأُلماس المذكور. ٥٦٢ - تمرباي التمرازي (٣). أحد العشرات، والمهمندار. كان من مماليك الأمير تمراز القرمشي أمير سلاح، الماضية ترجمته في سنة ثلاثٍ وخمسين. وكان تمراز قد ملكه من تركات بعض الأمراء بالبلاد الشامية. ولما مات أستاذه نزل إلى ديوان الجند السلطاني مع عدّة من خُشداشيه مماليك تمراز المذكور، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الظاهر خُشقدم، فصيّره خاصكيّاً، ثم أُمّر عشرة في سلطنة الظاهر يلباي. ثم لما تسلطن الأشرف قايتباي جعله مهمنداراً عِوَضاً عن صاحبنا الناصري محمد بن قانِبَاي اليوسفي، لما غضب السلطان عليه، على ما عرفت ذلك في ترجمة محمد هذا في ترجمة أبيه قانباي. ثم ندبه السلطان لأمرٍ من الأمور إلى مدينة حلب، فتوجّه إليها، وبها كان أجله. وكان إنساناً حسناً، خيّراً، ديّناً، عارفاً، ناهضاً، له خبرة بكثير من الأمور والأحوال، ذا صدق ويقظة، وحسن سمت وتُؤدة وأدب وحشمة. توفي في ثالث عشرين جمادى الآخرة.

стр. 1424

٥٦٣ - جانِبَك الحَسَني (١) الأشرفي. أحد العشرات ورؤوس (٢) النُوَب. كان من مماليك الأشرف إينال، وامتُحن بعده بالنفي في سلطنة الظاهر خُشقدم، ثم قدم القاهرة بعد موته. ولما تسلطن الأشرف قايتباي، وكان الأشرفية هم القائمون بسلطنته، أمّره عشرة وصيّره من رؤوس (٣) النُوَب. ثم عُيّن للتجريدة فخرج صحبة الأتابك أُزْبَك، وعاد منها، ثم تمرّض. وتوفي بالقاهرة في عنفوان شبابه. وكان شاباً طُوالاً، ظريفاً، جميل الصورة، حسن الهيئة والشكالة. ولم أستحضر شهر وفاته. ودُفن بالصحراء بتربة الأتابك يشبُك السُودُوني، المعروف بالمشدّ، بين تربة الأشرفين بَرسْباي وقايتباي. ٥٦٤ - جانِبك الزَيني (٤)، المؤَيَّدي. أحد الطَبْلخانات ورؤوس (٥) النُوَب. كان من مماليك المؤيد شيخ، وصار خاصكيّاً في دولة المظفّر أحمد بن المؤيَّد المذكور، ودام على ذلك مدّة إلى سلطنة الأشرف إينال، فصيّر رأس نَوبة الجمدارية، واستمر كذلك دهراً طويلاً حتى تسلطن خُشداشه الظاهر خُشقدم، فأمّره عشرة، ثم صيّر من رؤوس (٦) النُوَب على شكٍ عندي في أيّ دولةٍ كان له ذلك، أفي دولة الظاهر المذكور أم بعده في دولة الظاهر يُلباي، واللَّه أعلم. ولما تسلطن الظاهر تمربُغا قبض عليه في جملة من قبض من المؤيَّديّة في فتنة يلباي القائم بها يشبُك الفقيه الدوادار الكبير على ما تقدّم، فشفع فيه الأتابك قايتباي سلطان العصر الان لصحبةٍ كانت بينهما، فأُطلق وبقي على إمرته. ولما تسلطن الأشرف قايتباي زاده على إمرته، ولهذا قيل له طبلخاناة، ثم

стр. 1425

عُيّن في التجريدة لشاه سوار، وعاد منها متمرّضاً، وطال به المرض مدّة شهور. إلى أن توفي في يوم الأربعاء مستهلّ ( … ) (١). وكان له نحواً من سبعين سنة أو أكملها. وكان بخيلاً، شحيحاً، جمّاعة للمال، ولم يتزوّج قط، عفا اللَّه عنّا وعنه. ٥٦٥ - (حذيفة هو محمد بن أحمد بن () (٢) الدكماري (٣)، المنوفي، الحنفي. وسيأتي في مرتبته من هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى، فإن حذيفة لَقَب جُعل كالعَلَم له، لا يعرف بغيره وقف على ذلك. ٥٦٦ - حمزة بن أحمد بن علي بن محمد بن علي [بن محمد بن علي] (٤) القرشي العلوي (٥) الحَسَني، الدمشقي، الشافعي. السيد الشريف، عز الدين بن أبي هاشم) (٦). [مولده سنة ٨٢٠] (٧). ٥٦٧ - خُشكلدي الخليلي (٨)، الرومي، الخاصكي، المعروف بأجا. كان من مماليك خليل باشا وزير ابن (٩) عثمان الماضي، وكان اسمه عنده يعقوب، فلما جرت على أستاذه المِحَن التي آلت به إلى القتل على ما مرّ قدمٍ خُشكلدي هذا إلى هذه البلاد، وغيّر اسمه من يعقوب إلى ما كتبناه. وكان خصّيصاً جدّاً عند أستاذه خليل باشا وأجاً لداره.

стр. 1426

ومعنى "الأجا" عندهم: مدبّر الدار، أو صاحب الرأي فيها، وكان إليه المرجع بدار أستاذه وإليه الأمر والنهي فيها، بل وفي غيرها. وكان إذا اجتاز بأكابر الأمراء العثمانية وأعيانهم أجلّوه وقاموا له. ولما قُبض على أستاذه قُبض عليه أيضاً وامتُحن، وقُّرّر على أموال أستاذه خليل المذكور، ومن جملة ما امتُحن به أن قُلعت له اثنتان (١) من أسنانه ودُقّتا في رأسه بمطرقة، واستُصفي حتى لم يدعوا له إلّا شيئاً يسيراً، وخلص بأخرة نجيّاً، ففر إلى القاهرة، وقدِمها في دولة الظاهر جقمق، فأكرمه وأنزله بديوان الجند السلطاني، وأظنُّه صيّره خاصكيّاً على إقطاع حسن، واشترى لنفسه داراً سكنها على بركة الفيل، وتزوّج بالقاهرة ودام بها إلى أن أدركه أجله. وكان إنساناً حسناً، حشماً، أدوباً، عاقلاً، عارفاً، خيّراً، ديّناً، محبّاً في أهل العلم وطلبته، لم يَخْلُ من فضيلة، ذا سمت حسن وتؤدة وأدب وصحبة وسكون، وله معرفة تامّة وخبرة بكثير من الأمور، مع شهامة وعفّة. وكان له ذِكر ببلاد الروم وشهرة. توفي بالقاهرة في هذه السنة، ولم يحضُرني شهر وفاته. ٥٦٨ - •وورثه ولده يوسف، ثم باع داره للبرهان الكرَكي بألف دينار، وشرا ما له السلطان على غالب ظنّي، أو أعانه على ثمنها، وزاد البرهان بها البناء أولاً وثانياً الزيادة التي نكب فيها أو بسببها، وهُدمت. وسافر يوسف هذا لبلاد الروم، وانضمّ إلى السلطان محمد بن عثمان، إليه وأكرمه، وصار له وجاهة بتلك البلاد، ويبلغنا عنه الخير والفضل. وهو شاب حسن السمت والملتقى، له تؤدة، وعنده معرفة كأبيه، بل وأربى عليه. وسنّه نحو الأربعين سنة فيما أظنّ. ومات والده وهو في عشر السبعين. ٥٦٩ - خُشكلدي القوامي (٢)، الناصري. أحد الطبْلخاناة. كان من مماليك الناصر فرج بن برقوق، ممن قدم إلى القاهرة في سنة ثلاثٍ وثمانمائة على ما سُمع من لفظه. وكان اسمه حين قدمها: قبجق، لأنه كان

стр. 1427

جركسيّ الجنس، فغيّر الناصر اسمه لاسم الأروام، لبغضه في طائفة الجركس وأسمائهم، فأراد أن ينفي هذا عنهم مع مَيله إليه، ثم قرّبه وأدناه واختصّ به ورقّاه، حت صيّره خاصكيّاً في دولته، ثم خازنداراً، ودام إلى أن قُتل أستاذه الناصر، فخاف على نفسه وهرب وتشتّت شمله، ثم خدم في أبواب الأمراء بعد أن أهين وامتُحن بالسجن، وقاسى الشدائد وأنواع الفقر والفاقة والقلّة والخمول، وتنقّل في خدمة نوروز وغيره. ثم اتصل بخدمة آقْبَرْدي المِنْقار (١). فلما وُلّي نيابة الإسكندرية صيّره دواداره وقرّبه وأدناه. ثم لما مات المؤيَّد شيخ عاد إلى الديوان السلطاني فنزل مع الجند على عادته قبل ذلك، لكنْ في الجامكية فقط، وذلك بعد موت آقْبَردي أيضاً، وصيّره الأشرف بَرْسْباي خاصكيّاً، أظنّ في أوائل دولته، ودام كذلك حتى تسلطن الظاهر جقمق فأمّره عشرة على إمرة أبي يزيد من صفر خُجا بحكم وفاته. ولم يزل إلى سلطنة الأشرف إينال خُشداشه، فصيّره من الطبْلخاناة عِوَضاً عن سُودُون قراقاش، لما نُقل إلى تقدمة ألف، ودام إلى سلطنة الظاهر خُشقدم، فأمّره على الحاج بالركب الأول، وأراد بذلك عساه أن يستعفي من الإمرة لكِبَر سنّه وعجزه، بل كان قبل ذلك قد عرض له الظاهر بترك الإمرة، بل وبعث بعد ذلك إليه بذلك ويذكر له أنه عاجز، وأن الراحة خير له من الإمرة ومشاقّها، فامتنع من تركها، فأراد إظهار عجزه، بتعيينه إلى الحجاز، فقبل ذلك وتوجّه إليه، وتحمّل جُملاً من الديون بسبب سفره، ومع ذلك فأخرج عنه الظاهر الإمرة (٢) بعد عوده، وأعطاها لطوخ الأبوبكري الزَّرَدْكاش، ولزم خُشكلدي داره عاطلاً عاجزاً، خاملاً، عليه جملة (٣) من الديون لذمّته حين التوجّه إلى الحج. وكان لما حج دائماً ملازماً بالمحفّة لعدم مسكته على الخيل واقتداره على ركوبها. ولم يزل بداره بعد ذلك وهو في قهر لكونه أُخرجت عنه الإمرة إلى أن بَغَتَه الأجل. وكان إنساناً حسناً، خيّراً، ديّناً، متواضعاً، إلّا أنه كان بخيلاً جداً، شحيحاً. توفي في ليلة الجمعة ثالث عشرين جمادى الآخرة عن سنِّ عالية. أظنّه تجاوز التسعين.

стр. 1428

٥٧٠ - خَلَف بن محمد (١) بن محمد بن علي. الشيخ الفاضل، (الصالح، زين الدين، المشالي (٢)، الششيني ( … ) (٣) الحنفي. ولد قبل القرن، ونشأ على خير، ثم قدم القاهرة قاصداً الشمس الحنفي، وأخذ عنه في طريقة الشاذلية، وكان شافعياً فتحنّف بإشارته، وتفقّه بالشيخ أبي العباس [الرسيمي] (٤) ( .................. ......... ) (٥)، حسن العشرة، فكِه المحاضرة. توفي ليلة الخميس، أظنه محرّم. وترك ولده الشيخ أبا (٦) النجا، ونِعم الولد هو. ٥٧١ - خليل الكفْركناوي (٧) اللُّدِّي (٨) (؟) الشافعي. الشيخ العالم، الفاضل، غرس الدين. كان من أهل العلم والفضل. توفي بدمشق في يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول، ودُفن بمقابر باب [الصغير] (٩). ٥٧٢ - دَوْلاتْ باي الأشرفى. أحد العشرات. كان من مماليك الأشرف إينال، وبقي بعده، ثم حضر بعد موت الظاهر خُشقدم، وتأمّر في هذه الدولة قبل أن يخرج إلى تجريدة شاه سوار بقليل، ثم خرج إليها صحبة الأتابك أُزبك، ثم عاد منها.

стр. 1429

وتوفي بغزّة في عَوده، أظنّ في شعبان، فإن شهر وفاته لم يحضُرني الآن، ولا عرفت شيئاً من حاله لأذكره عنه غير ما قد قلته. ويقال: إنه كان لا بأس به. ٥٧٣ - زُهَير بن سليمان (١) بن هبة الحَسَني. السيد الشريف، زين الدين، أمير المدينة المنوّرة، كان وُلّيها بعد ضُغيم (٢)، وآل أمره أنْ توفي بها قتيلاً في هذه السنة، وورد الخبر بذلك علينا للقاهرة في شعبان من هذه السنة، وقُرّر عِوضه ولده مقبل، وقيل إنه وُلّي المدينة بعده، وبيدى؟ وما حرّرت ذلك. ٥٧٤ - شادبك الأشرفي المعروف بآص. تقدّم في التي قبلها لأنه مات فيها على الصحيح لا في هذه. ٥٧٥ - صنطباي (٣) من قصرُوه الأشرفي. أحد العشرات ورؤوس (٤) النُوَب. كان من مماليك الأشرف بَرسباي من تقدمة قصرُوه نائب الشام، فأجرى الأشرف غيبته عليه، ثم صيّره جَمداراً، ودام على ذلك مدّة في عدّة دول، ثم صُيّر خاصكيّاَ، ثم تأمّر عشرة في هذه الدولة، وخرج في نَوبة سوار المذكورة آنفاً وعاد منها. فتوفي بغزّة في شعبان. وكان ساكناً، قليل الشر، ولا بأس به على إهمالٍ فيه. ومات وسنّه زيادة على الخمسين سنة (٥). واسمه تقدّم الكلام عليه. ٥٧٦ - طَرَباي الظاهري (٦). أحد العشرات، ومحتسب القاهرة. كان من مماليك الظاهر خُشقدم من أعيانهم، وممن كان شراه في أيام إمرته

стр. 1430

قبل سلطنته، وكان من أعيان خاصكية الظاهر هذا في دولته، وله ذِكر وشهرة. ولما مات أستاذه أمّره الظاهر يُلباي عشرة. ثم لما تسلطن الظاهر تمربُغا صيّره محتسبًا بالقاهرة، عِوَضًا عن خُشداشه مُغُلْباي لما نُقل إلى تقدمة ألف. وكان مُغُلْباي هذا آغاته بالطبقة، وأظنّه هو الذي اعتنى به حتى وُلّي الحسبة، ولم تطُل مدّته في الحسبة حتى قُبض عليه في تقدمة خلْع تمربُغا، مع جملة من قُبض عليه من خُشداشيه الخُشْقدميّة، ثم أُمّر طبلخاناة أو نحوها بحلب. واتفق أن خرج يومًا للتصيّد ببعض ضواحيها. فقتله بعض العربان هناك في شهر ذي القعدة وهو في عنفوان شبابه. وكان شكلًا حسنًا، وله فروسية، لكنه كان غير مشكور. واسمه مركَّب من: "تره " لفظة تركية على الغالب، وتكون إلى "خير"، و"باي " تقدّم الكلام عليها فيما مضى. ٥٧٧ - طومان باي (١) المحمدي، الظاهري. أحد العشرات ورؤوس (٢)، المعروف بدشسِن. كأنه كان قد كُسرت له اثنتان (٣) من الأسنان. وكان طومان باي هذا من مماليك الظاهر جقمق، وصير خاصكيًّا في دولته فيما أظنّ، أو العشرات، ثم من جملة رؤوس (٤) النُوَب. وكان أحد الباشات الأربعة في دوران المحمل في أيام الظاهر المذكور لفروسيته ومعرفة بفنّ الرمح، بل وبغيره، ولم يزل على ما هو عليه إلى سلطنة خُشداشه الأشرف قايتبابي، فعيّنه للتجريدة، فبرح إليها وعاد متمرّضًا، وطال به المرض حتى كان فيه أجَلُه. وكان إنسانًا لا شرّ عنده ولا خير ولا تشويش على أحد من خلق اللَّه تعالى، سلم الناس من يده ولسانه مع بشر وبشاشة، وطلاقة وجه، لكنه كان مسرفًا على نفسه، منعكفاً على اللهو منهمكًا في لذّاته. توفي في يوم الجمعة ثالث عشرين صفر.

стр. 1431

واسمه مركّب من "طومان"، وقد مرّ الكلام عليه في سنة إحدى وسبعين في ترجمة طومان الحَكَمي، وأمّا "باي" فقد عرفت معناها آنفًا. وتمرّض طومان باي هذا، وأُحضرت جنازته لمصلَّى المؤمني، ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه. وكان سنّه زيادة على الخمسين. ٥٧٨ - عبد القادر بن عبد الرحمن بن عبد الوارث البكري (١)، العا مري، المالكي. الشيخ العالم، الفضل، محيي الدين، قاضي المالكية بدمشق. وُلي قضاء دمشق غير ما مرة، وصار يتناوب هو والشهاب التلمساني، وغرم في ذلك مالًا طائلًا (٢). وتوفي بدمشق على القضاء في ٢٦ جماد الآخرة. (ترجمة العلاء البُلطيمي) (٣) ٥٧٩ - علي بن أبي بكر بن شاور البُرُلُّسي، البُلْطيمي (٤)، الشافعي. الشيخ العالم، الفاضل، علاء الدين، المعروف بالضرير. ولد ببُلْطيم من أعمال البرُلُّس في سنة ست أو سبع وثمانمائة. ولما بلغ السابعة من عمره اعتراه الجُدَري، فعمِي بسببه، ونشأ قارئًا للقرآن العظيم، كثير المجالسة للصالحين، فلُوحظ منهم، ثم أشار عليه بعض الوُعّاظ بأن ينتقل إلى القاهرة بعد أن حصل له الكثير من تركات أهل الخير، وحصل على طائل من ذلك. ولما قدم القاهرة أكمل بها حفظ القرآن، ثم انتقل إلى صفد قاصدًا الاشتغال بالعلم، ثم إلى دمشق، ثم طرابلس، وحفظ بعض "الحاوي"، ثم أكمل حفظه بحمص بعد دخوله إليها، ثم أخذ في الاشتغال بفهم وحذق وذكاء مفرط،

стр. 1432

مع عمائه (١)، وأخذ العلم عن جماعة متعدّدة ببلاد كثيرة. فمن مشايخه الشمس ابن (٢) زُهرة (٣) شيخ طرابُلُس، والبرهان السُوبيني (٤)، والتقيّ ابن (٥) الجوبان النحوي، والبدر ابن (٦) العصياتي، وغيرهم. ثم عاد إلى القاهرة، وحضر دروس الشمس البساطي في الأصول، ثم عاد إلى دمشق فأخذ بها عن جماعة، منهم: التاج ابن (٧) بهادُر. ودخل بَعْلَبَكّ، فأخذ بها عن البرهان ابن (٨) المرحّل، وسمع الحديث على التاج ابن (٩) بردِس، ثم عنّ له الرحيل لبلاد الروم، وجال عدّةً من مدنها كلارَنْدَة، وقُونية، وبُرْصا وغير ذلك، وأخذ بتلك البلاد عن الفخر الشيرازي، وكان عالم وقته في ذلك الزمان بتلك البلاد، ثم عاد إلى دمشق وصحب جانَم الأشرفي نائب الشام إذ ذاك، وحظي عنده جدًّا واختصّ به، وقُصد في شفاعات وغيرها من المهمّات فأنهاها عنده، وبدمشق رأيته وسمعت الكثير من فوائده. وله نظم حسن، فمن ذلك قصيد مدح بها الزين ابن (١٠) مُزهر، وهو إذ ذاك على نظر الإسطبل، لم يحضُرني منها إلّا قوله في أولها: ثوى بين أحشائي هوى غادةِ لها … قوامٌ بغُصن البانة الخضِل النضِرِ (١١) وهي جيّدة، أظنّ أنني سمعت منه شيئًا من نظمه. توفي بدمشق في ربيع الأول، ودُفن بمقابر الصوفية، وكانت جنازته مشهودة. (ترجمة الخَوَنْد بنت ططر) (١٢) ٥٨٠ - فاطمة ابنة السلطان الظاهر ططر (١٣). وأخت السلطان الصالح محمد، وزوج السلطان الأشرف بَرسْباي.

стр. 1433

الخَوَنْد المعروفة بأبيها. كانت من أعيان الخَوَندات الأكابر ورؤسائهنّ، كثيرة التأنّق في سائر شؤونها (١) وأحوالها، عليّة الهمّة في ذلك، لا سيما في اختراع أنواع وأصناف المآكل والمشارب، ذات كرم وسخاء خارج عن الحدّ بحيث أدّاها ذلك إلى أن تحمّلت الديون الطائلة لوفور كرمها وكثرة عطاياها. وكذا كان والدها الظاهر ططر، وهو مشهور الترجمة معروفها. ولها في الكرم حكايات ربّما لا يُصدّق قائلها. حكى لي عنها إنسان من خدّام باب ستارتها يُسمَّى الحاج إسماعيل وهو ثقة بأنها مرة أمرته بأن يبتاع لها سُكّرًا لعمل معجون احتاجت إليه لمهمّ أو نحوه، وأوصته بأن يكون من أغلى أنواع السُّكّر وأجوده. قال: فابتعت لها منه مقدارًا وافرًا من أغلى أنواع السُكّر البياض الطيّب وأحضرته إليها في خيشة، فأعجبها ذلك، ثم مع تخييشه وجودته ونقائه أمرت أن تُفرش الأنطاع الجلد وتجرّد وجهته قبل استعماله فجرّد خدمها وجهه بالسكاكين، ثم بعثت إليّ بالجرارة في نطع. قال: فوزنته فكان نحو الثمانين رطلًا، وهذا غاية في الكرم والتأنّق. وكان يذكر لنا إسماعيل هذا عنها من هذا النوع من هذه الحكاية ومن نوع التأنّق في شؤونها (٢) ومأكلها ما يقضي السامع منه العجب. وآل الأمر بها بأخرة إلى أن افتقرت، بل ربّما احتاجت أن سألت. وتوفيت قبل أن يَفْحش الأمر بها في يوم الخميس ثاني عشرين صفر. وقد ناهزت أو جاوزت الستين. ودُفنت على أبيها بالقرب من ضريح الإمام الليث بن سعد، ﵁، بالقرافة. ٥٨١ - فضل اللَّه بن عبد الواحد (٣) بن أبي الليث بن علاء الدين بن أبي القاسم بن محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن أبي الليث نصر السمرقندي، الليثي، الحنفي. الشيخ الإمام، العلّامة، الفهّامة، الرَحلة. أفضل الدين، أحد أفراد علماء سمرقند.

стр. 1434

ولد بها في سنة ست وثمانين وسبعمائة تقريبًا، وبها نشأ. واشتغل إلى أن صار المشار إليه في العلوم، وقصد للأخذ عنه، وكان من ذريّة صاحب "الهداية" من جهة النساء من ذرّية الإمام السالك العلّامة أبي الليث نصر السمرقندي (١) المذكور في نسبه وأكابر العلماء بسمرقند البيتات بنت ذرّية صاحب "الدراية" وذرّيّة أبي الليث، وذرّية الفخر البَزْدَوِي (٢)، وكان هذا من جملتهم، بل من الأكابر من جهتين على ما قلناه. وله عدّة تصانيف وشُهرة وصيت شائع. توفي في هذه السنة.

стр. 1435

ولم يخلفْه بعده مثلُه دينًا، وخيرًا، وعلمًا، وأمانة، وعفّة، وكان فقيه سمرقند في وقته. ٥٨٢ - قاسم الحِيْشي (١)، الدمشقي، (الصالحي، القادري، الحنبلي. الشيخ العالم، الفاضل، الصالح، زين الدين، شيخ زاوية الشيخ عبد الرحمن بن داود بصالحية دمشق. كان إنسانًا حسنًا، خيِّرًا، ديِّنًا، مشهورًا بدمشق. توفي يوم الإثنين رابع ربيع الأول من هذه السنة. ذكره بعضهم في التي تليها ولعلّ هذا كذلك هو الصواب) (٢). ٥٨٣ - قانِبَك المحمودي (٣)، المؤيَّدي. أمير سلاح. كان من مماليك المؤيَّد شيخ، وصار خاصكيًا في أواخر دولة أستاذه. ووهِم من قال: بعده. وهو أخو جانِبَك المحمودي الماضي في محلّه، بل وشيء من ذِكر أخيه هذا. وكان ربّما عُرف بالمجنون -أعني صاحب الترجمة- لحِدّةٍ كانت به وطيش وخفّة، وسرعة انفعال وبطش، وكثرة حركة. ولا زال خاصكيًّا حتى أمّره الأشرف بَرسْباي طبلخاناة بدمشق. ثم لما تسلطن الظاهر جقمق استقدمه إلى القاهرة وأمّره بها عشرة، ثم أخرجه إلى دمشق على تقدمة ألف بها، وجرى له مع نائبها جُلُبّان ماجريّة يطول الشرح في ذكرها، وأساء على جُلُبّان في دَسْت غزّة بدار العدل في يوم موكب بالملأ (٤) العام حتى حنق منه جُلُبان وقام إليه، وقام هو أيضًا قاصداًا لتوجّه من دار السعادة، فأخذ جُلُبّان بقرضيّته من ورائه ليقبض عليه، فرمى بقرضيته عليه وتخطّت جُلُبّان، وحصل عنده غُبن بذلك، وخرج قانبك من دار السعادة غضبًا، وتوخه لداره، فبعث جُلُبّان يشكوه للظاهر، فبعث بسجنه بقلعة دمشق، ثم أخرجه إلى

стр. 1436

قلعة الصُبَيبة، ثم أُطلق وأعيد إلى تقدمة ألف بدمشق أيضًا، وذلك في دولة الأشرف إينال، وأظنّه سافر أميرًا على المحمل بالحاج الشامي في بعض السنين. ولما تسلطن الظاهر خُشقدم، وهو خُشداشه، حضر إلى القاهرة بعد فتنة جانَم نائب الشام. وكان قانِبك هذا أشدّ العشرة والقائمين على جانم بدمشق، فأكرمه الظاهر خُشقدم، وأنزله بدار قوصون التي كانت سكناً له قبل أن يتسلطن، وقرّره في جملة مقدَّمين (١) الألوف بمصر، وصار مقرَّبًا لديه، مختصًّا به، وله ذِكر وشهرة. وكان الظاهر خشقدم يحتمله كثيرًا ويتجلّد عليه ويصبر لجِنانه وحدّة مزاجه، وجرت عليه مرة قضية كانت آيلة إلى الاتساع بسبب مقاولة وقعت بينه وبين بعض مماليكه ومماليك السلطان، واختفى فيها قانبك هذا، ثم بعث إليه السلطان بما يطمئنه ولم يؤآخذه، بل وشُهر بسببه على الكثير من مماليكه. وقد ذكرنا هذه القضية برمّتها فيما تقدّم. من تاريخنا هذا. ولم يزل قانبك هذا معظَّماً في دولة خُشداشه حتى مات وتسلطن بعده خُشداشه أيضًا الظاهر يُلباي، فصيّره أمير مجلس عِوضًا عن تمربُغا، لما نُقل إلى الأتابكية عِوَضًا عن يُلباي نفسه، بحكم سلطنته. ثم بعد أيام قلائل نقل إلى إمرة سلاح عِوَضًا عن قرقماس الجَلَب، بحكم القبض عليه، وبعْثه إلى سجن ثغر الإسكندرية، ثم لم تطُل مدّة قانبك هذا على إمرة سلاح حتى وقعت الفتنة الكائنة من يشبُك الفقيه التي قام بها هو وقانبك هذا وأخرى من المؤيَّديّة، وآلت إلى خلع الظاهر يُلباي، فهرب قانبك واختفى بالقرب من داره بدرب البابا بمكان عند إنسان من أصحابنا يقال له إبراهيم الخليفتي بالقرب من دار شيخنا العلّامة الشيخ شمس الدين الحنفي، ثم لما وقع النهب في داره ونُهبت عن آخرها انتقل إلى دار الشيخ سيف الدين المذكور مختفياً إلى أن قُبض عليه، وبُعث به إلى ثغر الإسكندرية مع الظاهر يُلباي على ما عرفتَه فيما تقدّم، فدام بالسجن مدّة حتى أطلقه الأشرف قايتباي لصحبة كانت بينهما، وأمره بأن يسكن حيث شاء من الثغر السكندري وتفقده. ولم يزل قانبك هذا بالثغر إلى أن بَغَتَه الأجل. وكان رجلًا شهمًا، شجاعًا، مقدامًا، جريئًا، سليم الباطن والفطرة، متديّنًا (٢)، مع طيش وخفة زائدة وحدّة مزاج على ما قدّمناه لك. وكان ذا شحّ زائد وبُخل، ومع ذلك فكان يتكرّم على الوالد ويتفقّده بالهدايا، ولا سيما لما كان بالقاهرة، ورتّب لأحد إخوتي الصغار حينئذِ مرتّبًا على ديوانه، لمكان حُبّ الوالد

стр. 1437

لهذا الأخ. وكان كثير التودّد إلى الوالد والتردّد إليه في الأسبوع غير ما مرة للصحبة الأكيدة القديمة بينهما. وهي التي كانت السبب في إخراج الوالد من القاهرة. وتوفي قانبك هذا بالإسكندرية في شهر ربيع الآخر. وله من العمر زيادة على الثمانين سنة. ووِهم من قال: سبعين. ودُفن بثغر الإسكندرية، ثم نُقل منها إلى القاهرة، ودُفن بتربة له كان أنشأها بالصحراء خلف تربة طَشتمِر حِمّص أخضر (١)، ولم تكتمل. ووهِم من قال بأنه مدفون بالثغر السكندري. ولعلّ كونه دُفن بها أولًا هو الذي أوقع هذا في الوهم. وترك قانبك هذا ولدًا اسمه () (٢) موجود الآن من سريّة له، تزوّجها بُرْدُبك الأشرفي المعروف بعرب (٣)، الماضي ترجمته. وهذا الولد صار الآن في عداد الرجال، ربّاه بُرْدُبَك المذكور فأحسن تربيته. وهو شاب حسن، عاقل، ساكن. سنّه نحو العشرين سنة. أظنّه ولد سنة إحدى أو اثنتين (٤) وستين، واللَّه أعلم. ٥٨٤ - قانصوه الشمسي (٥)، الأشرفي. أحد العشرات ورؤوس (٦) النُوَب، المعروف بالساقي. كان من مماليك الأشرف بَرسْباي، وصُيّر خاصكيًّا بعده. ولما تسلطن الأشرف إينال جعله ساقيًا، ودام كذلك حتى تسلطن الظاهر خُشقَدم، فأمّره عشرة، وصيّره من رؤوس (٧) النُوَب. ولم يزل على ما هو عليه إلى أن

стр. 1438

تسلطن الأشرف قايتباي، فعيّنه صحبة العسكر المجهّز لشاه سوار. ولما جرى ما جرى عاد قانصوه هذا إلى القاهرة متمرّضًا، وكان قد مرض في أثناء طريقه، فطال به المرض بالقاهرة حتى بَغَتَه الأجل. وتوفي في سابع أو ثامن ربيع الآخر. وقد بلغ الستين سنة أو قاربها. واستقر في إمرته بعده صاحبنا الشجاعي شاهين الجمالي المعروف بنائب جُدّة، الماضي ذِكره. ٥٨٥ - قانَم الأشرفي (١). أتابك حلب، المعروف بطاز. تقدّم في الخالية. وقد ذكره بعضهم في وفيات هذه السنة، ووهِم في ذلك. ٥٨٦ - محمد بن أبي بكر بن أحمد الأسدي (٢)، الشهبي، الدمشقي، الشافعي. شيخنا الشيخ الإمام العالم، العلّامة، الفهّامة، شيخ الإسلام، بدر الدين، أبو الفضل، ابن (٣) شيخ الإسلام تقيّ الدين، المعروف بابن قاضي شهبة. ووالده التقيّ تقدّم في تراجم سنة إحدى وخمسين وقد عرفتَ بقية نسبه هناك. ولد ولده البدر هذا بدمشق في سنة ست وثمانمائة أو قبلها أو بعدها بيسير تقريبًا من غير تحرير، وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم، ثم "المنهاج" وغيره من المتون، ثم أخذ في الاشتغال بذكاء وفطنة، وحذدتى تام، ويقظة، فأخذ عن جماعة منهم والده، وبرع في الفقه ونبغ، بل صار بأخرة شيخ الشام و [عالمه] وحافظه مذهب الشافعي، حتى سمعت

стр. 1439

بعض الفضلاء يقول: لو حلف الحالـ[ـف بقو] له لا أعلَمَ منه بمذهب الشافعي بدمشق، بل بالشام جميعه لما حَنَث في يمينه، وهو كما قال. أفتى البدر هذا ودرّس وانتفع به الجَمّ الغفير من الطلبة، وكانت حلقته بالجامع الأموي حافلة جدًا، حضرتُها غير ما مرة، وسمعت من فوائده، وكان بينه وبين الوالد صحبة ومحبة أكيدة، وكان له حق الجوار. وكان الوالد لما كان بدمشق على التقدمة ألف بها كان مجاورًا له في بعض دُوره التي بقرب من سكن الوالد. وُلّي البدر هذا عدّة من الوظائف الجليلة بدمشق، فإنه لما مات والده ولي تداريسه وناب في القضاء، وكان من أجلّ النوّاب، بل ربما كان أوفر خدمة من بعض قضاة القضاة الواردين على دمشق، ممن وُلّي هو عنهم نيابة الحكم، وقُصد للفتيا من البلاد البعيدة، وأخذ عنه الأعيان من الطلبة، بل وافتخروا به وبالأخذ عنه، وصار بأخرة شيخ الشام وقاضيها. وكان جمال تلك البلاد وطرازَها. وزادت شهرته وشاع ذكره وصيته، مع ما كان عليه من البِرّ والخير والعفّة والأمانة والشهامة، ونفوذ الحركة، والكلمة والمهابة، وسعة الكرم، ونفع الطلبة، بل وغيرهم، والقيام مع من قصده [بمهـ]ـم ونحوه، والإحسان إلى خلق اللَّه تعالى، إلى غير ذلك من المحاسن الجمّةَ، وعُلوّ الهمّة. ورُشح للقضاء بدمشق غير مرة. توفي (ليلة الخميس ثاني عشرين) (١) شهر رمضان. وخلَّف ولديه () (٢) وليسا كمثله ولا القريب منه. رحمه اللَّه تعالى. ٥٨٧ - (محمد بن ( … ... … ) (٣) بن () (٤) العدوي، الدمشقي، الشافعي. الناظر بالبيمارستان النوري بدمشق. توفي في يوم الثلاثاء ثالث عشرين جماد الأول. ٥٨٨ - محمد بن سعد (٥) الدمشقي، الشافعي. الشيخ العالم، الفاضل، شمس الدين، أحد نواب الحكم الشافعي بدمشق. كان من أهل العلم، ووُلّي نيابة الحكم مدّة، ثم عزل نفسه. وتوفي ليلة الجمعة ثالث عشرين صفر) (٦).

стр. 1440

٥٨٩ - محمد بن عبد الرحمن بن العماد الغزّي (١)، الصفدي، الدمشقي، الحنفي. الشيخ الإمام، العلّامة، الفهّامة، الرَحلة. شيخنا حسام الدين المعروف بابن مُرَيْطع (٢)، بالميم، ويقال: بالباء أيضًا، ويُعرف بابن العماد أيضًا، الغزّي. (قاضي القضاة الحنفية بدمشق) (٣). ولد بدمشق في سنة [٨١١] (٤). وبها نشأ نشأة حسنة بذكاء مفرط وحذْق وفطنة، وحفظ القرآن العظيم وعدّة متون، ثم اشتغل فأخذ عن جماعة من علماء عَصره، ودأب وجدّ واجتهد إلى أن برع وتميّز وشمهر بالفضيلة، وأفتى ودرّس، ونظم ونثر، وقال وشَعَر، وتصدّى للإقراء، وولي عدّة ولايات منها قضاء غزّة فيما أُخبرت من كير أن أحرّر ذلك، ووُلّي قضاء صفد، وطرابلس يقينًا، ثم قضاء عجلون، مع عداوة بينهما، ووقع لهما أمور يطول الشرح في ذكرها، وتنافس هو والحُمَيد أيضًا على القضاء، ووُلّي عدّة تداريس جليلة بدمشق، منها الخاتونية، وعنه تلقّاها ولده الجلال عبد الرحمن، وعن عبد الرحمن هذا تلقّاها الشيخ سِنان [بن] يوسف الأرزنجاني (٥) الآتي، بل والجلال هذا كلّ في محلّه، وهي بيد سِنان إلى الآن.
следующие страницы →