← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[وصول قاصد جانَم الأشرفي نائب الشام] وفيه، في يوم السبت نصفه، وصل قاصد جانَمْ الأشرفي نائب الشام إلى القاهرة بمكاتبة مرسله تتضمّن إظهار الفَرح والسرور بسلطنة السلطان، وأنه مستمر على الطاعة، واقف على قدم الاجتهاد فيما يرد عليه من الأوامر والنواهي السلطانية، ممتثل (١) لجميع ذلك بقلبه وقالبه. [غارة عربان لبيد على البحيرة] وفيه ورد الخبر بأن عربان لَبِيد -لا بارك اللَّه فيهم وهم الخارجون عن الطاعة- وصلوا إلى البحيرة فنزلوها وشنّوا الغارات على أهلها ونهبوا الكثير من أهلها، فعيّن السلطان جماعة من الأمراء والجند للخروج إلى قتالهم، وأمرهم بأن يعجّلوا بالخروج. [فتنة الأمراء الجلبان] وكانت هذه التجريدة وتعيينها فاتحة (٢) الشر على السلطان، وسببًا إلى الفتنة وذلك بسبب كونه لم يعيّن فيها ولا الواحد العدد من جُلبان أبيه ( … ... ) (٣) الشر والاضطراب، وعظُم الأمر على المعيّنين لكونه ما عيّن أحدًا منهم ( … ) (٤) أيضًا فإنهم استشعروا تقريبه لجلبان أبيه و ( … ( … ) (٥) في ( … ) (٦) إبعادهم وإرداعهم حتى كان ذلك سببًا (مُفضيًا إلى انحلال الأمر والقلقلة) (٧) ( … ) (٨) بعد ذلك، بل وعلموا أنه كُلّم في الاستمالة إليهم ( … ) (٩) في الحذر منه واختشوا من أفعال الجُلبان ( … ) (١٠) في قيام أستاذهم، فلم يُجب أحد ممن عُيّن للتجريدة إلى ( … ) (١١) ذلك مصرّحين بأنه إن لم يعيّن معهم من جُلبان أبيه فلا يخرجوا ( … ) (١٢) وأحسّ السلطان بذلك، بل بلغه، وأنه عضد القائلين ذلك بقية ( … ) (١٣)

стр. 422

السلطان عن هذا الأمر وأظهر التشاغل ( … ) (١) فيكونوا عونًا له على من يخالفه وزادت استمالة البعض له إليهم ( … ) (٢) في ذلك صريحًا، وأنه قيل له: إذا عيّنت مماليك أبيك ( … ) (٣) أو حادث يحدث، وإذا أبعدتهم وهم عُصبتك فمن هو ( … ) (٤) بعد ذلك أجاب ثانيًا في تعيين التجريدة، بل خرج أمره يتوجّه من عيّنه ( … ... ) (٥) ظاهرًا عيانًا، بل أخذوا في الاعتلال بأنهم لم يُعطوا الجمال ( … ) (٦) إلى تلقّيه ذلك أمر بإحضار الجِمال وتفرقتها فلم ( … ) (٧) على ذلك، فاضطر هو إلى التغافل والسكات عن ( … ... ) (٨) في ملكه، ومن أعظم الأسباب في انحطاط قدره وتلاشي أمره في السلطنة، وطمع الطامع فيه بعد أن كانت توفّرت حرمته في القلوب، وعظُم في العيون، واشتدّ ملكه الأكيد، فكأنّ ذلك كلّه لم يكن. وأخذت المماليك، لا سيما الظاهرية، وخصوصًا الأوباش منهم والأحداث في الاستطالة والتسلّط وتقليل الأدب على أمرائه حتى حكى بعضهم أنه سمع شخصًا من أوباش مماليك الظاهر جقمق وهو يكلّم بُردُبك الدوادار وصِهر السلطان زوج أخته بكلام يستحي من التلفّظ به، وكان ذلك من تجاسرهم المؤدّي إلى زوال ملك المؤيَّد، وظهورهم هم بعد ذلك، واستعلاء أمرهم. هذا، والسلطان لم يبلغه شيء من ذلك، واستحسّ بالتحرك أخذ في السكون والسكات وكثرة ذلك، وقلّ تدبيره، لا سيما لا مشير له ولا مرشد، وضاع الحزم وسكن العزم ولا استحضر قول بعض الفحول من أرباب العقول، من هاب خاب، ومن جَسَر كَسَر، ولا قول الشاعر: وفاز باللذّة الجَسُور وكان الحزم في إمضاء ما أمر به على كره من المأمور، والجسارة في ذلك أو التلطّف بالخواطر والاعتذار عن عدم تعيين الجُلبان بأنه إنما لم يفعله لكونهم ليسوا أهلًا لمواقعة المعيّنين من القرانصة (٩) لقلّة حيائهم (١٠) ووقاحتهم أو نحو ذلك من الكلمات، وكان يمكنه إرضاؤهم بمثل ذلك وأنظاره، أو كتابة جماعة منهم، ثم الأخذ بعد ذلك في تدبير ما يحبّه هو ويؤيِّده بكل ما تصل قدرته إليه بعد إتقان

стр. 423

نصّها وصرف جوابه وفكره في ذلك، لكنّ المقدّر كائن لا محالة، ولا يتحرّك فيها إلّا بإذن اللَّه تعالى. ومن العجب العُجاب أنْ صرف اللَّه تعالى قلوب مدبّريّ (١) مملكة المؤيَّد هذا فلم يُشِر عليه الواحد منهم، ولا من هو مقرَّب لديه أو صديق (٢) له بشيء يكون فيه ثبات ملكه حتى ولو جاء الأمر بخلاف ذلك بعد ذلك لكان في ما وقع مندوحةً ما تهوّن ما جاء، وكان بعض التهوين، بل سكت كل أحدٍ عنه، بل وهو أيضًا عن تدبير نفسه، وذلك إمّا للبغض فيه، أو لعدم تدبيرهم ومعرفتهم بالأمور عند تبدّل الدول، والثاني هو الأظهر، فلا شك بأنه الحولان من اللَّه تعالى، وهذا شأن هؤلاء القوم إلى هذا اليوم لا رأي عندهم ولا تدبير، بل ولا مدبّر لعدم اعتنائهم بهذه الأمور واشتغالهم بما لا يفيد ظنًّا منهم أنه عين المصلحة. ولقد ظهرت في الأيام أمارات وقرائن دالّة على زوال ملكهم ومن له أدنى مسألة (٣) من عقل وأقلّ نظر في يسير من عِبر بطبقة له صحة هذا الخبر وما أقوله لا شيء إذا تأمّل في حركات أهل هذه الدولة من الساقي إلى التيدة؟ ورأى أفعالهم وما هم فيه من الأمور من التشاغل بالبنيان والخروج فيه عن الحدّ، وكثرة المظالم والشرّ لأخذ الأموال، واعتبار النفس حظها في كل ما ترضاه وتختاره وتشتهيه، مع ( … ) (٤) عن مآل الأمور والتفكّر في عواقبها، بل في حاضرها فضلًا عن غايتها، فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه، والأمر كله للَّه، ذلك بما كسبت أيدينا، نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا. ونسأل اللَّه أنْ للحق يُرشدُنا … وعن طرائق أهل الشر يُبعدنا وأن يكون لنا عونًا يساعدنا … كذاك عونًا مغيثًا في مقاصدنا ولم يزل أمر المؤيَّد هذا على هذا النمط والحالى حتى آل إلى الانحلال بقدرة ذي الجلال، وكان من نكبته وخلعه والقيام عليه ما كان على ما سنذكره في رمضان (٥). [شهر رجب] [غضب السلطان لقدوم تمراز من غير إذن] وفيها كان أول رجب بالأحد، وهُنّيء السلطان به.

стр. 424

وفيه، في يوم الأربعاء رابعه قدم إلى القاهرة بغير إذنٍ من السلطان تمراز الأشرفي الدوادار الثاني كان الماضي ذِكر نُبَذ (١) من أخباره في محالّها، وكان من الأمراء بطرابلس، فخرج منها قاصداً القاهرة فدخلها من غير أن يجتاز بقطْيا (٢)، بل عرّج عنها، ونزل حين حضوره بدار الأتابك خُشقدم لائذًا به مستشفعًا، فبعث الأتابك المذكور دواداره إلى السلطان يُعلمه بمجيئه، فساعة سمع السلطان ذلك غضب غضِبًا شديدًا واستشاط وقامت قيامته لكونه حضر على هذا الوجه من غير إذن ولا اجتياز بقطْيا، واستراب من ذلك وزادت أفكاره، وظفر به وأمر في الحال بإخراجه من حيث جاء وإلى حيث جاء، فلم يمكن تمراز المذكور من ذلك، وأخذ في أسباب التهيّؤ (٣) لرجوعه وخروجه إلى الخانقاه السِرياقوسية، ولما طلع الأمراء في آخر هذا النهار للقصر للخدمة والمبيت به لأجل الموكب في غده، قام جماعه منهم فوقفوا بين يدي السلطان متعاهدين، فشفعوا في تمراز المذكور، فقبل شفاعتهم فيه على أن يقيم بمصر ثلاثة أيام لعمل مصالحه وتقاضي أشغاله، ثم يسافر، فبعث إليه في الحال للخانقاه بذلك، فعاد إلى القاهرة وأقام بها، ولهج الناس في هذه الأيام بوقوع فتنة، وترقّبوا ذلك، وأن سيكون هرجة لكون تمراز هذا مشهور وممّن له جرأة وجسارة وإقدام على ذلك، ومعروف بإثارة الفِتَن (٤). ودام تمراز هذا بالقاهرة إلى أن كان ما سنذكره. [دعوة السلطان والد المؤلّف الحضور إلى القاهرة] وفيه، في يوم الخميس خامسه ورد على الوالد بدمشق مرسوم سلطاني من المؤيَّد أحمد بحضوره إلى القاهرة، فسُرّ بذلك وأخذ بأسباب التهيّؤ (٥) لذلك، وكان له ما سنذكره. [قبول السلطان اعتذار تمراز] وفيه، في يوم الجمعة سادسه حضر تمراز بين يدي السلطان وقبّل له الأرض وأخذ في الاعتذار عن مجيئه بغير إذن وفعل ما تصل إليه قدرته، فقبِل السلطان

стр. 425

عذره وألبسه كاملية بفرو سمّور، واستقرّ به بتقدمة ألف بدمشق، وكان ذلك لا عن رأي صائب ولا حزم حيث قرّره ( … ) (١) وكان أحد الأسباب في قيامه وحضوره إلى القاهرة، بل وفي مراسلة ( … ) (٢) التحدّث بسلطنته على ما ستعرف ذلك. ثم أذن السلطان له بعد ذلك أن يقيم بالقاهرة ثلاثة أيام أُخر من يومه هذا حتى يقضي شؤونه (٣) ويتوجّه إلى تقدمته بدمشق. فنزل تمراز إلى داره، والناس في كلام كثير بسببه، وأنه لا بدّ ( … ... ) (٤) والأمراء في غاية الاجتهاد في الشناعة في تمراز ( … ... ) (٥) أن يقيم بالقاهرة، فلم يقبل السلطان شيئًا من ذلك ( … ) (٦) القاهرة ( … ) (٧) وكان الذي ضخم به وهو الحزم لو مشى عليه في جميع ( … ... ) (٨) غير أن على وجهه أن يدخل به إلى دمشق، واللَّه أعلم (٩). [موافقة السابع من رجب لبرمودة] وفيه، أعني يوم السبت السابع من رجب كما قلناه ووافق الثاني والعشرين من برموده من شهور القِبط ( … ) (١٠) الآت قماش وهو البياض المقدسي أيام الصيف، وخالف ( … ) (١١) أيام ( … ) (١٢) من بشْنس. [خلعة السفر لتمراز] وفيه، في يوم الثلاثاء عاشره خرج تمراز إلى السفر إلى دمشق بعد أن خلع عليه السلطان وألبسه خلعة السفر كاملية (١٣) أيضًا، ثم بعث إليه بخمسمائة دينار وبعض خيول وبغال، فتوجّه من يومه ذلك ولم يتحرّك ساكن ولا كان شيء (١٤) مما كان يقال ويشاع عنه، لكنّه يحبّ أشياء عملها ورتّبها ظهرت بعد ذلك من يكلّمه مع المصريين في العزم مع جانَم نائب الشام في الاستيلاء على الأمر، واتفاقه مع جماعة من الأمراء والأعيان على ذلك وكتمه حتى كان بعد ذلك ما سنذكره (١٥).

стр. 426

[استقرار موسى الأنصاري في نظر الجوالي] وفيه، في يوم الخميس ثاني عشره استقرّ الشرف موسى الأنصاري في نظر الجوالي بمصر عِوضًا عن ابن أصيل الدين وصرفه عنها. [عودة مغلباي من الشام] وفيه، في يوم الجمعة ثالث عشره وصل مُغُلْباي طاز المتوجّه قبل ذلك بالبشارة لنائب الشام جانَم، فدخل القاهرة في هذا اليوم. [عودة الطواشي شاهين من دمشق] وفيه -أعني هذا اليوم- وصل أيضًا الطواشي شاهين غزالي المتقدّم خبر توجّهه إلى دمشق لأجل الحوطة على تركة زوجة قانِباي الحمزاوي حين ماتت بدمشق على ما أسلفنا ذلك، وأحضر معه من ترِكتها الشيء الكثير جدًّا ما بين جواهر ولآلي وحُلِيّ وأمتعة مثمّنة وأقمشة وغير ذلك، وأمر السلطان ببيع ذلك، فبيع في عدّة أيام متعدّدة كثيرة بعد أن أبيع بدمشق أيضًا الأشياء الكثيرة (الصعبة) (١) الحمل التي لا يمكن حملها إلى القاهرة لكثرتها، وكان موجودها موجودًا هائلًا جدًّا كما قدّمنا بعض التعريف بها، وأنها ماتت في الخالية. وذكرنا خبر تعيين الأشرف إينال [الطواشي شاهين] (٢) هذا ويوم خروجه في متجدّدات الماضية (٣). [وصول والد المؤلّف من دمشق] وفيه، في يوم السبت رابع عشره وصل الوالد إلى القاهرة من دمشق ونحن في صحبته وعياله، ومعه غالب تعلّقاته، وأبقى البعض بدمشق مع بعض [إخوتي] (٤)، وكان ما سنذكره. [ركوب السلطان بالسرحة] وفيه، في يوم الجمعة العشرين فيه، ركب السلطان من القلعة ونزل إلى جهة القرافة من ناحية العادلية ثم عاد سريعًا، وهذه أول ركبة ركبها في سلطنته منذ أن

стр. 427

تسلطن، بل وآخرها، فإنه لم ينزل بعد ذلك إلّا مخلوعًا ( … ) (١) على ما سنذكره (٢). [توجّه قاضي الحنفية بدمشق إلى القاهرة] وفيه، أعني هذا الشهر، في هذه الأيام أيضًا، خرج القاضي علاء الدين ( … ) (٣) قاضي الحنفية بدمشق متوجّهًا للقاهرة. [سقوط البَرَد الكبار] وفيه أمطرت السماء بَرَدًا حبّة البَرَد منه مقدار بيضة حمامة أو أكبر من ذلك، وكان نزوله غالبًا بالشرقية بقرى ( … ) (٤) القاهرة وبعض بلاد المنوفية والغربية لكن معظمه بالشرقية ( … ) (٥) فأتلف الكثير من الزروع، وأهلك الكثير من ذوي الجناح وغير ذلك (٦). [كائنة سَنْطَبَاي قرا] وفيه يوم الخميس سادس عشرينه كائنة سَنْطَبَاي قرا الظاهري الجقمقي من ( … ) (٧) بأمر السلطان. وكان من خبر سَنْطَبَاي هذا أنه كان ( … ) (٨) الظاهرية، وكان الأشرف إينال قد أخرجه عن القاهرة مع تمراز ( … ... ) (٩)، وقد تقدّم ذِكر إخراجه في محلّه من تاريخنا هذا، فأقام مختفيًا بطرابلس (١٠) إلى أن مات الأشرف إينال المذكور وتسلطن ولده، وبلغ سَنْطَبَاي ذلك، فلم يكن منه إلّا الحضور إلى القاهرة بغير إذنٍ من السلطان ولا عِلم. واتفق أنْ وافق حضوره حضور تمراز إلى القاهرة وما جرى عليه وله، فخشي سَنْطَبَاي هذا أنه إذا خشا (١١) يعامَل بما عومل به تمراز، فاختفى بالقاهرة أيامًا كثيرة، وأخذ

стр. 428

خُشداشيّته من الأمراء الظاهرية وغير الأمراء عازمًا في الاجتهاد في تلطيف قضيّته عند السلطان بعد أن فطن السلطان بحضور تمراز المذكور، وأنه اختفى، فأمر بنفيه ولم يلتفت إلى خُشداشيه، وصمّم على ذلك بعد أن أحسّ ( … ) (١) من أعيان الظاهرية في إقامته خائفًا بالقاهرة فما أجابه إلى ذلك لا سيما وقد أخرج تمراز، فإذا أبقي أميرًا كان ممّن له غرض قام عند طريقته وإبعاد الأشرفية ولا ( … ) (٢) ذلك بهم، وهم خشداشو (٣) تمراز، فإذا أمر بإخراجه فكأنه ساوى بين الطائفتين، فما أمكن سَنْطَباي هذا إلّا الخروج إلى حيث جاء، ولَهَجَ الناس على عادتهم في ذلك، وأشاعوا أنْ ستقع فتنة كبيرة بسبب ذلك (٤). [شهر شعبان] [هدية ابن قَرَمان] وفيها، في يوم الإثنين خامس شعبان قدم إلى القاهرة قُصّاد الأمير ابن قَرَمان بهدية فقبلها السلطان وأكرم القُصّاد ( … ) (٥) وأنزله، وأُجريت عليهم المرتبات حتى سافروا بعد ذلك (٦). [أتابكية حلب] وفيه، أي هذا اليوم قُرّر في أتابكية حلب شاد بك الصارمي ( … ... ) (٧) بمال كثير بذله في ذلك نحو العشرة آلاف دينار فيما يقال (٨). [قدوم ابن نائب الشام إلى القاهرة] وفيه ( … ) (٩) قدم إلى القاهرة الشرف يحيى ابن (١٠) الأمير

стр. 429

جانَم نائب الشام وطلع إلى القلعة من غده ( … ) (١) السلطان عِوضًا عن أبيه، وسأل السلطان في أن يشفّع إيّاه في الأمير تَنَم (من عبد الرزاق، وقانِباي الجركسي) (٢)، وكان قد طال سجنهما بالإسكندرية من سلطنة والده الأشرف إينال إلى ( … ) (٣)، فسوّف السلطان ولم يعيّن الوقت ( … ... ) (٤) جاء الشرف يحيى هذا بصدده ولا يصدّق هذه الشفاعة ( … ... ) (٥). .................. وغيرهما لا سيما الأمير قانباي الجركسي ( … ) (٦) وغيرهم من أعيان جكم وبعض الأقجية، إنما هو لإخراجه وهو التوكل لأبيه ( … ... ) (٧) مع خُشداشيه. من الأشرفية وغيرهم من الظاهرية، ثم ( … ... ) (٨) وكان ذلك ( … ) (٩) السلطان أو ( … ) (١٠) وأخذ حذره من جانَم، وبقي يحسب حسابه، ويستعمل ( … ... ) (١١) واجتهد في ذلك، وظهر ( … ) (١٢) بأخرة من حالهما المقتضى ( … ) (١٣) جانَم إلى القاهرة بعد ذلك على ما سنذكره في ( … ) (١٤). وفيه ( … ) (١٥) أنه ما قدم القاهرة أخذ في أسباب ( … ... ) (١٦) ثم مع الطائفة الظاهرية الأعيان منهم ( … ... ) (١٧) في صاحبها، هذه لتلك، وتلك لهذه، بل بينهما من العددين ( … ) (١٨) الضرورات تبيح المحظورات، ورضي الظاهرية بسلطنة جانَم ( …

стр. 430

) (١) إذ هم أكثر اليوم في جانَم المذكور، لكنهم ( … ... ) (٢) في الخوف من المؤيَّد هذا فيكون ( … ) (٣) وإن كان ذلك مكروهًا لهم لكنّه دون هذه الكراهة ( … ) (٤) (٥). [قدوم والد المؤلّف إلى القاهرة] وفيه، في يوم الثلاثاء ثاني عشرينه قدم الوالد إلى القاهرة ( … ... ) (٦) واجتمع بشيخنا وسيّدنا ومولانا، الإمام العلّامة، شيخ الإسلام، أستاذ العالم (٧) ( … ) (٨) بقدومه للصُحبة الأكيدة بينهما، ثم أضاف الوالد بضيافة ( … ) (٩) الوالد بمكة في … ) (١٠) والتي من طلبة العلم فأقبل الشيخ علي ( … ) (١١) وأخذت ( … ) (١٢) بالكلام، ثم بعد ذلك بيسير حضرت بعض دروسه وأخذت ( … ... ) (١٣) سفري في هذه السنة ولم ( … ... ) (١٤) إلى سنة إحدى وسبعين ( … ... ) (١٥) إن شاء اللَّه تعالى (١٦). [سفر جانَم إلى الشام] وفيه، في يوم الخميس رابع عشرينه ( … ) (١٧) جانَم ( … ... ) (١٨) إلى الشام ( … ) (١٩) بعد أن مهَّد له ( … ... ) (٢٠).

стр. 431

[تنافس الظاهرية والأشرفية على السلطنة] … العذر بأنه لو حضر قبل ذلك لكان له ما أراد، وأمّا الآن فقد تمكّن الغير، وهو في قبضتنا وقبضتكم، يعنون الظاهر خُشقدم والأشرفية، وإذا لم يصح فما يكون إلّا ما تريدون. وأما من كنّا نخشى شرّه -يعنون المؤيّد- فقد ذهب عنّا، وأرضوا (١) الأشرف -أعني فيما بعد- بمثل هذه التُرَّهات حتى سكنوا وسكتوا. وأعيد جانَم إلى الشام، وكان ذلك هو بقصد الظاهرية، وجُلّ غرضهم، وإنّما تحرّكوا خوفًا من هجوم جانَم بعد أن اتفقوا مع والده على سلطنته ظاهرًا، والباطن بخلافه، ثم بادروا لقطع تلك المادّة قبل ظهورها، فحوّلوا أشياء توجب حركة المؤيَّد ليكون ذلك مندوحة منهم للقيام عليه، مُظْهرين الاتفاق مع الأشرف حتى يفعلوا ما يفعلوا وفعلوه لحسن عبارته وغاية حيلة غريبة بعد استمالة الأشرفية وإظهار أنهم منتمون معهم، ثم اعتذروا بعد حضور جانَم بما قبله الأشرفية بسذاجتهم منهم، وأظهروا أنهم باقون على المحبّة، وأن الذي فُعل من سلطنة خُشقدم إنما هو برأي الأشرفية، وأن جانَم لو حضر قبل ذلك لكان هو السلطان، وأنه عندهم أعظم من السلطان، بل وبقاؤه على نيابة الشام أكبر حُرمة لأنه يصير كالظهر أو هم الظهر لهم على من يعاديهم، ويبقى السلطان معهم كالأسير لِما أرادوه منه، ورتّبوا مثل هذا، ومنه، ومن أنظاره شيئًا كثيرًا لا سيما وذلك الحنبلي جانِبك نائب جدّة قد استمال عقولهم. [طمع جانَم نائب الشام بالسلطنة] ولما سافر يحيى بن جانَم خلع عليه السلطان خلعة قبل خروجه، وبعث إليه بخمسمائة دينار، ولما وصل إلى أبيه أخبره بما وقع وبما مهّده له فطاش جانَم لما سمع ذلك، ثم جزم أنه ملك الأمر، فضلًا عن أن يتملّكه لا سيما وقد صار ذلك يعتاده (٢) قبل ذلك بمدّة، لا سيما وقد حدّث بكثير من المرائي له بأنها دالّة على ذلك، وكذا قد أخبره الكثير من الكذّابين والمنجّمين والكثير من زواكرة المسمّين بالفقراء، إلى غير ذلك من هبالات موافقة لخفّة جانَم المذكور وطيشه، وتحريك ولده له، مع معرفة الولد بالحِيَل والمكائد، بل ومع سذاجة الطائفة الأشرفية عمّا أضمره الظاهرية. وزاد أمر جانَم هذا قوّةً لحضور ولده بما أسرَّه إليه من الأخبار،

стр. 432

وحضور تمراز لدمشق أيضًا وإلمامه على جانم واجتماعه به، وقد صدّق هذا الخبر، فأخذ تمراز أيضًا في تحريض جانَم هذا وتحريكه لِما قصده لِما كان بينه وبين إينال من العداوة، وكذا بين ولده، على زعمه بأن الذي فعله معه يوجب ذلك من إعادته من القاهرة إلى دمشق، مع قطع نظره عمّا ولّاه له من التقدمة ألف بدمشق، وما أسداه إليه من المعروف ببعث المال له، إلى غير ذلك، هذا كله مع كثرة فِتن تمراز هذا وطيشه وخفّته وحدّة مزاجه وجنونه وسوء خُلقه، وزيادة على ذلك كله أنه ذا شؤم في جميع حركاته وآرائه كلها كما استُقرئ ذلك عنه فقُبّح عدّة مرار. ولم يزل تمراز هذا ويحيى بجانَمَ وهما يحسّنان (١) له ذلك حتى وافقهما باطنًا على ذلك، ويا ليته دام من وقته ذاك قبل تحرّكهم بالقاهرة لسلطنة الغير كأنّه ربّما صعّب له ما أراد، لكنه تغيّظ قليلًا، ثم وقع له ما سنذكره من قيام العامّة بدمشق عليه لما استشعروا منه الخروج على السلطان، أو لدسيسة من المؤيَّد على ما أشيع ذلك، واللَّه أعلم. فإنّما [أ] شيع عن المؤيَّد هذا بأنه أخذ بعد خروج يحيى بن جانَم في توسيع الحيلة في أخْذ جانَم بكل ما أمكنه حتى أدّاه رأيه بأن يكاتب أمراء (٢) دمشق وأعيانها بالقبض على جانَم والاجتهاد في ذلك، ولعلّ ذلك ليس ببعيد، لأن الذي جرى على جانَم من أهل دمشق وحكامها الظاهر أنه بدسيسة إذ لا نهضة لهم على فعل مثل ذلك مع مثل جانَم بغير أمر من صاحب الأمر، واللَّه أعلم بحقيقة الأحوال فإن هذه حسبانات وإشاعات حدست، وربّما كان الأمر بخلاف ذلك في الحقيقة، وإنّما ذكرنا هذه الأشياء هاهنا على وجه البيان لِما سيأتي من ذلك حين وقوعه، وليكن الناظر في تاريخنا هذا على بصيرة لِما سيأتي في محلّه. [انحطاط أمر السلطان المؤيَّد] وفيه -أعني هذا الشهر- لا سيما في هذه الأيام أخذ أمر السلطان الملك المؤيَّد في زيادة الانحطاط إلى الغاية، ولاحت وظهرت أمارات زوال دولته ونهاية مملكته خصوصًا وقد عدم تدبيره وقلّ مساعده ونصيره بالقول والفعل. وكنت أنا في هذه الأيام بالقاهرة أحدس الكثير من حقه الذي آل عامّة أمره إليه، بل كان ذلك ظاهرًا لمن عنده، إذ في مسكه من عبد وكامل وهذا كلّه بخلاف ما كان حُدّث عنه في بداية أمره حين تملّكه، فإن تدبيره أولًا كان في غاية الجودة،

стр. 433

ثم قرّب صهره بُردُبك جدًّا ظنًّا منه أن رأيه يكفيه فيما هو فيه، وماذا عسى يكون رأي بُردُبك. على أنه حدّثني بعض أرباب العقول أن تقريبه لبُردُبك لا على حقيقته بل لغرض من الأغراض، وأنه كان في ضميره إزالة بُردُبك وغيره بعد بلوغه مراده، واللَّه أعلّم بحقيقة ذلك (١). [اجتماع والد المؤلّف بالسلطان] وفيه، في يوم السبت سادس عشرينه طلع الوالد إلى القلعة واجتمع بالسلطان فانبسط به وإليه، ورحّب به، وأسرّ إليه كل ما من معناه أنه إنّما أحضره لكونه (سيعيّن) (٢) ولده بعده مدبّرًا له ومعينًا على أموره وأمور أخرى من هذا النمط، فنزل الوالد ( … ) (٣) ولم يتفق بعده المجلس برمّته. ثم قال لي: رأيته في قصْد خير لي والتفاتٍ إليّ ( … ) (٤) يصبح رأيه في أفكار وملكه في إدبار لسِفْل باله وظهور حاله ( … ) (٥) يملكن الحسان حتى أوسع له في العبارة، لا سيما في ( … ) (٦) خصوصًا وهو ضيّق وغير ظافر، فما أمكنني أن أكلّمه ( … ) (٧) زواله ظاهرة بلا حَدْس في إظهار الفرح وغاية ( … ) (٨) ونزلت. [إجازة البُلقيني للمؤلّف] ثم سكن الوالد بدار زوجته أصيل أخت الخَوَنْد جُلبان خال الملك العزيز، وهرع أصحابه إليه للسلام عليه، وجاء فيمن جاء شيخ الإسلام قاضي القضاة العَلَم البُلقيني، ودعاني الوالد لتقبيل أياديه ورؤيته، فساعة وقوع نظره عليّ أجلّني وعظّمني، ثم أخذ الوالد يُدنيني عنده ووصفني بالعلم والذكاء، فأخذ يسألني عن سؤال ليختبرني بعد أن أنس إليّ وحادثني، ففتح اللَّه تعالى بكلام قلته فأعجبه، ثم التفت إلى الوالد فقال: من أشبه أباه فما ظَلَم، ثم قال: هذا الشبل من هذا الأسد بعد أن أشار بنظره إلى غير هذا الشبل، ثم إلى الوالد عند قوله: هذا الأسد. ثم سأله الوالد أن أحضر عليه في بعض الأحيان، فأجاب إلى ذلك. ثم سأله الوالد في إجازته لي بالرواية عنه، فشافهني بذلك بعد أن سألته ذلك، رحمه الله تعالى.

стр. 434

[زيارة المؤلّف مع والده القاضي ابن الدَّيري] وفيه، في يوم الأحد، (١) سابع عشره، ركب الوالد للسلام على قاضي القضاة الحنفية شيخنا السعد بن الدَّيري بالمؤيَّديّة، فإنه كان بعث بالأمس إلى الوالد يعتذر إليه عن حضوره إليه ويسلّم عليه ويهنّئه بقدومه، ويذكر عجزه عن الحركة لِكبَر سنّه، فركب الوالد وتوجّه إليه واستصحبني معه، فلما اجتمع به حصل بينهما من الأنُس الزائد ما لا يُعبَّر عنه. ثم أخذ الوالد يذكرني عنده، فقال: قد سمعت به وأنه طالب علم حذِق. ثم أخذ بعد الاستئناس بي يسألني عن مسألة العدد (٢) العشر في العشر، فتكلّمت ببعض كلام فتح اللَّه تعالى به في ذلك الحين فأعجبه إلى الغاية. ثم انتقلت في أثناء ذلك الكلام على ذلك على طريقة أهل الهندسة والمساحة فدعا لي. ثم حضرت بعض دروسه بعد ذلك وأجازني في سنة ست وستين رحمه اللَّه تعالى. [طلوع والد المؤلّف إلى القلعة للمرة الثانية] وفيه في يوم الثلاثاء تاسع عشريه طلع الوالد إلى القلعة أيضًا فاجتمع بالسلطان، فعتبه في تأخّره عنه هذه المدّة الأيام (٣)، وأنس به واعتذر إليه بأنه مشتغل البال. ثم بعث إليه بمائتي دينار. [شهر رمضان] [نظارة الإسطبل السلطاني] ١٢٤ - • وفيها، في يوم الخميس تاسع شهر رمضان، استقرّ في نظر الإسطبل السلطاني شرف الدين يحيى بن البقري الموجود الآن، وهو باقٍ في هذا الزمان أيضًا على هذه الوظيفة. وهو أخو المجد الأستادار والوزير الماضي ذِكره. والشرف هذا ذاتٌ حسنة من أهل العقل والسكون والتُؤَدة، حَسَن السمت والملتقى، له حرمة وشهامة وتودّد للناس، كثير التجمّل في أحواله، وعنده ذوات الناس، وولي نظر الإسطبل عِوضًا عن الشيخ بدر الدين محمود ابن (٤) قاضي القضاة البرهان بن الدَّيري، وكان البدر وليه عن أبيه فصُرف عنه في هذا اليوم،

стр. 435

فالشرف هذا ومحمود هذا هو أيضًا موجود الآن، وهو من أبناء الستين فما فوقها، قليل الاشتغال بالعلم، وعنده تؤدة وحُسن سمت، ولم يُشهر بفضيلة، ولعلّنا نذكره فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى (١). [مقياس النيل] وفيه، في يوم الجمعة عاشره الموافق لسادس عشرين بؤونة تفقّد ابن (٢) أبي الرذاذ المقياس [و] القاعدة، فوُجدا ستة أذرع ونصف ذراع، فبشّر بذلك في هذا اليوم. ثم نودي عليه من غده. (خسوف القمر) وفيه، في ليلة الثلاثاء رابع عشره، خُسِف القمر واسودّ الجُرم جميعه وبقي على ذلك نحو التسعين درجة وأظلم الجوّ جدًّا وصار كليالي الدر من آخر الشهر، ولعلّ هذا الخسوف من نوادر الخسوفات التي لم يقع مثلها في عصرنا هذا ولا القريب منه، ولهج الناس بزوال السلطان حين رؤية هذا الخسوف، وزاد القال والقيل حتى كان ما سنذكره (٣). (بداية النكبة للسلطان المؤيَّد) (٤) وفيه، في يوم الجمعة سابع عشره، كانت بداية الحركة لنكبة السلطان الملك المؤيَّد هذا، وكان من خبر ذلك أن السلطان المذكور بعث بإحضار نقيب الجيش محمد بن أبي الفرج، وحين حضر إليه أمره بأن يتوجّه إلى الأمراء فيدور عليهم، وكان ذلك في آخر نهار هذا اليوم ويُعلِمهم بأن يطلعوا جميعهم في غده إلى القلعة ويجتمعوا بالحوش، وهو خلاف العادة، ولم يُعلمهم أيضًا السبب الداعي إلى ذلك كما هو، فبادر نقيب الجيش إليهم وأعلمهم بذلك، فأخذ الأمراء حذرهم من هذا الشأن وخافوا ووقعوا في حَيص بَيص وبادروا بالذهاب إلى بعضهم البعض وهم لا يشكّون أن هذه الاجتماعات (٥) التي قصدها السلطان لأمر توقعه بهم، إمّا للقبض

стр. 436

عليهم أو لغير ذلك مما لا خير فيه، فماجوا بسبب ذلك واضطربوا وكثُر قلقهم وكلامهم، وضربوا أخماسهم في أسداسهم، وكان ذلك ذريعة إلى تحرّك كل أحد لما سمع بهذه القضية، وأخذ كل من كان عنده كمين قبل ينتهز الفرصة في تحريض أصحابه وخُشداشيه، وداموا في القلق والحركة إلى أن دخل الليل، فثار جماعة من الظاهرية الجقمقية وداروا على أصدقائهم وخُشداشيهم ورِفقتهم، واجتمع بعضهم بالبعض في هذا الشأن وأبرموا أمر القيام على السلطان حتى تمّ لهم ذلك وكمل، ثم داروا على غير طائفتهم أيضًا ممّن له الغرض في القيام على المؤيَّد أو عنده تخمين منه، فلم يزالوا على ذلك ليلتهم كلها، وكان من غدها ما سنذكره (١). [خلع السلطان المؤيَّد] وفيه، في يوم السبت ثامن عشره كانت نكبة المؤيَّد وخلعه من المُلْك، وكان من خبر ذلك أنه بكّر الجند الظاهرية ومن وافقهم بالركوب، وقصدوا أكابر الأمراء من كل جهة، وصاروا فِرَقًا، وتوجّهت كل فرقة لأمير من الأمراء ليمنعوهم من طلوعهم إلى القلعة في هذا اليوم، وداروا على جماعة منهم وصاروا يأخذون الأمير شاء أو أبى فيحضرونه إلى دار قوصون التي تجاه القرافة والتي يومئذٍ سكن الأمير الكبير الأتابك خُشقدم حتى اجتمع بها عدّة من الأمراء، وتوجّه منهم فرقة إلى منزل بُردُبك الدوادار وصهر السلطان فأخذوه في الغلس وأحضروه إلى بيت الأتابك خشقدم بل قبل إحضاره إليه بهدلوه وأخرقوا به إلى الغاية، ثم ترادفت الجماعات وتدفّق الجند حين تسامعوا بهذه الحركة وكثروا ما بين ناصرية، ومؤيَّديّه، وأشرفية، وظاهرية، وجقمقية، وسيفية، ومن سائر الطوائف من ( … ) (٢) وكثرة الهرجة، واتّسع الخرق، وشاعت الفتنة، وتمادت الحركة وذاعت، ولم يطلع إلى القلعة في هذا اليوم من الأمراء والأعيان إلّا اليسير ( … ) (٣) واشتهر الخروج عن طاعة السلطان وكمل الجمع في منزل الأمير الكبير وعين هذا الجمع والأكثرية هم الطائفة الأشرفية ( … ) (٤) الأمراء الظاهرية الجقمقية والدولة يومئذٍ للأول والحيلة والرأي ( … ) (٥) اشهاراتهم؟ تبعًا لهم. وأمّا

стр. 437

باقي الطوائف فكالتّبع ( … ) (١) الأشرفية في هذا اليوم هو الأمير قرقماس الجلب أمير ( … ) (٢) المتكلّم والمتحرّك والقائم بطائفته جانِبك القجماسي ( … ) (٣) الخازندار المعروف بالظريف. وأمّا ( … ) (٤) والمتكلّم عنهم جانِبك نائب جُدّة وهو أحد ( … ) (٥) وجميع خُشداشيه في ذلك اليوم في طوعه وقبضته بل جميع من قام في تحقيقه ( … ) (٦) إنما ذلك لغرض من الأغراض وهو في الحيلة العويصة وأكثر من ( … ) (٧) في الرأي والتدبير بكل ما تصل قدرته إليه مع تفكّره في العواقب ورعايته ما يصلح ويكون له ولطائفته حالًا ومالًا، وهم الحسّ وهو المعنى، بل هم الجسد وهو الروح، مع إعمال (٨) فكره في أخذ العدو الجديد وهو المؤيَّد، بل والعتيق، وهم الأشرفية بعد أن بان بهم هذا العدوّ وهو عامل في ذين الفكرين. وأمّا الظاهرية والأشرفية فهم وإن شاركوا الظاهرية في الاتفاق لكن الاختلاف بين أكابرهم غير معدوم، وسذاجتهم عن غفلتهم عن تزيين أعدائهم أن يأخذوا (٩) بهم ما شاؤوا (١٠) ثم أخبرهم بعد ذلك ما رجوا، بل جزموا، وليس ذلك من الحزم بأنهم والظاهرية الآن كثير، وأجلّ، ولا يفكّروا في ما يؤول (١١) إليه الحال بخلاف أولئك، ويدلّك على ذلك ما حدث بعد ذلك إن كنت من أهل التأمّل والبصيرة وعندك خبرة بأحوال الطائفتين، وكان تطلّعهم إلى هذا الأمر في الجملة غير متأكد عندهم لرجائهم مجيء جانَم خُشداشهم، ولولا طروق الطارق الذي دهمهم من قِبل المؤيَّد على ما أشاعه الظاهرية عنه وجعلوه اعتقادًا عند الأشرفية لكثير من الأغراض حتى تحرّكوا في هذا اليوم وإلّا لما تحرّكوا، بل ظهر لهم أنهم كالمضطّرين في هذا الأمر مع غاية الغفلة عن حِيَل أولئك المظهرين لهم الضيافة حتى قطعوا النظر عن العداوة الأولى بخلاف أولئك، فإنها باقية عندهم وهم في تدبيرهم عاملون حسابها مع حساب ما هم فيه، وهؤلاء -أعني الأشرفية- إنما عملوا حساب ما هم فيه ولم يخطر لذلك الحساب الآخر ببالهم، إذ لو ظهر لكان

стр. 438

له الأثر، فأضاعوا الحزم في هذا اليوم، ولهذا ندموا بعد ذلك حيث لم ينفعهم الندم، وعلموا أن أولئك في تدبيرهم وموافقتهم كانوا في حسابهم أيضًا، ولعلّ من لم يسمع شيئًا من ذلك على تقديره كانوا يظنّون أن الأمر يطول (قياسًا) (١) على كائنة المنصور، وأنه إذا طال الحال عدّة أيام أدركهم فيجيء جانَم فيسلطن، بل لعلّهم جزموا بأنه يحضر، وأنه هو السلطان، فاغتنموا مع اضطرابهم هذا الحال وظنّوا أن الظاهرية إنّما هم ماشون (٢) في شيء يعود نفعه عليهم، أعني على الأشرفية، وأنهم ممّن يطبخ بهذا القِدر لِما قرّره أولئك في عقول هؤلاء، هيهات فاتهم الحزم، بل والعزم والرأي والتدبير. وأمّا جانِم بقلّة سعده وتحمّل خموله وقع له بدمشق ما وقع من القيام عليه والرمي عليه من القلعة وخروجه من دمشق على أقبح وجه مجرّدًا إلى القاهرة مجِدًّا في ذلك، ويا ليته تم على ذلك من غير إعمال فكر، وكان ترك ما قلّده، بل لم يكن دأبه في حين أخذه في المجيء إلى القاهرة إلا أنه دبّر أن يبعث جماعة من خواصّ مماليكه وجنده ومعهم عدّة منيعة بأن يقفوا بالطرقات لمنع من يمر منها (إلى) (٣) القاهرة حتى لا يصل خبر مجيئه قبله ويكون خبره معه، ويكون هو حر نفسه خوفًا من المؤيَّد لئلّا يستعدّ له ويتهيّأ لأجله، فكان في تدبيره الأول إلى تدبيره إذ لو بذل ذلك التدبير حتى يصل الخبر لربّما كان ذلك سببًا لاستيلائه على الأمر بأن تخرج الناس إليه أو يتقاعدوا ويتشاغلوا في الأيام التي وصل عقيبها بعد سلطنة خُشقدم، وبعث الأمر باستيلائه وتملّكه، لكن هذا هو الذي كان قدّره اللَّه تعالى في الأزل حتى بقي جانَم بعد ذلك يعضّ يديه ندامة على ما فعل من منعه وصول أخباره قبله، ولا أفاده ذلك شيئًا. ولنرجع إلى ما كنّا فيه، وهو أنه لما فعل الجند من إحضار الأمراء ما فعلوا، وكمل الجَمع، بدر من تكلّم من الأمراء فقال: ما القصد بهذا الجمع؟ فأجاب جماعة من الجند القائمين لقصد خلع المؤيَّد من السلطنة وأخذوا في تعديد مساوئ (٤) وأشياء يخوّفون بها الأمراء من المؤيَّد المذكور، وتكلّموا في معنى ذلك بكلمات كثيرة، ووافق من تكلّم على ما قالوا كلمن (٥) حضر من طوائف الحدر، وأعلنوا بذلك بلسان رجل واحد، بل وكان ذلك من عرقب الأمراء أيضًا، لأن الجمع كانوا في تخوّف عظيم وضرر كبير من المؤيَّد هذا، لا سيما وقد وقع منه ما

стр. 439

وقع من نقيبه نقيب الجيش على ما عرّفه فزاد خوْفهم ورَيبهم مع ما انضم إلى ذلك من كَون المؤيَّد هذا كان كثير الأعداء من عدّة الأمراء، حتى كان في سلطنته لا يتكلّم مع كبار الأمراء ويتكبّر عليهم ويعقد ما شاء فيها، ويُظهر لهم أنه مالكهم ولا قدرة لهم عليه، وأنه ليس كآحاد من تقدّمه من أولاد السلاطين الذين تسلطنوا لأنهم كانوا صغارًا لا دُربة لهم ولا ممارسة، وأنه هو الذي كان السلطان في أيام أبيه في الحقيقة حيث كان إليه التصرّف في الملك لغالب الولايات والعزل، وأنه الأتابك إلى غير ذلك مما حدس عنه. بل يقال بلغهم أنه صرّح به لخواصّه بل ولغيرهم، ثم مع ذلك كله بقي يبلغهم عنه أنه في خلواته يقرّب الكثير من أوباش الناس ويتكلّم مع السفلة، فعظم ذلك عليهم، ونفرت خواطرهم منه، هذا من كان لا عليه منه مثل الأشرف. وأمّا الظاهرية فعداوتهم له ظاهرة لا يُحتاج إلى إقامة البرهان عليها. ولما تكامل هذا الجمع الموفور، ووقع الكلام المذكور، وتحرّك أعيان الظاهرية ورأسهم إذ ذاك جانِبك نائب جدّة كما أسلفناه، وأعيان طائفته له سائقون، وخشداشه له خاضعون، وعند رأيه واقفون، مثل الأمير أُزبَك أتابك زمننا الآن، بُردُبك البجمقدار نائب الشام بعد ذلك. وكان الرأس النَوبة الثاني إذ ذاك، وظنّ كلِّ من الطائفتين أن ذلك الجمع لسلطنة جانَم، لأن الاتفاق كان قد وقع على ذلك فيما بينهم قبل ذلك، فإنهم كانوا قبل ذلك الاتفاق إذا أخذوا في التكلم في القيام على المؤيَّد واجتمع بعض الطائفتين بالبعض بدَرَ القائل من كلا الطائفتين بأن قال إنما يكون ذلك بشرط بيننا وهو أنه لا يكون السلطان لا منّا ولا منكم، فيفترقون حتى سماع ذلك على غير طائل، حتى وقع رأي الظاهرية بإجابة الأشرفية إلى سلطنة جانم على ما بيّنّاه، فتآلفت حينئذٍ قلوبهم وأخذوا في الاتفاق مع بعضهم البعض على الوجه الذي أسلفناه بمعناه حتى أعمل الظاهرية ما أدّى إلى دهم هذا الداهم ومزاحمة هذا المزاحم على ما زعموه، ولهؤلاء أظهروه، كل ذلك من استرابتهم وعدم ركونهم إلى المؤيَّد وخوفهم من بطشه وفتكه بهم قبل أن يبادروا إلى شيء من التدبير حتى وقع منه ما يقوّي ما حدسوه على ما زعموه، وأنهم أيقنوا به بعد ما كانوا يظنّونه، وقع الأمر بغتة في غيبة جانَم، ولم يعلموا أن يكن قدومه عليهم ويتفق جانِبك نائب جُدّة خروج هذا الأمر عن جانَم لبعده عنهم على أنه هو أكبر قصده، وإن كان هو مخالف لما هو الظاهر عند الأمراء، وهو استمالة الأشرفية، فأظهر أن الداهم دهم، والحاطم حطم، وأن المهلة في هذا الأمر يؤذن إلى إطارة الرقاب وإلى هلاك الأنفس والذهاب على أنه ولو كان الأول غير ظاهر وهو سلطنة

стр. 440

جانَم على ما زعم فإن التأخر له آفات، فأخذ يدبّر فيما هو بصدده ليتمّ لغير جانَم، ثم يفعل هو بعد ذلك ما بدا له من أوالي أعدائه الآخذين على أتمّ قضية لا سيما ولم يتمكن منهم أحد فى السلطنة على ما ستعرف ذلك فى سلطنة الظاهر خُشقدم، بل وفي مجيء جانَم، بل كان يدبّر جانِبك أعم من هذا كله، إذ قيل إنّما كان يوطّن لنفسه على ما حدسه منه خشقدم الظاهر بعد ذلك حتى كان سببًا لقتله على ما ستعرفه فى محلّه. وقد كان الأمراء كلهم قد اجتمعوا فى هذا اليوم بدار قوصون سكن الأتابك خُشقدم كما قلناه وهم جلوس بالمقعد من الدار المذكورة، فبدر جانِبك نائب جُدّة بأن قام هو وجانِبَك القريب وجانِبك المشدّ، وأزبك من ططخ، وبُردُبك البجمقدار، وجماعة أُخَر من أعيان الطائفتين وانفردوا بأنفسهم بمكانٍ على حِدة، وأخذوا فى الكلام فيمن يولّوه السلطنة، وكان غرض نائب جدّة القيام فى سلطنة خُشقدم لا جانَم نائب الشام، بل ولا غيره لكنه لم يُظهر ذلك فى هذه الحالة خوفًا من النفرة، ثم شرع فى التكلّم بما فيه استمالتهم لغرضه والتوطئة لذلك، فقال: نحن قد كتبنا للأمير جانَم بالحضور واتفقنا على سلطنته وأنتم عارفون منا ذلك يقينًا، غير أن ذلك كان لو مهل علينا المؤيَّد فإنه أحسّ بالقضية، بل وبأنه سيقام عليه، فأراد المعاجلة فى رمضان لأنه يقول: إذا خرج رمضان قاموا عليّ، وإذ جاء جانَم ولو فى رمضان فالأبدأ أنا بأخذهم قبل أخذهم لى، وفعل ما فعله من طلبه الأمراء، وقد ثرنا قبل أن يثور، ودهمنا هذا الأمر الفظيع على حين غفلة، ولا بدّ لنا من محاربة المؤيَّد فى هذا اليوم ومقاتلته وإلّا استفحل أمره علينا إن تركنا قتاله وتقاعدنا عن ذلك ووقع بنا ما خشيناه من أمره وفعل فينا ما أحبّ، ومتى تهاونا فى ذلك حتى انفلّ عنّا هذا الجمع العظيم ذهبت أرواحنا ولا بدّ من الحيلة فى ذلك، وأنتم تعلمون أن السلطان لا يقابل إلّا بسلطان مثله يقام قبل الشروع فى مقاتلة الآخر وإلّا فسد النظام ولا تجتمع الكلمة وتتوفر الحرمة إلّا بإقامة إنسان، ولما قرّر لهم جانِبَك هذا بدهائه ومكره خدعهم به، وأجمع رأي الكل على أن هذا رأي، وأنه لا بدّ من سلطنة واحد من أعيان الأمراء الأكابر. فلما تم له هذا الأمر ولزمهم القول به انتقل بعد ذلك إلى تعيين هذا الواحِد من الجماعة ومن يكون وذهنه كله مع خشقدم ليس إلّا لاستلاشته فى عينه، إمّا توطئة لنفسه كما قيل عنه بعد ذلك، أو ليمكنه بأن يفعل به ما يختاره، أولهما بقاء أولي (١) ذلك مما يعلم الله تعالى حقيقته. ثم أخذوا فى التكلّم فى ذلك ودار الكلام بينهم فيه، فبدر

стр. 441

من قال: سلطنوا جَرباش أمير سلاح، فلم يحبّ جانِبك هذه المقالة، لكنه لم يدافع عنها، بل أخذ فى أسباب نقضها بما يَسَع عقل قائلها بمكره وشيطنته. وكان القائل لهذا من الأشرفية، فأخذ جانِبَك فى تسليم قول القائل توطئة لعدم القول به بما يكون كالمنع، بأن قال: شكرته فى أهلية الأمير جرباش للسلطنة، لكن أنتم تعلمون وتتحقّقون أنّنا متى سلطنّاه ثم بدا لنا صرفه إذا جاء الأمير جانَم لا يتمكن من ذلك، فدخل الدخيل على الأشرفية من هنا وظنّوا أنه مشدود معهم على سلطنة جانَم، ثم أخذ يبيّن جانِبَك الوجه لما قاله من عدم تمكّنهم بعد ذلك من صرف جرباش إذا تسلطن، فقال وذلك لوجوهٍ منها أنه رجل عظيم من أجلّ الملوك وقدمائهم، ومن الجنس، وصهر خُشداشنا بُرْدُبك البجمقدار، وصهر خُشداشكم خيربك من حديد وغيره، وإن مجيء جانَم قد قارب، ولو جاء لما احتجنا لغيره، وتكلّم بكلمات أُخَر على هذا المنوال لوهِم بأن جميع ما قاله إنما هو لأجل جانَم، بل صرّح به كما قلناه، كل ذلك لئلّا تنفر قلوب الطائفة الأشرفية عنه وغرضه، والتفاته إلى غير ما هو قائله لأن ما فى القلوب فى القلوب على ما عرفناك بذلك فى تأميره وأنت على الأشرفية، فشابهم السمع، وإن بدا لهم بعضٌ من الرأي، فخُدعوا وحالوا عنه وغفلوا عن العاقبة ووقفوا عند الرأي فى الوقت الحاضر من غير أن يتفكروا معه فى رأي ما سيعقبه من الزمان، بل يتلوّنون فى الحال لما يلقى إليهم لسذاجتهم وسلامة بواطنهم غالبًا من غير تأمّل وتدبير فيما يقول جانِبك حتى ولا بالوهم فيما أظنّ، فضلًا عن التفكر فى مقاصده بذلك، بل كالحمير الموكفة يساقون لِما أريد منهم بالخديعة والمكر وهم لا يشعرون. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، فقد عرفت ما آل إليه أمر جانِبك هذا على أن غرضه فى نفس الأمر إنما هو التوطئة لنفسه لما كان فى مخيّلته، فلهذا طلب سلطنة خُشقدم لكونه استلاشه على ما قلناه، بل ولعلّ خُشقدم تحقّق منه هذا فى هذا اليوم، فضلًا عن بُعده، لكنه لم يتمكن بعد سلطنته من أخذه إلّا بعد حين لذلك (١) الكمين، وبقي فى سلطنته محيّرًا منه وباطنه فى شغل وفكرٍ فى أمره مع إظهاره له خلاف ذلك بحيث لم يتوهّم جانِبك منه الأذى لغلبة مكر خُشقدم وخداعه على مكر جانِبك، فإن خُشقدم كان من دُهاة العالم وصناديد بني آدم فى أشياء منها هذه الجزئية حتى كان هو الغالب بعد ذلك كما سيجيء ذلك فى محلّه ونعرفه عن أصله. ولما فرغ -أعني جانِبك- من كلامه فى جانب جرِباش بما تكلم أُعجِب الحاضرون بذلك كيف وقد أثبت لهم المقدّمات المقبولة عندهم التي يسلّمونها

стр. 442

لاستنتاجه هذا منهم فمالوا إليه، فأخذ حينئذٍ في أسباب قبح الكلام لسلطنة خُشقدم بمقدّمات يعلم أنهم يسلّمونها ويلزم عنها ما أراد، وهو المطلب له، فقال لهم إننا هاهنا سواء في الرأي وأنتم الأغوات والأمر إليكم، وأنا أعرض عليكم رأينا إن رأيتموه ولا بأس، ونكون كلّنا في سواء لا ينفرد الواحد بشأنه فنكون على خلاف رأي الآخرين وإن لم تروه وأفهم الرأي فنأخذ في أسباب رأي غيره، والرأي عندي، وأظنكم توافقوني عليه إن تسلطن الأمير الكبير خُشقدم فإنه من غير الجنس يعني كونه رُويسيًّا وليس بجركسي. ثم قال أيضًا فإنه رجل غريب لا شوكة له، ومتى ما أردتم خلعه عند حضور جانَم سهل ذلك عليكم، خادعًا لهم بقضية جانَم ليتمّ الغرض التام له فيما يريده، ويكون خلعه بغير تعب ولا (. . .) (١)، وأيضًا فإن خُشقدم ليس ممن هو في الرتبة كعِظم جرباش ووجاهته، وتكلّم بكلمات أو نحو هذه الكلمات وهم له سامعون ولرأيه قابلون، لا يعلمون غرضه ولا ما هو فيه، إذ جل غرضه كان إبعاد السلطنة عن جانم والر (. . .) (٢) من ذلك، ثم تمهيد الأمر لنفسه إمّا بأن سيلي الأمر ولو بعد حين، كما أشيع عنه أنه كان غرضه التام لذلك، وكان سببًا لقتله، أو أن يكون هو المدبّر للمملكة كما فعله من في سلطنة خُشقدم، وأيضًا علم أن سلطنة خشقدم تمنع من تمكّن جانَم والأشرفية، لا سيما إذا كان هو مدبّرها. وكان هذا الرأي مكيدة على الأشرفية على ما هو ظاهر ببادئ الرأي لمن له بعض تأمّل لم يتفطّن الأشرفية لذلك إلّا بعد حين ولم ينفعهم ذلك، وساعد الدهر الظاهرية وأُقعد أولئك، ومن يومئذٍ عظُمت شوكة الظاهرية حتى بقوا أصحاب التخت الآن، وأمّا أولئك فأنت عارف بما هم فيه وبأحوالهم، بل بذهابهم ورّوا لهم ولا حاجة إلى الكلام. ولما تم هذا الرأي جاؤوا -أعني الطائفة الظاهرية والأشرفية- بعد أن فرغوا مما قرّروا وانتهوا مما ذكروه فصعدوا إلى القلعة وجميع الأمراء به جلوسًا (٣)، وخشقدم في هذا صدر المجلس لا ما يكتبه على أنه لم تحدّثه نفسه بالسلطنة. في ذلك اليوم ذكر لى الوالد عنه أنه أسرّ إليه فيما بعد ذلك بمدّة وقال له: لولا خطر ذلك ببالي لأني كنت في ذلك اليوم أجنبيًا عن تلك الطوائف فإنهم من جنس آخر. ثم شرع جانِبَك نائب جدّة في فتح الكلام فقال: نحن -يعني الطائفتين الأشرفية والظاهرية- نريد أن نسلطن علينا رجلًا (٤) يحصل به النفع لنا

стр. 443

وللمسلمين، ولا يميّز طائفة على أخرى، ولا يميل إلى أحد من الطائفتين فيركن إليها ويميل على الآخرين، بل يكون جميع الطوائف عنده سواء في رتبتهم وأخذه في الخير والشر، والمتتبع (. . . .) (١) أن يطلق من بالسجون من الأمراء من سائر الطوائف وأن (. . . .) (٢) عن (. . . .) (٣) وولده العزيز يوسف بن الأشرف برسباي (. . . .) (٤) جقمق من سجن الإسكندرية، ويأذن لهما (. . .) (٥) غير مضيّق عليهما (. . .. ) (٦) أهلًا له ولا يليق ذلك بك ولا أن تتكلّم في (. . . .) (٧). ثم أخذ الأمير قانَم التاجر يتكلّم بكلام قريب من كلام سُنقُر (. . . .) (٨) جماعة أنتم قد كاتبتم الأمير جانَم نائب الشام (. . . .) (٩) أن يحضر تسلطن فإنه لا ينبغي لكم التشويش على أحد بخلعه بعد أن تسلطن (. . . .) (١٠) هذا من الله تعالى ولا يحلّ لكم ذلك، فلم يُجَب (١١) عن كلامه ولا (. . .) (١٢) بل زاد اللغط (. . . .) (١٣) الغوغاء قائلًا يقول بسلطنة الأمير جرباش (. . . .) (١٤) وقال قرقماس الجلب: أنا رجل (. . .. . .) (١٥) إلى الآن ولست أهلًا لهذا (. . .) (١٦) وهذا شيء راجع إلى الأمير الكبير. وأما الأمير الكبير فلم يذكره (. . .) (١٧) على أسبابه (. . .) (١٨) وجانبك انصرف بالقيام مسرعًا وهو يقول: السلطان هو الأمير الكبير، وتقدّم فقبّل الأرض بين يدي الأتابك خشقدم من وقته بذلك، ثم قام جانَم نائب جُدّة وتوجّه إليه فقبّل الأرض. ولما رأى الأمراء ذلك قاموا كلّهم في الحال وقبّلوا الأرض (. . . .) (١٩) له بالسلطنة. ثم خرج المنادي في الحال بإعلان النداء (. . . .) (٢٠) (. . .) (٢١)

стр. 444

مع المؤيَّد لحظة واحدة، بل رتّب حيلة فما ظهر أنه ابتكره، وأخذ بعد أن تقاعد عن حفظ باب السلطنة حتى أدخله بَلَباي، وجانِبَك الظريف، وبيبرس خال العزيز بجموع منهم وملك من غير مانع ولا مدافع. ولما استعيد باب السلسلة المذكور ونزل السلطان كما قلناه، واستقرّ به الجلوس (. . . .) (١) إلى الرملة فوجد الجمع قد تكاثف بها وكثر العدد من المخالفين له، ورأى نفسه وعساكره قليلة جدًا، ومع ذلك فلم يكترث بذلك وتمادى إلى الأخذ في أسباب المدافعة عن نفسه بمن حضره، وكان عنده من عسكره من الأمراء الأصاغر قراجا الماضي ذِكره، ومن أعيان خاصكيّته فارس البكتمري أحد الدوادارية من الأجناد، وتَنِبك دواداره وهو أتابك العساكر قبل أن يتسلطن وما عسى أن يفعل هؤلاء. وأمّا الأمراء من خُشداشي والده وممّن (. . .) (٢) وكذا مماليك أبيه القدماء، فلم يطلع إليه الواحد منهم ولا (. . .) (٣) إليه، بل ولا الجماعة الذين كان يصحبهم في أيام أبيه ويمشون معه وفي خدمة ركوبه ونزوله مع إحسانه إليهم وصحبته لهم، والقيام في مهامّهم وقضاء أشغالهم ما بين أمراء وأعيان وغير ذلك من الخاصكية من سائر الطوائف الذين تقدّم ذِكرهم ما بين أشرفية وظاهرية وسيفية ممن كانوا يصحبونه ولا يقاومونه فلم ينتصر له في هذا اليوم الواحد منهم. وأغرب من ذلك أنهم مع عدم قربهم معه والانتصار له لزموا ديارهم في هذا اليوم حتى ينجلي لهم الأمر، بل ركبوا كلهم وانضمّوا إلى من خالفه والأتابك خشقدم. وأعجب من ذلك أن انضمامهم إليه كان قبل استفحال أمره وظهوره وقبل التكلم من سلطنته. وأعجب من هذا الأعجب، بل والأغرب منه أنهم كانوا في هذا اليوم من أشدّ العشرة عليه. وأشدّ تعجّبًا من كل ذلك أنهم ما كانوا عليه من الاجتهاد كانوا مع عسكر الأتابك خشقدم وعنده وعندهم من الممقوتين لا من المقرّبين ولا المتأهّلين حتى ولا ما رضاهم (٤) بالقول، وكان ذلّ الطرد والإبعاد ظاهرًا (٥) عليهم، والعيون بالمقت ناظرة إليهم، وهم يُضْمِرون ويجتهدون، حتى كان من أمرهم ما طبق عليهم، ومع إطلاعهم على ذلك كله ما صفمت قلوبهم إليه ولا تعطّفوا عليه ولا همّوا بطلوعهم له ومساعدته حتى جرى عليه بعد ذلك ما لو كانوا عنده ما جرى عليهم بعض منه (. . .) (٦) من الله تعالى. ويُعدّ هذا من أغرب النوادر التي ما سُمع بمثلها.

стр. 445

وكان يتابع المؤيَّد من مماليك أبيه الجُلبان نحو الألف أو دون ذلك بيسير، وفودتى ذلك (. . . .) (١) وهم مشتراوات والده بعد سلطنته. وأمّا الذين أتوا كتابية بعد الظاهر جقمق وملكهم إينال بعد موته، فأخذ جانبك نائب جدّة بحيلته في إرضائهم، وبعث في الدسيسة إليهم من استمالهم إلى طائفة بأن (. . . .) (٢) بل وكلّم مماليكه منهم بنفاقه فقال لهم: أنتم في الخدمة (. . . .) (٣) ونحن وإياكم شيء واحد (. . . .) (٤) فإنه عصبته ونحو هذا من الكلمات حتى استمالهم بهذا الكلام (. . . .) (٥) من حزبه ومن طائفته في ذلك اليوم (. . . .) (٦) وهم فوق المايتين (. . .) (٧) مع جانِبَك وهم راكبون. ثم حين القتال قاتلوا ابن أستاذهم أشدّ القتال (. . . .) (٨) خيرًا عن مروءاتهم، وصاروا في ذلك اليوم هم أعيان هذا العهد. (. . . .) (٩) ولما رأى المؤيَّد كثرة العساكر وقلّة من معه (. . .. . .) (١٠) تعجّب من ذلك غاية العجب، وحُقّ له ذلك، ثم قال لبعض خواصّه والمقرّبين إليه (. . . .) (١١) من صرف القلوب عنّا حتى غيّرهم عنّا وعن (. . . .) (١٢) كان ذلك من ذنب أسلفناه أو شيء (. . . .) (١٣) أو نحو ذلك (. . . .) (١٤) ولقد اعترف (. . . .) (١٥) خُشقدم على معاورة الطرق التي توصل إلى القلعة من سائر الجهات، فوقف جانبك نائب جدّة بجماعة موفورة من طائفته وخُشداشيه ومماليكه والظاهرية الإينالية الذين استمالهم برأس سُويقة عبد المنعم تجاه القلعة، وكان الوالد (. . . .) (١٦) جماعته في معظم أمر الأتابك خُشقدم في ذلك اليوم (. . . .) (١٧) الغاية والنهاية بعد أن اجتمع (. . .

стр. 446

.) (١) له جميع (. . . .) (٢) ويحمله، وأنه لا زال (. . .) (٣) إلى أن بلغ مقصده وسلطنته إياه وأنه معه كتابه (. . .) (٤) واجتهد جانِبك هذا في محاربة المؤيَّد في (. . .) (٥) لا سيما وعنده (. . . .) (٦) حيث لم يألف إليه في أيام سلطنته، بل ولا التفت له ولا غيره، مع عظمة جانِبك في حدّ ذاته عند نفسه وميلانه لمن يعظمه وتطلّعه إلى ذلك واستشرافه له حتى كان يداخله غير ما مرة لعلّه يقبل عليه أو يأنس إليه، وهو يعامله بضدّ قصده من تقطيب وجهه عند رؤيته وعدم مكالمته، والوقوف عند ناموسه الذي ظنّ أنه يروج بسببه أمره في المُلك فلم يجهل جانِبك هذا وهو الذي كان السبب الأعظم في جميع ذلك بل في هذه الحركة وفي سلطنة خشقدم على ما عرّفناك، ذلك أنّنا وبهذا السبب أيضًا حقد خشقدم عليه، وكان عنده من الكمين باطنًا حتى رسخت قدمه في المُلك لتحقّقه منه أنه له قدرة على القيام عليه وفعله معه فوق ما فعله من هذه الحركة مع المزيد، ولهذا قتله قبل أن يبادر إلى ذلك، لا سيما أن كان الذي أشيع عنه بعد ذلك من كونه كان في قصده الوثوب على الأمر إشاعة صحيحة، وأنه وفّى لنفسه بسلطنة خُشقدم. ثم لما بحث المؤيَّد عن أصل هذه القصّة وتحقّق أن أعظم الأسباب فيها وفي إثارة هذه الفتنة هو جانِبك، وتيقّن ذلك، لا سيما لما نظر جانِبك هذا بجموعه وهو واقف بسُويقة عبد المنعم على تلك الصفة، والاجتهاد الذي ليس هو هيئة غيره ممّن هو بصدد ذلك أخذ في التدبير وتوسيع الحيلة فيما يستميل به جانبك هذا لعلّه أن يميل إليه، فبدر بأن كتب مكتوبًا بخط يده إلى جانبك يعتذر إليه فيه وتسلطُنه بخاطره، ويعده في مكاتبته تلك بأمور كثيرة، وأنه إن ترك هذا الشر والهاعة يجعله أتابكه ويتدبّر مملكته وأكثر الحلّ والعقد فيها، وأنه لا يخرج عمّا يشير به عليه، ولا ينقض ما أبرمه، وشك هذا وأنظاره من الكلمات والخطابات، وتكرّر سؤاله في أن يترك الشرّ، وحلف له في مكاتبته تلك بأنه يفي بما وعده به، وأنه يبلّغه أقصى ما في أمله وزيادة. ثم حلف له أيضًا بأنه لا يخونه وأطال في ذلك، بحيث كانت مكاتبته هذه كتابًا مطوّلًا عدّة أسطر كثيرة، وبعث به إليه مع من يركن إليه من جماعته، فلم يلتفت جانِبك إلى ذلك ولا عبأ (٧) به، ولا ارعوى له،

стр. 447

على أنه المسكين لو قصر عن الشر وأجاب، لعلّ لما صدر من المؤيَّد في حقّه ما صدر من خُشقدم، لكنْ لا مفرّ من القدر. وبعث جانبك في محضر الرسالة إليه ونهره وقال له: رُح إليه، وإن جئت إليّ مرة أخرى حملتك إلى الأمير الكبير سلطاننا، واستمر على ما هو عليه في الاجتهاد في القتال، وأخذ في أسباب الحث على ذلك وتحريض غيره، وصار أمر المؤيَّد يتلاشى، ولوائح زواله ظاهرة، والعسكر التحتي الذين مع خشقدم في نموّ وزيادة وكثرة عظيمة، والمناوشة بين الفريقين غير ناجزة، وقد بلغ المقاتلين الجَهدُ وهم صيام، وبلغ منهم أكبر الجهد، وأفطر في ذلك اليوم جمع جمّ من العسكر، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. ولعلّ هذه الفِعلة من النوادر. ولقد بلغت المشاعر إلى أقاصي الممالك النائية والبلدان حتى شنّعوا على العسكر المصري، بل ونُسبوا إلى ما لا خير فيه، وبكّت عليهم بعض الملوك النائية لذلك، بل وعُيّروا به في كثير من الممالك، وحُقّ ذلك. ولم يزل القتال عمّالًا (١)، وجُرح جمع من الطائفتين، وقام الزُعر مع المؤيَّد، فاجتمع منهم بالرُميلة تحت المقعد المطلّ عليها جمع وافر (٢) منهم مساعدة للمؤيّد المذكور، وأخذوا في رجم التحاتي بالأحجار حتى أبادوا كثيرًا منهم، بل لم يمكّنوا أحدًا يصل إلى الرملة من جهة المصنع ومدرسة السلطان حسن، بل ومنعوا أيضًا وصول من يصل من سُوَيقة عبد المنعم إلى الرملة، هذا، والمؤيَّد يحرّضهم على ذلك، وربّما نثر عليهم نثارًا من الفضة، وداموا على ذلك من بين الصلاتين إلى قريب الغروب، وحنق منهم العسكر التحاتي غاية الحنق، وبقوا يتوعّدونهم (٣) وهم جادّون في ذلك وفي منع من يطلع من جزيرة البقرة ومن جهة القبو، وما فرّق جَمعهم إلّا دخول الليل، وما انقضى النهار إلّا وأمر المؤيَّد في إدبار وهزيع ينتظر من يحضر إليه لمساعدته، وكاتب جماعة ممّن عند الأتابك خُشقدم من الأعيان، فلم يلتفتوا (٤) إلى مكاتبته وتيقّنوا زوال ملكه، فما حضر أحد منهم لمساعدته. وبينا هم على ذلك قبل دخول الليل وإذ بخير بك القصروي نائب القلعة (. . . .) (٥) فأبطأ ونزل إلى الأتابك خشقدم فاجتمع به وقبّل الأرض بين يديه، (. . . .) (٦) فرحّب به وأقبل عليه، فقوي أمر العسكر التحاتي زيادة عمّا (. . . .) (٧) وقالوا: لو كان في المؤيَّد بقية لما تركه نائب ونزل. ولما بلغ المؤيَّد

стр. 448

(. . . .) (١) إنزال شخص من جماعته لضبط باب القلعة مكان خيربك (. . . .) (٢) أصرّ خيربك هذا على فِعلته هذه، إذ لو جلس مكانه لما كان (. . . .) (٣) كثير بل إلى درك فقط، ينفع من النصل ولا يضرّ من الصلّ على (. . . .) (٤) فعابوا عليه صنيعه ذلك غاية الإعابة على عادة التُرك في مثل هذه الأمور، (. . . .) (٥) موافقًا، بل أعاب، ولا زال أمر المؤيد في هذا اليوم في غاية (. . . .) (٦) النهار. ولما ذكر بعض المؤرخين نحوًا مما ذكرناه من هذه (. . . .) (٧) كل ذلك وأمر المؤيَّد في انحطاط فاحش، وصارت العامّة (. . . .) (٨) هو كلام في غاية الركاكة، بل وما تكلّم به في معنى هذه الحرب (. . . .) (٩) تم شيئًا من صلح أحوال هؤلاء، لا صحة لقوله: وصارت (. . . .) (١٠) أن يريد بالعامّة العسكر التحتاني وليس باصطلاح، والصحيح عكس ما قاله وقد صارت العامّة تتأسف عليه مع بُعده عنهم وقرب الثائرين به منهم والفا (. . .) (١١) عليه، وساعدته الزُعر في هذا اليوم أتمّ مساعدة حتى منعت الخيل من الدخول إلى الرُميلة بحيث حنق (١٢) منهم التحاتي على ما أسفلنا ذلك (١٣). ولقد كنت أنا حاضرًا هذه الوقعة من أولها إلى آخرها في هذا النهار، لم أغِب لحظة، وكنت أتردّد في منزل الأتابك خُشقدم تارة عند المقعد، وتارة بباب الدار، وتارة بالمدرسة القانبائية بسويقة عبد المنعم، وتارة بالرُميلة، إلى غير ذلك من ممانع الناس والعسكر، وإنما أشاهد الأحوال عيانًا، وأسمع تأسّف العوامّ، بل وبعض الخواصّ أيضًا. وقوله: تسمعه كذب محض، إذ لم تكن العامّة بالقرب منه على تقدير كونهم ينتظرون بمكروه حتى تسمعه، بل كان تحت مكان جلوسه خلْق من العامّة الزُعر وكلهم كانوا يقاتلون بالحجارة وهو ينظر إلى آخر النهار، فلا يقال في هذا وهْم،

стр. 449

وما له هذا المؤرخ لشيء ظنّه كذلك، بل هو كذِب وافتراء ما علمت ما الحامل لهذا المسكين على ذلك، سامحنا الله تعالى وإيّاه. ولما دخل الليل بات كلٌّ من العسكرين على ما كانوا عليه، وأمر الأتابك خشقدم في غاية الاستفحال والإقبال، وأمر المؤيَّد في غاية الوهن والإفلال والإنذار بالزوال خصوصًا وقد نزل عدّة ممن عنده إلى العسكر التحتاني. وكان الخليفة والقضاة قد أحضروا في هذا اليوم إلى الأتابك بعد مبايعة البذل له واختياره، لكن ما وقع بينهم كلام في ذلك ولا إبرام في هذا اليوم غير إعلامهم باختيار الأتابك خشقدم وتسليم الخليفة والقضاة ذلك على وجه إظهار عدم المخالفة بأخرة من غير بتّ أمر شرعي بعقد المُلك إلى أن كان ما سنذكره بعد ذلك. وبات المؤيَّد بالقصر مع قليل من جماعته، والأتابك بداره مع الجموع الموفورة حتى من لا عرض له في شيء من ذلك، بل حضر كالمضطر أو الخائف على نفسه أو غيرها بأخرة أو الآن، وكذلك جميع أعيان الدولة والمباشرين الكل حضور، وباتوا بهذه الدار مستعدّين (١) للقتال في الغد، وكان سبيل المؤمني قد أخذ قبل غروب الشمس بيسير أو بعد دخول الليل، وبات به جماعة من العسكر وهم مستعدّون (٢) يحرسون وعليهم بيبرس الطويل (٣)، وكان ما سنذكره. (ذكر اليوم الذي تسلطن فيه الظاهر خشقدم) (٤) وفيه، في يوم الأحد تاسع (٥) عشره، أعني شهر رمضان، كانت سلطنة الظاهر خُشقدم والمبايعة العامة له، وعقد الملك والجلوس على سريره وتلقيبه بالظاهر وتكنّيه بأبي سعيد، وخلع المؤيَّد بن الأشرف وزوال ملكه، وكان من خبر ذلك أنه لما طلع فجر هذا اليوم ظهرت فترة همّة المؤيَّد وقصور عزمه لقلّة عدده وناصره، وأخذ كل أحدٍ ممن عنده من جماعته وحزبه ومن عنده من الأعيان، وقد عرفتَ مَن هم وما حالهم في عمل مصلحة نفسه خوفًا من عدوّه، فمنهم من أذعن لخُشقدم، ومنهم من يجهّز للهروب، واتفقوا على ذلك في نفوسهم من غير إظهار ذلك، لكنْ بإمارات تلوح دالّة على ذلك، بل وصرّح الكثير منهم بذلك، وبلغ

стр. 450

ذلك العسكر السفلي وهو مقصدهم الأعلى ومطلوبهم الأقصى وتوسّمه المؤيَّد وفهمته عن جماعته، فقصد أن يسلِّم نفسه بطلب أمان ونحوه، ثم أنِف عن ذلك لشهامته، ولم تطاوعْه نفسه عليه، لا سيما وقد ذاق طعم المُلْك، وتمكّن منه، والعزّ بعزّ السلطنة مع الرجاء وتوهُّم البقاء، وإن كان قد غلب على ظنّه الزوال كلّية أمسك عن ذلك القصد في ذلك الوقت هذا، ولا علم عند العسكر السفلي بشيء من ذلك بدلهما كان الغالب على ظنّهم طول الأمر منهم قياسًا على توبة المنصور، ولم يتوهّم الواحد منهم أخْذ القلعة في هذا اليوم ولا عن قرب، لا سيما الأشرفية، فإنهم كانوا يظنّون أن الأمر يتطاول ويتسلسل حتى يحضر جانَم نائب الشام، بل وتسلطنه، ثم يأخذون القلعة له، لكنهم أصبحوا في هذا اليوم وقد قويت شوكتهم وكثُر عددهم، وقصدهم كل أحد في هذا اليوم خوفًا ورعاية، وطلّبوا الأطلاب حتى بعثوا إلى دار يونس الدوادار، وكان مريضًا مرض موته، وطلبوا منه أن يجهّز لهم طلبًا من مماليكه سيّر يقول باللبوس والعُدَد الكاملة، فما أمكنه إلّا إجابتهم وتجهيز ذلك وإن كان ذلك ليس بغَرَضه ولا بقَصْده، لكنه اضطر إليه وأجاب، وبينا هم في ذلك إذ ورد عليهم خبر المؤيَّد وتفصيل أحواله وما هو فيه وعرفوا حاله وتحقّقوا زواله في هذا اليوم، فقوي عزمهم وتوفّرت هممهم، وكان المخبر قد بالغ في ذلك واجتهد فيه، وأخذ في تحريضهم، وذلك لغرضٍ من الأغراض تشجّع بهذا الكلام كل جبان، وزاد به شجاعة الشجعان، فعند ذلك أجمعوا على القتال، واجتمعوا للمحاربة والنضال، وهجم طائفة منهم على باب السلسلة بعد أن ألقوا فيه النار، وزحف الباقي من العسكر على القلعة زحفة واحدة، وجدّوا في القتال، وأخذ عسكر المؤيَّد في مقاتلتهم ساعة هيّنة، وفكّر المؤيَّد في أمره ورأى بعقل أن ذلك لا يفيده، بل مما يزيد في قسوتهم عليه، فلم يكن دأبه إلّا أن أمر أصحابه بالكفّ عن القتال، وقام من وقته وصعِد القلعة لخواصّه وأمر أصحابه بالانصراف إلى حيث شاؤوا (١)، وترك باب السلسلة، ثم دخل إلى والدته الخَوَند زينب، وتفرّقت جماعته وتشتّت شملهم، وفلّ عسكره كأنه لم يكن، وزال ملكه في أقلّ من لحظة، فسبحان مالك الملوك من لا زوال لملكه وبقائه، وهكذا شأن الدنيا، ولقد صدق من قال: ألا إنّما الدنيا كأيكة ناظرٍ … إذا اخضرَّ منها جانبٌ جفّ جانبُ فلا تكحّلنّ عينيك (٢) بها بنظرةٍ … على ذاهبٍ منها فإنك ذاهبُ

стр. 451

ولما بلغ الأتابك خُشقدم ذلك قام من وقته فركب والأمراء والأعيان بين يديه في موكب حافل، والعساكر معه، وسار في محفل عظيم وقد جعل له دِهليزًا بالخلق اجتمعوا لرؤيته وقعدوا للفرجة، فشق الرُميلة وقد سكن القتال كأنه ما كان، وقصد باب السلسلة، وحين رآه الناس كذلك أخذوا في الدعاء له فدخل إلى الإسطبل وملكه والقلعة في الحال من غير مدافع ولا ممانع، وصعِد إلى مقعد الحرّاقة من الإسطبل فجلس به، وحين استقرّ به الجلوس أمر بنزع لأمة الحرب وآلة القتال من السلاح وغير ذلك، وسكن الأمر وخمدت الفتنة، ولم يكن دأبه إلّا تعيين جماعة في الحال بالقبض على المؤيّد، ولما طلعوا إليه لذلك وهو بالدُور السلطانية أسلم نفسه في الحال من غير ممانعة، فأخرج به من الدُور إلى البُحيرة بالحوش، وأُخرج معه أخوه محمد (١)، - وخرجت والدتهما الخَوَنْد المذكورة معهما، وقُيِّد المؤيَّد، ووُكّل به واحتُفظ عليه غاية الاحتفاظ، وأقام في التوكيل عنده جماعة من الأعيان والجند والخدّام، ثم عاد الجند إلى الأتابك خُشقَدم بذلك، وتحقق من حضر انزواء المؤيَّد والغلبة عليه، فأخذوا حينئذٍ في البيعة العامة، وعقد الملك للأتابك خشقدم المذكور، وقد حضر الخليفة والقضاة الأربعة (٢) وغيرهم من أهلّ الحلّ والعَقْد، ودار الكلام بينهم في صورة خلع المؤيَّد، ثم وجّهوا ذلك وعملوه وحكم بخلعه ونفّذ ذلك وتم وكمل. (مبايعة خشقدم بالسلطنة) (٣) ثم بويع خُشقدم بالسلطنة وعُقد له المُلك، وأُحضِرت الخلعة السوداء المعروفة بشعار المُلك في الحال، وقام خُشقدم فدخل ببيت الحرّاقة فأفيضت عليه، وأُلبس العمامة، وتقلّد السيف، وخرج بأبّهة المُلك وهيئته، وقد تهيّأ العسكر وجميع من حضر من الأكابر وأعيان الأمراء بالشاش والقماش، وأُحضر فَرَس النَّوبة في الحال بالسرج الذهب والكنبوش الزركش، وانتظر به نزول خُشقدم من سلّم مقعد الحرّاقة، فنزل منه وأركبه من السلّم المذكور، ثم سار وقد ركب الخليفة معه وجميع الأعيان مُشاة بين يديه قاصدًا القصر الكبير، وقد حضر الزَرَدْكاش بالقبة والطير، فتناولها الأمير جَرِباش أمير سلاح بإذنٍ من السلطان، فحملها على رأسه، وسار الجميع إلى أن وصلوا إلى باب القصر فأنزل به ودخل إليه وهم بين

стр. 452

يديه، وقد هُيّئ التخت لجلوسه ورُفع عليه فجلس به وقام الكلّ بين يديه، ثم قبّلوا له الأرض على عادتهم في ذلك، وازدحمت الناس لتقبيل يده وتهنئته والسلام عليه بالسلطنة حتى انتهوا، وقد دقّت البشائر وأعلنت التهاني، ونادى المنادي في شوارع القاهرة بسلطنته وطلب الدعاء له بعد أن لُقّب بالظاهر وكُنّي بأبي سعيد لاختيار الظاهرية هذا اللقب له، وحين لُقّب به استفاقت الأشرفية شيئًا وما نفعهم ذلك، ثم خلع على الخليفة خلعة هائلة، وقُدّم له المركوب فركبه ونزل بعد أن خلع أيضًا على جرِباش ورُشّح للأتابكية، ثم خلع عليه بها بعد ذلك، كما سنذكره (١). (ولاية قرقماس الجلب أمرة سلاح) وخلع في هذا اليوم على قرقماس الجَلَب باستقراره في إمرة سلاح عِوضًا عن جرباش، ونزل الجميع إلى دُورهم (٢). [سلطنة خُشقَدم] وكان جلوس الظاهر خُشقدم هذا على تخت المُلك في وقت الزوال من هذا اليوم. وهو السلطان الثامن والثلاثون من ملوك التُرك وأولادهم بالديار المصرية، وأول روميّ تسلطن بمصر على الصحيح بعد أن تسلطن من الجراكسة وأولادهم ثلاثة عشر ملكًا، أعني من أول دولة الظاهر برقوق (٣). وأمّا قبل ذلك فقد وقع الخلاف بين المؤرّخين في كل كتبهم ورواياتهم (٤) بخلاف من يعدّد ولاية الظاهر برقوق فإنه محرّر لا خلاف فيه، وإن وقع كلام في حبس المؤيَّد شيخ وأنه لا عبرة به إذ هو جركسي، فأول الجراكسة بغير خلاف يُعتدّ

стр. 453

به هو الظاهر برقوق. وأول الأروام بلا خلاف يُعتدّ به هو الظاهر خشقدم هذا، وبينهما إحدى وثمانون سنة على التمام والكمال لأن كلًّا منهما بويع بالسلطنة في تاسع عشر شهر رمضان، فذاك في سنة أربع وثمانين وهذا في سنة خمس وستين (١). (ترجمة الظاهر خشقدم) ١٢٥ - وخُشقَدَم هذا هو الناصري الرومي المؤيَّد ابن (٢) السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد صاحب الديار المصرية، جلبة إلى القاهرة الخواجا ناصر الدين ولهذا قيل له الناصري، وكان قدومه به إلى القاهرة في حدود سنة خمس عشرة أو في أوائل سنة ست عشرة (٣) وثمانمائة، وكان سنّه إذ ذاك زيادة على العشرين، وبالجملة فكان دون البلوغ، فاشتراه المؤيَّد شيخ في آخر من جُلبوا معه، وهو على ما يقال من الأرنؤوط من الروم، وهم جنس معلوم مشهور، وأنزله المؤيَّد بالطبقة كتابيًا، ودام على ذلك مدّة ثم أعتقه وتوجه جمدارًا بالخيل والقماش وصيّر خاصكيًا في أول دولة المظفّر أحمد بن المؤيَّد حين تكلّم ططر في المملكة، ودام على ذلك مدّة في عدّة دول إلى سلطنة الظاهر جقمق، ففيها من الثقات (٤) الخاص، ثم أمّره عنده بعد ذلك وجعله من جملة رؤوس (٥) النُوَب، وذلك في سنة ست وأربعين فلم يزل على ذلك إلى سنة خمسين فأخرج على تقدمة ألف بدمشق، ودام بها إلى أن جرت الكائنة التي صرف فيها الأمير تَنِبَك البُرْدُبكي عن حجوبية الحجّاب على ما تقدّم ذلك في محلّه من تاريخنا هذا، فاستقدم خُشقدم هذا إلى القاهرة بواسطة تمربُغا وأبي (٦) الخير النحاس وبواسطة مالٍ بذله لهما وللسلطان، فقرّر في الحجوبية الكبرى، ودام على ذلك إلى أن تسلطن الأشرف إينال فاستقرّ به في إمرة سلاح دفعة واحدة عِوضًا عن تنبك المذكور حين نزل في أتابكيته عِوضًا عن ولد السلطان المؤيَّد المذكور (. . .) (٧) قريبًا على ما عرفت ذلك في محلّه. وقصد الأشرف إينال بذلك شيئًا كان فيه ضدّ ما قصده، ودام خُشقدم هذا على إمرة سلاح مرة، وخرج باشا على العساكر في نوبة ابن (٨) قرمان على ما عرفته أيضًا في محلّه. ولما مات الأشرف إينال وتسلطن ولده قرّر خشقدم هذا في الأتابكية عوضًا عن نفسه، وبلغ ما كان في أمله، بل وفي أمل والده من إعطاء الأتابكية له ومن الجنس لبعده عن السلطنة فيما زعمه، بل وفي زعم خشقدم،

стр. 454

وكان بعد ذلك ما أراده الله تعالى من القِدم. ولم تطُل مدّة خشقدم هذا في الأتابكية حتى كان ما كان ممّا قدّمناه من ثورات العسكر بالمؤيَّد ومقاتلته وخلعه على الوجه المذكور كما عرفته برمّته، وتسلطن خشقدم هذا. [غرائب النوادر في سلطنة خشقدم] ومن غريب النوادر في سلطنته أنه وافق الظاهر برقوق في عدّة أشياء كانت من غريب الاتفاقات. منها: أن الظاهر برقوق كان أول ملوك الجراكسة على الأصحّ، والظاهر خشقدم هذا أول ملوك الأروام على الأصحّ. ومنها: أن الظاهر برقوق تسلطن في تاسع (١) عشر الشهر المذكور، والظاهر خشقدم أيضًا تسلطن في التاسع عشر الشهر المذكور. ومنها: أن ذلك كان بعد أذان الظهر لبرقوق، وكان جلوس خشقدم في التخت بعد أذان الظهر أو معه. ومنها: أن برقوق (٢) لُقّب بالظاهر، وخُشقدم لُقّب بالظاهر. ومنها أن برقوق الظاهر كُنّي بأبي سعيد، وكُنّي خشقدم بأبي سعيد، فتوافقا في الأولية، وفي التاريخ بالشهر واليوم والساعة، وفي اللقب والكنية، وهذا من أعجب النوادر وأغربها. وقد ذكر الجمال ابن (٣) تغري بردي في تاريخه (٤) (. . . .) (٥) في ذلك، لكنْ فاته البعض من ذلك، بل وما ذكره على نمط (. . . .) (٦) بل على وجه آخر يظهر لمن تأمّل في ذلك، وفي هذا ما بينهما وما في (. . . .) (٧) كان المتأمّل في ذلك من أهل الإنصاف والفهم. ولما تمّ أمر خشقدم (. . .) (٨) في السلطنة استمر جلوسه بالقصر السلطاني وعنده جميع الأمراء والأعيان (. . . .) (٩) أيامًا متوالية إلى يوم الخميس على ما سنذكره.

стр. 455

[الخلعة على جرباش بالأتابكية] وفيه، في يوم الإثنين العشرين، وهو اليوم التالي من تسلطن الظاهر هذا خلع على الأمير جرباش بالأتابكية (. . . .) (١) وقد تكرّر بالأتابكية عوضًا عن نفسه بحكم انتقاله إلى السلطنة عِوضًا عن المؤيَّد المذكور بحكم خلعه (٢). [إطلاق الأميرين تَنَم وقانباي الجركسي من السجن] وفيه، أعني هذا اليوم، خرج الأمر من السلطان إلى سجن الإسكندرية بإطلاق الأمير تَنَم من عبد الرزاق المؤيَّدي أمير سلاح كان، وقانِباي الجركسي الأمير أخوركان، وأذِن لهما بالتوجّه إلى ثغر دمياط للإقامة به، وكان من أمرهما ما سنذكره (٣). [إخراج المؤيَّد إلى سجن الإسكندرية] وفيه، في يوم الثلاثاء حادي عشرينه، كان إخراج المؤيَّد إلى سجن ثغر الإسكندرية (هو) وأخوه محمد، وقَراجا الطويل مملوك أبيهما بعد أن استولى الظاهر خشقدم على جميع أمواله وحواصله وذخائره وتعلّقاته، ولم يجد بالخزانة السلطانية ما كان في ظنّه من الأموال، فطولب المؤيّد بذلك وسُئل (٤) عنه، فأجاب بأنه صَرف في نفقة المماليك والجند جميع ما وجده بالخزانة مما تركه والده، وأُحصي ما نُقل بالخزانة من المال، فكان نحو المائة ألف دينار. ثم أمر الخليفة بتتبّع الحواصل التي للمؤيَّد وغيرها مما يتعلّق به، وتتبّع بعض حواشيه وجماعته، فحصّل من ذلك أيضًا نحو المائة ألف دينار آخرين أو زيادة على ذلك، غير ما وُجد من الأمتعة والآلات والقماش والصيني وغير ذلك. وكان من خبر نزول المؤيَّد هذا من القلعة وحمله إلى الثغر السكندري أنه دام موكّلًا به بالبحرة من يوم خلعه، ووقع له ما ذكرناه إلى هذا اليوم، فأُركب على فرس وأخوه أمامه بين يديه، وقَرَاجا الطويل أمامهما، وهما راكبين أيضًا غير أن قَراجا في قيدٍ برجليه من تحت بطن الفرس، ورُدف بأوجاقيّ خلفه حاضنه بإحدى يديه، وبيده الأخرى الخنجر مسلولًا من غمده، موضوعًا بقرب خاصرة قراجا

стр. 456

المذكور على العادة في ذلك، ومحمد أخو السلطان بعده راكب بغير قيد ولا رديف، وكذا المؤيَّد بعدهما، وأُنزل بهم من باب السلسلة في جمْع حافِلٍ من الفرسان وأعيان الخاصكية وبعض الأمراء، والكلّ بآلة الحرب والرماح وغيرها من سيوف مُصْلتة، وكان ذلك في وقت الضحوة الكبرى. وكنت أنا في هذا اليوم جالسًا بمكان بالصليبة أعاين هذا الأمر وأشاهده عيانًا، وقد قعد الناس من باب السلسلة إلى قريب الناصرية أفواجًا أفواجًا لرؤيته، وامتلأت الشوارع والحوانيت التي هي مظنّة اجتيازه، وكذا الدُور المطِلّة على ذلك من الناس كما هي عادة العامة والغوغاء في مثل ذلك، ثم نزلوا بهم كما قلناه على تلك الهيئة، فشقّوا الرُميلة ثم الصليبة. ومن نوادر ما وقع في هذا اليوم من الأمور البشعة الشنيعة المستَقْبَحة بأن يقع منها لآحاد الناس، فضلًا عن الملوك أن شخصًا من الركبدارية يسمّى قاسمًا كان من قدماء الركبدارية الغلمان في ذلك الزمان، وهو موجود إلى الآن بعصرنا هذا في مكان انتدب في هذا الوقت لما رأى المؤيّد وقد شُقّ به الصليبة على الهيئة التي ذكرناها، وبَدر من بين الناس في ذلك الملأ العام، وصاح بأعلى صوته المستقبح الجهوري، وتكلّم بكلماتٍ نعوذ باللَّه من التفوّه بها، قبيحة، مهولة، فظيعة (١)، شنيعة، مستبشعة إلى الغاية والنهاية يستقبَح سماعها فضلًا عن التلفّظ بها، وبقي يصيح بها ويغوّش، وقد ملأت تلك الكلمات الموصوفة بتلك الصفات مسامعَ المؤيَّد ومَن حضَر، حتى ذُكر عن المؤيَّد بأخرة أنه قال: ما تألّمت مما كنت فيه مثل ما تألّمت من كلام ذلك السفيه، ولم يحمد أحد (٢) هذا السفيه على ما صدر منه، حتى بلغ ذلك الظاهر خُشقدم فحنق من ذلك وغضب، وأراد أن يوقع بهذا السفيه فعلًا لكونه تجرّأ على مثل هذا الملك، فلم يجده لأنه استحسّ بذلك فاختفى من يومه ذلك، ثم زاد خوفه فخرج من القاهرة موسّعًا منها، ولم يزل مشتّتًا مدّة مطوّلة حتى حضر بعد ذلك. وهو إنسان من مساوئ الدهر شكلًا وفعلًا، أحوَل، أقرم، يختشي من شرّه من لم يعرفه، فما بال الذي عرفه لسفهه وعدم حيائه، وعُدّت هذه الفعلة من أعظم الفعلات وندارتها فما علمت ما سبب فعل هذا الصرف هذه الفعلة. ولقد سألته عن ذلك بعد ذلك، فذكر لى أنْ لك لحنقه من المؤيَّد المذكور لقضية جرت عليه منه، وما علمت صحة ما قاله، واللَّه أعلم. وعلى تقدير صحة ذلك فأيّ نسبة بينهما حتى يقع منه مثل ذلك، لا بورك فيه.

стр. 457

ثم لما مرّ من الصليبة ووقع من هذا الأخرف ما وقع اجتاز بعد ذلك بالكبْش. وكان الأمير يونس الآقبائي الدوادار الكبير يسكن به بالدار التي تجاهه وهو مريض عِيل حظه، وزوجته أخت المؤيَّد هذا في الهمّ الكبير بسببه وبسب أخويها وقد جلست بمكانٍ يقرب منه الناس، وقعدت به لترى أخويها فساعة وقوع نظرها عليهما وهما في تلك الحالة بعد ذلك العزّ الرفيع، والجاه حولها من جواريها ومن النسوة من جماعتها ومعارفها، وكانت ساعة مهولة عظيمة، كُشفت فيها الرؤوس (١)، ولُطمت الخدود، وشُقّت الجيوب، وعظُم العويل والنحيب، وكان نعيًا عظيمًا، ووافق الناس هذه الضجّة والعويل فوافقوا النساء في البكاء والعويل والحزن وسيلان الدموع، ثم ساروا على تلك الهيئة حتى وصلوا إلى شاطئ النيل بساحل بولاق، فأنزلوا في مركب أُعدّت لهم. ثم انحدرت من وقتها على القدر إلى جهة رشيد، ووصل بعد ذلك إلى الثغر السكندري فسُجن به (٢). (ترجمة المؤيَّد أحمد بن الأشرف إينال) (٣) ١٢٦ - وكانت مدّة سلطنة المؤيَّد أحمد هذا على مصر من يوم ولايته إلى يوم خلعه أربعة أشهر وأربعة أيام. وكان سنّه يوم بويع بالسلطنة نيّفًا وثلاثين سنة، فإن مولده بغزّة حين كان والده نائبًا بها في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، ونشأ في حُجْر أبيه في غاية العزّ والرفاهية والسعادة والسؤدد، وتأمّر عشرة في دولة الظاهر جقمق على ما قدّمنا ذلك في محلّه في متجدّدات سنة (. . .) (٤) ولم يزل ضخمًا رئيسًا حتى وُلّي الأتابكية في يوم سلطنة أبيه على ما تقدّم. ثم وقع الكلام بسبب ذلك فأُخرجت عنه في ثاني يوم سلطنة أبيه، وقد أسلفنا ذلك وعدّيناه من النوادر، فدام في جملة مقدَّمي الألوف إلى أن ولي الأتابكية أيضًا فيما بعد ذلك بعد وفاة (٥) الأتابك تَنِبك البُردُبكي على ما مرّ أيضًا، وقصد والده بذلك أن لا ينازعه أحد بعده حين التسلطن، ولم يزل أتابكًا بل سلطانًا في الحقيقة ملكًا، فإنه كان هو المدبّر لمملكة أبيه لا سيما بعد وفاة الجمال ابن (٦) كاتب جَكَم، فإنه كان كالمزاحم له في التدبير

стр. 458

(. . .) (١) ولم يزل على ذلك، وحج أميرًا على المحمل حجّة هائلة على ما تقدّم إلى أن تسلطن حسب ما قدّمناه. ثم حصل للناس بسلطنته من الأمن والأمان ما لا مزيد عليه. وسار في سلطنته سيرة حسنة جميلة، وقمع أهل العناد والفساد، وقطع جادرة قطّاع الطريق بمجرّد حُرمته، فأمنت السُبُل والمجاري في أيامنا فوق ما يؤمّن مع كونه مخالفًا لعادة تبدّل الدول (. . .) (٢)، وخمدت الجُلبان في أيامه فكأنّ أفعالهم ما وقعت قط بعد ذلك الأذى (. . . .) (٣) ثم أخذ في الشفقة على الرعايا، وأظهر غاية العدل والإنصاف، وتجنّب الجور والاعتساف، وانطلقت الألسن بحمده وشكره والابتهال إلى الله تعالى بالدعاء له باطنًا وظاهرًا سرًّا وعلنًا، وسُرّ كل أحد باستيلائه على الأمر، ومالت القلوب إليه، ولم يُذكر عنه في سلطنته ما يشينه سوى تكبّر على أهل التكبّر، لعلّه قصد بذلك قيام الناموس، وإنْ فعل في خلواته مع بعض خواصّه بخلاف ذلك. وكان ذلك الذي يفعله في الخلوات مع خواصّه أكبر الأسباب في معاداته، والسبب الأعظم في زوال ملكه، مع معرفته وكياسته وعدله وسياسته ووفور عقله ورأيه وذكائه وحذقه وفهمه وفطنته وتيقظّه وعلوّ همّته ونفاذ كلمته ووقاره وزيادة حُرمته وحُسن سمته وتؤدته وسكونه، ولم يكن مع ذلك كلّه خاليًا من الفضيلة والطلب مع ما انضم إلى ذلك من حسن شكالته وهيئته وجمال صورته، فلعلّ لم يُر في السلاطين أحسن وأشكل منه طلعةً في القريب والبقية من عصرنا، لا سيما في يوم لبسه شعار المُلك، فلعلّ لم يوجد في ذلك اليوم من أمرائه وأعيان دولته من بدايته في حسن الشكالة، واعتدال القامَة وارتفاعها، وأولى في أيام سلطنته آمِرًا ناهيًا، مستقلًّا بالمُلك، مستبدًّا به من غير مشارك ولا منازع، ولا وصيّ ولا ممانع، ولا مدّبر معه، ولا أتابك يرجع إليه، ولا تعارض برهة من الزمان لم تطُل كانت كالمنام أو أضغاث أحلام، عذرًا في الأيام من أحسن بداية دولة تركية في الإسلام، حتى ثار به الجند لأمرٍ قدّره الله تعالى في الأزل لا ينفع فيه رأي الأواخر والأُوَل لو راموا عدم زواله والكلام في أسباب ذلك طويل جدًا قد ذكرناه لا على الجليّة الأصليّة وتمام القصّة وإن كنّا قد استعصينا فيه، لكنْ لا على وجه أن نستوفيه، وقد عرفته كله فيما بيّناه وأسلفناه. وهو أول سلطان أيضًا استبدّ بالمُلك من أولاد الناس من غير مدبّر، وأول سلطان منهم حصل الأمن والأمان في بداية دولته، وأول سلطان أنزل نهارًا بسجن

стр. 459

الإسكندرية (من على الصلـ. . .) (١) منهم، وأول سلطان أساء عليه إنسان من الأوباش منهم، ولما أُدخل إلى سجن ثغر الإسكندرية أودع فيه مقيّدًا إلى ما سنذكره من إزالة قيده، وكيف تأسف الناس عليه إلى الغاية لِما رأوه من حسن سيرته وإظهار عدله في سلطنته على ما بيّنّاه لك، ولم تشمت به في ذلك اليوم سوى الطائفة الظاهرية لما كان وقع من أبيه في حق ولد الظاهر أستاذهم، وهو عثمان المنصور، وفي حقهم أيضًا مما نقموه عليه (٢). [التحاق والدة المؤيّد به في الإسكندرية] ولم يزل المؤيّد هذا بسجن الإسكندرية مقيَّدًا إلى أن استهلت سنة ست (٣) وستين وثمانمائة، فبعث بكسر قيده، وخرج الأمر بذلك من الظاهر خُشقدم، وتوجّهت والدته الخَوَنْد زينب ابنة البدر بن حسن بن خاص بك إليه بخَدَمها وحَشَمها، وسكنت عنده بثغر الإسكندرية، وصحِبت معها ابنتها زوجة يونس الدوادار، وكان قد مات زوجها بعد خلع المؤيَّد بأيام يسيرة على ما سنذكره في تراجم هذه السنة. واتفق أنْ مرض ولدها محمد ابن (٤) السلطان الأشرف وأخو صاحب الترجمة الذي عرفت كيفية إخراجه مع أخيه، وكان مرضه في أثناء السنة الآتية، ثم مات بالثغر في ذي الحجة على ما ستعرف ذلك في تراجم سنة ست (٥) وستين الآتية (٦). [هموم والدة المؤيَّد] واتفق أن كانت لمحمد هذا ابنة توفيت قبله بيسير، ثم بعثت الخَوَنْد هذه تستأذن الظاهر خُشقدم في نقل ولدها الميت إلى القاهرة لتدفنه عند أبيه بتربته، فبدر الإذن منه لها بذلك، فبعثت برمّته إلى القاهرة، فدفنته بتربة أبيه، ولم تحضر هي لوعكٍ لولدها المؤيَّد صاحب الترجمة أبطَلَ بعض أعضائه، ودام متمرّضًا بذلك

стр. 460

مدّة حتى عوفي من ذلك وحصل له البُرْء، فبعث الظاهر إليها بطلبها لأجل المال، وترادفت عليها الهموم من موت زوجها، ثم زوال مُلك ولدها، ثم موت زوج ابنتها يونس، ثم موت ابنة ابنها، ثم موت الابن المذكور، أعني محمدًا، ثم مرض ولدها الباقي، ثم طلبها للمصادرة، ولعلّ ذلك من نوادر المصائب التي حلّت بها، وقلّ أن يجتمع منها عند شخص واحد. ثم زيادة على ذلك كله أن ابنتها الخَوَنْد فاطمة زوجة يونس المذكور زُوّجت لكُسْباي أحد مماليك عدوّهم الظاهر خُشقدم على الرغم منهم، وما كفى ذلك حتى ماتت في أثناء ذلك قبل دخوله عليها وورثها. [إخراج المؤيّد من السجن على عهد السلطان تمُربُغا] ولم يزل المؤيَّد هذا في سجن ثغر الإسكندرية حتى مات الظاهر خُشقدم، وولي الظاهر يُلباي، ثم خلع وولي تمربُغا، فبرز أمره بإطلاقه من محبسه، والإذن له بسُكناه حيث شاء (من الثغر) (١) السكندري، وأن يركب لصلاة الجمعة فقط، وبعث إليه بخلعة تليق به، ومركوبٍ من خاص مراكيبه، مسرَجًا بالسَرْج الذهب ومُلجمًا، وعليه الكنبوش الزركش، ثم لما تسلطن صهره الأشرف قايتباي سلطان عصرنا الآن فإنه متزوّج بابنة خاله أخي (٢) والدته العلائي علي بن خليل بن حسن بن خاص بك، وهي الخَوَند فاطمة الخَوَنْد الكبرى في عصرنا هذا، زاد في إكرامه والاعتناء بشأنه، وبعث إليه بالإذن بركوبه إلى حيث شاء من داخل الثغر وخارجه صار يركب، بل ويسافر إلى الصيد إلى ظواهر الإسكندرية وضواحيها وما حولها من الأقاليم حيث شاء وأراد، وعُدّ ذلك من النوادر، ثم بعث إليه الأمير يشبُك من مهدي يخطب ابنة له منه لنفسه، فأجابه لذلك وأزوَجَها ليشبُك المذكور، وكان لها زفاف هائل (٣)، ولم تزل في عصمته إلى أن ماتت تحته وتركت له ولدًا، على ما سيأتي هذا كلّه في محالّه من تاريخنا هذا. ودام المؤيَّد بالثغر على ما هو عليه إلى يومنا هذا في عَيش رغد بالنسبة لِما كان قبل ذلك وهو بالسجن، ثم أحضر إلى القاهرة بعد ذلك، وحين مَرَض والدته، فحضر موتها ومُواراتها، وعاوَدَ الثغْرَ المذكور، وهو مقيمٌ به في حُرمة وافرة، وكلمة نافذة، وعزّة ظاهر [ة]، يخاطب بمولانا السلطان إلى الآن، وعنده الحشم
следующие страницы →